أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - سعيد مضيه - الثقافة الوطنية بين التخلف والتحديث















المزيد.....

الثقافة الوطنية بين التخلف والتحديث


سعيد مضيه

الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 15:19
المحور: قضايا ثقافية
    


الوعي السليم هو الوعي النقدي القادر على كشف الواقع وإظهار قاعدته الحضارية. يتعذر بدون معرفة الواقع، تغييره للأفضل، وفي المجتمع الفلسطيني التحديث؛ وما عملية الكشف هذه إلا عملية المعرفة النقدية الهادفة الى التغيير. يتمكن الوعي النقدي من خلال التعليم النقدي، وهو التعليم المطارَد والمعرض للحجر نظرا لوجود سلطات محافظة ترفض التغيير. في كل مجتمع معاصر يتصارع توجهان ثقافيان، أحدهما يدافع عن الوجود القائم والأخر يدفع ويحرض من أجل التغيير. طبيعي ان ثقافة السلطة هي المهيمنة حيث تحوز على وسائل وإمكانات تساعدها على الانتشار الواسع.

روافد الثقافة داخل المجتمع متعددة:
1-ثقافة موروثة تحمل قيم العصور الخوالي سأهم حسين مروة ونصر حامد ابوزيد وغيرهما من الباحثين في فرز العناصر الدافعة للتقدم من التراث والأخرى المرتبطة بالتخلف. ربما من غير قصد أفقرت سلطوية الحكم الحياة الاجتماعية ودفعتها خلال العصر الوسيط الى تدهور مضى حثيثا حتى تدمير مجتمعات عديدة .
ولد الاستبداد السياسي الهدر الاجتماعي، ونواته الصلبة هدر التفكير، تواصل عبر العصور، تفاعل مع النفسية ومع العقل تاركا آثارا سلبية لدى الأجيال. المعركة ضد مخلفات الهدر تكتسب في الوقت الراهن أهمية استثنائية، ذلك انها تدخل في صراع ضار مع عوامل الهدر التي ما تزال تفعل في المجتمعات، وأخطرها تعطيل التفكير والتمويه السائدين في المجتمعات العربية. إزالة الغشاوة عن العيون، كي تستعاد الثقة بالنفس ويتم امتلاك التفكير النقدي والمعرفة الذاتية.
كل الانقلابات والحركات التي غفلت عن اجتثاث مخلفات الهدر في النفسية الاجتماعية إنما تعيد إنتاج الاستبداد، إذ تبقي النفوس مهياة لتقبل الاستبداد. والانتفاضات العربية في العقد الماضي قدمت أكثر من دليل على عودة الاستبداد بسهولة بعد الإطاحة بالمستبدين. يشاطر شرابي العلامة مصطفى حجازي خبير علم النفس الاجتماعي، إذ يطرح سبل الخلاص ووسائله بالذات، وذلك في كتابه "الإنسان المهدور". لاحظ أن وطأة الهدر اشد من القهر؛ الهدر يغيب الوعي حتى بالاستلاب، استوعب بحماس ثقافة الليبرالية الجديدة واحتضنها. تتمثل خطورته في لوذ المهدور الى آليات نفسية دفاعية يداري بها استلابه، وأبرزها الاكتئاب والغضب والتدمير والانشطار الذاتي. وكثيرا ما تقدم عنصرية الغرب الأقنعة لستر مخلفات الهدر والكبت في النفسية الاجتماعية.
أهمل اليسار الماركسي نصيحة لينين بوجوب الاهتمام قبل كل شيء ببتصفية مظاهر التخلف وقيمه وعلاقاته الاجتماعية. قال ان المهمة لا تجد حلا لها في كتب الماركسية وعليهم ان يعملوا التفكير. في نفس الوقت فرضت الأممية الثالثة على الماركسيين صيغة جامدة من الفكر المعلب اوجد غربة بين الماركسيين ومجتمعهم. تعثر الماركسيون بمظاهر التخلف، ولما برزت كوكبة من الباحثين العرب في البحث عن عوامل الضعف وأسباب الهزائم وتوصلوا في أبحاثهم الى تحليل علمي لعوامل التخلف في المجتمع كان الماركسيون قد تراجعوا بوجه المد السلفي، وثقافة الليبرالية الجديدة، وركنوا الى بيات طال امده.
2-ثقافة وافدة تدفقت من مصادر امبريالية، ولقيت الترحيب من الثقافة المهيمنة. رصد هشام شرابي "نوعا مغايرا وغير مباشر من الاستعمار الثقافي" رافق الاستقلال السياسي؛ تدفق "أوسع انتشارا، لم يستمد هيمنته من السيطرة العسكرية – السياسية المباشرة، بل من اختراق الثقافة الغربية للنخبة الأبوية الجديدة، مضافا إليها سيطرة وسائل الإعلام الغربية وشيوع قيم المجتمع الاستهلاكي وحاجاته". ركز شرابي على هذه النقطة وكرر العودة اليها في مؤلفه "البنية الأبوية: إشكالات التخلف في المجتمع العربي"، يقصد بذلك تأكيدها كعاهة اجتماعية وعطب فكري ينبغي التنبه له ومعالجته.
تزامن الاستعمار الحديث مع رسوخ مناهج الثورة العلمية التقانية وثورة المعلومات، واتسعت الفجوة بين بلدان الغرب الامبريالية والبلدان النامية. استعان الاستعمار بثقافته تشيع الارتباك لبن الشعوب المستهدفة. غدت "ادبيات الاستعمار أشد وقعا من الاحتلال العسكري؛ بخلاف الاستعمار السياسي القديم فقد فرض الاستعمار الحديث سيطرته بتحويل المستعمَر من كائن يثق بنفسه ومتمكن مما يقوم به الى مخلوق لا يؤمن إلا بقدرة الآخرين [90].

