|
|
التعددية السياسية والفكرية داخل الجماعات اليهودية
سعيد مضيه
الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 14:56
المحور:
قضايا ثقافية
أشر غينزبيرغ ، الذي استعار الاسم الأدبي، أحد هعام – واحد من الشعب- ترك الحركة الصهيونية مباشرة بعد المؤتمر الأول الذي شارك فيه وكتب مقاله الشهيرة "ليس هكذا تمضي الأمور". راح يبحث في القضايا الثقافية وتبنى بديل الصهيونية الروحية ، او الصهيونية الثقافية التي اخذ بها في ثلاثينات القرن الماضي رئيس الجامعة العبرية ، إيهودا غانتس، اينشتين حنة ارندت وآخرون قبل ان تنطفئ وتتلاشى. رأى آحاد هعام أن الذي خرج من الجيتو الى العصر الحديث ليس اليهود وحسب وإنما اليهودية نفسها. لقد خرجت إلى عالم حديث يمثل قوة جذب هائلة بهرت اليهود، الأمر الذي يشكل خطراً حقيقياً على استمرارية اليهودية وعلى الهوية اليهودية، كما يؤدي إلى فقدان اليهود إحساسهم بالوحدة والترابط وإلى ضعف تمسُّكهم بقيمهم وتقاليدهم.
كما خرجت اليهودية، علاوة على ذلك، إلى عالم مُشبَّع بالروح القومية العضوية حيث يتعيَّن على الغريب الذي يريد أن يندمج بحضارة كهذه أن يطمس شخصيته وينغمس في التيار الغالب. ولذا، فإن الاندماج إذا أتى من الخارج يهدف إلى خَلْق حياة جديدة تماماً لا علاقة لها بالهوية اليهودية، وبالتالي فإن الوحدة اليهودية ستتفتت وتنقسم اليهودية إلى أكثر من نوع واحد، يختلف كل نوع منها باختلاف البلد الذي ينتمي إليه اليهودي. هكذا جاءت الصهيونية كفكر مغايرة تماما لليهودية بصيغتها الأصلية. وقد خرج اليهود واليهودية من الجيتو في لحظة كان الدين اليهودي فيها قد تحوَّل إلى عبء حقيقي، كما يقول أحد هعام، فأهل الكتاب قد أصبحوا عبيداً للكتاب حتى أصبح عمل هذا الكتاب هو أن يُضعف كل قوى الإبداع الذاتي والعاطفي لدى اليهود ويحطمها. وتحوَّل القانون إلى قانون مكتوب جامد، وتَوقَّف تَطوُّر اليهود، واختفى العالم الداخلي تماماً، وأصيب اليهود بالشلل الحضاري. ولذا، كان السؤال هو: هل يمكن تطبيع اليهود وتحرير الروح اليهودية من أغلالها لتعود إلى الاندماج في مجرى الحياة الإنسانية دون أن تضحي بالهوية اليهودية وبالطابع الخاص لها؟ ضمن هذا التباين يندرج انتقاد ناحوم غولدلمان ، وهو رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، للنهج العدائي الذي اتبعه بن غوريون لدى إنشاء الدولة، كتب غولدمان في مذكراته:" كان على الحركة الصهيونية ان تحاول من وجهة النظر الإيديولوجية ومن وجهة نظر السياسة العملية أيضا، التوصل منذ البداية الى تفاهم مع العالم العربي... وكان علينا من البداية تماما الاهتمام والاتصال بالعرب مباشرة، وليس بطريقة غير مباشرة فحسب من أجل تطوير البلاد، وأنهم يجب ان يمثلوا في المؤسسات اليهودية والمشاريع الاجتماعية والاقتصادية. كان علينا الْتِماس حسن نيتهم بطريقة ودية، كما التمسنا العطف من بقية العالم غير اليهودي". عمليا نقض هذا النقد بصورة مباشرة