|
|
النظام الدولي الجديد خشبة الإنقاذ للقضية الفلسطينية
سعيد مضيه
الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 11:28
المحور:
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
اسطينية جيف هالبر ترجمة سعيد مضيه في الخلقة الأولى من بحث جيف هالبر "شرخ في السياسة الأمنية الإسرائيلية" تتبع الباحث تعزيز وتمتين السياسة الأمنية في إسرائيل أولا من خلال الالتحاق بقوى الهيمنة ، ثم الدولتين الإقليميتين بالمنطقة ، إيران وتركيا المرتبطتين بقوى الهيمنة وصولا الى التنسيق مع دول الجوار العربي ، مما مكنها من اختراق الأمن العربي وترويضه لصالح نهجها. لم يقتصر الاختراق على اتفاقيات سلام وتطبيع واتفاقات ابراهامية ومعاهدات أمنية يجري الإعداد لها مع سوريا ولبنان ودول عربية أخرى؛ إنما شمل التنسيق الأمني مع المغرب أولا ثم مع دول الجوار العربية. أدوار حاسمة تلعبها تقنيات الأمن الإسرائيلية في إبقاء الأنظمة الاستبدادية قائمة، "وقد أطلق النشطاء العرب على ذلك اسم "دبلوماسية بيغاسوس" بسبب الدور المركزي لبرمجيات بيغاسوس الإسرائيلية وغيرها من تقنيات المراقبة الإسرائيلية، وبعضها تم تطويره ونشره وتسويقه بواسطة مشاريع مشتركة عربية-إسرائيلية". كان هالبر قد لفت الانتباه قبل قرابة عقد من الزمن الى ان الاحتلال أتاح لإسرائيل أذرعا ضاعفت قدراتها الاقتصادية بإنتاج أجهزة امنية نافعة للأنظمة السلطوية بل الهبت لهفتها في أرجاء العالم. كما انها راكمت خبرات في التصدي لحركات المقاومة واستدراجها الى الصدام المسلح لمنازلتها وقمعها بالسلاح وإرهاب الجماهير بمسوغ مكافحة الإرهاب. تعقد إسرائيل مؤتمرات سنوية تعرض فيها الجديد من التقنيات وما تبلوره خبرات عملية برسم التسويق . والزبائن كثر. أذرع تمدد بها إسرائيل علاقاتها الدولية والعربية. وكما أورد الباحث ان " الطابع القمعي لدى غالبية الحكومات العربية يمنح إسرائيل فجوة أمنية، وإذا لم تخلق اعتمادًا على تقنيات الأمن الإسرائيلية، فهي على الأقل تحافظ على شروط نوع ما من التطبيع، التطبيع عبر القوة." كيف استثمرت إسرائيل الواقع العربي لخدمة استراتيجيتها ؟ . مختبر فلسطين يلعب "مختبر فلسطين" دورًا استراتيجيًا. الحرب منخفضة الكثافة التي تشنها الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني منذ ما يقرب من قرن وفرت لإسرائيل مختبرًا فعليًا لتطوير الأسلحة العسكرية التقليدية وأنظمة المراقبة وتكنولوجيا السيطرة على السكان في ظروف واقعية، على شعب بلا أي حماية، متجاهلة إسرائيل حصانة اتفاقية جنيف الرابعة وغيرها من المواثيق الحقوقية، وهي تعلم تمامًا أنها لن تواجه عقوبات قانونية أو معارضة سياسية كبيرة. نموذجها للتحكم بواسطة الوسائل الأمنية التقنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة إلى حد باتت معه أكثر الأماكن مراقبةً وتحكمًا وعسكرة على وجه لكرة الأرضية: المراقبة السيبرانية وأنظمة التجسس البيومترية والتعرف على الوجه المدمجة في شبكات مراقبة على مستوى المدن أو المناطق ؛ تكنولوجيا فحص الحزم العميقة (DPI) لتتبع الاتصالات عبر الإنترنت وتعقب المعارضين على الشبكة؛ أدوات مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي تُغذي أجهزة الشرطة القمعية التنبؤية؛ الطائرات بدون طيار والروبوتات للشرطة المحلية؛ أنظمة ومواد التحكم في الحشود "غير قاتلة"؛ أسلحة عسكرية معدلة لاستعمال الشرطة المحلية – كل هذه منتجات