|
|
سكنت الفاشية بإجراءاتها وقيمها مؤسسات الديمقراطية
سعيد مضيه
الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 20:37
المحور:
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
"تجاوز كون الديمقراطية مجرد صندوق اقتراع لتدخل أماكن العمل والمدارس والميديا والاقتصاد وغيرها من المؤسسات المتحكمة حيث تمارس السلطة وتقرر شروط الحياة اليومية."يرى هنري غيرو الديمقراطية الراديكالية هنري غيرو ترجمة سعيد مضيه
النسيان التاريخي يفضي الى أزمة لغوية؛ فعندما يختفي الماضي لا نفقد فقط اللغة اللازمة لوعي مخاطر المرحلة، إنما كذلك نفقد القدرة على تسمية تلك الأخطار حين تعود بأشكال مغايرة: عندما نفقد الكلمات التي تربط الحاضر بالماضي، نفقد أيضاً المفردات السياسية اللازمة لفهم ما يحدث أمام أعيننا. وعندما تستفحل الأزمة لتغدو كارثة، وتُجرَّف من معناها التاريخي مفرداتُ اللغة التي تسمي أسباب التجريف، يشرع الخيال السياسي في الانهيار. ما كان يمكن تحديه سابقاً يبدو الآن حتميًا؛ وما كان يتطلب مقاومة يُتم امتصاصه في إيقاعات الحياة اليومية؛ عندها تصبح الكارثة أكثر من مجرد حدث. تصبح وسيلة لتربية العجز، تعلم الناس كيف يعيشون مع ما لا يطاق. عندما تُفرّغ اللغة من أكثر ما يثير القلق فيها، فإنها تقلل من خطورة المخاطر التي تدّعي تسميتها. في أسوأ الحالات، يتحول النقد إلى خطاب تطبيع مع المخاطر.
الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع
عبارة "الفاشية الديمقراطية" تعيد إنتاج هذه المشكلة بشكل مختلف؛ يمكن للفاشية استغلال الانتخابات، والإجراءات الدستورية، والمحاكم، والبرلمانات، وآليات الدولة الديمقراطية الشكلية بينما توظف هذه المؤسسات ضد الديمقراطية بالذات. الخلط بين الطريق إلى السلطة وطبيعة السلطة. العنف الذي تخفيه مصطلحات معقمة مثل السلطوية التنافسية يتضح في عملاء دائرة الهجرة المتنكرين الذين يعتقلون الناس من أماكن العمل والمنازل والحدائق والشوارع؛ عندما تضرب صواريخ أمريكية مدرسة ابتدائية إيرانية، ما يؤدي إلى مقتل أكثر من مئة طفل؛ اختفاء غزة، حيث أُبلغ عن مقتل ما لا يقل عن 21,700 طفل فلسطيني وإصابة عشرات الآلاف وسط تدمير المنازل والمستشفيات والمدارس والظروف الضرورية للحياة نفسها. كما تختفي التكلفة البشرية عن الأنظار عندما تشير توقعات خفض خدمات Medicaid إلى ترك 7.5 مليون أمريكي إضافي بدون تأمين صحي بحلول عام 2034، ما يحوّل المرض والفقر والموت المبكر إلى مسجل مقبول في قائمة بلا دم. فهمت سارة تشيرشويل الخطر بدقة. جادلت بأن الفاشية الأمريكية ستكون "أمريكية الملامح، بينما ستكون فاشيتها قابلة للتعرف عليها كفاشية." النقطة هذه مهمة جدًا. السؤال هو كيف تبدو الفاشية عندما تتحدث بلغة أمريكية، وتلف نفسها بالعلم، وتستحضر الحرية والقومية المسيحية، وتخلي تاريخ البلد الطويل من العنف العنصري، وتكتسب السلطة من خلال مؤسسات تتحول بعد ذلك ضد الديمقراطية نفسها؟ كما يكشف فهم تشيرشويل أيضًا خطر التعامل مع الانتخابات كخط فاصل بين الديمقراطية والفاشية. نفس الخطأ يلاحق النقاشات حول ترامب. السؤال المهم ليس إن كان الأمريكيون صوتوا له. فقد صوتوا. السؤال هو ما نوع التكوينات السياسية والفئوية التي مكنت أصواتهم، وما القوى التاريخية والظروف الثقافية التي جعلت هذا التكوين ممكنًا، وماذا يحدث للديمقراطية بمجرد أن يتحكم مثل هذا التحرك في جميع أجهزة الدولة الكبرى. يجب أيضًا الحكم على الديمقراطية بما يحدث بعد ذلك: هل يتم حماية المعارضة أم تجريمها؟ هل يقيد حكم القانون السلطة أم يصبح سلاحها؟ هل تحتفظ الأقليات العرقية والدينية بحقوقها؟ هل تبقى الجامعات والصحافة مستقلة؟ هل يُعامل المعارضون السياسيون كخصوم شرعيين أم أعداء بالداخل؟ وهل تُقيد عنف الدولة أم يُحتفى به؟ صندوق الاقتراع يمكن أن يمنح المنصب؛ لكنه لا يمكن أن يمنح البراءة للديمقراطية. المشكلة أعمق من مجرد المصطلحات. إطلاقا، لم تمتلك الفاشية شكلاً مؤسسيًا واحدًا؛ فهي تغير، وفقا للظروف التاريخية، لغتها وتقنياتها وأنماطها الثقافية وطرق شرعنتها. الفاشية يمكن أن تظهر من خلال المؤسسات النيوليبرالية ووسائل الإعلام التي يسيطر عليها المليارديرات والمنصات الرقمية والحدود الموجهة عسكريًا والقومية المسيحية وتفوق البيض العنصري ودولة أمنية ذات قدرات قسرية، بالكاد أمكن للحركات الفاشية السابقة تخيلها. لهذا السبب تُعد فاشية النيوليبرالية إطارًا أكثر وضوحًا. لم تقتصر النيوليبرالية على تحرير الأسواق وخصخصة السلع العامة وتدمير النقابات وتحويل الثروة للأعلى وتحويل التعليم إلى مختبر للقيم السوقية، إنما بدلت، وفقا للظروف التاريخية، لغة الفاشية، تكنولوجياتها، أنماط ثقافتها وأساليب تبريرها .
الليبرالية الجديدة وتفجيرات نيويورك شهد الحادي عشر من سبتمبر 2001 نقطة تحول حاسمة في هذا التغيير؛ استُغلت فظائع الهجمات لشن حرب على الإرهاب، بذلت المساعي لتوسيع هائل لجهاز الأمن القومي مع منح الحرب الدائمة شرعية الطوارئ الدائمة. كما رأى طارق علي [مفكر باكستاني] بعد خمس وعشرين سنة، أصبح 11/9 بمثابة ترخيص لمشروع إمبراطوري يمتد من أفغانستان والعراق إلى خليج غوانتنامو، ترخيصا لحجز الناس بدون محاكمة، والتعذيب، والمراقبة، ولتطبيع السلطة التنفيذية المعفاة من القيود الديمقراطية. لكن حرب الإرهاب عادت في نهاية المطاف إلى الداخل. فقد انتقل عنف الإمبراطورية إلى الداخل، حاملاً معه مفردات الطوارئ المستدامة، وتعليق الحقوق، وتوسيع المراقبة، والنظر الى المقيمين مصادر خطر يُخضعون لتحكّم الإدارة بدل حمايتهم كبشر. بات المسلمون موضوعات للريبة، وباتت المعارضة تُعتبر في أحيان كثيرة خيانة، وتلاشت الفروق تدريجياً بين ساحة المعركة والوطن. الحرب على الإرهاب ام تتمثل فقط حروباً مدمرة في الخارج، بل ساعدت كذلك على بناء الآليات القانونية والمؤسسية والأيديولوجية لحكومة أمنية في الداخل، دولة فاشية نيوليبرالية يمكن توجيهها لاحقاً ضد المهاجرين والمتظاهرين والمعارضين وأي أعداء داخليين يتم تحديدهم لاحقا. منح توسيع دائرة وكالة الهجرة والجمارك (ICE) نمطا مؤسسياً لهذا التحول؛ تم إخضاع الوكالة لتوسع هائل خلال فترة ترامب؛ ُسربت في الآونة الأخيرة شكوى تفيد ان زيادة التوظيف أسفرت عن تخفيض غير مسبوق للمعايير أثناء توظيف آلاف الضباط الجدد. المسألة ليست فقط أن سياسة الهجرة أصبحت أشد صرامة؛ فالتحول الأعمق يكمن في تطبيع ثقافة سياسية حيالها بات العملاء المقنعون والمداهمات والاحتجاز والترحيل والتخويف والعنف المذهل من قبل الدولة أدوات مقبولة للحكم. ومع ذلك، فالفاشية لا تجد تفسيرها في الاقتصاد السياسي وحده؛ ففي أساليب التربية ووسائلها يجري اعتياد الإرهاب .