النهج الإقصائي تجاه اهل البلاد الأصليين الذي اختطه بن غوريون. خضع الوعي اليهودي لمؤثرات فكرية متناقضة في ظروف اجتماعية سياسية شهدت تحولات الأفكار المتداولة في أوروبا منذ عصر النهضة. قبل النهضة عاش اليهود داخل غيتوهات يشرف عليها رؤساء الأسباط من تجار متمولين وحاخامات تفرغوا لشرح الديانة اليهودية. تتبع المؤرخ الإسرائيلي، شلومو ساند، تطور الفكر التنويري في الأوساط اليهودية الى ان انتهى على أيدي المؤرخين المناهضين للحركة التنويرية. تشكلت، بتأثير حركة التنوير الأوروبية، قوميات اتخذت توجها ديمقراطيا، حيث اندمجت العناصر الدينية والعرقية، ومنهم اليهود، في بلدان غرب أوروبا فرنسا، إيطاليا، بريطانيا وفي وقت متأخر المانيا والدول المحيطة- في قوميات منحت الحقوق المتساوية للجميع. هدمت سيرورة التحديث في أوروبا الغربية الفواصل بين المراتب الاجتماعية وفيما بين الطوائف والأقليات العرقية. وجدت مطالب اليهود بإلغاء التمييز المفروض ضدهم الاستجابة في أكثر من قطر ولدى أكثر من مفكر سياسي. ظهر اول كتاب تاريخي لليهود في العام 1820 الفه المؤرخ الألماني اليهود ايزاك يوست"(1793-1860) بعنوان "تاريخ الإيزرائيليتيم منذ أيام المكابين وحتى يومنا"، ثورة المكابيين حدثت باليمن ضد الرومان الوافدين من مصر . كانت فلسطين ، زمن اندلاع الثورة هادئة مستقرة. بدأ اليهود يهاجرون من اليمن في القرن الثالث قبل الميلاد تحت ضغط الرومان. اما الإزرائيليتيم فتسمية أطلقها على أنفسهم ألمان وفرنسيون من أتباع الديانة اليهودية. ظهر مؤرخ آخر في نفس الفترة هو ليوبولد زونز،(1793- 1886) ومثل يوست رأى ان تاريخ اليهود يبدا منذ عودتهم الى صهيون من منفاهم في بابل(القرن الرابع قبل الميلاد).. إلى أين عاد اليهود ومن أين أخذوا إلى النفي الأول؟ نظر الفكر التنويري إلى الإنسان بأنه " لا ينطوي على الشر" لأن الشر ليس جزءا من الطبيعة البشرية؛ وبذا أسقط فكرة الخطيئة الأولى التلمودية، وبين أنها لا تستند إلى أساس محسوس. الإنسان ظاهرة سوسيولوجية والحضارة والمجتمع ليسا معطيات مقدسة بل نتاج التاريخ. "عملت الحداثة على إقصاء الحقيقة المطلقة الإلهية من مكانتها الرفيعة وانحسر تقديس الحقيقة"[ساند 99] تجاوب اليهود مع التحديث وانخرطوا في الحركة العقلانية (الهكسلاة) ومعناها التنوير. "الأفكار المسيحية ساعدت الإصلاحيين على تخليص التراث اليهودي من قبليته ومن تأريخيته. انفتحت الإصلاحية اليهودية على التاريخ الإنساني [67]. تطورت الحركة الإصلاحية من 1750 إلى 1880. "كان موشى مندلسون أول دعاة التنوير اليهودي؛ أنكر أن اليهودية دين سماوي بل مجموعة قوانين أخلاقية. ترجم أسفار موسى الخمسة إلى الألمانية كي يطلع عليها اليهود العاديون، وكتب تعليقا مستنيرا عن الكتاب المقدس" [63]؛ كما أصدر مجلة ثقافية تنشر ثمار الثقافة الإنسانية بالعبرية وطالب بمنح كل فرد حرية العقيدة ليعمل ما يشاء حسب ما يمليه عليه ضميره الأخلاقي [64].
