أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - نجيب محفوظ — السكين التي سبقتها الفتوى














المزيد.....

نجيب محفوظ — السكين التي سبقتها الفتوى


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 15:59
المحور: الادب والفن
    


في عصر يوم الجمعة، الرابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول 1994، خرج نجيب محفوظ من منزله في شارع النيل بالعجوزة، كعادته كل أسبوع، متوجهاً إلى ندوته في كازينو قصر النيل . كان في الثانية والثمانين من عمره، حاملاً جائزة نوبل للآداب، وذاكرة أدبية لا تقبل المساومة. جلس في سيارة صديقه الدكتور محمد فتحي هاشم. وفي اللحظات التي دار فيها الصديق حول السيارة ليركب، اقترب شابان. مدّ محفوظ يده، كما يفعل مع محبيه. لكن اليد التي امتدت لم تصافح، بل غرست سكيناً في رقبته .

لم يمت محفوظ في ذلك اليوم. نجا بأعجوبة، لكنه فقد القدرة على الكتابة بالشكل الذي كان عليه. عاش اثنتي عشرة سنة أخرى، لكن يد الأديب التي كتبت "الثلاثية" و"أولاد حارتنا" لم تعد قادرة على الإمساك بالقلم بالطريقة نفسها .

الشاب الذي طعن محفوظ لم يكن قد قرأ "أولاد حارتنا". في التحقيقات، لم يقل إنه قرأ الرواية ووجدها كفراً. قال شيئاً آخر: إنه سمع أنها كفر . هذا التفصيل هو مفتاح كل شيء. لم يكن العنف نتاج قراءة، بل نتاج خطاب. الخطاب الذي بنى جسراً بين "رواية لم تُقرأ" و"سكين لا تتردد".

هذا الخطاب لم يُنتج نفسه. كانت له بنية تحتية. في عام 1989، قال الشيخ عمر عبد الرحمن، الزعيم الروحي للجماعة الإسلامية آنذاك، المقيم في احضان المخابرات المركزية الأمريكية والإسلام التكفيري الذي فبركه بريحينسكي وكيسنجر في حديث لصحيفة لمحمية الكويت: "من الناحية الإسلامية، لو نُفذ الحكم اي القتل في نجيب محفوظ عندما كتب أولاد حارتنا لتأدب الآخرين " . هذه ليست فتوى بالمعنى الفقهي الرسمي، لكنها كانت كافية. أتباعه فهموها كأمر. والشاب الذي طعن محفوظ عام 1994 كان أحد هؤلاء الأتباع.

لكن الفتوى وحدها لا تكفي. السكين تحتاج إلى يد. واليد تحتاج إلى بيئة. البيئة التي جعلت طعن أديب عالمي ممكناً هي البيئة التي أنتجها خطاب وهابي/سلفي ممول خليجياً وترحيب نظام الكامب باي شيء يبرر التطبيع والخيانة ، خطاب يرى في كل إبداع مستقل عن الفتوى تهديداً وجودياً. لم يكن محفوظ "كافراً" لأنه كتب رواية. كان "كافراً" لأنه كتب رواية دون أن يطلب إذناً من مؤسسة دينية. هذا هو الفرق الجوهري.

الغرب، الذي يُفترض أنه حامي حرية التعبير، لم يتحرك. السعودية، التي موّلت نشر هذا الخطاب لعقود، لم تُسأل. مصر، التي كانت تتلقى مساعدات أمريكية سنوية، تعاملت مع الحادثة كجريمة جنائية عادية، لا كجريمة ضد الثقافة. محفوظ نفسه، في مقابلة بعد الحادثة، قال إن المتطرفين "خلقوا مناخاً من الخوف وفرضوا إرهاباً فكرياً على البلاد" . لكن أحداً لم يحاسب من خلق هذا المناخ.