الإرهاب التربوي وتربية النزعات والميول الفاشية يجب ان تعنى كذلك بالبيداغوجيا [وسائل التربية وأساليها] ، مخرجاتها رعايا لا مواطنون. على الناس أن يتعلموا كيف يتحولون الى فاشيين. عليهم أن يتعلموا من يكرهون، ممن يخافون، مَن حياته ذات قيمة، ومن يمكن تجاهل معاناته، ولماذا يجب أن تُختبر القسوة باعتبارها قوة بدلاً من كونها وحشية؟ بعبارة أخرى، يتعلمون كيف يصبحون رعايا فاشيين، يجسدون تفوق البيض العنصري ومعادين للديمقراطية. يذكرنا ميسيك بأن التحريض الفاشي يقلب التحليل النفسي رأسًا على عقب. بدلًا من معالجة الخوف، أو الصدمة، أو الوحدة، أو الإحباط، أو الإصابات النفسية، فإن السياسة السلطوية تفاقمها؛ تغذي الغضب والمرارة، وتخلق جنون الارتياب، وتقدّم القائد السلطوي كمخلّص قادر على استعادة العالم الذي زُعم أنه سُرق من قبل المهاجرين، والأقليات العرقية، والنسويات، والمثقفين، والمعارضين، وأعداء آخرين جرى تصنيعهم. هذا هو مجال الإرهاب التربوي. السياسة الفاشية تُعلم الرغبات. يتعلم الأفراد أن يتخيلوا أنفسهم أعضاء في مجتمع محاصر، وذلك من خلال التكرار المستمر، والتهديدات الملفقة، ونظريات المؤامرة، والأوهام العرقية، والصور النمطية للأعداء، وإذلال الجموع، وطقوس الغضب الجماعي. القلق الخاص يقدم له أعداءً علنيون. تتحول الوحدة إلى تضامن مزيف مع القبيلة، ويُحول العجز إلى عدوان، ويُرفع الاستياء إلى فضيلة أخلاقية. كما يشير ميسيك، الانتقام نفسه يغدو برنامجًا سياسيًا؛ تقتات ثقافة القسوة على هذا الغضب العاطفي، تقدم متعة النشوة للانتماء والعداء والانتقام لمن احتواهم الظلم. الإذلال يعوض بإذلال الآخرين، الخوف يحول كراهية، والرغبة في نيل الاعتراف تحال نشوة السيطرة؛ وعلى هذا الاقتصاد الانفعالي تختزن الفاشية القوة، لا تحرك الغضب فحسب، بل توجه الغضب نحو هدف، وتحيل الفظاعة مصدر متعة، وشهوة الانتقام والعنف عملة عاطفية للاستحواذ السياسي. ما يمنح القوة لهذه الألية كونها تقتات على منتج رأسمالية العصابات- الإحساس بالوحدة وعدم الأمان والعزلة والخوف، تحيل جروح نظام اجتماعي مهشم وقودا عاطفيا لسياسات الفاشية. يلفت ميسيك الانتباه إلى شيء مستحدث كثيرا ما تفتقده حسابات الفاشية: ظهور وباء عاطفي معه تنقل عدواها مشاعر الاستياء والإذلال والخوف والرغبة في الانتقام .تتنقل العدوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، المحطات التلفزيونية التابعة لليمين، الحوارات، الاحتشادات ، الكنائس، والشبكات الإلكترونية، وبشكل متعاظم عبر مؤسسات الدولة. ليست القضية مجرد تعرض الناس للأفكار الفاشية، إنما كذلك في التفاف الناس حول أجهزة ثقافية تتولي تعليمهم كيف يشعرون.
