أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - عبد الرحمان النوضة - نقاش حول -الأنا-















المزيد.....



نقاش حول -الأنا-


عبد الرحمان النوضة
(Rahman Nouda)


الحوار المتمدن-العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 15:48
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


في 5 شُتـنـبر 2026، أعاد رحمان النوضة نَشر وثيـقة «نَقد الْأَنَا والْأَنَانِيَة»، على موقع "فيسبوك". وأقدم مُناضلان مُحترمان على مُناقشة هذه الوثيـقة. وفيما يلي، رَدّ النوضة على هذه التعليقات.
وفي كتابي الذي يحمل عُنوان : «لماذا اِنهار الاتحاد السُّوفياتي؟ وهل ما زالت الماركسية صالحة؟»، المَنشور على الإنـتـرنيت في سنة 2015، في 242 صفحة، خَصَّصْتُ فصلًا كاملًا لِدِراسة «الْأَنَا»، ودورها في اِنهيّار الاتّحاد السُّوفياتي. وبعد أنْ نَشرتُ هذا الـفَصْل على شَكل أطروحة مُنـفصلة، تَحمل العُنوان : «نَقد الْأَنَا والْأَنَانِيَة» (في قرابة 35 صفحة مِن الحجم الصّغير)، أبدى المناضلان المُحترمان حسن أُولحاج، وسعد بـن علال، ملاحظات وتساؤلات مهمة. وَفيما يلي، أُقدِّم بعض التَّوضيحات الإضافية، لَعَلَّها تَشرح أكثر مَقاصد الوثيـقة حول «الْأَنَا».
1■ أَوْضَحَت أُطروحة النوضة عدّة نُقط : أَوَّلًا، وُجودَ عُنصر جديد اِسمه «الْأَنَا»، وَآلِيَّات اِشْتِغَاله. (وكان هذا العُنصر مِن قَبل إمّا مَجهولًا، أو مُغَيَّبًا، أو مُهملًا، في مجال تَـفسير الصِّراعات الجارية فيما بين الأشخاص أو الجماعات). وَثَانيًّا، وُجودَ «صِراع بين الْأَنَات [جَمْع الْأَنَا]»، وأنّ الصِّراع بين "الْأَنَات" يَختلـف عن الصِّراع بين طبقات المُجتمع. وَثالثًا، أنّ تَقصير الحزب الشيوعي السُّوفياتي في تَثْوِير «الْأَنَات» (المَوجودة لدى عامّة المُواطنين)، كان مِن بين الأسباب الأساسية التي أَحْدَثَت اِنهيّار الاتحاد السُّوفياتي.
2■ لم يَسقط اِكتشاف «الْأَنَا» تِلـقائيًّا مِن السّماء. وإنما البَحث عن أسباب اِنْهِيّار الاتحاد السُّوفياتي، (المُدَوَّن في كتابي المُعَنْوَن بِـ : «لماذا اِنهار الاتحاد السُّوفياتي؟») هو الذي قَادَنِي إلى فَحْص مسألة «الْأَنَا». وَاِكْتشفتُ أنّ اقتصار الحزب الشيوعي (الذي كان حاكمًا في روسيا) على تَغيير عَلاقات الإنـتاج، أو تَأْمِيم وَسائل الإنـتاج، لم يَـكن كَافيًّا وحده لِتَشييد مُجتمع «اِشتـراكي» نَاجح، وَمُستقر. بَل كان إِهْمَال تَـغْيير، أو تَثْوِير، «الْأَنَا»، لدى عامّة المُواطنين، من بين الأسباب الأساسية في اِنْهيّار الاتحاد السُّوفياتي.
3■ وَيَحْدُث في الصِّين، بين سنوات 1976 و 2020، اِنْهيّار مُختلـف للاشتراكية. حيث إذا كان اِنهيّار الاتحاد السُّوفياتي مُفاجِئًا، وسريعًا، وَشَامِلًا، وَمُدَوِّيًا، فإن اِنهيّار الاشتـراكية في الصِّين بَقِيَ بطِيئًا، وغير مَرئِي، وغير مَحسوس.