في عام 2006، بعد وفاة محفوظ، نُشرت "أولاد حارتنا" أخيراً في مصر . كان ذلك بعد اثنتي عشرة سنة من الطعن، وبعد سبع وأربعين سنة من منعها الأول. الكتاب الذي لم يُقتل صاحبه بسببه، ظل محظوراً حتى بعد أن مات صاحبه. هذه هي الحصيلة الحقيقية: ليس فقط أن الإبداع يُقتل، بل أن أثره يظل محظوراً حتى بعد أن يُدفن صاحبه.

لم يكن طعن محفوظ حادثة معزولة. كان جزءاً من هندسة معرفية أوسع: خطاب يحدد مسبقاً ما هو "مسموح" و"ممنوع"، وما هو "إسلامي" و"كافر"، ومن يحق له الكلام ومن يجب إسكاته. والمال الذي موّل هذا الخطاب لم يكن مالاً بريئاً. كان مالاً يعرف ماذا يشتري: ليس الكتب، بل الصمت.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مصطفى العقاد — الإسلام الذي لا يمر عبر فتوى اسلام المحميات ا ...
- كيف تُدير أوروبا تناقضَها بين محاربة الإسلام التكفيري والتعا ...
- حكايات الانهيار والصعود من دمشق إلى باب المندب ..كتيب 13 مقا ...
- شرايين رقمية في العتمة كيف تُكتب حدود العالم تحت سطح الماء( ...
- المعلمُ الذي علّمَ الشعرَ: في أهمية المعلم الشيوعي
- سُقُوطُ الأَقْنِعَةِ النِّيُولِيبْرَالِيَّةِ .. فَلْسَفَةُ ا ...
- كتيب :أَعْصَابُ البَحْرِ.. حين تصمت الألياف وتتكلّم الجغرافي ...
- تحالف وهابية العدو السعودي والإمبريالية الأمريكية
- الدومينو يبدأ من بروكسل وباريس : حين يكتب محور المقاومة بداي ...
- كيف صاغ الاستشراق البنية التكفيرية الحديثة؟
- المنظومة التي لا تُرى: كيف تتشابك الثروة والعنف والسيادة في ...
- سقوط الشرعية الإقليمية… من تفكك النفوذ إلى صعود الشعوب
- مقارنة بين إعلام صنعاء والإعلام الخليجي الخادم للإمبريالية ا ...
- غزة: الإبادة كرسالة طبقية من النظام الرأسمالي العالمي
- نصف مليون ضحية: اليمن بين قصف العدو السعودي والجوع والصمت ال ...
- بين خنادق -العيديد العسكرية- وشاشات -العيديد الإعلامية-: قرا ...
- مسؤولية القيادة السعودية والإماراتية في حرب اليمن
- جيل الطلاب في اكتوبر ٢٠٢٦ : نحو اورب ...
- كيف بحمي اعلام محميات الخليج صورتها اللامعة باعتقال ألف صوت
- مَن رأى قبل الفجر.. مسرحية في ثلاثة فصول


المزيد.....




- -المهباش-.. رمز الوجاهة الأردنية وصوت -الإعلام- التراثي في م ...
- ممثلة أمريكية تحوّل ملصق فيلم إلى فستان على السجادة الحمراء ...
- بعد إصابته بالسرطان.. موسيقي يتمكن من الغناء مجددًا بفضل الذ ...
- أمسية ثقافية مميزة مع -طبيب الشعب- الدكتور مزاحم مبارك مال ا ...
- ممثلة أمريكية تضع صندوق موسيقى متحركًا لراقصة باليه على رأسه ...
- مسؤول قطري يشيد بالفنانة دانة المير ويبين ما يمكن أن تصبح
- رحيل الممثل البريطاني باتريك ستيوارت أيقونة «ستار تريك» و«إك ...
- رحيل باتريك ستيوارت عن 86 عامًا وفيلم «Avengers: Doomsday» ي ...
- وفاة الممثل ?البريطاني باتريك ستيوارت عن عمر ناهز 86 عاما
- روسيا وإفريقيا تدعوان لحماية الممتلكات الثقافية واستعادة ما ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - نجيب محفوظ — السكين التي سبقتها الفتوى