أكاذيب القائد وتجاوزاته ثقافة القسوة تتموضع حيث يظهر علنا هذا الطاعون العاطفي. ليست القسوة مجرد إفراط مؤسف للفاشية المعاصرة؛ بل هي إحدى ممارساتها التربوية الأساسية. يُهان المهاجرون علنًا، ويُسخر من الضعفاء، وتُهان النساء، ويُصوَّر المحتجون أعداء بينما يُحتفى بالعنف مظهر قوة. السياسة تغدو امتدادًا للحرب، وانتهاكات القائد للمعايير السياسية والأخلاقية تغدو بالضبط مصدر متعة، إذ يعي أتباع القائد تجاوزاته بمثابة تحريرهم من التزامات الديمقراطية والتعاطف والمسؤولية المتبادلة. أكثر تبصرات ميسيك إثارة حيث يرى العنف الفاشي يمد جذوره قبل أن تبدأ بالفعل عمليات القتل: أولًا يستعمر العنف الخيال. الناس يتعلمون أن يضحكوا على القسوة، ثم يعجبون بها باعتبارها مصداقية، وفي النهاية يهيمون عاطفيًا استمتاعا بهذا الشعور. نفس المتعة ترتبط بثقافة الكذب التي يمثلها ترامب. أتباعه لا يجدون أنفسهم مضطرين دائمًا لتصديق الكذبة كي يستمتعوا بها؛ بمقدورهم وعي زيفها ومع ذلك يستمتعون بما تنطوي عليه من جور، برؤية الحقيقة موضع سخرية، ويهان كل من يصر على الحقيقة. تغدو الأكذوبة استعراضا للقوة، حيث بإمكان القائد انتهاك أبسط معايير الحقيقة والمساءلة والاستمتاع بالخروج سالما من كل ذلك. الفظاعة والكذب يشرعان تبادل التغذية، الإذلال يتحول إلى تسلية، والخداع وتجاوز الحدود دليل ألمصداقية. ما يُزرَع هنا ببساطة ليس الجحود بالحقيقة، إنما الابتهاج بتدميرها. نصل حينئذ الى اختفاء تدريجي للعدالة مع اختصار المسافة [الزمنية] بين تخيل العنف والاستمتاع بمشاهده والموافقة عليه. مشاعر ثلاثة تمر بدون معارضة مع تحولات الثقافة والموضوعية، من خلالها يتعلم الملايين بالتجربة ان الهيمنة حرية، والكراهية العرقية وطنية، والجهل مصداقية، والفظاعة عدالة. حينئذ، السؤال الذي يواجهنا ببساطة ليس هل تتواصل الانتخابات، بات السؤال محيرا أكثر: أي نوع من البشر يتم إنتاجه داخل صدفة الديمقراطية المفرغة؟ ما تبقّى هو كراهيتها للمساواة، وللمعارضة، وللاعتماد الإنساني المتبادل، وللديمقراطية بالذات. هذا بالضبط ما يجعل الفاشية المعاصرة خطيرة للغاية: لا تعلن دوما عن قيامها بإلغاء المؤسسات الديمقراطية؛ بل يمكنها أن تسيطر على مؤسسات الديمقراطية، تستقر داخلها، وتحول سلطتها ضد الحياة الديمقراطية التي خلقت لحمايتها.
