|
|
الحوارات السياسية يحسمها الشارع السياسي
سعيد مضيه
الحوار المتمدن-العدد: 8852 - 2026 / 10 / 8 - 11:59
المحور:
القضية الفلسطينية
بدايات جرفت المجرى للأحداث اللاحقة
تعاود الفصائل الفلسطينية اجتماع التشاور للخروج من حالة التشرذم؛ جرت اجتماعات عديدة لم تسرعن نتيجة توحد الرؤى على مخرج من حالة الضياع والارتباك والانتكاسات. جربت الفصائل مختلف اساليب المقاومة، ومنها التفاوض، لكن من موقف الضعف. لم يتم الاتفاق على استراتيجيا محددة بمقدورها ان تولد قوة ذاتية، ولم تتفق الأطراف على أسلوب للمقاومة الفعالة. والسبب تبخيس دور الجماهير والحط من الحراك الشعبي السياسي. فالحراك الشعبي هو الحكم المقرر بين البرامج والرؤى المتضاربة والمتنافسة في الساحة الوطنية. الحراك الشعبي هو القوة الحقيقية للمفاومة بمختلف أشكالها، هو عامل الحسم وهو الفيصل بين البرامج السياسية المطروحة، وهو المجال للتربية السياسية والفكرية للجماهير. البرامج السياسية تحتكم دوما الى الحراك الشعبي السياسي، ولا تحل في الغرف المغلقة. هذا، بينما الطرف الصهيووني نجح في تحديد الحكم بين البرامج المتنافسة ، احتكام الى الشارع في جميع المراحل، اتفق على الاستراتيجيا بعيدة المدى والاستراتيجيا المرحلية، وكذلك توحيد المواقف في لحظات المواجهة، وتوحيد الجمهور حول السياسة الرسمية. انطلقت القيادة الصهيونية من تفكير حداثي استراتيجي منذ بدايات نشاطها، قابله تفكير لا عقلاني، دون الحداثي، سمته النزق والانفعالية ميزت ردود الأفعال من الجانب الفلسطيني. قدرة على أيجاد القاسم المشترك بين القوى المشاركة لدى الطرف الصهيوني المعتدي يقابله التشرذم والتشظي التلقائيين لدى الجانب الفلسطيني لدرجة التلهي بالمناكفات البينية عن المهمة الجوهرية، او تضييعها بالانشغال بالخلافات في الأمور الجانبية وأحيانا بالكيد والمناكفات المتبادلة. مراجعة نقدية تصلح الأخطاء او المنزلقات يقابلها اخطاء محتملة استفحلت خطايا مهلكة في غياب المراجعة النقدية. وهذه وغيرها من محددات السلوك تتبع فكر العصور الخوالي، فكرما قبل الحداثة. القيادة الصهيونية تخطط وتنظم وتراكم القدرات وتستدرج الطرف الفلسطيني الى صدامات مسلحة ينجرف في تيارها بغير تأهيل او إمكانات. هكذا صعد العدوان الصهيو امبريالي مراحله المتعاقبة عبر العقود وحقق الإنجازات التي قربته من الاستراتيجيا بعيدة المدى – إسرائيل الكبرى. ما حدث على الأرض الفلسطينية عدوان صهيوني ساندته قوى الامبريالية في جميع مراحله بمختلف الوسائل والأساليب. ما جرى على الأرض الفلسطينية لم يكن صراعا، حيث الصراع يدور على حق مبهم مختلف عليه وبين طرفين متكافئين على وجه التقريب. مرتان بوغت الاحتلال بمقاومة مسلحة؛ حصل الصدام المسلح بهدف التحرير وبمبادرة