4■ بِدُون تَثْوِير «الْأَنَا» (لدى عامّة المُواطنين)، يُصبح لدينا مُجتمع «اِشْتِرَاكِيّ»، فقط مِن مِنظار نَوْعِيَة عَلَاقات الإنـتاج السّائدة في المُجتمع، لكن مِن مِنظار نَوْعِيَّة «الْعَقْل»، أو «الْأَنَا»، المَوجود داخل مُعظم المُواطنين، يَبْـقَـى هذا المُجتمع «رَأْسَمَالِيًّا». ولماذا ؟ لأنّ مُعظم المُواطنين يَبْـقَوْن «فَرْدَانِيِّين»، أو «أَنَانِيِّين»، أو «اِنـتِهَازِيِّين»، أو مُتَمَرْكِزِين حول ذَواتِهِم، أو حَريصين على «اِكْتِساب الثَّرَوَات» على شكل «مِلْكِيَّات خُصُوصية». وظاهرة «اِكتساب الثّروات»، وَ «اِسْتِثْمَارها بهدف تَنميتها»، واستـغلال قـوّة عَمَل الغَيْر، هي بالضّبط سَيْرُورَة مُجتمعية تُعِيد إِنـتاج «الرَّأْسَمَالِيَة». وأصبح واضحًا لديّ أنّ ما كُتب سَابقًا في الأدب الماركسي، أو الاشتـراكي، في مجال «شُروط إِنجاح الاشتـراكية وَتَثْبِيتِهَا»، لم يَعُد كافيًّا. وَيَتَوَجَّب أن نُضيـف إليها شَرطًا جديدًا، هو مُهِمَّة مُتَوَاصِلَة تَهدف إلى تَثْوِير «الْأَنَا» المَوْجُود لدى عامّة المُواطنين، عبر سُبُل مَدروسة، وَمُمَنْهَجَة، وَمُتواصلة.
5■ في أُطروحتي، أَوضحتُ وُجود «الْأَنَا»، والْآلِيّات المُجتمعية التي تَشتـغل بها. وَاِعْتَرَفَ ضِمْنِيًّا المُناضل حسن أولحاج بِوُجود «الْأَنَا»، وَبِوُجود الصراعات بين "الْأَنَات" [جَمْع الْأَنَا]، «داخل الأسرة، والجمعية، والحزب، والتنظيم، وحتى داخل الطبقة الاجتماعية الواحدة». واعتـرف حسن أولحاج أنّه «كثيراً ما يجري تجاهل [الصِّراع بين الْأَنَات] أو اختزاله في الصراع الطبقي». كما اِعتـرف ضِمْنِيًّا المناضل سعد بـن علال أنّه «غالبا ما [كان] يجري إهمال [بُعْد الْأَنَا] في التفكير السياسي، وفي الصراعات بين الأشخاص داخل الجماعة نفسها، وبين المناضلين [المُتصارعين] الذين يُفتـرض [فيهم] أنهم ينتمون إلى المشروع [السياسي] ذاته». وهذه التَعليـقات إيجابية، لأنها تَعتـرف بِـوُجود «الْأَنَا»، وَبِوُجود «الصِّراع بين الْأَنَات»، وَبِـ «اِختلاف» الصِّراع بين "الْأَنَات" عن الصِّراع بين طَبـقات المُجتمع.
وَللتّعبير عن مُوافـقته على ضَرورة التَّمييز بين «الصِّراع بـين الْأَنَات» و «الصِّراع بين طَبقات المُجتمع»، كَتب المناضل سعد بـن علال أنّه يَرفض «اختزال كل صراع في الصراع الطبقي». وأضاف : «ليس كل خلاف بين رفيـقـين يمكن تفسيره مباشرة بموقعهما الطبقي، كما أن الانتماء إلى الطّبقة نفسها لا يلغي التنافس، والرغبة في الاعتراف، وصراع المواقع، وسوء الفهم، وتأثير الشخصية والتجربة الفردية».
6■ وتساءل حسن أولحاج : «إلى أي حدّ يمكن تفسير الأنانية، والصراعات الشخصية، اِنطلاقاً من "الأنا" ذاتها، دون أن نربطها بشروط الوجود الاجتماعي، والعلاقات الطبقية، وبنية التنظيم، وتوزيع السلطة، والمصالح داخله؟ فالشخصي، لا ينفصل عن الاجتماعي والسياسي، بل يتداخل معه ويتأثر به».