في المرحلة الراهنة تعتمد الليبرالية النشاط الثقافي أكثر من اعتمادها على القوة العسكرية. الثقافة تقوم مقام الفرق العسكرية. تنشر الامبريالية، والرئيس ترمب بالذات، ثقافة الفاشية تمهيدا لفرض النظام الفاشي؛ بذلت الليبرالية الجديدة المساعي الحثيثة لإدارة إدراك الأفراد والجماعات وتكييفها لحكم اليمين المتطرف المتجه حثيثا نحو الفاشية.
3-نمط اقتصادي وحياة اجتماعية تفرز على الدوام ثقافة تبرير للنمط الدارج. والنشاط الاقتصادي الاستهلاكي غير المنتج، يفرز ثقافته ويرسخها في الوعي الاجتماعي بقوة رهيبة؛ العملية تتم بأشكال عفوية لا يعيها الجمهور المتلقي، الى أن يقول شرابي: "ان عوامل التخلف العقلي والقحط العاطفي والشلل الفكري التي احدثها الإرهاب الاستعماري ليست واضحة للعيان وضوح آثار الاستغلال الاقتصادي، إلا أنها قد تكون أكثر تدميرا على المدى البعيد." (91).
4- الأبوية تكرسكل ما هومتخلف في التراث وفي الحياة الاجتماعية، تعطل التنمية، مما يحول دون تطور برجوزاية وطنية وطبقة عاملة محلية. يستحيل بسلطوية النظام الأبوي الراهن إنجاز التحول التقدمي. نظر شرابي الى المجتمعات العربية وحدة منسجمة، ولذلك لدى مقارباته طرح مفهوم "المجتمع العربي". أكد ان المجتمع العربي مبتلى بأنظمة استبدادية قمعية أطلق عليها "الأبوية" ادخل عليها التماس مع الامبريالية تطورا في الشكل دون الجوهر، جعلها تستعصي على التقدم فغدت قوة محافظة وعامل تخلف نتعايش معه ولا نفارقه. بذا تختزل المهمات الراهنة في الحشد والتعبئة ومقاومة حالة التردي المضطرد. بدون النجاح في وقف التردي يكون الحديث عن برامج تحرير نوعا من تبرير القصور.

