أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - احمد صالح سلوم - حكايات الانهيار والصعود من دمشق إلى باب المندب ..كتيب 13 مقالا















المزيد.....



حكايات الانهيار والصعود من دمشق إلى باب المندب ..كتيب 13 مقالا


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 01:30
المحور: الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
    


حين يسكن الموت في الفواتير

التحوّل الاستراتيجي: كيف أعاد الاستثمار الإيراني في اليمن تشكيل هندسة القوة في غرب آسيا ؟


المقال الاول

ثمة لحظات في تاريخ الأمم لا تُقاس بمعيار الربح والخسارة، بل بمعيار التحوّل البنيوي الذي تفرضه على خرائط النفوذ والقوة. وفي السنوات الأخيرة، شهد غرب آسيا واحدة من أعمق هذه اللحظات وأكثرها التباسًا على المراقبين: انتقال ثقل من الاستثمار الإيراني — السياسي والعسكري واللوجستي — من الساحة السورية إلى الساحة اليمنية. غير أن هذا الانتقال لم يكن مجرد إعادة توزيع للموارد بين ساحتين، بل كان إعادةَ تعريفٍ كاملة لمفهوم القوة الإقليمية، ولطبيعة "محور المقاومة"، وللخريطة التي رُسمت على مدى عقود من النفوذ في المنطقة.

فبينما كانت سوريا تعاني من طبقة حاكمة منقسمة، منهكة، مخترقة، وغير راغبة في القتال، كان اليمن — المحاصر، المجوّع، المقصوف — يبني قوة فوق إقليمية غير مسبوقة، مستندًا إلى مجتمع تعبوي متماسك، وقيادة غير فاسدة، وعقيدة قتالية صلبة. وهذا التباين بين الساحتين هو مفتاح فهم التحوّل الذي غيّر شكل المنطقة.



اليمن: حيث يتحوّل كل دولار إلى قدرة قتالية

قيادة لا تعيش على الامتيازات

القيادة اليمنية في صنعاء لا تعيش على الامتيازات، ولا على شبكات رجال الأعمال، ولا على اقتصاد ريعي يستنزف الثروة الوطنية. كل دعم يصل إليها — مهما كان محدودًا — يتحوّل إلى صاروخ بعيد المدى، أو مسيّرة دقيقة، أو منظومة بحرية، أو تدريب قتالي، أو تعبئة شعبية، أو بنية دفاعية محلية الصنع. وهذا ما جعل الاستثمار الإيراني في اليمن فعالًا بأضعاف مضاعفة مقارنة بالساحة السورية، حيث كان الدعم يُهدر في شبكات امتيازات لا تُنتج قوة.

مجتمع تعبوي عقائدي

اليمن يمتلك مجتمعًا متماسكًا، تعبويًا، غير مترف، غير مرتبط بالامتيازات، مستعدًا للقتال، قادرًا على تحمل الحصار والقصف. هذا المجتمع هو الذي خرج بالملايين في صنعاء والحديدة وذمار وصعدة ليطالب قيادته باستمرار ضرب إيلات وتل أبيب، رغم أنه يعيش أكبر كارثة إنسانية في العصر الحديث باعتراف الأمم المتحدة بسبب العدوان السعودي الاماراتي الصهيوني الإماراتي القطري . وهذا المشهد — ملايين يطالبون بالقتال وليس بالاستسلام — هو ما يفسّر كيف تحوّل اليمن من دولة محاصرة إلى قوة فوق إقليمية.



سوريا: بيئة تبتلع الدعم بدل إنتاج القوة

في المقابل، كانت سوريا تمثّل النقيض البنيوي لهذه الحالة. فالطبقة الحاكمة هناك كانت منقسمة، منهكة، مخترقة، غير راغبة في القتال، تعتمد على الحلفاء بدل بناء قوة ذاتية، وتبتلع الدعم بدل تحويله إلى قدرة قتالية. جزء من هذه الطبقة كان يطالب بالاستسلام، وجزء آخر كان يهرب أبناءه إلى أوروبا، وجزء ثالث كان ينسّق مع الخارج.

ولم تكن هناك عقيدة قتالية موحّدة، ولا مشروع وطني تعبوي، ولا مجتمع مستعد للقتال. كانت المدن الكبرى منهكة، والطبقة الوسطى منهارة، والروح الوطنية متآكلة. وفي بيئة كهذه، كان الدعم الإيراني يُهدر، ويتحوّل إلى امتيازات لا إلى قوة. وهذه النتيجة لم تكن مفاجئة، بل كانت طبيعية لبيئة تفتقر إلى البنية الاجتماعية–العسكرية القادرة على تحويل الدعم إلى فعل.



اليمن يحرّر أراضيه… ويغيّر ميزان القوى

استطاع اليمن خلال السنوات الأخيرة تحرير مناطق واسعة من مأرب والجوف والبيضاء وشبوة والساحل الغربي ومناطق قبلية ذات أهمية عسكرية، وأجزاء من الحدود الجنوبية وفق روايات محلية. هذا التحرير لم يكن رمزيًا، بل كان تغييرًا جيوسياسيًا حقيقيًا.

كما أصبح اليمن قادرًا على ضرب أهداف بعيدة داخل السعودية، وتعطيل منشآت حساسة، والتأثير على الملاحة في البحر الأحمر، والضغط على إسرائيل عبر ضرب إيلات وتل أبيب، وتهديد السفن المرتبطة بالعدو، وتغيير قواعد التجارة العالمية عبر هروب الأساطيل الأمريكية بعد مواجهة لأكثر من شهر مع الشعب اليمني . هذه ليست قدرات "دولة محاصرة"، بل قدرات قوة فوق إقليمية أعادت تعريف موازين الردع في المنطقة.



محور المقاومة: اليمن يضيف ما لم تستطع سوريا إضافته

سوريا كانت مركزًا جغرافيًا لمحور المقاومة، لكن بلا فعالية قتالية تُذكر. فرغم أهميتها الجغرافية، إلا أن الطبقة الانتهازية، والانقسامات الداخلية، وانهيار الروح الوطنية، وغياب المشروع الوطني، واختراق الأجهزة، والفساد الواسع، جعلت منها بيئة غير قادرة على تحويل الدعم إلى قوة.

أما اليمن، فقد أضاف إلى المحور قدرة صاروخية بعيدة المدى، وقدرة بحرية غير مسبوقة، وقدرة مسيّرات متقدمة، وقدرة تعبئة شعبية بالملايين، وقدرة على الضغط على إسرائيل مباشرة، وقدرة على تغيير ميزان البحر الأحمر، وقدرة على تهديد خطوط التجارة العالمية. هذه القدرات جعلت محور المقاومة أكثر فعالية بأضعاف مضاعفة مما كان عليه حين كانت سوريا مركزه.



تحويل إيران جزءًا من استثماراتها من سوريا إلى اليمن لم يكن خطوة تكتيكية عابرة، بل خطوة استراتيجية كبرى، لأن اليمن يمتلك بنية اجتماعية–عسكرية قادرة على تحويل الدعم إلى قوة فوق إقليمية، بينما كانت سوريا بيئة منهارة تبتلع الدعم دون إنتاج قوة. اليمن اليوم لاعب إقليمي مؤثر، يحرّر أراضيه، ويغيّر ميزان البحر الأحمر، ويضغط على العدو الصهيوني والعدو السعودي ، ويضيف إلى محور المقاومة ما لم تستطع سوريا إضافته رغم أهميتها الجغرافية. وهذا التحوّل هو ما يفسّر كيف غيّر الاستثمار الإيراني في اليمن شكل المنطقة، وأعاد رسم خرائط القوة فيها لعقود قادمة.

………



المقال الثاني :

من سوريا إلى اليمن: إعادة تعريف الجغرافيا السياسية للمقاومة




لم يكن انتقال جزء من الاستثمار الإيراني من سوريا إلى اليمن مجرّد تعديل في خارطة الدعم، بل كان إعادة تعريف للجغرافيا السياسية للمقاومة. ففي لحظة تاريخية دقيقة، تحوّلت الساحة اليمنية — المحاصرة، المنهكة، المقصوفة — إلى مركز فعّال لإنتاج القوة، بينما تراجعت الساحة السورية — رغم أهميتها الجغرافية — إلى هامش غير قادر على تحويل الدعم إلى نتائج.

هذا التحوّل لا يُقرأ بمنطق الخسارة والربح، بل بمنطق البنية والوظيفة: أي جغرافيا تنتج قوة، وأي جغرافيا تكتفي بأن تكون موقعًا على الخريطة؟ والإجابة عن هذا السؤال هي مفتاح فهم التحوّل الذي غيّر شكل المنطقة.