وكانـت وثيـقة النوضة قد شرحت أنّ «الْأَنَا» و «الْأَنَانِيَة» تَتَأَثَّرَان، ليس فـقط بالخَصائص الشّخصية لكلّ «أَنَا» مُحَدَّدَة، وإنّما تَتَأَثَّرَان، في نـفس الوقت، بِالعَوامل المُجتمعية.
7■ وَتَساءل سعد بـن علال : «هل "الأنا" هي مصدر الأنانية، أم أن الأنانية نفسها تتشكل اجتماعيا وتاريخيا داخل علاقات معينة؟». وكانـت وثيـقة النوضة قد أجابت ضِمْنِيًّا على مثل هذا التَساؤل. حيث طرحت أنّ أساس وُجود سُلوك «الْأَنَانِيَة» هو أَوَّلًا وُجود «الْأَنَا»، وَهو ثَانيًّا تَنظيم المُجتمع على أساس «المِلْكِيَّة الخُصوصية». (وهذه «المِلْكِيَّة الخُصوصية» هي أنواع، وَدَرجات، وَكَمِّيَات، وأحجام، وعلاقات مُجتمعية). الشّيء الذي لَا يُلغي أنّ «الْأَنَانِيَة» هي، في نَفس الوقت، سُلوك شخصي، وظاهرة مُجتمعية. وَيَتـفاعل السُّلوك «الْأَنَانِي»، حسب المُستطاع، مع كل ما هو مَوجود في المُجتمع.
8■ وَلِتَفَادِي أيّ سُوء تَفاهم، أُذَكِّر أنّ وثيقة رحمان النوضة حول «الْأَنَا»، لَمْ تَدْعُ إلى التَخَلِّي عن تَـفسير «الْأَنَانية» بِالظروف المُجتمعية، أو تَلَافي شَرحها بواسطة الصّراع الطّبقـي، أو ما شَابَهَهُمَا. ولم تَقُل أُطروحة النوضة أنّه، من الآن فصاعدًا، يجب تحليل «الْأَنَا»، أو تَفسير «الأنانية»، فـقط وَحَصْرِيًّا، بِـخصوصيّات «الأنا»، وليس بالعَوَامِل المُجتمعية.
9■ كان عُلماء المُجتمع يَعتـرفون بِسُهولة بِوُجود «الصِّرَاع الطبقي». وَتُؤَكِّد الأنشطةُ الاقتصادية، وكذلك أَحداث التاريخُ، وُجودَ هذا الصِّراع الطبقي. ثمّ جاءت أُطروحة النوضة لِتُضيـف : يُوجد أيضًا في المُجتمع صِراع مِن نَوْع آخر، هو «الصِّراع فيما بين الْأَنَات [جَمْع الْأَنَا]». وأوضحت أُطروحة النوضة «مِيزَات الْأَنَا»، و«الْآلِيَّات المُجتمعية» التي يَشتـغل بها «الْأَنَا».
فَيُطْرَح فَورًا التَساؤل التّالي : هل الصِّراع فيما بين «الأَنَات» يُلْغِي، أو يُعَوِّض، الصّراع فيما بين طبقات المُجتمع ؟ أجابت أُطروحة النوضة أنّ الصِّراع فيما بين «الْأَنَات» هو مُختلـف عن الصِّراع فيما بين طَبقات المُجتمع. وَظَواهر «الصِّراع الطبقـي»، وظَوَاهر «الصِّراع فيما بين الْأَنَات»، هما مُسْتَـقِلَّيْن عن بعضها البعض. لكن بِإِمكانها، في نَفس الوقت، أنْ تَتزامن في المُجتمع، وَأنْ تَتَأَثَّر فيما بينها، وَأنْ تَتَدَاخل فيما بينها، بِدَرَجة أو بِأُخرى، وذلك حسب كل حَالة مُحدّدة، وحسب كل ظَرْف مُجتمعي مُعيّن. أيْ أنّ كل التَفَاعُلات تَبْـقَـى مُمكنة فيما بين ظَاهرتي «الصِّراع الطّبقي» وَ «الصّراع فيما بين الْأَنَات».