5-أخطر اشكال الشعور بالعجز هي الجبرية؛ وهي متحدرة مع عصور الاستبداد والقصور؛ وهي في جوهرها نوع من عدم التبصر وعجز عن التهيئة للمستقبل. في المجتمع الأبوي لا يفسح الفرد للمستقبل سوى مجال محدود وغامض. تنعدم السيطرة على المستقبل، نظرا لانعدام السيطرة على الحاضر، وكذلك لوجود اختلالات تقعد عن السيطرة على نواميس حركة الواقع، ومن ثم ضعف الإمساك بدفة قيادته.
الاختلالات الثقافية والفكرية تشيع مع ضعف نفوذ النظرة العلمية في الثقافة: الوضع الراهن يبين بجلاء أن القوى الاجتماعية التي اوكل إليها التاريخ تحقيق التحولات الثورية لم تنضج بعد للنهوض بأعباء المهمة. وحسب تعبير سمير امين "من المستحيل ان تقود الطبقة العاملة ثورة اشتراكية لأن الطبقة المؤهلة تاريخيا للقيام بها تفتقر إلى العوامل التي تمكنها من القيام بالثورة المطلوبة" (شرابي: 170)
في هذه البيئة للمتعلم وضع خاص في المجتمع الأبوي؛ والمتعلم غير المثقف؛ التعلم لا يغير اسس تركيبة الشخصية ولكن المتعلم يطالب لنفسه مكانة خاصة لمجرد انه "متعلم". فهو دائما ينتهي الى تبرير ذاته وتبرير سلوكه المناقض لأقواله ومعتقداته. في المجتمع العربي احتل التبرير محل النقد؛ فتميز الفكر العربي المعاصر بتجاهل المعرفة العلمية (معرفة الذات والنقد الذاتي)؛ وبالنتيجة الاحتفاء بالوهم والعاطفة، ونبذ العقل وحقائق العلم.
ومن نتيجة ذلك ان العادات الذهنية التقليدية والسلوكية القديمة تكتسب مكانة خاصة لصدورها عن " المتعلمين"، وعلى الأخص من بينهم البيروقراطيون ممن كونوا لأنفسهم مكانة اجتماعية من خلال الوظيفة.
ينجم عن هذا جميعه، أحد أزمات الفكر العربي هو ضعف العلاقة بين النظرية والواقع. فقد نجد أفكارًا كثيرة وشعارات سياسية وثقافية، لكن دون بناء نظري قادر على تفسير الواقع بصورة متماسكة؛ والفكر الذي يكرر نفسه دون أن يختبر أدواته أمام الواقع يفقد قدرته على تفسير الواقع. وقد رأينا ماركسيين يسقطون في وحل التحريفية حين غاب عن فطنتهم ان الماركسية نظرية لتفسير واقع المجتمع الرأسمالي، والمجتمعات العربية تعيش مرحلة ما قبل الرأسمالية؛ ومن ثم هناك قضايا في المجتمع المتخلف لا تجد حلها في الماركسية. هكذا أبلغ لينين شيوعيي الشرق في مؤتمرهم عام 1919؛ يستنتج البعض حينئذ مع غياب الفطنة عدم الانسجام بين الماركسية والواقع العربي. بدلا من ان يدركوا ان الماركسية لا تحمل الحلول الجاهزة لكل مجتمع وان هناك ما هو عام مشترك بين المجتمعات كافة وما هو خاص يتوجب التقاطه ومقاربته بفكر نقدي خاص.
6- التعليم التلقيني
يسترجع شرابي في مقدمة كتابه "مقدمات لدراسة المجتمع العربي"، تحولاته الفكرية إثر زلزال حزيران. "في مطلع 1970 شعرت بما يشبه اليقين ان الأشهر المقبلة ستكون حاسمة بالنسبة الى حركة المقاومة ومستقبلها؛ فأخذت فرصة من الجامعة وركبت الطائرة الى حيث كان أيلول الأسود ينتظرني.... رويدا رويدا أدركت ان الثورة ليست امرا سهلا، وأنها لا تحدث لمجرد إيماننا بضرورة حصولها، وبدأتُ اعي ان التحول الاجتماعي في غاية الصعوبة ".ابلغ ياسر عرفات باستنتاجه ورفض عرفات الأخذ بمشورته.
يواصل شرابي: التقيت في صيف 1972 بالصديق مختار عانى في بيروت، وكان قد انصرف في دراسات انثروبولوجية ... تناقشنا وبحثنا ... واكتشفنا ايضا ان التربية والتثقيف في العائلة وفي المدرسة إنما يهدفان الى قولبة الفرد على النحو الذي يريده المجتمع وتقرره الثقافة المسيطرة والتي هي الثقافة ونمط الحياة المسيطرين في مجتمعنا. ان الإرهاب والقهر والرضوخ التي يعانيها كل منا في المجتمع هي نفسها التي عانيناها في طفولتنا وفي فترة تربيتنا وتثقيفنا". فالتربية، كما رصدها شرابي، عامل محافظة، إذ تعيد إنتاج العلاقات الاجتماعية القائمة.