المختبر الفلسطيني. علاوة على ذلك، تصدّر إسرائيل نموذجاً متكاملاً للدولة البوليسية، نمط من الدولة البوليسية الاستبدادية المبنية على نظام احتلالها، والمتوافق تماماً مع حاجة النخبة العربية لحماية أنظمة حكمها الهشة وغير الشعبية من نفس الضغوط المستمرة التي يفرضها المقاومة الفلسطينية على إسرائيل. كل هذا دعم صعود إسرائيل كـ "حامٍ" للأنظمة السنية وكقوة عسكرية إقليمية. على كل حال فإن هدف إسرائيل الأساس من سياساتها الأمنية تحويل العلاقات الراهنة إلى علاقات دبلوماسية صريحة، تحيل وجودها بالمنطقة امرا طبيعيا. ذلك انه، بالعودة الى نقطتنا الأصلية، فالسياسة الأمنية ترتبط بـ "خدمة قوى الهيمنة " على الصعد المحلية والإقليمية والدولية، وهي استراتيجية تؤدي إلى التطبيع – "التطبيع من خلال القوة" – الطريقة التي بواسطتها يدوم الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في نهاية الأمر. التطبيع يمثل هدفين أساسيين للصهيونية ودولة إسرائيل: أولاً،: تطبيع مشروع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني: ان فرض قبول استعمار فلسطين يشكل جوهر السياسات الإسرائيلية. رغم التصريحات التافهة حول "مسارات موثوقة لدولة فلسطينية"، واضح أن التطبيع يمتد ليس فقط إلى إسرائيل "بالذات" وإنما كذلك إلى مشروع مستوطناتها، نظرا لعدم وجود في الأفق ما يفضي الى إعادة إسرائيل إلى حدود عام 1967. يمكن تلبية الطلب الدولي ل"حل الدولتين" من خلال إقامة "دولة" فلسطينية كومباستوستان على قرابة 10-15 بالمئة من فلسطين التاريخية، على أجزاء من المناطق أ وب وقطاع غزة. حتى لو كان هذا يقصر عن الصياغة التي اقترحها الوفد العربي – “السلام يتطلب أن يمارس الفلسطينيون حقوقهم الشرعية وغير قابلة للتصرف ‘، وعلى رأسها دولة مستقلة على حدود 1967 مع القدس الشرقية كعاصمة لها” – في نظر حكومة إسرائيل والجيش وجميع الأحزاب السياسية اليهودية فإن الاستمرار في الاستيطان وحالة السلم ودمج الضفة الغربية لا يشكل تهديدًا لعملية التطبيع. إسرائيل ببساطة قوية جدًا بحيث لا يمكن مقاطعتها ومفيدة جدًا من حيث مساهماتها في الأمن الداخلي للدول العربية، ولا يمكن النفور منها– والقضية الفلسطينية ثانوية جدًا بحيث لم يعد لها تأثير حاسم. بذا، سواء أقدمت الدول العربية على إقامة علاقات دبلوماسية كما يستكشف لبنان حاليًا، أو بالدخول في اتفاقيات أمنية كما من المتوقع أن تفعل سوريا أو مجرد الاستمرار في نوع التطبيع غير الرسمي والخفي الذي ميز العلاقات مع السعودية خلال العقود الماضية، فإن الاعتبار الحاسم لإسرائيل هو الحفاظ على قدرتها على إكمال تهويد فلسطين، أيٌّ من هذه الأشكال من التطبيع تحقق ذلك. [ Yuval Benziman, Netanyahu’s Attempt to Delink Israel-Arab Relations from the Palestinian Issue, Mitvim (April. 2018) ] فقط الحرب الفعلية أو المواجهة الدبلوماسية الحقيقية تشكل تهديدًا للاستعمار الصهيوني – وإسرائيل ليس لديها ما تخشاه من هذه الجبهات. علاوة على الهجمات الأخيرة على إسرائيل من قبل إيران أو وكلائها، والتي لعب دعم الفلسطينيين أثناء إبادة غزة دورًا فيها، فإن آخر عملية عسكرية عربية ضد إسرائيل كانت في عام 1973. إذ استدعيت إسرائيل للمثول امام محكمة الجنايات الدولية، ووجهت تهم لِرئيس وزرائها ووزير دفاعها السابق بجرائم حرب من قبل المحكمة الجنائية الدولية، ويجري التنديد بانتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان والقانون الدولي بقرارات الأمم المتحدة ويهدد الاتحاد الأوربي لكن دون ان ينوي إنزال عقوبات، فإنها تعلم أنه سوف يسود شكل قادر على إدارة الصراع، مبرر بالرغبة في عدم التدخل في الدبلوماسية. في الواقع، أصبحت عملية التطبيع نفسها أداة لإدارة الصراع، يجد تبريره في الرغبة بعدم التدخل بالدبلوماسية. بالفعل عملية التطبيع غدت إحدى أدوات إدارة النزاع، تترك لإسرائيل الحرية في مواصلة مشروعها الاستعماري. ثانيًا: تصفية المقاومة الفلسطينية بدولة مسخ غير قادرة على الحياة والتطور التطبيع لا يقتصر على حصر الفلسطينيين في جيوب تبلغ حوالي 10-15 في المئة من وطنهم – أجزاء من المناطق أ وب وقطاع غزة، وهي بانتوستان لا تملك السيادة وغير قابلة للحياة يمكن مع ذلك بيعها باسم "دولة فلسطينية" لتلبية الطلب الدولي على حل الدولتين – فإنها تشير كذلك الى انغلاق بوجه النضال الفلسطيني أيضًا إغلاق ملف النضال الفلسطيني. في الماضي اشترطت الدول العربية دائمًا توقيع اتفاقيات السلام على انسحابات إسرائيلية من الأراضي والتقدم على المسار الفلسطيني. قدمت المبادرة العربية للسلام التي صاغها السعوديون ووافق عليها بالإجماع من قبل جامعة الدول العربية في اجتماعها ببيروت في مارس 2002 عرضا لإسرائيل يقايض السلام بالاعتراف والأمن والاندماج الكامل بالمنطقة مقابل إقامة دولة فلسطينية بالمناطق المحتلة وقبول حق اللاجئين بالعودة ولو بأعداد يتفق عليها " بالموافقة المتبادلة". كتعبير مبكر لإيمان إسرائيل بـ "التطبيع من خلال القوة"، لم ترد حكومة شارون حتى على المبادرة؛ تجاهلتها ببساطة. الآن، بعد ربع قرن، يبدو أن التطبيع من خلال القوة أثبت فعاليته. يرى نتنياهو فيما يطلق عليه استراتيجيته "من الخارج إلى الداخل"، أن الدول العربية لن تضحي بمصالحها الجماعية من أجل القضية الفلسطينية، ومن ثم يمكن من ناحية عملية، فك صلتها بعملية التكامل الإقليمي. "وفقًا للفلسطينيين، كما أوضح نتنياهو [ Anna Barsky, Netanyahu: “Just as They Didn’t Believe I Would Bring a Peace Agreement – I Will Also Bring Sovereignty,” Ma’ariv, August 16, 2020 لا يمكن تحقيق السلام دون أن نستسلم لمطالب الفلسطينيين، بما في ذلك اقتلاع المستوطنات، وتقسيم القدس، والانسحاب إلى خطوط 67. هذه النظرة الخاطئة أعطت الفلسطينيين عمليا حق النقض على تحقيق السلام بين إسرائيل والدول العربية. فرضت على إسرائيل والعالم العربي دور الرهينة لمطالب الفلسطينيين في حدها الأقصى، مما يعرض إسرائيل لخطر وجودي حقيقي… حسنًا، لا أكثر. لسنوات والكثيرون يعتقدون ان السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين سوف يدفع قدما التسوية الواسعة بين إسرائيل والعالم العربي. وعلى كل، في هذه الأيام أعتقد أن السلام سيتحقق بوسيلة عكسية: بالذات إشاعة الوفاق بين إسرائيل والعالم العربي قد يمكنها إشاعة السلام الإسرائيلي – الفلسطيني". سياسات الأمن الإسرائيلية، إذن، لا تزال تقوم على الاستراتيجيا التي اختبرتها التجربة، استراتيجيا "خدمة قوى الهيمنة [بالإقليم]" باعتبارها الممر نحو "التطبيع من خلال القوة" [ Halper, War, pp. 67-85]. وهي، إذ بدأت مع تركيا وإيران، فاستراتيجية إسرائيل لتحديد هوية "الثغرات" الرئيسية وإغلاقها المتعلق بالاحتياجات العسكرية أو الأمنية الداخلية لعملائها قد اعطتها المرونة السياسية لتجمع والاندماج في ائتلاف مع الحكومات السنية .