بلغ التيار الإصلاحي أقصى مداه في قرارات مؤتمر بيتسبرغ (1885)، الذي قرر أن الكتاب المقدس [التوراة والإنجيل] ليس من صنع الله، بل هو وثيقة من صنع الإنسان. وتضمنت فكرة الإصلاح بالمؤتمر استبعاد كل ما يشير الى عزلة اليهود او تميزهم من الدين اليهودي. نادى ابراهام جينجر بحذف كل العبارات التي تشير إلى خصوصية الشعب اليهودي من الطقوس والعقائد والأخلاق والأدب، وطالب بإلغاء الطقوس الدينية وطقوس العقيدة والأدب والأخلاق والتخلي عن فكرة الشعب المختار كلية. تأثر المثقفون بالتنوير واستلهموه في إدخال إصلاحات على الديانة اليهود. ومن جهة ثانية استلهم الإزرائيليون توجه البحث في إرث الماضي. "على غرار النهوض الثقافي للبحث عن الأصول لدى قوميات أوروبا، وجهت البراعم الأولى نحو مفهوم للقومية اليهودية وازدهارها صوب الضوء الساطع المنعكس من مملكة داوود الميثولوجية، كما وردت بالتوراة. اتبع الإصلاحيون تفسيرات علمانية للحكايات الدينية؛ رفضوا فكرة عودة المشيخ- مفهوم انبثق في الذهن اليهودي قبل القرن الثاني قبل الميلاد، وذلك في فترة اتسمت بالاضطرابات والمعاناة الاجتماعية، تعلقا بخلاص موهوم، ومعناه الممسوح بالزيت المبارك. أحل مؤتمر بيتسبرغ فكرة العصر المشيخاني، حيث يحل فيه السلام والكمال. سيأتي العصر المشيخاني من خلال التقدم العلمي والحضاري وسيؤدي إلى خلاص الجنس البشري كله [ساند: 66]. في عام 1882 عالج باحث التناخ[التوراة الأصلية] المعروف يوليوس ولهاوزن في مؤلفه " مقدمة لتاريخ إسرائيل " تراكيب قرابة مائة عام من النقد الذي حاول حل لغز مواعيد الكتابة المختلفة لسفر الأسفار. فمن خلال تحليل فيلولوجي بارع بدأ يشكك في جزء من قصص التناخ كتبت بعد مرور زمن طويل على الأحداث الموصوفة فيه. فصيرورة الديانة اليهودية كانت، حسب رأيه عملية، متدرجة وتطورية، وأن كل جزء من الأجزاء الخمسة يعبر عن مواعيد فترات مختلفة. لم تدم فترة انتعاش فكرة التنوير في أوروبا؛ فقد هب إعصار الردة للتعصب الفكري والتمذهب القومي. شهدت المرحلة تشكل الاحتكارات الرأسمالية في المجال الاقتصادي وذبول براعم الانفتاح الديمقراطي. ظهرت القوميات المتعصبة ذات التاريخ الممتد في الماضي بجذر صلب يأبى الاندثار. وفي هذا السياق طرأ التعصب على الفكر اليهودي. هوجمت أفكار ويلهاوزن من قبل المتعصبين اليهود وعلى رأسهم هاينريخ غريتس (1818 ـ 1891). وكان ما أغاظهم قول المؤرخ أن التناخ كتب بعد العودة من السبي الأول [ساند: 125]. المتعصبون اعتبروا فكرهم ممتدا في بطن التاريخ، وكذلك التوراة. تبنى هنريخ غريتس ، أبو القومية اليهودية، ثم موشيه هيس الاتجاهات العلمية في عصرهما؛ ولاسيما الاتجاهات الانثروبولوجية المادية ومزجها في ما يشبه "نظرية هوية ذاتية جديدة." الوعد