نتيجة لجهود مثقفي النظام الأبوي ورسالة التعليم الأبوي، تبدو روح الطبقة المتسلطة ظاهريا خلال شعاراتها وحِكَمها وأشعارها، هي روح ثقة وقوة وإيمان بالمستقبل؛ ولكن إذا نظرنا اليها داخليا نجد انها روح خنوع ومساومة بالإضافة الى شعور بالتفاهة وبالعجز عن مواجهة العالم مواجهة فعالة. تجد الفرد يتمظهر انه منغمس كليا في حياة المجتمع طالما ان الأمر لا يتعدى مستىوى قراءة الجرائد والاستماع الى الراديو؛ اما بالنسبة الى الالتزام العملي فنجد ان التزام الفرد بحياة المجتمع هو في حده الأدنى. والمتعلمون يبررون سلبيتهم بأن النظام استبد برأيه والهزيمة مسئوليته. الأفراد المنطوون على ذواتهم لا يشعرون بعار الاحتلال.
في المجتمع العربي احتل التبرير محل النقد؛ فتميز الفكر العربي المعاصر بتجاهل المعرفة العلمية (معرفة الذات والنقد الذاتي)؛ وبالنتيجة تغلب الاحتفاء بالوهم والعاطفة، ونبذ العقل وحقائق العلم. كانت كل محاولة لإزالة الوهم وإصلاح الخطأ تقاوم بشدة لارتباطها بمصالح اجتماعية وسياسية قائمة وبحاجات نفسية متأصلة.
يكتب شرابي في مؤلفه "مقدمات لدراسة المجتمع العربي"، الصادر عام 1974في مسعى تفسير عوامل هزيمة حزيران، عن تصرفات تفرض على الطفل تنمي لديه العادات الرديئة، مثل المجاملة والتكتم والمخاتلة – العيب في ما يراه الناس- " المجتمع يفضي الى ان تحل روح الخضوع محل روح الاقتحام وروح المكر محل روح الشجاعة وروح التراجع محل روح المبادرة."
يحذر في الكتاب من " ان النظام التربوي يثني الطفل عن الثقة بآرائه الشخصية ويشجعه على قبول آراء الآخرين دون تردد او تساؤل، وهذا ما ينمي في نفسه الإذعان للسلطة، أي لأبيه وللشيخ وللمعلم، وفيما بعد لكل من هو أقوى منه أو أعلى منزلة وجاها."
ينقل الباحث الكندي، ألان دونو، في كتابه "نظام التفاهة" عن الدكتور شرابي، "يلفت الانتباه، على سبيل المثال، في كتابه البنية الأبوية ان محمد علي باشا شرع إرسال البعثات للتعلم في الغرب ونقل تجربة العلم؛ واستمر التوجه الى الغرب للاطلاع على علوم الطبيعة والمجتمع ونقلها حتى الزمن الراهن. يخلص الدكتور شرابي الى القول، يوجد لدينا اطباء ولا يوجد طب، ويوجد لدينا خبراء في الاقتصاد ولا يوجد اقتصاد وهكذا. نحن لا ننتج المعرفة، حيث إنتاج المعرفة يتم لغاية تطوير الإنتاج المحلي في اقتصاد منتج. واقتصاد المجتمعات العربية مقتصر على الخدمات والعمولات والاستيراد والتصدير لا يشجع البحوث العلمية. في هذا المناخ [يقصد الاقتصاد المنتج] "يستبدل التعليم التلقيني بالتعليم الحواري. يعتمد المعلم الثوري التعليم الحواري، ينمي في الأجيال العقل النقدي ويساعد على تربية العقل المفكر والنقدي المبدع. وبذا يقيم علاقة احترام متبادل بين المعلم والتلاميذ."
يولد الكبت وتعليمه التلقيني عجزا في القدرات الذهنية تغيب التفكير النقدي وتطلق الانفعالية بدون كوابح عقلانية. "هدر العقل نتيجة الكبت والقمع والتحريم والتكفير يطلق توترات نفسية وعصاب ذهني تعظم فاعليتهما في ظروف القهر والهدر، تحيل طيب المشاعر سود الضغائن. امتدادات الكبت الذي يغيب الصراحة والنقد الوجاهي والمجادلة الفكرية، يسري في ثنايا الروح، يتفرع اختلالات وانحرافات سلوكية تتسم بالنزق، تزرع الوجدان الجمعي شكوكا متبادلة، تقبع في الروح قنابل موقوتة تتفجر لأتفه الأسباب فتنا واضطرابات. والديمقراطية هي الضحية".
نماذج من تعليم استهلاكي لا يتثبت ثقافة اجماعية وخبرات مسلكية، لايضيف الى القدرة الذهنية، ولا ينمي معرفة بحاجات المجتمع وتركيبة بنيته تساعد في تكريس موقف ديمقراطي من الرأي الآخر
سبق السكاكيني في موضوعة تعليم الديمقراطية الكثيرين ممن ذاع صيتهم، وبقي مغمورا. في مدرسته، المدرسة الدستورية، التي أسسها عام 1907 وضع التعليم في مركز السياسية. وادخل منهاجا مغايرا لما يدرس بالمعاهد المحلية. وأثناء عمله موجها تربويا في مدارس فلسطين أثناء الانتداب حث المعلمين والإدارات المدرسية على وجوب احترام الأطفال وعدم إذلال التلاميذ: ناده يا سيد، لا تقل له انت كاذب ولو كذب ..."