10■ أَوضحت وثيـقة النوضة أنّه، بالإضافة إلى العوامل المُجتمعية الكلاسيكية المعروفة، التي تُنـتج، أو تُـفَسِّر، أو تُؤثِّر في، «الأنانية»، يُوجد عُنصر جديد (كان مِن قَبل مَجهولًا، أو مُغَيَّبًا، أو مُهملًا، أو مُقَلَّلًا مِن أَهَمِّيَته)، هو كِيَّان «الْأَنَا»، المُتميِّز بِخُصوصيّات وَبِآليّات دقـيـقة (شرحتها وثيـقة النوضة). وَتَـقـول أُطروحة النوضة أنّ قَدْرًا هامًّا مِن «الْأَنَانِيَة»، وَمِن «الصِّراعات فيما الأشخاص»، يُمكن تَـفَسِيره بِعُنصر «الْأَنَا»، وَبِالصِّراعات فيما بين «الْأَنَات» [جَمْع الْأَنَا]. بِمَعنى أن أُطروحة «الْأَنَا» تَأْتِي بِعَناصر تَـفْسِيرية إِضَافية، دُون أنْ تَنْـكُر، أو أنْ تُلغي، وُجُود العَناصر المُجتمعية الكَلَاسيكية المَعروفة. وَتُسَاهِم كلّ واحدة مِن بين هذه العَناصر المُجتمعية، بِقَدْر، أو بِآخر، في تَـفْسِير ظَواهر «الْأَنَا»، أو «الْأَنَانِيَة»، أو «الصِرَاعات فيما بين الْأَنَات». (وَأَتَلَافى هُنا تـكرار التَفَاصِيل الواردة في الوثيـقة),
وفي كل حالة مُحَدَّدة، يُمكن لِلْقُوَّة التَـفْسِيرية لِعُنصر «الصراع الطبقي»، أو لِعُنصر «الصِراع فيما بين الْأَنَات»، أن تَكْبُر أو أنْ تَصغر، أَنْ تَكون حَاسِمَة أو ثانوية، أو أنْ تَكون غَالِبَة أو مَغْلُوبَة، وذلك حسب كل حالة موضوعية مُحدّدة. وَرَبَطَت أطروحة النوضة بين «نَقد الأنا» و «نَقد الظُروف المُجتمعية». وَأَبْـقَـت مَجالَ التَـفَاعل فيما بَينهما مَفتوحًا على كلّ الاحتمالات.
11■ لَا تَنحصر الظروف المُجتمعية التي تُـغَدِّي «الأَنَا»، أو تُـقَوِّي «الْأَنَانِيَة»، في نَمَط الإنـتاج العُبودي، أو الإقطاعي، أو الرَّأْسَمَالِي. بل أَكَّدَت تجربة اِنهيّار الاتحاد السُّوفياتي، في قرابة سنة 1990، أنّ حتّى «الاشتـراكية النّاشئة»، يُمكنها أنْ تُعيد إنـتاج «الْأنَا»، و «الْأَنَانِيَة»، و «الـفَردانية»، و «الْاِنـتهازية»، والمُيُول الشّخصية نَحو «الرَّأْسَمَالِيَة».
12■ وَمِن بين أُطروحاتي حول أسباب اِنهيّار الاتحاد السُّوفياتي، والتي كُنـتُ أتمنّى أن تُناقش، هي التّالية : إنّ اِقتصار تجربة بـناء الاشتـراكية في الاتحاد السُّوفياتي على إِلغاء المِلْكِيَّة الخُصوصية، وتـعويضها بالمِلْكِيَّة الجماعية لِوَسَائِل الإنتاج، كَوَسِيلة وحيدة، لِخَلـق الإنسان الاشتـراكي، أو لبـناء المُجتمع الاشتـراكي، هو تَصَوُّر نَاقِص. وهذا التصوّر القَاصِر هُوّ مِن بين الأسباب التي تُساهم في تَـفْسِير اِنْهِيّار الاتحاد السوفياتي. حيث لا يَـكفي تَغيير طبيعة السّلطة السياسية. ولا يكفي اِنـتـقال مِلْكِيَّة وسائل الإنـتاج المُجتمعية مِن الأفراد الرَّأْسَمَالِيِّين إلى الدّولة. ولا يكفي تـغيير نَوعيّة الدّولة. ولا يكفي تَـغيير نَوعية الحزب الحاكم. وقد ظهر مِن خلال مُمارسته، أنّ الحزب الشيوعي السُّوفياتي لم يَفْهَم (بما فيه الكِفَاية) أَهَمِّيَة وَضَرورة تَغْيِير الـفَرد، أو تَثْوِير المُواطن، أو تَثوير «الْأَنَا»، أو خَلْق الإنسان الاشتـراكي الجديد، عبر سَيْرُورَة ثورية، وَمُجتمعية، وَطَوِيلة النَّفَس، بَل لَا مُنتهية. (ولماذا لَا مُنـتهية ؟ لأنّ الأجيال الجديدة تأتي دَائِمًا، وَعَفْوِيًّا، بِمُواطنين ذَوِي عُقُول أَنَانِيَة، أو ذَوِي «أَنَات» أَنَانِيَة، ليس فـقط في المُجتمعات الرَّأْسَمَالِيَة، ولكن أيضًا في المُجتمعات الاشتـراكية، أو الشيوعية).