سوريا: الجغرافيا بلا فعالية

لسنوات طويلة، اعتُبرت سوريا "قلب محور المقاومة"، لكن هذا القلب كان ينبض ببطء شديد. فالجغرافيا وحدها لم تكن كافية، لأن الموقع الاستراتيجي لا يُترجم تلقائيًا إلى قوة استراتيجية. ففي سوريا، كانت هناك طبقة حاكمة منقسمة، ومؤسسات منهارة، ومجتمع غير تعبوي، واختراقات أمنية متعددة، واعتماد كامل على الحلفاء، وغياب مشروع وطني تعبوي جامع وحوالي مليوني سوري خونة يسكنون أنفسهم ثوار مرتزقة لمليارات من بترودولارات محميات الخليج الصهيو أمريكية و السي اي ايه .

كانت سوريا "موقعًا استراتيجيًا"، لكنها لم تكن "قوة استراتيجية". والفرق بين الاثنين هو الفرق بين من يملك الخريطة ومن يملك القدرة على تحريكها. فالموقع الجغرافي يمكن أن يمنحك عمقًا، لكنه لا يمنحك فعالية إلا إذا كانت هناك بنية اجتماعية–عسكرية قادرة على تحويل هذا العمق إلى فعل.

وفي سوريا، كانت هذه البنية غائبة أو منهكة. فالدعم كان يصل، لكنه كان يتبدد في شبكات امتيازات، ومؤسسات غير قادرة على الإنتاج، ومجتمع أنهكته سنوات الصراع وفقد الثقة في أي مشروع وطني جامع. وهكذا، تحوّلت سوريا من "قلب" إلى "هامش" — لا بسبب الجغرافيا، بل بسبب البنية.


اليمن: الجغرافيا التي تصنع الفعل

على النقيض، اليمن — رغم موقعه البعيد عن خطوط الاشتباك التقليدية — امتلك ما لم تمتلكه سوريا: قيادة غير فاسدة، ومجتمعًا تعبويًا متماسكًا، وعقيدة قتالية صلبة، وقدرة على تحويل كل دولار إلى قوة، وموقعًا بحريًا يتحكم بثلث التجارة العالمية.

الجغرافيا اليمنية لم تكن مجرد مساحة، بل منصة لإعادة تشكيل ميزان القوى. فاليمن لم يكتفِ بموقعه، بل صنع من موقعه فعلًا. فكل عنصر من عناصر القوة كان يعمل لصالح تحويل الدعم إلى قدرة: القيادة التي لا تعيش على الامتيازات، والمجتمع الذي يخرج بالملايين مطالبًا بالقتال لا بالاستسلام، والعقيدة التي لا تتزعزع، والقدرة على الابتكار العسكري رغم الحصار.

وهكذا، تحوّل اليمن من دولة محاصرة إلى قوة فوق إقليمية، لا لأن موقعه الجغرافي تغيّر، بل لأن بنيته الاجتماعية–العسكرية كانت قادرة على تحويل الموقع إلى فعل، والدعم إلى قوة، والحصار إلى دافع.



تحوّل اليمن إلى مركز فعّال للمقاومة، بينما بقيت سوريا مركزًا جغرافيًا بلا فعالية قتالية. وهذا هو جوهر التحوّل الإيراني: الانتقال من الجغرافيا إلى الفعالية، ومن الموقع إلى البنية، ومن الحضور إلى التأثير.

والدرس الاستراتيجي هنا واضح: الجغرافيا وحدها لا تصنع قوة. فالقوة تُصنع في البنية الاجتماعية، وفي القيادة، وفي العقيدة، وفي القدرة على تحويل الموارد إلى فعل. وسوريا — رغم أهميتها الجغرافية — لم تمتلك هذه البنية، بينما اليمن — رغم حصاره — امتلكها. وهذا هو الفارق الذي غيّر شكل المنطقة، وأعاد تعريف الجغرافيا السياسية للمقاومة.



المقال الثالث

فعالية الاستثمار: لماذا ينجح الدعم في اليمن ويفشل في سوريا؟



الاستثمار العسكري والسياسي ليس مجرد أموال تُنفق، بل هو علاقة بين "الداعم" و"البيئة المستقبلة". وما حدث بين سوريا واليمن هو درس استراتيجي نادر: البيئة هي التي تحدد قيمة الاستثمار، لا حجم الاستثمار نفسه. فالدولار نفسه يمكن أن يصنع صاروخًا في بيئة منتجة، أو أن يتحوّل إلى امتياز في بيئة مستهلكة. والفرق بين البيئتين هو الفارق بين من يبني قوة ومن يبتلع دعمًا.


سوريا: بيئة تبتلع الدعم

في سوريا، كان الدعم الإيراني يواجه بيئة معقّدة: طبقة انتهازية تبتلع الموارد، ومؤسسات غير قادرة على تحويل الدعم إلى قوة، ومجتمع منهك غير مستعد للقتال، وغياب العقيدة القتالية، واعتماد على الحلفاء بدل بناء قوة ذاتية وعدد كبير من الآباء ، يرسلون ابنائهم إلى أوروبا هربا من المشاركة في الدفاع عن الوطن ، رغم أنهم استفادوا من كل سبل دعم الدولة السورية ، لأكثر من خمس عقود .

كانت سوريا "حفرة استنزاف"، لا "منصة إنتاج". فالدعم كان يصل، لكنه كان يتبدد في شبكات امتيازات، وفي مؤسسات لا تُنتج قوة، وفي مجتمع فقد الثقة في أي مشروع وطني جامع. وكانت النتيجة أن الدعم الإيراني في سوريا أنتج طبقة انتهازية، لا قوة قتالية.

وهذا ليس مفاجئًا، بل هو نتيجة طبيعية لبيئة تفتقر إلى البنية الاجتماعية–العسكرية القادرة على تحويل الدعم إلى فعل. فالدعم لا يصنع قوة بذاته، بل يصنعها فقط عندما يجد بيئة قادرة على تحويله. وسوريا لم تكن هذه البيئة.



اليمن: بيئة تنتج القوة

في اليمن، كل عنصر كان يعمل لصالح تحويل الدعم إلى قدرة: القيادة غير الفاسدة، والمجتمع المتماسك، والعقيدة القتالية، والقدرة على الابتكار العسكري، والاستعداد الشعبي للتضحية، وغياب الطبقة الريعية.

الدعم في اليمن لا يُهدر، بل يتحوّل إلى صواريخ، ومسيّرات، وقدرات بحرية، وتعبئة شعبية، وتحرير أراضٍ، وضغط على خصوم إقليميين. فكل دولار يصل إلى اليمن يتحوّل إلى قدرة قتالية، لا إلى امتياز. وهذا هو الفارق البنيوي الذي جعل الاستثمار الإيراني في اليمن فعالًا بأضعاف مضاعفة مقارنة بالساحة السورية.

والسبب ليس أن الدعم في اليمن أكبر، بل لأن البيئة اليمنية كانت قادرة على تحويل الدعم إلى قوة. فالقيادة التي لا تعيش على الامتيازات، والمجتمع الذي يخرج بالملايين مطالبًا بالقتال، والعقيدة التي لا تتزعزع — كل هذه العناصر جعلت من اليمن بيئة منتجة، لا مستهلكة.



الاستثمار الإيراني في اليمن أنتج قوة فوق إقليمية، بينما الاستثمار في سوريا أنتج طبقة انتهازية. وهذا هو الفارق البنيوي الذي غيّر شكل المنطقة.

والدرس الاستراتيجي هنا واضح: البيئة هي التي تحدد قيمة الاستثمار، لا حجمه. فالدعم يمكن أن يصنع قوة في بيئة منتجة، أو أن يتبدد في بيئة مستهلكة. واليمن — رغم حصاره — كان بيئة منتجة، بينما سوريا — رغم أهميتها الجغرافية — كانت بيئة مستهلكة. وهذا هو الفارق الذي يفسّر لماذا ينجح الدعم في اليمن ويفشل في سوريا.


…….

المقال الرابع

اليمن ومحور المقاومة: ولادة مركز جديد للقوة الإقليمية



حين يُذكر محور المقاومة، تُذكر عادةً جغرافيات محددة: لبنان، سوريا، العراق، فلسطين. لكن السنوات الأخيرة أضافت لاعبًا جديدًا: اليمن. ليس كلاعب هامشي، بل كقوة فوق إقليمية تعيد تشكيل قواعد الاشتباك.

هذا التحوّل لا يُقرأ بمنطق الإضافة الجغرافية، بل بمنطق إعادة التوزيع الوظيفي: أي مركز ينتج قوة، وأي مركز يكتفي بالحضور؟ والإجابة عن هذا السؤال هي مفتاح فهم ولادة المركز الجديد.