الإلهي لم يكن مقنعا بالنسبة للدعاة العلمانيين؛ أدخل نتان بيرنباوم (1864 ـ 1937) مفهوم العرق. واللغة في نظره لا تفسر نشوء القوميات؛ إنما البيولوجيا. العلم العنصري الذي أخذ يتطور في مرحلة الامبريالية في سائر مختبرات المعرفة في اوروبا، تغلغل في حيزات القومية المركزية الإثنية وكذلك داخل مراحل الساحات العامة، وصار جزءا من النسيج الإيديولوجي لحركات سياسية جديدة، ومنها الحركة الصهيونية. أحرز العلم البيولوجي نجاحا ملموسا في الحركة. وكان العامل الوراثي إلى حد كبير شرطا ضروريا لتسويغ مطلب السيادة على فلسطين. نشأت خلال حقبة الإصلاح طبقة من الأثرياء التجار قاموا ببناء الطرق الحديدية وفتح المناجم وتأسيس البنوك. وظهرت شرائح البرجوازية المتوسطة أطباء ومحامون ومهنسون وصحفيون. وجاء هيس مؤرخا يهوديا بعد غريتس. رأى هيس أن استمرارية " الأمة اليهودية" كامن في عقيدتها. والأفكار تزدهر في واقع اجتماعي ملائم ، ويشتهر مفكرون ودعاة الأفكار، والذين يحطون من الأفكار التي سادت في حقبة سلفت. سخر هيس من دعاة الإصلاح، ومن أنصار التحرر في ألمانيا. لسان حالهم يقول:" ليست التوراة وإنما العرق يصوغ شكل الحياة؛ ليست التوراة هي التي أوجدت الحياة العائلية اليهودية، بل بالعكس فالحياة البطريركية لآباء أمتنا هي أساس نشوء العقيدة الدينية المضفورة في التناخ، والتي كانت دوما وأبدا عقيدة انبعاث قومي نمت وتطورت من خلال تقاليد عائلية مستمرة."[ساند 115] أضحى الزحف السرطاني نحو سفر الأسفار المقدس بمثابة مسيرة التقدم القومية في خيال المثقفين اليهود في مرحلة الاحتكارات الامبريالية. وعلى غرار النهوض الثقافي للبحث عن الأصول لدى قوميات أوروبا،" وجهت البراعم الأولى نحو القومية اليهودية ازدهارها صوب الضوء الساطع المنعكس من مملكة داوود الميثولوجية ، والذي احتفظ بوهجه طوال مئات السنين في شواحن العقيدة الدينية [ساند:110]. أكد رئيس اليهودية المحافظة، زكريا فرانكل، أن الدين اليهودي تعبير ديني من روح "الأمة" اليهودية، وهو بمثابة إجماعها الشعبي العام. موقف فرانكل يتماهى مع موقف بن غوريون من بعده من أسطورة الوعد. فلا يهم بالنسبة له إن كانت الواقعة حقيقة إلهية ام لا، بل المهم هو أن تغرس هذه الأسطورة في الوجدان اليهودي [المسيري: 92] . اهتم الفكر الاستشراقي برعاية الأبحاث التوراتية التي طوبت فلسطين حكرا للحركة الصهيونية، نقل المؤرخون العرب حرفيا أبحاث التوراة، كما اوصلها رسل الاستعمار الأوروبي الى الأقطار العربية. نقلت كتب التاريخ المقررة بالمناهج الدراسية تلفيقات التوراة دون مناقشة. في ذلك الحين كانت مصداقية حكايات التوراة من المسلمات. تبنى السياسيون في بلدان الغرب الأبحاث التوراتية واتخذوا احداثها تاريخا حقيقيا