حدود سياسة الأمن – هل من فرصة للفلسطينيين؟ يقول المثل "أرادت تكحلها أعورتها". هل اشتط نتنياهو في غلوائه وضيع فرصة "التطبيع من حلال القوة" ؟ وفقًا لمنطق التطبيع بالقوة، حلت فرصة انتصار الصهيونية مع 7اكتوبر وما بدا احتمال التطبيع. اكتمل احتلال فلسطين وتهويدها. كل ما كان مطلوبًا لتحقيق الاندماج الإقليمي هو التهدئة، سحق تام لكل أشكال المقاومة، سواء الفلسطينية أو الخارجية، وبالذات تحييد إيران وأتباعها التي منها يأتي الخطر الإقليمي؛ السابع من أكتوبر مكن إسرائيل، كما قال ترمب، من "فتح أبواب الجحيم"، لإنهاء المهمة مرة واحدة وإلى الأبد، دون خشية من عقوبات مهما كانت أفعال إسرائيل عنفية وغير شرعية أو حتى إبادة جماعية. وهذا بدوره يقنع الدول العربية السنية أنها بمقدورها، تحت مظلة الجيش الإسرائيلي، تدبير أمورها بسلام. تم ضمان دولة إسرائيل الكبرى، واختفاء القضية الفلسطينية. بدلاً من ذلك، فإن منطق السياسات الأمنية الذي خدم في الظاهر إسرائيل جيدًا في الماضي، والذي مكن إسرائيل من مواصلة الاستعمار في فلسطين بينما تواصل علاقاتها الهادئة مع العالم العربي، قد شرع السير بشكل خاطئ تمامًا في اللحظة التي كانت إسرائيل تتوقع فيها نجاحه. منذ السابع من أكتوبر، اتخذت السياسات الأمنية في إسرائيل المجرى المعاكس بصورة جذرية، مفترضة ان القوة المسلحة وحدها يمكن أن تعيد تشكيل الواقع السياسي، مما يحيل الدبلوماسية دورا هامشيا أو حتى عديم الأهمية.[ Gil Murciano, Peace Through Strength – Israel’s Version: Abandoning Diplomacy for a Military-Only Strategy. Mitvim (August, 2025), القوة الإسرائيلية، وقد انطلقت بشراسة في جميع الاتجاهات، لم تحقق أيا من أهدافها. وإذ تعرضت المقاومة الفلسطينية لانتكاسة – حيث ضعفت حماس عسكريًا وتعرضت المبادرات السياسية للمجتمع المدني الفلسطيني لقمع غير مسبوق – ألهبت المجازر في غزة الرأي العام في العالم العربي والإسلامي، وكذلك على المستوى الدولي، مما أحال "القضية" الفلسطينية إحدى القضايا الي لا يمكن تجنبها أو تجاهلها. والأهم بالنسبة لسياسات الأمن الإسرائيلية شجعت إسرائيل الطابع الهجومي وفكت قيوده في أنحاء المنطقة ووضعت الدول العربية امام صراعات كارثية. ومع ذلك، فإن احتمال «التطبيع من خلال القوة» ذاته قد جعل إسرائيل تشتط في الشعور بالحق الإقليمي. أورد عزيزالغشيان وإيشاي: أن اعتقاد اسرائيل الراسخ بأن القوة العسكرية ليست فقط أساسية للأمن، بل وكذلك ً الدرب المفتوح والحيوي للتكامل الإقليمي والتطبيع." [غيل مورسيانو، السلام من خلال القوة – النسخة الإسرائيلية: التخلي عن الدبلوماسية لصالح استراتيجية عسكرية فقط. ميتفيم -أغسطس 2025، ص2]." اما وقد استمدت القدرة من اتفاقات أبراهام واكتسبت راديكالية أعظم بديناميات ما بعد 7 أكتوبر، مستندة الى افتراض ان إظهار القوة يردع الخصم ويجبر على الدخول في تسوية وفي نهاية الأمر يتم الاستغناء عن التسوية السياسية." بعد ٧ أكتوبر، على كل حال، تولد الشعور لدى إسرائيل انها مخولة بتوجيه