اليمن: القوة التي جاءت من الهامش

اليمن لم يكن جزءًا من المعادلة الإقليمية التقليدية. كان يُنظر إليه كبلد فقير، محاصر، منهك. لكن هذا البلد قدّم مفاجأة استراتيجية: قدرات صاروخية بعيدة المدى، ومسيّرات دقيقة، وقدرات بحرية غير مسبوقة، وتعبئة شعبية بالملايين، وتحرير أراضٍ واسعة، وضغط مباشر على إسرائيل، وتهديد خطوط التجارة العالمية.

هذه ليست قدرات دولة محاصرة، بل قدرات قوة فوق إقليمية . فاليمن لم يكتفِ بموقعه الهامشي، بل صنع من هذا الموقع مركزًا جديدًا للقوة. فكل عنصر من عناصر القوة كان يعمل لصالح تحويل الهامش إلى مركز: القيادة التي لا تعيش على الامتيازات، والمجتمع الذي يخرج بالملايين مطالبًا بالقتال، والعقيدة التي لا تتزعزع، والقدرة على الابتكار العسكري رغم الحصار.

وهكذا، تحوّل اليمن من هامش إلى مركز، لا لأن موقعه الجغرافي تغيّر، بل لأن بنيته الاجتماعية–العسكرية كانت قادرة على تحويل الهامش إلى قوة.



سوريا: المركز الذي فقد فعاليته

رغم أهمية سوريا الجغرافية، فإن الانقسامات الداخلية، والطبقة الانتهازية، وانهيار المؤسسات، وغياب العقيدة القتالية، والاعتماد على الحلفاء، جعلها مركزًا غير قادر على إنتاج القوة. فسوريا كانت مركزًا جغرافيًا، لكنها لم تكن مركزًا فعّالًا. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين من يملك الموقع ومن يملك القدرة على تحريكه.

وفي سوريا، كانت القدرة غائبة أو منهكة. فالدعم كان يصل، لكنه كان يتبدد في شبكات امتيازات، ومؤسسات غير قادرة على الإنتاج، ومجتمع أنهكته سنوات الصراع. وهكذا، تحوّلت سوريا من مركز إلى هامش — لا بسبب الجغرافيا، بل بسبب البنية.



محور المقاومة بعد التحوّل

اليمن أضاف إلى المحور ما لم تستطع سوريا إضافته: قدرة على الضغط البحري، وقدرة على ضرب إسرائيل مباشرة، وقدرة على تهديد العدو السعودي ، وقدرة على تغيير ميزان البحر الأحمر، وقدرة على إنتاج السلاح محليًا، وقدرة على تعبئة شعبية غير مسبوقة.

هذه القدرات جعلت محور المقاومة أكثر فعالية بأضعاف مضاعفة مما كان عليه حين كانت سوريا مركزه. فالمحور لم يعد يعتمد على مركز جغرافي واحد، بل على مركز فعّال قادر على إنتاج القوة. واليمن هو هذا المركز.


تحوّل محور المقاومة من محور يعتمد على سوريا كمركز جغرافي، إلى محور يعتمد على اليمن كمركز فعّال. وهذا التحوّل جعل المحور أقوى بأضعاف مضاعفة.

والدرس الاستراتيجي هنا واضح: المركز ليس موقعًا جغرافيًا، بل وظيفة بنيوية. فمن ينتج القوة هو المركز، ومن يكتفي بالحضور هو الهامش. واليمن — رغم حصاره — أنتج القوة، بينما سوريا — رغم أهميتها الجغرافية — اكتفت بالحضور. وهذا هو الفارق الذي أعاد تعريف محور المقاومة، وولّد مركزًا جديدًا للقوة الإقليمية.

………


المقال الخامس

سوريا بعد السقوط: دولة بلا مؤسسات في مواجهة الإبادة البطيئة

— حين تختفي الدولة من الخريطة الإدارية، لم تعد الحاجة إلى القنابل ضرورية للقتل



في الثامن من ديسمبر 2024، سقطت دمشق في أيدي عصابات الهاغانا الوهابية الإخوانجية المسلحة، وأُعلن نهاية حكم عائلة الأسد الذي دام نصف قرن. لكن بالنسبة لعشرين مليون سوري ما زالوا على الأرض السورية، لم يتحقق أي شيء مما وعدت به عبارة "تغيير النظام". ما تحقق هو شيء آخر: شكل من أشكال الموت لا يحتاج إلى إعلان حرب، ولا إلى قصف، ولا إلى قرار من مجلس الأمن. إنه هادئ، بطيء، يومي، كالماء الصدئ الذي يتدفق من الصنبور، كخزانة الأدوية الفارغة في المستشفى، كالطفل الذي يبرد في حضن أمه.

هذه ليست حربًا. الحرب انتهت — على الأقل هذا ما تقوله وسائل الإعلام الغربية. هذه إبادة بطيئة: دولة تترك شعبها يموت، بلا مؤسسات.



موت الدولة سبق موت النظام

لم تنهار آلة الدولة السورية في الثامن من ديسمبر 2024. لقد جُرِّدت طبقةً بعد طبقة على مدى أكثر من عقد. وعندما جاءت لحظة التغيير، لم يجد القادمون الجدد سوى قشرة فارغة. والحقيقة أن القشرة لم تكن فارغة فحسب، بل كانت قد بدأت تتحلل من الداخل.

تشكّلت الحكومة الانتقالية لسلطة الاحتلالات التركية والصهيونية والخليحية في مارس 2025 برئاسة الجولاني . وقد منح الإعلان الدستوري الرئيس المؤقت صلاحيات واسعة في التعيين، بلا رقابة ولا موازنة. والمبرر فاشي : المرحلة الانتقالية تحتاج إلى صلاحيات استثنائية. لكن الاستثناء أصبح قاعدة، والقاعدة أصبحت فراغًا. فالإدارة المحلية، والقضاء، والشرطة، والصحة العامة — تلك المؤسسات التي تمنح كلمة "دولة" معناها الفعلي — إما غائبة في معظم المناطق، أو تديرها جماعات إرهابية داعشية أو إخوانجية مسلحة، أو تتلاعب بها قوى خارجية.

وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش المجازر التي استهدفت المدنيين العلويين في مارس 2025، وأعمال العنف ضد الدروز في يوليو، وقد ارتكبتها قوات حكومة الاحتلال التركي والصهيوني وحلفاؤها. وأكدت لجنة التحقيق الأممية أن عمليات القتل والتعذيب والنهب الواسع في اللاذقية وطرطوس وحماة "نفّذتها بشكل أساسي قوات الأمن والجيش والميليشيات" التابعة لرأس الاحتلال في تل ابيب وأنقرة . هذه ليست مؤسسات تعمل. هذا غياب المؤسسات يقتل.

وعلى المستوى اليومي، يجري قتل أكثر هدوءًا. فقد خلّفت أكثر من عشر سنوات من الحرب في الأرض السورية عددًا لا يُحصى من الألغام والمخلفات غير المتفجرة التي زرعها ثوار الناتو والمحميات والكيان الإرهابيين . في عام 2025، قُتل 165 طفلًا وجُرح 423، ليبلغ إجمالي الضحايا 1592 شخصًا، بينهم 585 قتيلًا — وهو أعلى رقم خلال خمس سنوات. طفل في السادسة وطفل في العاشرة فقدا ساقيهما أثناء إصلاح منزلهما المدمّر قرب إدلب. وقُتل أخوهما الثامن. قال الأب: "لن نعود. عائلتي دُمّرت".

هذه ليست قصة "إعادة إعمار بعد الحرب". هذه قصة دولة تتعفن بلا مؤسسات.



آلية الإبادة البطيئة: حين تتحول الخدمات إلى سلاح

الإبادة بالمعنى التقليدي تحتاج إلى جلادين، وفرق إعدام، ومقابر جماعية. الإبادة التي تعيشها سوريا لا تحتاج إلى أي من ذلك. كل ما تحتاجه هو: مستشفى بلا دواء، وصنبور بلا ماء، ومدرسة بلا معلمين، ومحكمة بلا قضاة ، وزبالة لا ترفع من الشوارع والأزقة .

في سوريا عام 2025، عادت إمدادات الكهرباء في المدن الرئيسية إلى نحو 20 ساعة يوميًا، للمرة الأولى منذ عقد. وقد قُدِّم هذا على أنه "تقدم". لكن بلدًا كان يملك شبكة كهرباء كاملة، ثم يحتفل بـ"20 ساعة يوميًا" كإنجاز، يكشف بنفسه عمق الانهيار. وفي خارج المدن الكبرى، في تلك القرى والبلدات التي لا تظهر على خرائط رواية إعادة الإعمار، يبقى الظلام هو القاعدة، كما ان الناس تخاف أن تستخدم حتى الثلاث الساعات ، التي كان يوفرها نظام بشار الأسد في عز الحرب الاستعمارية عليه ، لأن تكلفتها بعد الاحتلال ، تساوي أكثر من راتب شخصين يعملان في البيت ، بينما لم تكن تمثل إلا ثلاثة بالمئة، من الراتب في عهد الأسد ..