المقاومة. في حرب العبور عام 1973 وفي 7اكتوبر2023. أحرز الهجوم المباغت قي الحالتين بعض الانتصار، تحركت في الحال ألامبريالية الأميركية ونصبت جسرا جويا ينقل الأسلحة ومعدات الحرب وزودت جيش الاحتلال بصور الأقمار الصناعية والتقارير الاستخبارية وحتى الصواريخ المضادة. بالنتيجة أحرز العدوان الصهيو امبريالي التفوق الكاسح. "أملت حرب 1948 ونتائجها بشكل عملي سياسة إسرائيل تجاه العرب، وأصبح من الصعب أكثر تغييرها مع مرور السنين." هذا التقييم سجله عام 1969 ناحوم غولدمان الذي شغل آنذاك منصب رئيس المنظمة الصهيونية العالمية. في مذكرات ناحوم غولدمان يلقي الضوء على الخيار العسكري المفروض من قبل القادة الصهيونيين فصمموا بذلك العلاقة التناحرية بين الكيان الصهيوني وأهل البلاد ا وآخرون لأصليين. في هذا السياق كان بن غوريون الأكثر تأثيرا، بل عنصر الحسم في طبيعة الحركة الصهيونية وجوهر أهدافها. البديل النقيض فضّله غولدمان، دلالة ان الأيديولوجيا التي املت نهج بن غوريون هي ذات الإيديولوجيا الراسمالية التي نظمت الاستيطان الاستعماري في مناطق أخرى من المعمورة . لم يكن للصهيونية أيديولوجيا ثابتة قبل بن غوريون، شاركه البعض من قادة الصهيونية ؛اما الآخرون، ومنهم غولدمان، فقد تبددت اصواتهم بلا صدى:" كان على الحركة الصهيونية ان تحاول من وجهة النظر الإيديولوجية ومن وجهة نظر السياسة العملية أيضا، التوصل منذ البداية الى تفاهم مع العالم العربي... وكان علينا من البداية تماما الاهتمام والاتصال بالعرب مباشرة، وليس بطريقة غير مباشرة فحسب من أجل تطوير البلاد، وأنهم يجب ان يمثلوا في المؤسسات اليهودية والمشاريع الاجتماعية والاقتصادية. كان علينا الْتِماس حسن نيتهم بطريقة ودية، كما التمسنا العطف من بقية العالم غير اليهودي". اجل، إن نهجا عقلانيا إنسانيا لم يكن يلقى الدعم من أصحاب الاحتكارات المالية والاقتصادية ممن دعموا المشروع الصهيوني وأشرفوا على بدواته. يستحيل ان تصمد المزاجية العفوية في المواجهة مع الفكر الحداثي؛ من ثم مضت الأمور بغير ما رغب غولدمان. قرر بن غوريون بعد تأمل وإمعان نظران حصة الصهيونيين بموجب التقسيم الأرض الفلسطينية لن تخدم هدفه القومي إن بقيت الكثافة السكانية للعرب على حالها داخل الدولة العبرية. قرر بناء على ذلك يجب طرد العرب من دولة إسرائيل الأمر الذي لا ينجز بدون حرب وحشية، هكذا كتب في يومياته أواخر ثلاثينات القرن الماضي. وفي مذكرات يوسف فايتس، وكان يشغل منصب مدير الصندوق القومي اليهودي، شبّه القرى العربية بالأشواك السامة التي يجب اقتلاعها. وفي لقاء سري عقده بن غوريون بمقر الهستدروت مع النخبة الضيقة من اعوانه عهد الى فايس تشكيل منظمة تتولى تطهير القرى العربية من سكانها. في أواخر عقد الثلاثينات، وبتكليف