لفلسطين؛ كما احتفظت نصوص التوراة بمصداقية لدى العلوم الاجتماعية في ذلك الزمن. كذلك لم يتم التدقيق في تلك الحقبة التاريخية؛ اكتسب اليهود في بلاد فارس ثقافة متقدمة دخلت في مضمون التوراة البابلية فجاءت أكثر تقدما من التوراة الأورشليمية. في فلسطين برز يتسحق باعر أول مؤرخ يهودي فلسطيني استبعد النصوص التناخية التي تصف بدايات الأمة ـ فترة الآباء وفترة جيل الصحراء. وقال أن الوصف المثالي لليهود يتحلقون في الصحراء حول " خيمة الاجتماع" وسحابة الله التي تسير أمام المخيم لا يمكن أن تكون حقيقة. وبرز المؤرخ دينور أول وزير تربية في حكومة بن غوريون. ويمكن القول أن المؤرخ دينور جعل من الكتاب المقدس بعد أن جرده من الميتافيزيقيا الإيمانية، بمثابة عقيدة قومية صرف. [145] أخضع اللاهوت بأكمله لعملية غربلة؛ فيما استبدل كلام الله الذي خاطب به الأنبياء وقادة الجيوش ، وبدل مواقفه بين الرضى عن "شعبه المختار" والسخط الشديد تارات . شارك دينور في منتدى الآثار الذي اعتاد بن غوريون الالتقاء به في بيته. استخدم بن غوريون بذكاء الكتاب المقدس كتابا علمانيا أدخله بالمنهاج المدرسي، خاصة سفر يشوع الذي يقدم حكايات المجازر الجماعية قوة دفع للحضارة الجديدة. قوميا يشكل منهلا مركزيا لتصاوير ماضوية جماعية ويساهم في تحويل مئات ألوف المهاجرين الجدد إلى شعب موحد متكاتف ويربط الأجيال الشابة بالأرض. لم يكن صدفة أن تتمركز النقاشات الصاخبة حول سفر يوشع. شارك بن غوريون في اجتماعات علنية حول التناخ وساهم في مبادرة لمسابقة حوله تحولت إلى مهرجان قومي إعلامي. كما شجع زخم الحفريات الأثرية. [147] ركز بن غوريون على إبادة يهوشع للعمالقة في أرض كنعان. "إن هذا يدل على مركزية’ الميثة (الخرافة) التاريخية ‘التناخية في الهندسة الإيديولوجية الصهيونية. فلو تأملنا كتاباته ’ تأملات في التناخ‘ فسوف نندهش من أسلوبه الكتابي المرن الذي يتراوح بين البراغماتية السياسية المراوغة وبين الإيمان الصادق والخاص في ’ الحقيقة‘الماضوية. وصرح مرارا وتكرارا بأن سفر الأسفار هو هوية الشعب اليهودي وهو البرهان لصك الانتداب على ’ أرض إسرائيل‘" [‘148] كذلك الرابي ييهودا ليب ميمون، وهو من مؤسسي دولة إسرائيل، في جلسة ضمته مع بن غوريون قال: "هناك رابطة غير قابلة للانفصام بين شعب إسرائيل وتوراته، وهناك بالتماثل رابطة متينة ودائمة بين شعبنا وهذه الأرض، رابطة لن تجدوا لها مثيلا في أي مكان آخر منذ زمن يشوع وحتى يومنا هذا ". مخاتلة تلو أخرى في سيل لا ينقطع. تصدى لمخاتلة ميمون الأكاديمي الأميركي، ستيفن ايزينمان، أستاذ تاريخ الفن: "فالعديد من مجتمعات السكان الأصليين في العالم روابطها بالمكان أطول وأعمق بكثير من روابط اليهود بما سمي ’ إيريتز يسرائيل‘".