وينطبق الأمر ذاته على النظام الصحي. تُظهر بيانات منظمة الصحة العالمية ومنظمة إنقاذ الطفولة أن الإصابات الناجمة عن الألغام والمخلفات الحربية بين الأطفال بلغت في 2025 أعلى مستوى لها خلال خمس سنوات. لكن ما يقتل أطفالًا أكثر هو ما لا يُحصى: غياب اللقاحات، وغياب المضادات الحيوية، وغياب رعاية الحمل، وغياب غسيل الكلى. حين تتوقف الدولة عن العمل، تصبح البقاء نفسه مسألة حظ.

والأمر الأكثر قسوة هو أن هذا النمط من الموت لا مسؤول عنه. لا جنرال يمكن تقديمه للمحاكمة، ولا رئيس يمكن فرض عقوبات عليه. لا يمكنك مقاضاة "وزارة صحة غير موجودة". ولا يمكنك قصف "نظام مياه غائب". وجمال الإبادة البطيئة — إذا سُمح بهذه الكلمة — هو أنها توزّع الموت على الجميع، فلا يحتاج أحد إلى تحمّل المسؤولية.



سوريا اليوم ليست دولة. إنها اسم جغرافي، ومساحة تقتسمها قوى خارجية متعددة، وحاوية تترك الناس يموتون فيها بلا حماية مؤسسية. الألغام تنتظر في الحقول الفلاحين العائدين، والمستشفيات تنتظر في الظلام أدوية لن تأتي أبدًا، والمحاكم تنتظر في الأنقاض قضاة لن يُعيَّنوا أبدًا.

والعالم ينظر. أو بالأحرى، العالم لا ينظر. لأن الإبادة البطيئة لا تحتاج إلى أن تُرى. تحتاج فقط إلى أن تُتجاهل. إبادة لا تحتاج إلى قنابل، لا تحتاج إلى عناوين. وموت لا يحتاج إلى جلاد، لا يحتاج إلى مساءلة. السوريون يموتون، والذي يقتلهم شيء لا وجود له أصلًا: دولة كان يجب أن تكون، وليست موجودة.


……..

المقال السادس

الطبقة الانتهازية السورية: كيف دمّرت الدولة من الداخل؟

— من قلب "محور المقاومة" إلى جسد أجوف



هناك تفسير شائع لانهيار سوريا: القوى الخارجية كثيرة، والحرب قاسية، والعقوبات صارمة، والجغرافيا السياسية معقدة. لهذا التفسير ميزة واحدة: إنه يجعل الجميع مسؤولًا، وبالتالي لا أحد مسؤولًا. لكنه يغفل متغيرًا حاسمًا: خيانة طبقة.

لم يخسر كل السوريين هذه الحرب. هناك مجموعة ربحت. لم تربح في ساحة المعركة، بل ربحت في الوقت المناسب، بوضع الموارد المناسبة، في الجيب المناسب. هذه الطبقة كانت تسمي نفسها سيدة البلد، وطليعة "المقاومة"، وعمود فقرات الأمة. وفي النهاية، أثبتت أنها مجرد مجموعة من الذين اتخذوا الدولة صرافًا آليًا.



الانتهازية كمنهج حكم

بعد عام 2016، ومع ترسّخ الوجود العسكري الروسي، تحوّل منطق حكم نظام الأسد تحوّلًا دقيقًا وجذريًا. قبل ذلك، كان عليه على الأقل أن يحافظ على مظهر "دولة": دفع رواتب، وإبقاء جيش، وتقديم خدمات أساسية. بعد ذلك، أصبح نقابة لجمع الإتاوات.

عقود الحكومة ذهبت إلى أبناء العمومة والأصهار والمقرّبين في الأجهزة الأمنية. وشبكات التهريب — — سيطر عليها من يملكون "الامتيازات". والرتب والألقاب أصبحت سلعة، بأسعار معلنة. أما العمل الحقيقي — الحكم والتخطيط والبناء — فأصبح عبئًا لا يريد أحد تحمّله. لأن الحكم لا يُدرّ أموالًا، والنهب يُدرّها.

ولهذا السبب، عندما أطلقت المعارضة الإرهابية المسلحة للخونة السوريين عملية "ردع العدوان" في أواخر نوفمبر 2024، انهارت الجبهة بأكملها في غضون أيام. من حلب إلى حماة، ومن حمص إلى دمشق، لم يحدث أي شيء يستحق أن يُسمى "قتالًا". ليس لأن المعارضة الخيانية المأجورة كانت قوية فهؤلاء أضعف من أن يقاتلوا في جبهة صغيرة ، لو أرادت أن تقف في وجوههم ، بل لأن لا أحد كان مستعدًا للموت من أجل شيء مُفرَّغ من الداخل.

من بقي داخل النظام بعد 2016 كان يعرف ما يفعله هذا النظام. كان يعرف أن العقود مزيفة، والبيانات مزيفة، والولاء مزيف. كان يعرف أن كل قرش يحصل عليه مسروق من مكان ما. وعندما جاء ذلك اليوم، لم يكن عليه سوى أن يفعل شيئًا واحدًا: يغيّر ثوبه، أو يغيّر الحدود.


مفارقة عن "المقاومة"

هناك رواية متداولة عن كلام الأسد في اللحظات الأخيرة من عمر نظامه، تستحق التأمل. يُقال إنه قالها في المؤتمر الفكري لحزب البعث قبل السقوط بأشهر ما معناه: إن اليمن وغزة محاصران أكثر من سوريا، ومع ذلك يقاتلان.

إذا كانت هذه الرواية صحيحة، فإنها تكشف شيئًا أقسى من أي تحليل: الأسد نفسه كان يعرف أين تكمن المشكلة. كان يعرف أن مشكلة سوريا ليست إسرائيل، ولا أمريكا، ولا تركيا، ولا العقوبات. المشكلة كانت في طبقته هو. يمن محاصر قادر على إطلاق صواريخ نحو البحر الأحمر، وغزة محاصرة تقاتل في الأنفاق، وسوريا التي تملك جيشًا نظاميًا وسلاح جو وحلفاء ومقعدًا في الأمم المتحدة، تسلّم عاصمتها في أيام. الفرق ليس في الموارد، ولا في السلاح، ولا في الأصدقاء. الفرق في: من مستعد للموت من أجل أرضه، ومن مستعد فقط للعيش من أجل حسابه.

وربما الأكثر سخرية هو أن أولئك الذين فروا من دمشق قبل الثامن من ديسمبر 2024، ذهب كثير منهم إلى المكان نفسه: أوروبا. أبناؤهم يدرسون الطب هناك، وزوجاتهم يتسوقن هناك، وأموالهم آمنة هناك. أما مواطنوهم السوريون، أولئك الذين لا يملكون جواز سفر ثانيًا، فقد بقوا في الألغام والأنقاض والإبادة البطيئة.

الطبقة الانتهازية لم تدمر نظامًا فقط. لقد دمّرت احتمالًا: احتمالًا كان يمكن أن يكون للسوري، حيث لا يضطر إلى الاختيار بين الشهادة والمنفى.


……..

المقال السابع

سوريا بين الاحتلالات: كيف تحوّلت البلاد إلى غنيمة دولية؟

— حين تصبح السيادة ذكرى، وتصبح الخريطة قائمة طعام



بعد ديسمبر 2024، لم تعد سوريا دولة ذات سيادة. هذا ليس حكمًا بلاغيًا. إنه واقع قانوني وواقع مكاني. دولة تُسيطر قوى احتلال خارجية متعددة على أراضيها في الوقت نفسه، وتقطعها وتنهبها، ولا تُظهر أي منها نية للرحيل — هذا لا يحتاج إلى جدال، بل إلى خريطة.

إسرائيل في الجنوب. تركيا في الشمال. النفوذ الأمريكي والقوات الكردية في الشرق. رأس المال الخليجي، والشركات التركية، وعمالقة الطاقة الأمريكيون يطاردون مصالحهم في مناطق مختلفة. أما السوريون، على هذه الخريطة التي تُعاد كتابتها مرارًا، فهم الطرف الوحيد الذي لا صوت له.