قدراتها العسكرية ضد أي هدف داخل المنطقة أو خارجها ولا تخشى من عقوبات. إذ تروج إسرائيل للمخاطر الوجودية مثل إيران وحزب الله، أو تقدم التهديدات على أنها وجودية لتبرير ردود أفعال غير متناسبة، مثل إبادة غزة والتطهير العرقي العنيف الذي تمارسه بالضفة الغربية، فإنها بذلك ترى في اللحظة السياسية فرصتها لتأكيد سيطرتها كقوة عسكرية إقليمية مهيمنة بلا تحد، وفي نفس الوقت تشطب على القضية الفلسطينية بالمرة. القدرات العسكرية، كما يرى الغشيان وإيشاي، "[ص8] يتعاظم النظر اليها بمستطاعها ... إعادة بناء الردع، وإعادة تأكيد السيطرة، إعادة تشكيل الاصطفافات الإقليمية، وإجبار الخصوم على الاعتدال، وتحفيز التعاون والتطبيع بين الدول العربية." بحكم قوتها بالتحديد، لكن القوة بدون ضبط النفس والدبلوماسية وآفاق سياسية موثوقة – لا سيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية – غدت إسرائيل مصدر خطر وعدم استقرار للسعودية والدول العربية الأخرى التي تعطي الأولوية للاستقرار والقدرة على التنبؤ بالمستقبل والسلامة الإقليمية، كما كتب الغشيان وإيشاي،[ التطبيع: ص9 ]
نظام دولي جديد- إسرائيل مصدر فوضى انطلاقا من وجهة النظر الإسرائيلية، بدا منطق التطبيع عبر القوة متماسكًا داخليًا. سعت إسرائيل لإظهار التصميم والقضاء على المخاطر المهددة، وإحلال نفسها الركيزة في بنية أمنية إقليمية جديدة. ومع ذلك استهان هذا المنطق بتفهم أفعالها خارج حدودها – خصوصًا في السعودية ودول عربية سنية معتدلة أخرى مثل مصر والأردن والإمارات، المعنية بالاستقرار والتنبؤ بالمستقبل أكثر من أي شيء آخر. غالبًا ما افترض صانعو السياسة الإسرائيليون أن الشركاء العرب يفسرون الأنشطة العسكرية الإسرائيلية رصيدا مشتركا ضد أعداء مشتركين. أما في الواقع العملي، فقد فهم العديد من هذه الدول هذا المسلك مصدر اضطراب عميق... وبدلا من ان تيمم إسرائيل شطر تثبيت ائتلاف إقليمي، فقد بدت مصدر خطر متزايد. بينما كانت السعودية ودول عربية معتدلة أخرى تسعى لخفض التصعيد والوساطة وجهود الإعمار – في غزة ولبنان وسوريا – ظلت إسرائيل ملتزمة بالحفاظ على العمليات العسكرية والسيطرة التكتيكية. نتيجة لذلك، فإن إسرائيل – التي اعتبرها البعض عامل استقرار إقليمي، -باتت بالمنطقة تبدو شيئا فشيئا عامل فوضى: قوية لكن لا يمكن التنبؤ بسلوكها، قديرة لكن مغامرة بحيث يصعب التعاون الوثيق معها. على الرغم من الانقسامات الطائفية المستدامة والاختلافات في التوجهات والمصالح السياسية، بدأت دول المنطقة تدرك أن النظام متعدد الأقطاب، الذي تجد فيه علاقات الجنوب العالمي الحماية لأصولها وتؤمن التجارة بشكل أفضل من الاعتماد على هيمنة دولة عظمى، في حالتهم الولايات المتحدة المتسلطة والخيالية التي تجعل التزامها بإسرائيل يتقدم على كل ما عداه، قد يكون أفضل لها. اتفاق مكة، وهو ميثاق دفاع ثلاثي تم توقيعه مؤخرًا بين تركيا وباكستان والسعودية، يمثل ردًا مباشرًا على زعزعة الاستقرار التي تسبب بها الأمريكيون وإسرائيل، لكنه ينبع من إعادة ترتيب