الصهيونية وأدرعها المتطرفة لا تعير أهمية لقيم العصر، وهي تسترشد بقيم العصور الغابرة. وطالما تحظى بدعم الامبريالية الأميركية فإنها تشتط في عدوانيتها وتعسفها وتقطع صلتها بالواقع. وجدت ما يغريها على التنكر للقانون الدولي الإنساني انها لا تعاقَب ولا تتعرض لمساءلة بسبب تجاوزاتها المتكررة التي بلغ بعضها مستوى جرائم حرب إبادة على فرار حروب العصور الخوالي. بينت التجارب المريرة للمقاومة الفلسطينية ان حلفاء إسرائيل لم يتخلوا عنها طوال التاريخ الممتد لعدوانها المسلح على الشعب الفلسطيني، ويكبلون أيدي الدول التابعة بالمنطقة عن تقديم العون للمقاومة الفلسطينية السلمية قبل المسلحة. خابت آمال التوراتيين، باحثين وسياسيين ومؤرخين وأساتذة جامعات، في العثور فوق سطح الأرض أو تحته على أثر للإمبراطورية داوود وسليمان، تضاهي تلك البارزة بوضوح من آثار امبراطوريات آشور وبابل والفراعنة في حوضي نهري النيل والفرات ودجلة. كما ان الدراسات الأنثروبولوجية قطعت باستحالة بزوغ وتطور امبراطورية مركزها منطقة فقيرة نسبيا من الموارد اللازمة لإعاشة جيوش جرارة تمارس الفتوحات والإخضاع لحماية امبراطورية مترامية الأطراف. اشتهر توماس طومسون، بكتابه "التاريخ المبكر لشعب إسرائيل من المصادر الآركيولوجية المدونة" الصادر اواخر القرن الماضي (1992)، وفيه يؤكد ان "مجموع التاريخ الغربي لإسرائيل والإسرائيليين يستند الى قصص من العهد القديم تستند الى الخيال". اضطهد بسب اكتشافه الجسور، نسف القاعدة التي تقوم عليها الخرافات الصهيونية، سيما وأ ن ظهور كتابه يفسد على إسرائيل زفة توحيد القدس. لو كان المفكرون الصهيونيون واثقين من صحة وموضوعية طروحاتهم لما واجهوا بالعداء والاضطهاد لكل من خالف وجهات نظرهم. ولو لقي المؤلَف، طومسون،ل الاهتمام الواجب من الفلسطينيين والعرب، سياسيين ومثقفين، لتمخض عن تحول ثوري في كتابة تاريخ فلسطين وفي النضال السياسي حول فلسطين. سدر الصهاينة في ادعائهم بالأحقية بموجب السند التوراتي، وذلك على الرغم من ان معظم المؤرخين، باستثناء حفنة من المسيحيين الصهاينة، كفوا عن تصديق حكايات التوراة واتخاذها تاريخا. أثبتت التنقيبات الأثرية انه مجرد رغبة سياسية معاصرة لا تدعمها مستندات تاريخية. قايض بن غوريون الحماية الامبريالية بخدمة نفوذها ومصالحها بالمنطقة؛ غدت المقايضة عنصرا أساسيا في العقيدة الصهيونية، وان تحول عقد المقايضة من بريطانيا الى الولايات المتحدة. يخلو تاريخ الحركة الصهيونية من معارضة جذرية للنهج الصهيوني كما فرضه المؤسسون، دافيد بن غوريون وحاييم وايزمن وجابوتينسكي وميناحيم بيغن. لم تسمح الحركة الصهيونية لان يخرج من بين صفوفها من يدعو الى الاعتدال. يبدو انهم سكتوا عن "تجديفات" ناحوم غولدمان بمسوغ انها هذيان شخص خرف. دأب بن غوريون على اتهام معارضيه بالنازية؛ كل ما أمنت به القيادة بات ملزما للجميع دونه التصفية الجسدية. علاوة على ذلك احتكرت الصهيونية بإيديولوجيتها تمثيل يهود العالم، كما اعتبرت في حبن من الزمن، ابسط تمييز بين الصهيونية واليهودية تجديفا تطاله التصفية الجسدية. يركز نتنياهو الجهود على الخروج من المأزق الذي انزلق اليه، كي يسلك درب الصدام المسلح نحو إسرائيل الكبرى، الهدف الاستراتيجي للصهيونية، كما وضعه المؤتمر الأول بازل 1897. يعتقد كاتب هذه السطور ان المتشددين في الولايات المتحدة أفهموا ترمب مشروع نتنياهو الموشك