ما وراء الحواجز الليبرالية إيمان الليبرالية بالحواجز الديمقراطية يخلط بين بنية الديمقراطية والديمقراطية ذاتها. يقر ستيفن ليفيتسكي ودانيال زيبلات في كتابهما "كيف تموت الديمقراطيات" أن المؤسسات لوحدها لا يمكنها كبح جماح الحكام المستبدين؛ ومع ذلك يظل مجاز الحواجز مرتبطا بالاعتقاد أن المحاكم والانتخابات والدساتير والشريعات تمتلك قوة ديمقراطية موروثة بمقدورها احتواء السلطة الاستبدادية. كشف جون ديوي، قبل ما يقرب من تسعين عاما، خطورة هذه الفرضية، فكتب في مؤلفه "الحرية والثقافة" ان الفاشية حيث تحيق بأوروبا، حذر من الاعتقاد بأن شروط الديمقراطية تحتفظ بنفسها الى حد ما، او ان الديمقراطية يمكن ان تختصر الى تصورات دستورية. تحذير ديوي يتعمق في صميم الأزمة الراهنة؛ إذ كما رأى ميلفين روجرز لدى العودة الى ديوي، لا تمتلك آليات الضوابط والتوازنات القدرة الذاتية على العمل؛ مؤسسات الديمقراطية لا تكتسب القوة إلا بمقدار ما تزودها العادات والميول الشخصية وأشكال الحياة الجماعية من عناصر جوهرية. الديمقراطية، بهذا المعنى، ليست مجرد ترتيب مؤسسي، بل هي ثقافة وممارسة يجب تعلمها، والعيش فيها، والدفاع عنها، وتجديدها باستمرار. لا يمكن حل الأزمة من خلال إصلاح تجاوزات الرأسمالية مع ترك علاقات القوة الأساسية فيها دون تغيير. باضطراد يقوض النظام الاجتماعي الملتف حول تركيز الثروة، وخصخصة الحياة العامة، وتسليع الاحتياجات البشرية، وتحويل القوة الاقتصادية إلى قوة سياسية.. يقوض متطلبات الديمقراطية الفعلية. لم تعد المسالة كيف نحمي الديمقراطية من تجاوزات الرأسمالية، بل كيف نحرر الديمقراطية من قبضة الرأسمالية. لهذا السبب، أي صراع ضد الفاشية يرفض مواجهة الرأسمالية بصفتها إحدى شروطها الميسرة يخاطر بمعالجة الأعراض بينما يحافظ على الآلية التي تنتج المرض. كان ديوي يدرك العواقب منذ ما يقرب من قرن. ففي عام 1935، راى أن الراديكالية إذا كانت تعني إدراك ضرورة التغيير الجذري، فالليبرالية التي ليست راديكالية أيضًا "غير ذات صلة ومحكوم عليها بالفشل." تحذيره يخاطب مباشرة الحاضر: ليست المهمة استعادة النظام السياسي الذي أنتج هذه الكارثة؛ إنما تحويل الظروف حيث غدت ممكنة. لن تُنقذ الديمقراطية من خلال إعادة قوائم الحماية القديمة أو بالعودة إلى نسخة من الرأسمالية يُفترض أنها أكثر إنسانية. ما يلزم هو نشاط سياسي جماهيري قادر على كسر مركزة سلطة الرأسمال، دمقرطة الثروة وصناعة القرارات الاقتصادية، وإعادة بناء المؤسسات العامة الضرورية للحياة المشتركة، وخلق أشكال جديدة من الملكية الجماعية والمساواة الاجتماعية والسيطرة الديمقراطية على المؤسسات التي تشكل الحياة اليومية. بعبارة أخرى، المطلوب هو اشتراكية ديمقراطية تتجاوز كون الديمقراطية مجرد صندوق اقتراع لتدخل أماكن العمل والمدارس والميديا والاقتصاد وغيرها من المؤسسات المتحكمة حيث تمارس السلطة وتقرر شروط الحياة اليومية. جمالية التعبير اللغوي تغدو تواطؤا حين تيسر احتمالات الفاشية. وإذا توجب عبور الفاشية أولاً بتجربة تاريخية متخيلة قبل ان يتاح لنا ان نطلق عليها فاشية، فلن نتعرف عليها إلا بعد ان يغدو الاعتراف عديم الجدوى. الفاشية لا تفقد جوهرها لمجرد ان الناس صوتوا لصالحها؛ ربما تقدم الديمقراطية المعبر الذي منه تلج الفاشية؛ والني وليبرالية تهيئ شروط تغذية الفاشية. الإرهاب كوسيلة تربوية للفاشية يزود بالآلية التي تنمي رغبة الناس فيها؛ وثقافة الفظاعة شواحن عاطفية تحيل الهيمنة مثيلا للتحرير والانتماء القبلي المتوحش يتنكر في زي مجتمعي. ما نحتاجه الآن لغة سقتها المقاومة، بمستطاعها تسمية الفاشية القائمة بالفعل، والكشف عن القوى المنتجة للفاشية، لغة تحول الغضب إلى نضال منظم؛ لغة كهذه تسترجع الذاكرة التاريخية، تظهر السلطة للعيان، تقرن المكابدة الخاصة بأسبابها في النظام، تهيئ الظروف التي تمكّن الناس من التعرف على بعضهم البعض من خلال النضالات الجماعية المنظمة ضد الاستغلال، والعنف العنصري، والهدر، والحكم الاستبدادي، وليس بالكراهية المولدة للسياسات الفاشية. لذلك فالنضال اللغوي لا ينفصل عن النضال على السلطة. الفاشية، كي نقاتلها، ينبغي تسميتها باسمها، والكشف عن آلية إنتاجها كي نفككها، ونبني القوة الاجتماعية اللازمة لهزيمة العالم الذي يجعلها ممكنة.