من بن غوريون توجهت فرق كشافة للتجوال على المناطق والقرى العربية، والإقامة، إن استوجب الأمر، لإجراء دراسات انثروبولولجية تسهل عمليات التطهير العرقي وقت نشوب الحرب. حتى ان ييغئال الون، في كتابه إنشاء جيش إسرائيل ربط إنشاء الجيش بإقامة المستوطنات. لم تؤخذ بالحسبان قضايا الاقتصاد لدى إنشاء المستعمرات في بقاع فلسطين، إنما روعيت ضرورات الحرب القادمة مع العرب الفلسطينيين، كتب آلون. العدوان المسلح ضد الشعب الفلسطيني برز بندا ملازما في جدول الأعمال المتفق عليه بين القيادات الصهيونية للييشوف (اسم أطلق على التجمع اليهودي بفلسطين)؛ شغل الإعداد لها أنشطة الييشوف في مجالاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وفي قطاع التعليم والتنظيم العسكري للهاغاناة، وفي أنشطة المنظمتين الإرهابيتين التابعتين لحركة حيروت، أيتسل والإرغون. بدأت العمليات المسلحة للمنظمات الصهيونية عام 1937 ضد العرب، الى جانب البوليس والجيش البريطانيين واليهود المعارضين للصهيونية او المتخلفين عن دفع ما يطلب منهم، واستمرت تباعا طوال الحقبة حتى العام 1947 بدون رد من الجانب العربي. عام 1946 غدت القوات البريطانية من البوليس والجيش ثكنة محاصرة من قبل الميليشيات الصهيونية؛ وقررت القياجات الصهيونية إطلاق حرية الميليشيات تحتل المواقع والمناطق دون اعتبار لقرار التقسيم. بعد صدور قرار التقسيم، كما أورد إيلان بابه في مؤلفه "التطهير العرقي في فلسطين"، انتاب القلق القيادات الصهيونية حين لا حظوا إحجام العرب عن الرد على استفزازاتهم المسلحة. ثلاث عمليات نفذتها عصابات صهيونية على أيام ثلاثة متتالية افي كانون اول 1947تسمت بالقسوة الفائقة: الأولى في يافا والثانية في باب العمود بالقدس والثالثة في مصفاة البترول بحيفا أثناء فترة تبادل النوبات، حيث أفلحت الضربة في استفزاز العرب الى العنف المضاد، وحينئذ أعلنت القيادة الصهيونية انها بالعنف المسلح إنما تدافع عن النفس وراحت تحذر من هولوكوست جديد ينظمه الفلسطينيون (النازيون الجدد)، بينما تخوض حرب التطهير العرقي. لاحظ الطابع الوحشي في هجمات الميليشيا جيدة التسلح وتحت قيادة هيئة أركان محترفة فريق فلسطيني تنبه الى الهدف الصهيوني- التطهير العرقي- ودعا الى إفشاله بوقف الصدامات المسلحة، سيما وأنها غير متكافئة. كان المقاومون العرب يصمدون الى ان تنفذ ذخيرتهم المحدودة. والقيادات الصهيونية تجهل التراجع وتخطئة الذات. مضت جميع الصدامات المسلحة المستهدفة تهجير المواطنين الفلسطينيين بمسوغ الدفاع عن النفس، ووجدت لدى الأوساط الامبريالية في دول الغرب من يروج بحماس لفرية "حق إسرائيل في الدفاع عن النفس". أمكن لدولة إسرائيل الإبقاء على تماسك وصلابة روابطها مع القوى الامبريالية كأحد مصادر قوتها.