الجنوب: احتلال إسرائيلي "دفاعي"

اتخذت إسرائيل إجراءات فورية بعد سقوط الأسد. فقد أُلغي اتفاق فك الارتباط لعام 1974 من جانب واحد، وتوغّل الجيش الإسرائيلي شرق المنطقة العازلة، محتلًا نحو 800 كيلومتر مربع إضافية من الأراضي السورية. وفي نوفمبر 2025، زار نتنياهو القوات الإسرائيلية في جنوب سوريا، مرتديًا سترة واقية وخوذة، واعدًا بحماية الأقلية الدرزية بعد أن أصدر أمرا ابادة جماعية ضد الدروز ، ليختاروا كرها الكيان الصهيوني لحمايتهم ، ممن نصبهم ترامب ونتنياهو في سلطة تمر واقع .

وصفت دمشق ذلك بأنه "انتهاك صارخ للسيادة السورية". ولم يبالِ نتنياهو. وقال مسؤول عسكري سوري بصراحة أكبر: "زيارة نتنياهو تحمل رسالة: لن ننسحب من المناطق التي دخلناها بعد 8 ديسمبر. ومهما كانت مستقبل الاتفاق الأمني، هذه هي الرسالة التي يبعثونها إلى سوريا".

الذريعة الإسرائيلية هي الأمن. لكن "الأمن" مفهوم قابل للتمديد إلى ما لا نهاية. دولة تقيم وجودًا عسكريًا طويل الأمد على أرض دولة أخرى لا ترحل أبدًا بسبب "الأمن". إنها ترحل فقط بسبب انعدام الأمن ، اي المقاومة التي تثخن في قوات الاحتلال كما تكلل بتحرير الجنوب اللبناني عام 2000 — وهي تعرّف انعدام الأمن بطريقة تضمن ألا تشعر به أبدًا.



الشمال: "الجار" التركي في صيغة أخرى

تركيا لا تسمي وجودها في شمال سوريا "احتلالًا". إنها تسميه "منطقة آمنة"، و"عملية مكافحة إرهاب"، و"مساعدة أخوية". لكن تقرير البرلمان الأوروبي حول تركيا لعام 2025 استخدم لغة مختلفة: أعرب عن قلقه إزاء "استمرار وجود القوات المسلحة التركية في البلاد" و"مشاركة الجماعات المسلحة المدعومة من تركيا في أعمال العنف الأخيرة في شمال وشمال شرق سوريا"، و"أدان إنشاء بنية تحتية عسكرية وإدارية دائمة في المناطق المحتلة الخاضعة للسيطرة التركية".

وترجمة ذلك إلى لغة يومية: تركيا أنشأت بالفعل نظامًا إداريًا فعليًا في شمال سوريا. الليرة التركية تتداول. الشركات التركية تعمل. المدارس التركية تعلّم. المخابرات التركية تقرر من يمكن تعيينه ومن يجب أن يختفي. في عام 2025، تجاوزت الصادرات التركية إلى سوريا 3 مليارات دولار، ونمت التجارة السورية–الأردنية بنسبة 300%. تُقدَّم هذه الأرقام على أنها "تقدم في إعادة الإعمار"، لكنها يمكن أن تُقرأ أيضًا كـإحصاءات تجارية لاقتصاد مُدمج أو بتعبير أدق محتل .



الشرق: النفط والأنابيب والسيادة الغائبة

نفط سوريا ليس تحت سيطرة دمشق. إنه في الشرق، في دير الزور والحسكة، تحت إدارة القوات الكردية التي سلمته شكليا لعصابة الخونة في دمشق من الإخوانج والقاعدة وداعش ، وهم كالعادة سلموه للشركات الدولية الاستعمارية كشيفرون وسمسرة بلال أردوغان التي دخلت بعدها.

في أكتوبر 2025، توصّلت قوات سوريا الديمقراطية الكردية إلى اتفاق شفهي مع الحكومة الانتقالية لتسليم حقول دير الزور النفطية إلى دمشق، مع الاحتفاظ بجزء من الإنتاج للسوق المحلية. هذا الترتيب يبدو حلًا، لكنه يخفي مشكلة أعمق: نفط سوريا لم يكن يومًا ملكًا كاملًا للسوريين. في زمن الحرب، كان يُهرَّب إلى تركيا، ومنها إلى الكيان الصهيوني المارق ، وكانت تُوجَّه اتهامات بتورطه في تجارة نفط "داعش"، وكانت وزارة الدفاع الروسية تتهم علنًا شبكة عائلة أردوغان. وفي زمن "السلام" أو الاحتلال التركي الصهيوني ، تسلّمته الشركات الاستعمارية الدولية.

في عام 2026، وقّعت شركة HKN Energy، ومقرها تكساس، اتفاقية تقاسم إنتاج لمدة 25 عامًا مع شركة النفط السورية، وتولّت سبعة حقول. ووقّعت كونوكو فيليبس مذكرة تفاهم، لتصبح أول شركة أمريكية كبرى تدخل قطاع الطاقة السوري. تُوصف هذه الصفقات بأنها "إعادة إعمار" و"عودة إلى المجتمع الدولي". لكن من زاوية أخرى، هي أحدث مرحلة في عملية انتزاع منهجي للموارد من أصحابها. أولًا التهريب، ثم السيطرة بواسطة الجماعات المسلحة الإرهابية للخونة السوريين وشذاء الآفاق ، ثم الاستخراج "القانوني" بواسطة الشركات الأجنبية. الشيء الوحيد الذي لا يتغير: السوريون لا يحصلون على حصتهم.



سوريا اليوم ليست محتلة من دولة واحدة. إنها محتلة من عدة دول في الوقت نفسه، كل منها تعلن أسبابها: الأمن، ومكافحة الإرهاب، وحماية الأقليات، والاستقرار، وإعادة الإعمار. هذه الأسباب متناقضة، لكن لها قاسمًا مشتركًا: لا شيء منها يشمل ترك السوريين يقررون مستقبلهم.

دولة مقطّعة، شعبها لا يواجه سؤال "أي محتل نختار". إنه يواجه سؤالًا أكثر جوهرية: في مساحة لا وجود فيها حتى للسيادة، ماذا يمكن للإنسان أن يملك؟ الجواب ربما: لا شيء. سوى الألغام، والأنقاض، و"مرحلة انتقالية" تُوعَد بها مرارًا ولا تأتي أبدًا.

………



المقال الثامن

اليمن: القوة التي خرجت من الهامش لتعيد تشكيل ميزان الشرق الأوسط

— حين يصنع الحرمان قوة، ويصنع الحصار أسطولًا، ويصنع التجويع إرادة لا تُكسر




لم يكن اليمن يومًا في قلب المعادلة الإقليمية. كان يُنظر إليه كبلد فقير، محاصر، منهك، يعيش واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث. لكن هذا البلد، الذي حاولت القوى الكبرى عزله، خرج من الهامش ليصبح قوة فوق إقليمية تعيد تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط.

هذه المفارقة تستحق التأمل، لا لأنها مفاجئة فحسب، بل لأنها تكشف عن قانون في العلاقات الدولية كثيرًا ما يُغفل: القوة لا تُقاس بحجم الموارد، بل بقدرة البنية على تحويل ما هو متاح إلى فعل. واليمن، رغم شحّ موارده، امتلك هذه البنية، فصنع من الهامش مركزًا، ومن الحصار دافعًا، ومن الألم سلاحًا.


قوة جاءت من الألم

اليمن لم يصنع قوته من وفرة الموارد، بل من شحّها. لم يصنعها من استقرار سياسي، بل من الفوضى. لم يصنعها من مؤسسات قوية، بل من انهيارها. هذه المفارقة جعلته قوة غير قابلة للتوقع، وغير قابلة للكسر.

ففي الحالة اليمنية، لم تكن القوة نتاج تراكم اقتصادي ولا استقرار مؤسسي ولا دعم خارجي سخي. كانت نتاج إرادة جماعية صقلتها سنوات من الحصار والقصف والتجويع. وحين تُصقل الإرادة الجماعية في هذه الظروف، فإنها تنتج ما لا تنتجه الجيوش التقليدية: قدرة على التحمل تفوق الحسابات العسكرية، وقدرة على الابتكار تفوق الإمكانات المادية، وقدرة على التعبئة تفوق حدود الجغرافيا.

ولهذا، فإن اليمن لم يكن "دولة محاصرة" بالمعنى التقليدي، بل كان بيئة منتجة للقوة رغم الحصار. وهذا هو الفارق بين من ينهار تحت الضغط ومن يُعاد تشكيله تحت الضغط.



تحرير الأرض كمنهج

بين عامي 2019 و2024، استطاع اليمن تحرير مناطق واسعة من الساحل الغربي، ومأرب، والجوف، والبيضاء، وشبوة، ومناطق واسعة من الحدود الجنوبية. هذا التحرير لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل كان إعلانًا عن ولادة قوة جديدة.