أعمق ظهور كتلة بريكس لعب بالتأكيد دورًا. مصر، والإمارات، وإيران انضمت جميعها (بينما السعودية في منتصف الطريق)، وقد جذبهم بشكل خاص أهداف الكتلة المتعلقة بتخفيف سيطرة مجموعة السبع على المؤسسات الاقتصادية العالمية وتقديم بدائل للجنوب العالمي مثل بنك التنمية الجديد. أحد تجليات هذا التحول بشكل ملموس هو الحزام الذي تشرف عليه الصين، والذي تعبر طريقه البحرية من الشرق كلا من الهند وباكستان وإيران ودول الخليج والعربية السعودية ومصر في الطريق الى أوروبا، رغم ان التجارة عبر الأقاليم الواقعة على الطريق ذات نتائج أهم بكثير من مجرد الوصول الى الأسواق الأوروبية. بنفس السياق، يدخل الطريق البري لمبادرة الحزام والطريق إلى أوروبا عبر إيران وتركيا، وكلاهما يتجاوز إسرائيل بشكل واضح. وبالمثل، يشمل مشروع STEP ويشمل الطرق التجارية في المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر وباكستان عبر ذلك الممر، ويتخطى إسرائيل كذلك، لكنه يتفرع إلى مصر ويشمل محاور تدمجها مع مشروع الحزام والطريق. ومن الملاحظ أن الممر المدعوم من الولايات المتحدة بين الهند والشرق الأوسط (IMEC) يعتبر حيفا مركزه الإقليمي الرئيسي. يخلص الغشيان وإيشاي إلى أن إسرائيل يجب أن "تعيد ضبط" مسارها نحو التطبيع. إذ يظل التفوق العسكري بارزًا، فإن "التطبيع بالقوة" وحده لا يكفي، وحتى يتمخض عن نتائج ضارة للصالح العام. التطبيع لا يمكن أن يكون حصيلة هامشية للسيطرة، إنما هو حصيلة للتفاعل السياسي المستدام، ولتبادل المنفعة، والقدرة على التوقع. يجب إخضاع القوة العسكرية للدبلوماسية. يطرح محلل سياسي إسرائيلي المسالة بوضوح أنصع: بعد السابع من أكتوبر، يكتب M[ موريسيانو: السلام]، غدت مخاطر اقتصار استراتيجية إسرائيل على العسكر واضحة في كل جبهة. في جهود التطبيع، للمفارقة، تبرز في كون قوى إسرائيل تحبط الدبلوماسية: قد تعترف الدول العربية بقوتها، لكنها ترى أيضًا أنها قوة عدم استقرار تشع سياسات. في سوريا ولبنان، بدد غياب المتابعة الدبلوماسية فرصة نادرة لتحويل الأعداء السابقين إلى شركاء محتملين. وفي غزة باتت المساعي المهووسة لإنجاز "نصر حاسم " المسوغ لحرب مروعة وعديمة الهدف — وبالذات تقوض إمكانية حل الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني. فيما يتعلق بأمن إسرائيل على المدى الطويل وعلى مرونة خياراتها لم يكن الخيار بين الدبلوماسية والعسكرة يومًا ما صارخا بهذا القدر — أو منطويا على عواقب فظيعة بهذا القدر. تقف الأمة الآن على مفترق طرق: بين اختراق دبلوماسي محتمل -يضع حدا لحرب غزة، ويتوصل الى حد مقبول دوليا لبرنامج إيران النووي، ويدفع التطبيع مع العالم العربي قدماً — أو مسيرة مسيحانية نحو مستقبل اسبرطي، محكوم عليها أن تعيش بالسيف وعلى السيف. هل اختلت سياسات إسرائيل الأمنية؟ هل ثمة فرصة يمكن للفلسطينيين استغلالها؟ أسئلة مطروحة بإلحاح، والأوضاع السياسية مفهومة ومحللة جيدا، وحان الوقت لاتخاذً صورة كبيرة لاستراتيجية وممارسات عملية ينسقها ويقودها الفلسطينيون.