بن غوريون أقر مبادئ الصهيونية في مجال الممارسة
تجلت للعيان في قرية الخصاص، ومنذ الأشهر الأولى للعدوان استراتيجيا العدو واساليبه وإمكاناته وتحالفاته. ففي 18 كانون اول 1947، أي بعد أقل من شهر من صدور قرار التقسيم، قدمت فرقة بالماخ بقيادة يغئال آلون في المساء المتاخر وراحت تفجر البيوت والناس نيام داخلها. كتب غولدمان في مذكراته: "قلت له (بن غوروين) مرة: لقد أنشأت الشعب الإسرائيلي على نمطك، لكنني يجب ان أقول بانه عندما انظر الى هذا الشعب فإنني أشعر ببعض الشك في نجاح صانعه- وبشك كبير بشأنك". فسر نظرته بالقول: "في مرحلة الدولة (المستقلة) يمكن ان تصنع السياسة من قبل المواطنين (مواطني الدولة) فقط. وضع هذا المبدأ موضع التنفيذ بسرعة، من الناحيتين الرسمية والعملية على حد سواء، وان (دولة إسرائيل) أصبحت حذرة بشكل غيور على مصالحها وامتيازاتها، الى حد التفاهة أحيانا." وأضاف:" بيد ان السبب في انني لم اشتبك معه سياسيا كان يقيني من ان مثل هذه الخطوة ستكون غير فعالة تماما، فبن غوريون كان يمثل الشعب اليهودي ويهود فلسطين أكثر مني بكثير في الحقيقة". حقا، حرص بن غوريون على البقاء في أوساط الييشوف والإمساك بجميع الخيوط بيديه. امسك بالهستدروت العمالي أولا، وفرض حظر تشغيل العرب في المشاريع اليهودية، ثم تحكم بالهاغاناة وأخيرا سيطر على الوكالة اليهودية، فغدا بذلك الأقوى بين الزعماء الصهاينة كافة، أقوى من حاييم وايزمن، "كان في سنواته الأخيرة من أعظم معارضيه ومنتقديه." وأقوى من ورثة جابوتينسكي ، ميناحيم بيغن وقادة حيروت الذي تحول الى الليكود. عن شخصية بن غوريون أورد غولدمان في المذكرات كذلك: "انه فعليا مناقض جدا للزعيم الديمقراطي، وكان غير قادر على قبول تسوية او حل وسط. وإذا ما أجبر على قبول ذلك فإنه لم يكن ليقبله وينساه، لكنه ينتظر أي فرصة ليرتد عنه... وعلى ما أعلم فليس له أصدقاء حقيقيون، وكان جميع زملائه عبارة عن مساعدين تابعين أو مرؤوسين". "كان لا يعتقد من صميم قلبه في إمكانية السلام مع العرب... ولم يكن يتصور انه من خلال المستقبل المنظور ان العالم العربي سيكون مستعدا لقبول اسرائيل كواقع. وكما ارى ذلك فان هذا التشاؤم عكس نفسيته. وأذكر مناقشة جرت معه وكشفت عن نفسيته تلك، ... استشهد بفقرة من كتاب عبد الناصر، فلسفة الثورة، يتحدث فيها الرئيس عبد الناصر عن توحيد كافة العالم العربي ودعوة أخرى عن ضرورة إقامة تحالف مع المسلمين. فقد اعتقد ان هزيمة العرب في حرب 1948كانت تشكل ضربة مبرحه لعبد الناصر، وانه حتى يستعيد توازنه النفسي فانه كان عليه ان يحشد كل طاقاته للأم الجرح بالنصر. "وقلت له: عزيزي بن غوريون، لا أستطيع القول ان هذا الوصف الممتاز للشخصية ينطبق على عبد الناصر لأنني لا اعرفه، ولا انت تعرفه أيضا. ولكن اعرف زعيما ينطبق عليه ذلك وان اسمه ديفيد بن غوريون. أنك رجل يريد ان يجمع ويركز جميع يهود العالم في إسرائيل؛ وأنك واحد لا ينسى او يغفر ابدا الهزيمة؛ فخسارة معركة بالنسبة لك عبارة عن جرح نفسي يمكن ان يلتئم بالنصر فقط. فان هذه النفسية تنطبق عليك تماما. لكن كيف تعرف ان عبد الناصر هو بن غوريون الثاني؟ وعبر هذا الجواب شبه الدعابة عن الاختلافات في وجهات نظرنا، ربما ان بن غوريون اعتبر الأمر خياليا في الأمل لإيجاد تفاهم مع العالم العربي، فانه حاول ضمان سلامة إسرائيل من خلال التفوق العسكري واتباع سياسة التخويف؛ وكان ذلك المفهوم ناجحا من وجهة نظر قصيرة المدى." لم يقل غولدمان ان عدم تحقق امنياته بصدد العلاقة مع شعب فلسطين كون الهدف الاستراتيجي لبن غوريون هو التطهير العرقي وصولا لإسرائيل الكبرى. ومرارا حرض بن غوريون بعد وقف القتال بإقرار الهدنة، على الإعداد لإنجاز المزيد من المشروع. حقا يتوجب القول في هذا الصدد ان الاستراتيجيا التي أقرها بن غوريون للحركة الصهيونية لا تقبل ولا تقر التصالح او التسامح مع العرب. يلقي الضوء على شخصية حسمت العلاقة المتوترة بالعداء في المنطقة، "في حديث شخصي معه قال لي ذات مرة: ان الفرق بيني وبينك انني لا أتردد في إعطاء أوامر التي اعرف بانها ستعني موت مئات من الشبان الرائعين؛ اما انت فأنك من الممكن ان تتردد في فعل ذلك. ولذلك فان بإمكاني ان اقود شعبا في وقت الحرب، وانت لا يمكنك. فأجبت: إنك على حق ربما يمكنني ان أمنع نشوب حرب بشكل أفضل منك، الأمر الذي هو أكثر أهمية." حتى ان عدوان حزيران جرى تصميمه وإعداده بضغوط بن غوريون. تولته حالة اعتداد بالقوة اثناء الحرب الأولى بعد احتلال مناطق شاسعة من الدولة الفلسطينية، وحاول احتلال مدينة نابلس غير ان أحد أعوانه أقنعه بأن احتلال المدينة وطرد سكانها سوف يفتح أعين العالم على التطهير العرقي الجاري عبر العامين السابقين. حاول في عقد الخمسينات ثلاث مرات الهجوم على الضفة لاحتلالها، كما أورد إيلان بابه، وكف عن محولاته عام 1963، بعد وضع خطة عدوان حزيران. قرر عزل الشعب الفلسطيني بحصاره داخل سجن كبير يحظر عليه أي مسعى لتقرير مصيره. بذلك حسم المصير الفلسطيني في عهد حزيران؛ مضت العلاقات الإسرائيلية مع الشعب الفلسطيني على نفس الوتيرة حتى مع التغيير الناجم عن الاحتلال العسكري لكامل الأرض الفلسطينية، حيث تم فعلا وضع فلسطين تحت السيطرة المطلقة، وفرض على جماهير الأرض المحتلة العيش تحت الأحكام العسكرية المشددة، بحيث يتعذر حشد نشاط سياسي جماهيري في أوساط السعب الفلسطيني.
العجز العربي طرأ شرخ في الصف العربي والفلسطيني على وجه الخصوص، تمدد شروخا مع الهزائم المتعاقبة. كانت الهزائم نتيجة محتمة للمقاومة المندفعة بالانفعالية والنزق واللاعقلانية. في البداية نشب الخلاف حول طبيعة الحركة الصهيونية وعلاقة الغرب بها؛ الدول لعربية التابعة للإمبريالية والشرائح الاجتماعية الموالية حافظت على تبعيتها للغرب مع إظهار العداء لإسرائيل حتى التهديد بإزالتها من الوجود، لكن بمؤهلات قاصرة. معظم الفصائل الفلسطينية عولت على دور أمريكي يخفف من غلواء القيادة الصهيونية ويدفعها لتقديم تنازلات. البعض من هذه الفصائل اقر ان مسعاه يقتصر على تحرير المناطق المحتلة عام 1967، وهو يعلم ان الامبريالية الأميركية لم تعارض عدوان إسرائيل ولم تبخل عليها بالمساعدات المادية وبالدعم السياسي. ومنظمات أخرى راهنت على دور أمريكي، وفي نفس الوقت ظلت مصرة على تحرير شامل لفلسطين. ظهر بعد حزيران خلاف آخر بصدد الهدف الاستراتيجي للمقاومة – تحرير شامل ام تحرير الأرض المحتلة. ثم بصدد أسلوب المقاومة بين المسلحة والشعبية. إصرار على التحرير الشامل في ظروف العجز