فالتحرير لم يكن عملية عسكرية معزولة، بل كان منهجًا يعكس بنية اجتماعية–عسكرية قادرة على تحويل الدعم إلى قدرة، والخطط إلى واقع، والإرادة إلى خريطة. وكل منطقة حُرّرت كانت تُضاف إلى رصيد القوة، لا كمكسب رمزي، بل كتغيير جيوسياسي حقيقي يعيد رسم موازين المنطقة.

ولأن التحرير كان منهجًا لا حدثًا، فإنه لم يتوقف عند حدود معينة، بل استمر في تغيير الوقائع على الأرض، مما جعل اليمن لاعبًا لا يمكن تجاهله في أي حساب إقليمي.




اليمن اليوم ليس دولة محاصرة، بل لاعبًا إقليميًا يفرض شروطه على البحر الأحمر، وعلى السعودية، وعلى إسرائيل، وعلى خطوط التجارة العالمية. وهذا التحوّل لا يُقرأ بمنطق "الانتصار العسكري" فحسب، بل بمنطق إعادة تعريف القوة في المنطقة.

فاليمن أثبت أن القوة يمكن أن تُصنع من الهامش، وأن الحصار يمكن أن يُنتج أسطولًا، وأن التجويع يمكن أن يُنتج إرادة لا تُكسر. وهذا هو الدرس الاستراتيجي الذي يفرض نفسه على كل من يحاول فهم التحولات الجديدة في الشرق الأوسط.



……

المقال التاسع

البحر الأحمر: كيف أصبح اليمن لاعبًا بحريًا يغيّر قواعد التجارة العالمية؟

— من أطراف الجغرافيا إلى قلب الممرات الاستراتيجية



البحر الأحمر كان دائمًا ممرًا استراتيجيًا، لكنه لم يكن يومًا ساحة نفوذ لدولة محاصرة. اليمن غيّر هذه القاعدة. ففي لحظة تاريخية، تحوّل من بلد يعيش على أطراف الجغرافيا إلى قوة بحرية قادرة على التأثير في واحد من أهم الممرات التجارية في العالم.

هذا التحوّل لا يُقرأ بمنطق "القرصنة" أو "التهديد"، بل بمنطق إعادة توزيع النفوذ البحري في منطقة كانت تُدار لعقود وفق مصالح قوى خارجية. واليمن، بموقعه على باب المندب، وجد نفسه في قلب هذه المعادلة، فصنع منها فرصة، لا عبئًا.



باب المندب: بوابة القوة الجديدة

باب المندب ليس مجرد مضيق، بل هو شريان للتجارة العالمية، ونقطة عبور للنفط، وممر استراتيجي للسفن العسكرية، وبوابة تربط آسيا بأوروبا. اليمن، بسيطرته على هذا المضيق، أصبح قادرًا على تعطيل الملاحة، والضغط على إسرائيل، والتأثير على السعودية والإمارات، وتغيير قواعد التجارة العالمية.

فالمضيق، في يد اليمن، لم يعد مجرد نقطة جغرافية، بل أصبح أداة استراتيجية تُستخدم في الحسابات الإقليمية والدولية. ومن يتحكم بباب المندب لا يتحكم فقط بحركة السفن، بل يتحكم بإيقاع الاقتصاد العالمي نفسه، لأن ثلث التجارة العالمية تمر من هذا الممر الضيق.

ولهذا، فإن أي حديث عن "أمن البحر الأحمر" لا يمكن أن يكون جادًا دون إشراك صنعاء اليمن، ليس كطرف يُستشار، بل كقوة تفرض شروطها.



قدرات بحرية غير مسبوقة

اليمن طوّر قدرات بحرية محلية الصنع: زوارق مسيّرة، وصواريخ بحر–بحر، ومنظومات مراقبة ساحلية، وقدرات اعتراض السفن. هذه القدرات جعلته لاعبًا بحريًا لا يمكن تجاهله.

واللافت أن هذه القدرات لم تُصنع في مصانع عسكرية ضخمة، بل في بيئة محاصرة تعتمد على الابتكار المحلي والتعبئة الشعبية. وهذا ما يجعلها أخطر من القدرات التقليدية، لأنها غير قابلة للاستهداف بسهولة، وغير قابلة للتنبؤ، وغير قابلة للردع بالطرق التقليدية.

فالقدرات البحرية اليمنية ليست مجرد أسلحة، بل هي تعبير عن إرادة جماعية قررت أن تصنع قوتها بنفسها، رغم كل الظروف.



البحر الأحمر لم يعد منطقة نفوذ أمريكي–سعودي فقط، بل أصبح ساحة نفوذ يمنية، تغيّر فيها صنعاء قواعد اللعبة. وهذا التحوّل لا يُقاس بعدد السفن التي تُعطَّل، بل بمدى إعادة تعريف موازين الردع في المنطقة.

فاليمن لم يكتفِ بموقعه على البحر الأحمر، بل صنع من هذا الموقع قوة تفرض نفسها على الحسابات الإقليمية والدولية. وهذا هو الدرس البحري الجديد: من يتحكم بباب المندب لا يتحكم فقط بالبحر، بل يتحكم بميزان القوى في الشرق الأوسط.
………



المقال العاشر

التعبئة الشعبية اليمنية: كيف يصنع المجتمع قوة تفوق الجيوش؟

— حين يتحول الشعب إلى جيش، والجيش إلى عقيدة


القوة العسكرية لا تُقاس بالسلاح وحده، بل تُقاس بالروح التي تقف خلف السلاح. اليمن يمتلك واحدة من أكثر الروح التعبوية صلابة في المنطقة، روحًا جعلت المجتمع نفسه يتحول إلى جيش فوق قومي.

هذه الروح لا تُشترى، ولا تُستورد، ولا تُصنع في المختبرات السياسية. إنها نتاج تجربة جماعية من الحصار والقصف والتجويع، ونتاج عقيدة قتالية تشكّلت في مواجهة هذه الظروف. ولهذا، فهي تفوق أي قوة تقليدية في قدرتها على التحمل والابتكار والتعبئة.



مظاهرات الملايين: القوة التي لا تُشترى

في صنعاء والحديدة وذمار وصعدة، خرج الملايين في مظاهرات تطالب بضرب تل أبيب وإيلات. هذه المظاهرات ليست حدثًا سياسيًا، بل حدثًا اجتماعيًا: شعب تحت الإبادة، شعب محاصر، شعب مجوّع، شعب بلا رواتب، ومع ذلك يطالب بالقتال.

هذه الروح لا يمكن صناعتها في المختبرات السياسية. فالمظاهرات التي تخرج بالملايين في ظروف كهذه لا تعبّر عن "تأييد" عابر، بل عن قناعة جماعية راسخة بأن القتال هو الطريق الوحيد للتحرر. وهذا ما يجعلها قوة لا تُشترى ولا تُرهب، لأنها نابعة من الداخل، لا من الخارج.



المجتمع كجيش

اليمن يمتلك بنية اجتماعية فريدة: القبائل كوحدات تعبئة، والمجتمع كمنظومة دعم، والقيادة كمركز قرار موحّد، والعقيدة القتالية كهوية وطنية. هذه البنية جعلت اليمن قادرًا على تحمل الحصار، وتحمل القصف، وإنتاج السلاح محليًا، وتحرير الأرض، والضغط على خصومه.

فالمجتمع اليمني لا يعمل كـ"خلفية" للجيش، بل يعمل كـجيش بحد ذاته: ينتج السلاح، ويؤمّن الدعم، ويشارك في التعبئة، ويقدم التضحيات. وهذا التداخل بين المجتمع والجيش هو ما يجعل القوة اليمنية غير قابلة للكسر بالطرق التقليدية، لأنها ليست قوة مركزية يمكن استهدافها، بل قوة موزعة في كل بيت وقرية وقبيلة.



اليمن لا يمتلك جيشًا فقط، بل يمتلك مجتمعًا مقاتلًا، وهذه القوة تفوق الجيوش التقليدية. فالجيوش التقليدية يمكن أن تُهزم بالسلاح، لكن المجتمعات المقاتلة لا تُهزم إلا إذا فقدت إرادتها. واليمن لم يفقد إرادته رغم كل الظروف، بل زادت صلابة.

وهذا هو الدرس الأعمق: القوة الحقيقية لا تُقاس بما تملكه من سلاح، بل بما تملكه من إرادة. واليمن، رغم شحّ السلاح والموارد، يمتلك إرادة جماعية جعلته قوة فوق إقليمية، لا تُقاس بالمعايير التقليدية، ولا تُهزم بالوسائل التقليدية.


……..

المقال الحادي عشر

الإبادة البطيئة: حين تتحوّل الحياة اليومية إلى سلاح سياسي

— الحرب التي لا تُعلن، ولا تُغطّى، ولا تُحصى ضحاياها



في عالم تُقاس فيه الحروب بعدد الغارات والصواريخ، ظهرت في سوريا بعد 2024 حرب من نوع آخر: حرب بلا رصاص، بلا دبابات، بلا جبهات. حرب تُشنّ عبر الظروف المعيشية، وتقتل عبر الروتين اليومي، وتستهدف الفقراء والمرضى وكبار السن، دون أن تُطلق طلقة واحدة.