. .
#سعيد_مضيه (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
شرخ بالسياسة الأمنية الإسرائيلية: هل يمكن للفلسطينيين استغلا
...
-
ربع قرن على تفجيرات 11 أيلول /سبتمبر بنيويورك
-
حفظا للذاكرة الوطنية وإثراءًا لثقافتها المكافحة
-
حان الوقت كي يطرح الشعب الفلسطيني استراتيجيته ويقود النشاط ا
...
-
الثقافة الوطنية بين التخلف والتحديث
-
ثقافة التغلب على التحديات تستوحب التربية الوطنية الديمقراطية
-
تجريف المنهاج المدرسي من القيم الوطنية
-
التضامن مع الشعب الفلسطيني يتسع في أوساط الشعب الأميركي
-
الثورة الكوبية ملهمة التحدي الشعبي لطغاة العالم
-
التضامن مع فلسطين بالولايات المتحدة اندمج مع النضال المناهض
...
-
هل حقا تسيد قانون الغاب في العلاقات الدولية؟!
-
البديل يكمن في توجيه التراكم المالي: للتنمية بدل المضاربات
-
ترمب ينشر ثقافة الفاشية كي يحيلها نظام حكم بالولايات المتحدة
...
-
انتصار المقاومة الوطنية رهن المشاركة الشعبية الواعية
-
نتنياهو يعوض انتكاساته بانتصار يسجله بفلسطين
-
الامبريالية لم تخلع جلدها
-
أزمة اليسار وحركة التحرر ثقافية في جوهرها
-
سلطوية النظام الأبوي تتلاعب بوعي المجتمع
-
للثقافة دور مركزي في السيطرة الامبريالية وفي التحرر الاجتماع
...
-
سبيطة وصعبة .. التحولات الاشتراكية تعترضها إعاقات وضغوط
المزيد.....
-
م.م.ن.ص// زواج كامل تحت الرعاية/الوصاية الأمريكية
-
جهة أوروبا للنهج الديمقراطي العمالي تدين القمع والتضييق ألذي
...
-
Between the Usa-State Inc. and China’s Party-State: AI as a
...
-
Is Europe Restraining Israel—or Merely Protecting the Two-St
...
-
Gendering the World-System: Women, Class, and the Global Div
...
-
Fed Rate Hikes, US Treasury Market & Crisis of Empire
-
النهج الديمقراطي العمالي يدين تصعيد مسار التطبيع مع الكيان ا
...
-
قبل انتخابات مكلنبورغ-فوربومرن.. الاشتراكي الديمقراطي يتقدم
...
-
الرهان الخاسر على دونالد ترامب
-
اليسار يعود إلى السلطة في السويد.. أندرسون تتعهد بتوحيد البل
...
المزيد.....
-
إشكاليات القوى الثورية(2من2)
/ عبد الرحمان النوضة
-
مَشْرُوع تَلْفَزِة يَسَارِيَة مُشْتَرَكَة
/ عبد الرحمان النوضة
-
الحوكمة بين الفساد والاصلاح الاداري في الشركات الدولية رؤية
...
/ وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
-
عندما لا تعمل السلطات على محاصرة الفساد الانتخابي تساهم في إ
...
/ محمد الحنفي
-
الماركسية والتحالفات - قراءة تاريخية
/ مصطفى الدروبي
-
جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ودور الحزب الشيوعي اللبناني
...
/ محمد الخويلدي
-
اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956
/ خميس بن محمد عرفاوي
-
من تجارب العمل الشيوعي في العراق 1963..........
/ كريم الزكي
-
مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة-
/ حسان خالد شاتيلا
-
التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية
/ فلاح علي
المزيد.....
|