وَيَنـبغي أنْ تَكون سَيْرُورة تَثوير «الْأَنَا» مُتَـعَدِّدة الأبعاد، ومُتَنَوِّعَة المُستويات المُجتمعية. وعمليّة تَـغيير الـفَرد، أو تَثْوِير المُواطن، أو الإنسان، تُنجز على مُستويات مُجتمعية مُتكاملة. ومن بين أهم هذه المُستويات، نَجد بالضّبط تَغيير وَتَثوير شيء مُعقّد، يُوجد داخل عَقل كل شخص، واسمه «الْأَنَا». وَلِتَلَافي أيّ سوء تَفاهم، أنا لا أزعم أنّ السٍِرَّ في إنجاح الاشتـراكية يَكمن فقط في تَغيير «الْأَنَا». وإنما أقـول أنّ «تَغيير وَتَثوير الْأَنَا»، هو جزء مِن بين مجموعة من التَغييرات المُجتمعية والمُتكاملة التي يجب إنجازها.
13■ بعد نجاح «الثّورة الاشتـراكية»، وبعد إلغاء «المِلْكِيَةَ الخَاصّة لِوَسائل الإنـتاج المُجتمعية»، يُصبح تَثْوِير «الْأَنَا»، أوَ مُحاربة سُلُوكِيَّات «الْأَنَانِيَة»، أَسْهَل مِمّا كان في إطار نظام مُجتمعي رَأْسَمَالِي. وعلى خلاف بعض الظُّنُون (التي كانـت شَائعة لدى الحركات الماركسية الْلِّينِينِيَة خلال سنوات 1960 و 1970)، فإنّ نَجاح الثّورة الاشتـراكية لَا يَـعني، وَلَا يُحْدِثُ، الْاِنْقِرَاضَ التِلْقَائِيَ لِـ «الْأَنَا»، أو زَوالَ السُّلُوكِيَّات «الْأَنَانِيَة». كما لا يَعني قِيّام الاشتـراكية، أو تَأْمِيم وَسَائِل الإنتاج، زَوَالَ «العَقْلِيَّات»، و«المُعْتَـقَدَات»، و«الطُمُوحات»، و«السُّلُوكيّات»، و«المَناهج» الـفَرْدَانِيَّة (individualiste)، أو الرَّأْسَمَالِيَة. وَمَنْ لم يَفهم هذه الظَّواهر المُجتمعية، لَن يَقدر على فَهْم كَيـف أنّ عُضوًا سِكِّيرا في الحزب الشيوعي السُّوفياتي (اِسمه بُورِيس يِيلْتْسِين Boris Yeltsine)، مُسْتَلَب بِالدُّول الإمبريالية الغَربية، وَغَاضب ضدّ بِيروقراطية الحزب والدّولة، اِستطاع في قُرابة سنة 1989 إطلاقَ وَإنْجاحَ ثورة رَأْسَمَالِيَة، مُضَادّة، وَسَرِيعة، في مُجتمع شَاسِع هو الاتحاد السُّوفياتي، دُون أنْ تَـقـوم وَلَو حركة شَعبية واحدة مُؤَثِّرَة، لِلدِّفاع عن ثَورة اِشتـراكية دامت قُرابة سَبْعِين سنة. وظهر كأن الاتحاد السُّوفياتي، في سنوات 1989، لم يَعد يَحتوي على مُواطنين يُؤمنون بِـ «الاشتـراكية»، أو بِـ «الشيوعية»، ومُستـعدِّين لِلتَّضحية مِن أجلها.