التعليم النقدي هو المخرج
في أواخر القرن الماضي كان فريري، كما عرضه تلميذه، الأكاديمي الأميركي، هنري غيرو، يرى التعليم "مشروعا سياسيا تتسرب خلاله المعرفة المدنية مع لغة النقد وامكانية مخاطبة الفكرة القائلة لا ديمقراطية بدون مواطنين قابلين لتلقي المعرفة وحاصلين على المعرفة المدنية." نلك هي حصيلة التعليم النقدي، التعليم الحواري الذي ينمي التفكير ويبعث الثقة بالنفوس، وبدون إقراره نهجا للعملية التعليمية يستحيل خروج المجتمعات العربية من أزماتها.
يستهل مشروع البناء الوطني، حسب شرابي، باسترداد حق المواطنة لكل فرد (تصفية العصبوية الطائفة أو العرقية او العشائرية). يبدأ الخلاص بالاعتراف بالإنسان المواطن ودوره ورأيه ومشاركته الفاعلة في اتخاذ القرارات التي تصنع المصير الوطني.
ابتليت المقاومة الوطنية الفلسطينية طوال مسيرتها المتعثرة بالقيادة الأبوية، حيث جرى تغييب الديمقراطية وتصارع الأفكار والاجتهادات ليستتب الأمر للرأي الواحد. كثرت الخطاء، بل الخطايا، وتجمدت حركة الجماهير لدرجة شيوع الإبادة السياسة قبل نزول كارثة الإباداة الجماعية. حالة مفزعة نكابد تأثيراتها في هذا الوقت الحرج.
ان تصفية تفاعلات الهدر في النفسية بعد رفع الطغيان من شانه ان يرمم الروح الجماعية من أعطاب الهدر. وهذا يتم بفضل الثقافة النقدية، للآسف لا تعير قوى المعارضة، واليسار العربي على وجه الخصوص، الاهتمام اللائق بالثقافة، رغم طوفان ثقافة الليبرالية الجديدة المنهمرة على المجتمعات العربية. كما ان قوى اليسار الفلسطيني لم تستوعب بعد مركزية التربية في النشاط السياسي. في المؤتمرات والاجتماعات الدورية للجان المركزية يجري تقديم تقرير سياسي وآخر اقتصادي ويفرد للثقافة بندا في التوصيات العامة. لم تلتقط أحزاب اليسار حقيقة ان جوهر الأزمة المستفحلة ثقاقي يستوجب ان يكون العلاج ثقافيا.
العدوان الثقافي للامبريالية يحتم الرد عليها بثقافة وطنية ديمقراطية. الثقافة ميدان صراع، يطرد الجيد الرديئ. الثقافة تلعب دورا مقررا في حياة مجتمعاتنا ربما يفوق تأثير السياسة. عملية تعليمية تغير النظام الاجتماعي، تحرر الأنسان من علاقاته الجائرة ومن الجهل والتخلف يتمخض عنها ثقافة وطنية ديمقراطية ومجتمع عقلاني، يتمتع بالمرونة والتلاؤمية، يبحث ويكتشف ويبدع وسائل وسبل التصدي للاستعمار الاستيطاني ونظام الأبارتهايد الذي فرضه.
يقتضي التحديث الثقافي الاهتمام بحديث الفكر الاجتماعي والتاريخ ومنها مؤلفات ككوكبة من الباحثين في مختلف نواحي الإبداع الثقافي أمثال محمود أمين العالم وهشام شرابي ومهدي عامل ونور مصالحة وسمير أمبن وحامد عمار ومصطفى حجازي ونصر حامد أبو زيد، وجميعهم طرقوا جوانب من الحياة الاجتماعية في واقعها المتخلف مما لا يزال يشْكل على الفصائل السياسية، وطرحوا سبل تجاوز التخلف.
نظرا لكون الثقافة تكمن خلف كل مقاربة للواقع من جميع جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والسيكولوجية والتربوية والفنية الخ فان التحديث الثقافي يندرج على جوانب الحياة الاجتماعية كافة.