الصارخ عن وقف سرقة الأرض او انتهاك حرمات المقدسات. ربما تفشل المقاومة الشعبية في تحقيق إنجازات ملموسة، لكن الكفاح المسلح له شروطه وملابساته ولا يجوز التلاعب به او تفضيله في باب المزاودة، فذلك تلاعب بالقضية. ليس الكفاح المسلح مجرد خيار رغبوي، ولا يجوز اعتماده بناءً على تحبيذ شعبي؛ الجمهور، باستثناء قلة من أصحاب الخبرة، بطبيعته يجهل المداراة واحتواء المشاكل، والتسويات العقلانية. والأغلبية الساحقة ممن يفضلون العنف المسلح يحجمون عن الدخول في التجربة وينتظرون الفدائي المخلص. أثناء ما سمي الانتفاضة الثانية كانت التفجيرات تقابل بالابتهاج في اللحظة الأولى، ثم يعم القلق من ان يكون المفجر من نفس الناحية، إذ يترتب على ذاك مضايقات وربما اضطهادات غير مستعدين لاحتمال عواقبها. تشظيات الصف الفلسطيني تمددت مع تجنب الواقعية السياسية. جميع الصدامات المسلحة على الأرض الفلسطينية بين دولة إسرائيل من جهة والفصائل الفلسطينية او دول جوار عربية بادرت بها إسرائيل واستدرجت الفصائل بعد أن أعدت قدرات عسكرية متفوقة، مع مكيدة تظهر المعتدى عليه معتديا، إذ تباغت بالاستفزاز، مثلما حدث في الحرب الأولى وفي عدوان حزيران 1967على دول عربية ثلاث، وعدوان 1982 على لبنان. أمكن طرد الاحتلال الإسرائيلي من لبنان وإجباره على الهرب في جنح الظلام بفضل مقاومة حزب الله؛ أسقطت مقولة "الجيش الذي لا يقهر "، حيث تهيأ لها مراكز تدريب وتأهيل ثابتة ومحررة راكمت المقاومة قدرات عسكرية ومهارات تنظيمية وإدارية ويقظة ثورية وقوة معنوية لمقاومة وطنية استحوذت على التأييد الشعبي والتأثير في الخصم. غير ان الشعب الفلسطيني المحاصر داخل السجن الكبير لم تتوفر لديه اي من مؤهلات الانتصار يراكمها في مراكز ثابتة ومحررة. لم تتوفر لديه مؤهلات انتصار حزب الله ولن تتوفر طالما يرسف في قيود الحصار. من العبث تقليد تكتيكات حزب الله داخل الأرض المحتلة. وللأسف تعاقبت العناصر انفرادية الى النشاط المسلح قصير الأمد، تشتعل مثل عود الثقاب لتنطفئ سريعا، إذ تخوض النزال بدون تدريب او تنظيم وبخبرة هزيلة في أساليب العدو ومكره ومكائده. الصدامات المسلحة أبقت أغلبية الجمهور الساحقة في عزلة عن النشاط السياسي الوطني تكابد الإحباط المعنوي. حراك الجمهور يولد نشاطا سياسيا وطنيا بمقدوره ان يقرر بين البدائل المطروحة ويحسم الخلافات بين البرامج السياسية المطروحة في الساحة. لا مانع من التكرار: من الجانب الفلسطيني تفكير لا عقلاني، دون الحداثي، سمته النزق والانفعالية وتبخيس دور الشعب وتغييب طاقاته الكفاحية حين يعي ظروف النضال وملابساته. تكرار الاخطاء كي تستفحل خطايا في غياب المراجعة النقدية. وهذه وغيرها من محددات السلوك اللاعقلاني المسترشد بالأوهام والخرافة والتفاهة لا تنفع في التصدي لقوة عدوانية تحوز على أحدث تكنولوجيا التسلح وتعتمد التخطيط والتنظيم والتجسس والخداع. من خلال اشراك الجماهير في النشاط السياسي يمكن تربيتها سياسيا وفكريا، تغدو الحكم النزيه بمستطاعه حسم الخلافات السياسية والتنظيمية بين الفصائل والبرامج السياسية. النجاح في كسب ثقة الجماهير وتحريكها الى المقاومة المتصاعدة هو معيار صحة البرامج السياسية للفصائل، وهو الوسيلة المجربة لتحقيق الإجماع الوطني.