#سعيد_مضيه (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
النظام الدولي الجديد خشبة الإنقاذ للقضية الفلسطينية
-
شرخ بالسياسة الأمنية الإسرائيلية: هل يمكن للفلسطينيين استغلا
...
-
ربع قرن على تفجيرات 11 أيلول /سبتمبر بنيويورك
-
حفظا للذاكرة الوطنية وإثراءًا لثقافتها المكافحة
-
حان الوقت كي يطرح الشعب الفلسطيني استراتيجيته ويقود النشاط ا
...
-
الثقافة الوطنية بين التخلف والتحديث
-
ثقافة التغلب على التحديات تستوحب التربية الوطنية الديمقراطية
-
تجريف المنهاج المدرسي من القيم الوطنية
-
التضامن مع الشعب الفلسطيني يتسع في أوساط الشعب الأميركي
-
الثورة الكوبية ملهمة التحدي الشعبي لطغاة العالم
-
التضامن مع فلسطين بالولايات المتحدة اندمج مع النضال المناهض
...
-
هل حقا تسيد قانون الغاب في العلاقات الدولية؟!
-
البديل يكمن في توجيه التراكم المالي: للتنمية بدل المضاربات
-
ترمب ينشر ثقافة الفاشية كي يحيلها نظام حكم بالولايات المتحدة
...
-
انتصار المقاومة الوطنية رهن المشاركة الشعبية الواعية
-
نتنياهو يعوض انتكاساته بانتصار يسجله بفلسطين
-
الامبريالية لم تخلع جلدها
-
أزمة اليسار وحركة التحرر ثقافية في جوهرها
-
سلطوية النظام الأبوي تتلاعب بوعي المجتمع
-
للثقافة دور مركزي في السيطرة الامبريالية وفي التحرر الاجتماع
...
المزيد.....
-
فوز غير متوقع لمرشح من حزب اليسار بمقعد في البرلمان
-
Is Still Smells of Sulphur: 20 Years Since Ch?vez’s Speech a
...
-
Could DSA’s Model Help Animals?
-
حان موعد الاختيار: التصويت لصالح الكتاب، لصالح حزب التقدم وا
...
-
*المخزن غير قابل للاصلاح.*: الرفيق معاد الجحري
-
أقصى اليمين واليسار الراديكالي في المقدمة.. هل دخلت ألمانيا
...
-
زلزال سياسي في ألمانيا: اليمين المتطرف يتصدر انتخابات الولاي
...
-
مرشحة اليسار الراديكالي تتقدم.. هل تصبح إيرالب أول عمدة لبرل
...
-
وفد قيادي من حماس يعقد سلسلة مشاورات مع الفصائل الفلسطينية ف
...
-
حزب اليسار يرفض اتهامات بمعاداة السامية بعد فوزه في برلين
المزيد.....
-
إشكاليات القوى الثورية(2من2)
/ عبد الرحمان النوضة
-
مَشْرُوع تَلْفَزِة يَسَارِيَة مُشْتَرَكَة
/ عبد الرحمان النوضة
-
الحوكمة بين الفساد والاصلاح الاداري في الشركات الدولية رؤية
...
/ وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
-
عندما لا تعمل السلطات على محاصرة الفساد الانتخابي تساهم في إ
...
/ محمد الحنفي
-
الماركسية والتحالفات - قراءة تاريخية
/ مصطفى الدروبي
-
جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ودور الحزب الشيوعي اللبناني
...
/ محمد الخويلدي
-
اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956
/ خميس بن محمد عرفاوي
-
من تجارب العمل الشيوعي في العراق 1963..........
/ كريم الزكي
-
مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة-
/ حسان خالد شاتيلا
-
التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية
/ فلاح علي
المزيد.....
|