هذه هي الإبادة البطيئة: نموذج سياسي جديد، لا يحتاج إلى جيش، بل إلى انهيار الدولة. وهي أخطر من الحروب التقليدية، لأنها لا تُرى، ولا تُدان، ولا تُحاسب. فالحرب التقليدية لها بداية ونهاية، ولها مسؤولون يمكن تقديمهم إلى العدالة. أما الإبادة البطيئة، فلها استمرارية بلا نهاية، ومسؤولية موزعة على الجميع، وبالتالي لا أحد.



الخدمات كأدوات قتل

حين تُرفع جرعات السرطان عن المرضى، لا يموت الناس بسبب "نقص الدواء"، بل بسبب قرار سياسي. حين تنهار الكهرباء، لا يموت الناس بسبب "الحرّ أو البرد"، بل بسبب غياب الدولة. حين ترتفع أسعار الطعام، لا يموت الناس بسبب "السوق"، بل بسبب انهيار المؤسسات.

الإبادة البطيئة ليست حادثًا، بل سياسة. وهي سياسة ذكية، لأنها لا تحتاج إلى تبرير: لا أحد يستطيع أن يتهم حكومة بأنها "لم تفعل شيئًا"، لأن "عدم الفعل" نفسه هو الفعل. وحين يصبح "عدم الفعل" سياسة، فإنه يقتل بأمان، بلا مسؤولية قانونية، وبلا إدانة أخلاقية.

وهذا ما يجعل الإبادة البطيئة أخطر من الإبادة الصهبونية التركية الخليجية الأطلسية المباشرة: الأولى يمكن أن تُحاكم، والثانية لا يمكن حتى أن تُوصف.



القتل عبر الروتين

الإبادة البطيئة تعمل عبر: فاتورة كهرباء تساوي راتب شهرين، وجرعة سرطان لا يستطيع أحد دفعها، ومستشفى بلا أدوية، ومدرسة بلا معلمين، وماء غير صالح للشرب، وغذاء غير متوفر، ونظافة منهارة. هذه ليست ظروفًا صعبة، بل ظروف قاتلة.

والفرق بين "الظروف الصعبة" و"الظروف القاتلة" هو الفرق بين مجتمع يمكنه أن يتحمل، ومجتمع لا يمكنه أن يتحمل. وفي سوريا، المجتمع لا يمكنه أن يتحمل، لأن الظروف لم تعد استثناءً، بل أصبحت قاعدة. والروتين اليومي، الذي كان في الماضي مساحة للحياة، أصبح مساحة للموت: كل فاتورة، كل جرعة، كل وجبة، كل كأس ماء، هي قرار بين الحياة والموت.

وهذا هو الإبداع الأكثر قسوة في الإبادة البطيئة: أنها تحوّل الحياة اليومية نفسها إلى سلاح. فلم تعد الحرب شيئًا يحدث "في الخارج"، بل أصبحت شيئًا يحدث "في الداخل": في المطبخ، وفي الحمام، وفي غرفة النوم.


الإبادة البطيئة هي الحرب التي لا تُعلن، ولا تُغطّى إعلاميًا، ولا تُسجّل في سجلات الأمم المتحدة. لكنها الحرب التي تقتل أكثر من أي حرب أخرى.

والدرس الأخلاقي هنا واضح: إذا كنا نريد أن نفهم ما يحدث في سوريا، فلا يجب أن ننظر إلى الغارات، بل إلى الفواتير. لا إلى الدبابات، بل إلى خزائن الأدوية. لا إلى الجبهات، بل إلى أسطح المنازل التي لا كهرباء فيها. لأن الإبادة البطيئة لا تكتب تاريخها بالبارود، بل بالفواتير.

…….

المقال الثاني عشر

الاقتصاد القاتل: كيف يتحوّل الفقر إلى آلية إبادة؟

— حين يصبح الراتب حكمًا بالإعدام البطيء



الفقر ليس مجرد حالة اجتماعية، بل يمكن أن يتحوّل إلى آلية قتل. في سوريا بعد 2024، لم يعد الفقر نتيجة انهيار اقتصادي، بل أصبح أداة سياسية تُستخدم لإخضاع المجتمع، وإضعافه، وتفكيكه.

هذا التحوّل هو ما يجعل الفقر السوري مختلفًا عن الفقر في أي مكان آخر. فهو ليس فقرًا "طبيعيًا" ناتجًا عن قلة الموارد، بل فقر "مُصنَّع" ناتج عن قرارات سياسية. وحين يصبح الفقر قرارًا، فإنه يصبح سلاحًا. وحين يصبح سلاحًا، فإنه يقتل.


الراتب الذي لا يكفي ليوم واحد

حين يكون راتب الموظف بين 100 و150 دولارًا، بينما فاتورة الكهرباء 300 دولار، وسعر الخضار بين 5 و10 دولارات، وسعر الدواء بين 20 و50 دولارًا، فإن الفقر لا يصبح "عائقًا"، بل يصبح حكمًا بالإعدام البطيء.

والحساب بسيط: راتب لا يكفي ليوم واحد، وفاتورة كهرباء تساوي راتب شهرين، ودواء يساوي راتب نصف شهر. هذه ليست معادلة اقتصادية، بل معادلة موت. فمن لا يستطيع دفع فاتورة الكهرباء يموت في الحر أو البرد. ومن لا يستطيع دفع ثمن الدواء يموت بسبب مرض كان يمكن علاجه. ومن لا يستطيع شراء الطعام يموت جوعًا.

والأمر الأكثر قسوة هو أن هذه المعادلة ليست استثناءً، بل قاعدة. فمعظم السوريين يعيشون في هذه المعادلة، ومعظمهم لا يجدون مخرجًا منها.



الجوع كسلاح سياسي

الجوع ليس حالة طبيعية، بل نتيجة: انهيار الدعم الحكومي، وانهيار الزراعة، وانهيار الطاقة، وانهيار النقل، وانهيار التبريد، وانهيار المؤسسات. حين يعيش الناس على الخبز والشاي والبطاطا، فإنهم لا يعيشون… بل يموتون ببطء.

والجوع، في هذه الحالة، ليس مجرد نقص في الغذاء، بل هو نظام غذائي قائم على الحد الأدنى من السعرات الحرارية، وهو نظام يضمن البقاء على قيد الحياة دون أن يضمن الحياة. فالناس لا يموتون فجأة، بل يموتون تدريجيًا: يفقدون الوزن، ثم يفقدون المناعة، ثم يفقدون القدرة على العمل، ثم يفقدون الحياة.

وهذا هو الفارق بين "الجوع" و"التجويع": الأول حالة، والثاني سياسة. وسوريا تعيش الثانية، لا الأولى.



المرض الذي لا يُعالج

الفقر يجعل المرض قاتلًا: مريض القلب بلا دواء، ومريض الكلى بلا غسيل، ومريض السرطان بلا جرعة، ومريض السكري بلا أنسولين. هذه ليست "مشاكل صحية"، بل آليات إبادة.

فالمرض، في ظروف الفقر المُصنَّع، لم يعد حالة صحية يمكن التعامل معها، بل أصبح حكمًا نهائيًا. فمن يُصاب بمرض مزمن في سوريا اليوم، لا يُصاب بمرض فقط، بل يُصاب بحكم بالإعدام، لأن العلاج غير متاح، والأدوية غير متوفرة، والمستشفيات غير قادرة.

وهذا ما يجعل النظام الصحي السوري، أو ما تبقى منه، ليس نظامًا للشفاء، بل نظامًا للانتظار. الناس ينتظرون في الطوابير، وينتظرون في الصيدليات، وينتظرون في المستشفيات، وينتظرون الموت. والانتظار نفسه أصبح علاجًا، لأن البديل عنه غير موجود.


الفقر في سوريا اليوم ليس حالة اجتماعية، بل نظام قتل بطيء، يعمل بصمت، ويقتل الأكثر ضعفًا. وهو نظام لا يحتاج إلى جيش، بل إلى اقتصاد. ولا يحتاج إلى قرار إعدام، بل إلى قرار "عدم التدخل".

والدرس الأخلاقي هنا واضح: إذا كنا نريد أن نفهم ما يحدث في سوريا، فلا يجب أن ننظر إلى الإحصاءات الاقتصادية فقط، بل إلى من يموت بسببها. لأن الفقر، حين يصبح سياسة، لا يبقى فقرًا، بل يصبح إبادة.

……..