#سعيد_مضيه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثقافة التغلب على التحديات تستوحب التربية الوطنية الديمقراطية
- تجريف المنهاج المدرسي من القيم الوطنية
- التضامن مع الشعب الفلسطيني يتسع في أوساط الشعب الأميركي
- الثورة الكوبية ملهمة التحدي الشعبي لطغاة العالم
- التضامن مع فلسطين بالولايات المتحدة اندمج مع النضال المناهض ...
- هل حقا تسيد قانون الغاب في العلاقات الدولية؟!
- البديل يكمن في توجيه التراكم المالي: للتنمية بدل المضاربات
- ترمب ينشر ثقافة الفاشية كي يحيلها نظام حكم بالولايات المتحدة ...
- انتصار المقاومة الوطنية رهن المشاركة الشعبية الواعية
- نتنياهو يعوض انتكاساته بانتصار يسجله بفلسطين
- الامبريالية لم تخلع جلدها
- أزمة اليسار وحركة التحرر ثقافية في جوهرها
- سلطوية النظام الأبوي تتلاعب بوعي المجتمع
- للثقافة دور مركزي في السيطرة الامبريالية وفي التحرر الاجتماع ...
- سبيطة وصعبة .. التحولات الاشتراكية تعترضها إعاقات وضغوط
- بسيطة لكن صعبة .. التحولات الاشتراكية تعترضها إعاقات وضغوط
- هشام شرابي يقدم للجمهور العربي تجربة ناجحة في التحرر الذاتي
- إدمان تزييف التاريخ والأرض فصم صلة الإسرائليين بالواقع
- هشام شرابي يكشف إحدى قضايا التخلف الاجتماعي
- انتهى عهد الهيمنة المطلقة للولايات المتحدة لكنها قد تنزل كوا ...


المزيد.....




- أول رد إيراني على رواية أمريكا بشأن ألغام مضيق هرمز.. ماذا ت ...
- فيضانات نيبال: أكثر من 900 قتيل و4 آلاف مفقود، وسباق للوصول ...
- الإمارات تدين الهجوم -العدواني- لإيران وتعتبره تصعيدا خطيرا ...
- بعد شهر من الهدوء.. إيران وأمريكا في أول مواجهة مباشرة
- دعوى قضائية هي الأولى من نوعها ضد -غروك- بشأن المواد الإباحي ...
- بريطانيا تتحرك لإنقاذ ناشطها المعتقل في الضفة الغربية (فيديو ...
- جمعية مزارعي الكروم الروس: النبيذ الخالي من الكحول سيصبح جزء ...
- الاستخبارات الروسية: الأوروبيون يخططون لزعزعة الانتخابات في ...
- الجيش الروسي يكبد القوات الأوكرانية خسائر بشرية ومادية فادحة ...
- الجيش السوداني يحبط هجوما في جنوب كردفان.. ويدمر 30 دراجة نا ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - سعيد مضيه - الثقافة الوطنية بين التخلف والتحديث