على التنفيذ، وان ترمب مسئول عن مستقبل مشروع نتنياهو التاريخي "المقدس" من النجاح او الفشل. يتهم نتنياهو مجموعات صهيونية تقف خلف منافسته على القيادة، تضع إسرائيل أمام خطر الزوال، فقد مهر نتنياهو في بيع الخوف للمجتمع اليهودي بإسرائيل من أخطار محدقة، وأنه الوحيد المنقذ من المخاطر، وذلك بنهج الحروب المستدامة بدعم الامبربالية الأميركية. وبعد الإبادة الجماعية للفلسطينيين دون عقاب ولا مساءلة، بل ان المدعي العام الذي طالب بتقديمه للمحاكمة قد اطيح به فقد وجد نتنياهو أن الوقت قد حان كي يعلن عن هدف إسرائيل الكبرى، دون ان يحسب الحساب لدول المنطقة المهددة من المشروع الصهيوني. من أساليب نتنياهو لفرض مشروعه تلفيق التواريخ المزورة. فق ادعى ، على سبيل المثال، ان اليهود كانوا يشيدون القدس قبل ثلاثة آلاف عام، فالقدس ليست مستوطنة". فند الباحث الأميركي أتوود، زيوف نتنياهو أثناء عرض لكتاب الدكتور ساند؛ لم يقتصر على التشكيك في صلة اليهود بالقدس عبر معظم مراحل التاريخ، وكتب: "اما التنقيبات الأثرية فتبين أن القدس بناها الوثنيون الذين قدسوا إلههم شاليم وأطلقوا على مدينتهم الجديدة ’ مكان شاليم‘. وفي زمن الشروع بتشييد المدينة لم يكن يوجد بشر يمارسون طقوس اليهودية، ونادرا ما حكم اليهود المدينة حقا في أوقات تالية؛ وتعاقبت العهود وخضعت القدس لحكم المصريين والبابليين والأشوريين والفرس واليونان والرومان والعرب والبيزنطيين والكاثوليك الاوروبيين والأتراك والبريطانيين.". ينقل أتوود عن الدكتور ساند استنتاجه أن القول بأن "جميع اليهود هم من نسل الإسرائيليين القدامي" كذب، مضمون كتاب ساند "اختراع الشعب اليهودي" يركز على وجود أعراق مختلفة اعتنقت الديانة اليهودية ، منها أقوام سكنت شمال افريقيا وشعب مملكة الخزر جنوب روسيا ، دمر المملكة هولاكو اثناء زحفه لعزو الدولة العباسية في بغداد. كذلك الدولة القديمة باليمن. تغفل الأكاديميا اليهودية هذه الحقائق وترفض اعتماد الأساتذة الجامعيين ممن يدرسون هذه القضايا في مساقاتهم. يدرك نتنياهو ان هدف إسرائيل الكبرى ما بين النيل والفرات تشكل عقيدة صلبة متماسكة في وعي الجمهور اليهودي داخل إسرائيل. منذ عهد الييشوف داخل فلسطين والبروباغاندا الصهيونية يديرها صهاينة متعصبون من خلال التعليم المدرسي الذي وضع تحت إشرافهم ضمن مؤسسة الوكالة اليهودية. على مدى ازيد من قرن والشحن العنصري يؤجج الكراهية العرقية في الوعي اليهودي. قدم الكاتب اليهودي بنيامين موزر في كتابه بالعنوان "معاداة الصهيونية: تاريخ يهودي" قراءة تاريخية تعيد النظر في واحدة من أكثر المسلمات رسوخًا في الخطاب الصهيوني وهي أن الصهيونية تمثل التعبير الطبيعي عن الهوية اليهودية وتطلعات اليهود عبر التاريخ. كذلك كتاب "فلسطين أربعة آلاف عام في التاريخ" للمؤرخ نور مصالحة، الباحث بجامعة لندن. تضمن طيفا واسعا من الأدلة والشهادات والمصادر المكتشفة في القرن الراهن ، يعتمد مقاربة من زوايا نظر متعددة لتاريخ فلسطين عبر الأزمنة ، مع عدم الإشاحة عن حقائق البلد وشعبه الأصلي. والكتاب يتركز على أفكار عامة وملموسة، تمثل الخصائص التاريخية والسياسية والتجارب المعيشة لفلسطين وشعبها. يخلص نور مصالحة في كتابه الموثق الى ان "فلسطين وطن للشعب الأصلي وللمهاجرين، له ميراث متعدد العقائد الدينية والموروث الثقافي، وهوية ذات طبقات متراكبة عميقة الجذور في الماضي القديم."