#سعيد_مضيه (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
في إيطاليا إرادة الجمهور تنكرها القرارات السياسية
-
في فلسطين استعمار استيطاني صهيوني
-
أطفال فلسطين يشبون وسط العذابات فوق تراب الوطن
-
قمة بريكس -الحلقة الثانية
-
قمة بريكس: ضوء على عالم يمر بمرحلة تغير تدريجي -1
-
سكنت الفاشية بإجراءاتها وقيمها مؤسسات الديمقراطية
-
النظام الدولي الجديد خشبة الإنقاذ للقضية الفلسطينية
-
شرخ بالسياسة الأمنية الإسرائيلية: هل يمكن للفلسطينيين استغلا
...
-
ربع قرن على تفجيرات 11 أيلول /سبتمبر بنيويورك
-
حفظا للذاكرة الوطنية وإثراءًا لثقافتها المكافحة
-
حان الوقت كي يطرح الشعب الفلسطيني استراتيجيته ويقود النشاط ا
...
-
الثقافة الوطنية بين التخلف والتحديث
-
ثقافة التغلب على التحديات تستوحب التربية الوطنية الديمقراطية
-
تجريف المنهاج المدرسي من القيم الوطنية
-
التضامن مع الشعب الفلسطيني يتسع في أوساط الشعب الأميركي
-
الثورة الكوبية ملهمة التحدي الشعبي لطغاة العالم
-
التضامن مع فلسطين بالولايات المتحدة اندمج مع النضال المناهض
...
-
هل حقا تسيد قانون الغاب في العلاقات الدولية؟!
-
البديل يكمن في توجيه التراكم المالي: للتنمية بدل المضاربات
-
ترمب ينشر ثقافة الفاشية كي يحيلها نظام حكم بالولايات المتحدة
...
المزيد.....
-
لكمات واشتباكات بالأيدي.. فوضى بعد تأجيل التصويت على قرار تج
...
-
نحو مليون طلب للدعم النفسي في إسرائيل منذ 7 أكتوبر.. والشعور
...
-
أملا في استعادة القدرة على الإنجاب.. مراهق بريطاني يخضع لعمل
...
-
الشرطة الألمانية تقتل مسلحا أطلق النار على عناصرها في ولاية
...
-
انشقاق قائد العمليات الخاصة بـ-الدعم السريع-
-
الجمهوريون في الولايات المتحدة يواجهون عاصفة انتخابية وأوروب
...
-
التعليم العالي: طلاب حاسبات ومعلومات جامعة دمنهور يجتازون من
...
-
تنفيذاً لتوجيهات وزيرة التنمية المحلية والبيئة.. جهاز تنظيم
...
-
البصريات الوراثية.. أمل جديد لاستعادة جزء من البصر
-
هل لاقت كلمة رئيس الحكومة الفرنسية آذانا صاغية عند الطلاب ال
...
المزيد.....
-
الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ
...
/ سمير أبومدللة
-
إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط
...
/ فهد سليمان
-
في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48
/ محمد السهلي
-
لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية
/ محمود الصباغ
-
خطة ترامب: بين النص والتطبيق
/ معتصم حمادة
-
المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا
...
/ غازي الصوراني
-
إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب
/ محمود الصباغ
-
بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف
...
/ غازي الصوراني
-
قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة
/ معتصم حمادة
-
مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني
/ غازي الصوراني
المزيد.....
|