المقال الثالث عشر

انهيار الدولة: كيف يتحوّل الفراغ المؤسسي إلى إبادة جماعية؟

— حين يصبح غياب الدولة أخطر من حضورها



الدولة ليست مجرد حكومة، بل شبكة خدمات تحمي حياة الناس. حين تنهار الدولة، لا ينهار النظام السياسي فقط، بل ينهار حق الإنسان في الحياة. في سوريا بعد 2024، تحوّل الفراغ المؤسسي إلى بيئة قاتلة، تقتل عبر غياب الدولة، لا عبر حضورها.

هذه المفارقة تستحق التأمل: في الحروب التقليدية، الدولة هي التي تقتل. أما في سوريا اليوم، فالدولة هي التي لا تحمي، وغيابها هو الذي يقتل. وهذا يعني أن الإبادة الجماعية لا تحتاج إلى سلاح، بل تحتاج إلى فراغ.



غياب الدولة كآلية قتل

حين تغيب الدولة، يحدث التالي: لا كهرباء، لا ماء، لا دواء، لا تعليم، لا نظافة، لا قضاء، لا أمن، لا رقابة، لا مؤسسات. هذا الفراغ لا يخلق الفوضى فقط، بل يخلق ظروفًا قاتلة.

والفراغ المؤسسي، في هذه الحالة، ليس مجرد "غياب إداري"، بل هو نظام قتل بحد ذاته. فحين لا تكون هناك مؤسسة تحمي الماء، يصبح الماء ملوثًا. وحين لا تكون هناك مؤسسة تحمي الدواء، يصبح الدواء غير متوفر. وحين لا تكون هناك مؤسسة تحمي الغذاء، يصبح الغذاء غير متاح. وكل "غياب" من هذه الغيابات هو قرار موت، وإن لم يُتخذ بقرار.

وهذا ما يجعل الفراغ المؤسسي أخطر من القمع المؤسسي: القمع يمكن أن يُدان، أما الفراغ فلا يمكن حتى أن يُوصف. فمن يدان حين لا تكون هناك دولة؟ ومن يحاسب حين لا تكون هناك مؤسسة؟



الاحتلالات المتعددة تزيد الانهيار

مع وجود الاحتلال الصهيوني في الجنوب، والاحتلال التركي الأطلسي في الشمال، والاحتلال الأمريكي–التركي غير المرئي في الشرق، تتحوّل سوريا إلى ساحة نفوذ خارجي، تُنهب فيها الموارد، وتُدار فيها الخدمات عبر شبكات غير وطنية.

وهذا يعني أن الفراغ المؤسسي لا يُملأ، بل يُستغل. فكل قوة خارجية تدير المنطقة التي تسيطر عليها وفق مصالحها، لا وفق حاجات السكان. والنتيجة أن الخدمات لا تُقدَّم بناءً على حاجة الناس، بل بناءً على حسابات القوى الخارجية. وحين تصبح الخدمات أداة في حسابات القوى الخارجية، فإنها لا تعود خدمات، بل تصبح أدوات ضغط وسيطرة.

وهذا هو الفارق بين "الاحتلال" و"الانهيار": الاحتلال يمكن أن يُقاوم، أما الانهيار فلا يمكن مقاومته إلا بإعادة بناء الدولة. وحين تكون الدولة محتلة ومُنهارة في الوقت نفسه، فإن إعادة البناء تصبح مستحيلة، لأن كل طرف خارجي يمنعها.



المجتمع بلا حماية

في غياب الدولة، يصبح المجتمع: بلا دواء، وبلا غذاء، وبلا ماء، وبلا تعليم، وبلا مستقبل. وهذا هو تعريف الإبادة الجماعية البطيئة.

فالمجتمع، في هذه الحالة، لا يفقد "الخدمات" فقط، بل يفقد القدرة على البقاء. فبدون دواء، يموت المرضى. وبدون غذاء، يموت الأطفال. وبدون ماء، يموت الجميع. وبدون تعليم، يموت المستقبل. وبدون مستقبل، يموت الأمل. وحين يموت الأمل، يصبح الموت نفسه هو الحياة.


انهيار الدولة ليس حدثًا سياسيًا، بل حدثًا وجوديًا. حين تنهار الدولة، يموت الناس… ليس بسبب الحرب، بل بسبب غياب المؤسسات التي تحميهم.

والدرس الأخلاقي هنا واضح: إذا كنا نريد أن نفهم ما يحدث في سوريا، فلا يجب أن ننظر إلى "الاحتلال" فقط، بل إلى "الفراغ" الذي يسببه. لأن الفراغ، في هذه الحالة، ليس غيابًا، بل حضور لشيء أسوأ من الاحتلال: حضور الموت.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شرايين رقمية في العتمة كيف تُكتب حدود العالم تحت سطح الماء( ...
- المعلمُ الذي علّمَ الشعرَ: في أهمية المعلم الشيوعي
- سُقُوطُ الأَقْنِعَةِ النِّيُولِيبْرَالِيَّةِ .. فَلْسَفَةُ ا ...
- كتيب :أَعْصَابُ البَحْرِ.. حين تصمت الألياف وتتكلّم الجغرافي ...
- تحالف وهابية العدو السعودي والإمبريالية الأمريكية
- الدومينو يبدأ من بروكسل وباريس : حين يكتب محور المقاومة بداي ...
- كيف صاغ الاستشراق البنية التكفيرية الحديثة؟
- المنظومة التي لا تُرى: كيف تتشابك الثروة والعنف والسيادة في ...
- سقوط الشرعية الإقليمية… من تفكك النفوذ إلى صعود الشعوب
- مقارنة بين إعلام صنعاء والإعلام الخليجي الخادم للإمبريالية ا ...
- غزة: الإبادة كرسالة طبقية من النظام الرأسمالي العالمي
- نصف مليون ضحية: اليمن بين قصف العدو السعودي والجوع والصمت ال ...
- بين خنادق -العيديد العسكرية- وشاشات -العيديد الإعلامية-: قرا ...
- مسؤولية القيادة السعودية والإماراتية في حرب اليمن
- جيل الطلاب في اكتوبر ٢٠٢٦ : نحو اورب ...
- كيف بحمي اعلام محميات الخليج صورتها اللامعة باعتقال ألف صوت
- مَن رأى قبل الفجر.. مسرحية في ثلاثة فصول
- من جامعة حيفا إلى قيادة «حداش»: يوسف جبارين ورهان الوحدة الف ...
- كيف تشكّلت “الشعبية” الزائفة لجماعات وظيفية كالإخوان المسلمي ...
- روسيا وإيران… الدولتان اللتان استشرفتا المستقبل قبل أن ينهض ...


المزيد.....




- شاهد.. لماذا يلوح طيف ترامب فوق الانتخابات البرازيلية؟
- -لولا تدخلي لكان الأمر مستحيلًا-.. ميلانيا ترامب تكشف دورها ...
- وزارة الدفاع الأوكرانية تعلن استعادة الوصول لخدمات -ستارشيلد ...
- زاخاروفا تدعو ميلوني للاستماع لنداء أل بانو وشعبها بدلا من ك ...
- موسكو: لا نهتم بهوية المفاوض عن أوروبا والمهم موقفه
- السفارة الروسية في طهران تنفي إجلاء موظفيها وخبراء محطة بوشه ...
- التحالف: ‏اعتراض صاروخين باليستيين أطلقهما الحوثيون على الطا ...
- رئيس وزراء مصر يكشف تفاصيل سرقة سيارة والده وسيارات زملائه ق ...
- الجيش الإسرائيلي يستحدث مهبطا للمروحيات في جنوب لبنان (صورة) ...
- قطاع غزة يستيقظ على تصعيد إسرائيلي في الشمال والوسط والجنوب ...


المزيد.....

- علاقة السيد - التابع مع الغرب / مازن كم الماز
- روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربي ... / أشرف إبراهيم زيدان
- روايات المهاجرين من جنوب آسيا إلي انجلترا في زمن ما بعد الاس ... / أشرف إبراهيم زيدان
- انتفاضة أفريل 1938 في تونس ضدّ الاحتلال الفرنسي / فاروق الصيّاحي
- بين التحرر من الاستعمار والتحرر من الاستبداد. بحث في المصطلح / محمد علي مقلد
- حرب التحرير في البانيا / محمد شيخو
- التدخل الأوربي بإفريقيا جنوب الصحراء / خالد الكزولي
- عن حدتو واليسار والحركة الوطنية بمصر / أحمد القصير
- الأممية الثانية و المستعمرات .هنري لوزراي ترجمة معز الراجحي / معز الراجحي
- البلشفية وقضايا الثورة الصينية / ستالين


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني - احمد صالح سلوم - حكايات الانهيار والصعود من دمشق إلى باب المندب ..كتيب 13 مقالا