#سعيد_مضيه (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
اختفاء المثقف التقدمي العمومي بالولايات المتحدة الأميركية
-
مشاكل معتقة لاتحلها الانتخابات البرلمانية
-
نداء من الشبكات الدولية للصحة النفسية الفلسطينية
-
الحوارات السياسية يحسمها الشارع السياسي
-
في إيطاليا إرادة الجمهور تنكرها القرارات السياسية
-
في فلسطين استعمار استيطاني صهيوني
-
أطفال فلسطين يشبون وسط العذابات فوق تراب الوطن
-
قمة بريكس -الحلقة الثانية
-
قمة بريكس: ضوء على عالم يمر بمرحلة تغير تدريجي -1
-
سكنت الفاشية بإجراءاتها وقيمها مؤسسات الديمقراطية
-
النظام الدولي الجديد خشبة الإنقاذ للقضية الفلسطينية
-
شرخ بالسياسة الأمنية الإسرائيلية: هل يمكن للفلسطينيين استغلا
...
-
ربع قرن على تفجيرات 11 أيلول /سبتمبر بنيويورك
-
حفظا للذاكرة الوطنية وإثراءًا لثقافتها المكافحة
-
حان الوقت كي يطرح الشعب الفلسطيني استراتيجيته ويقود النشاط ا
...
-
الثقافة الوطنية بين التخلف والتحديث
-
ثقافة التغلب على التحديات تستوحب التربية الوطنية الديمقراطية
-
تجريف المنهاج المدرسي من القيم الوطنية
-
التضامن مع الشعب الفلسطيني يتسع في أوساط الشعب الأميركي
-
الثورة الكوبية ملهمة التحدي الشعبي لطغاة العالم
المزيد.....
-
أزمة فرنسا تبدو مألوفة.. هل أمريكا التالية؟
-
فيديو منسوب لـ-جنود وطائرات نقل قبل إرسال قوات مصرية إلى الس
...
-
-مثير للشفقة-.. انتقادات لاذعة في الشارع الفرنسي تسلط الضوء
...
-
البيت الأبيض يعلن إلغاء أكثر من 300 ألف تأشيرة أمريكية للأجا
...
-
لافروف: اختطاف مادورو وزوجته مغامرة غربية غير مسبوقة
-
مصر.. محكمة الإرهاب تبرئ سيد مشاغب قائد جمهور الزمالك
-
-جيروزاليم بوست-: واشنطن تقترب -بدرجة كبيرة- من شن ضربة على
...
-
توم باراك يوضح خطورة نشاط إسرائيل العسكري في سوريا ويلمح لتد
...
-
خريطة طريق روسية عمانية لتعزيز العلاقات
-
أنقرة تبدأ مسار التصديق على حلف مكة
المزيد.....
-
محمد أركون ونقد الأنوار.
/ ابراهيم ازروال
-
ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري
/ حكمت الحاج
-
الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي
/ كريم الوائلي
-
تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة
/ كريم الوائلي
-
التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت
...
/ كريم الوائلي
-
أزمة التعليم في العرا ق
/ كريم الوائلي
-
منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث
/ كريم الوائلي
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
المزيد.....
|