14■ واعتبارًا لكون المُناضل المُحترم سعد بـن علال يُكَرِّر أُسْلُوبًا سَلْبِيًّا، أو مُزْعِجًا، في النقاش السياسي، أجد نـفسي مُكْرَهًا على تَوضيح هذا الأسلوب الذي يُقلق المُتحاورين. حيث أنّ سعد بـن علال لا ينـتـقد فقط ما هو مكتوب في وثيـقتي المَعروضة لِلمُنَاقَشَة، وإنّما يَقـوم بِتَأْوِيلَات شخصية لما وَرَد في تلك الوثيـقة، وَيَنْسِب تلك التَأويلات إلى النَّص المُنَاقَش، ثمّ يَنـتـقد تَأويلاته الشّخصية، رغم أن هذه التأويلات تُوجد فـقط في ذِهن سعد بـن علال، وَلَا تُوجد في وثيـقة النوضة المُنَاقَشَة.
وكمثال أَوّل على ذلك، فـقد كَتب سعد بـن علال في رَدِّه : «أجدُ أن أقوى ما يمكن أن يضيفه هذا المدخل [أي أطروحة النوضة] إلى التفكير الماركسي، ليس استبدال الصراع الطبقي بصراع "الأنا"، وإنما إغناء تحليل الصراع الطبقي ببعد آخر» [هو الصِّراع بين الْأَنَات]. وَيُمكن لِلقارئ أنْ يَفهم، مِن خلال هذه الـجملة السّابقة (التي كَتبها سعد بـن علال)، أنّ وثيـقة النوضة تَطرح فكرة «اِستبدال الصّراع الطبقي بصراع "الْأَنَات" [جَمع الْأَنَا]»، وأنّ سعد بـن علال يَدعو إلى «إغناء» نَظرية «الصِّراع الطبقي» بِـفكرة «الصِّراع بين الْأَنَات». لكن، لماذا يَنـتـقد سعد بـن علال فكرة «اِستبدال» الصِّراع الطّبقي بِالصِّراع بين "الْأَنَات" ؟ هل هذه الـفكرة وردت في وثيـقة النوضة ؟ وَهل دَعَت وثيـقة النوضة إلى هذا «الاستبدال» ؟ وإِنْ لم تُوجد هذه الـدّعوة في وثيـقة النوضة، فأين تُوجد ؟ ولماذا يَتّهم ضِمْنِيًّا سعد بـن علال وثيـقة رحمان النوضة بِـالدَّعوة إلى «استبدال الصراع الطبقي بصراع "الأنا"» ؟ ولماذا لم يُثْبِت سعد بـن علال هذه التُهمة بأيّ اِقْتِبَاس، أو مُقتطف، أو مَقُولَة، مَأخوذة من وثيقة النوضة ؟ وَفي الواقع، لَا يُوجد في وَثيـقة النوضة مَا يُوحِي بِأيّة دَعوة، ولو مُبَطَّنَة، إلى استبدال نَظرية «الصِّراع الطبقـي» بِـنَظرية «الصِّراع بين «الْأَنَات». وإنما فكرة «الاستبدال» هَاتِه، هي مُجرّد قراءة خاصّة، أو تَأْوِيل شخصي، قَام به سعد بـن علال. وإنْ كان بـن علال يَقْصِد أنّ فكرة «اِسْتِبدال» الصِّراع الطبقـي بِالصِّراع بين "الْأَنَات"، هي مُجَرّد اِنحراف نَظري مُحْتَمَل بشكل عام، ولَوْ أن هذا الانحراف غير مَوجود في وثيـقة النوضة، فـكان يجب على سعد بـن علّال أن يَقـول هذا القَصْد بهذا الوُضوح. وإنْ كانـت تُهمة «استبدال الصراع الطبقي بصراع "الْأَنَاتْ"» صحيحة، كان يَجب على سعد بـن علّال أن يَنـتـقد خُروج النوضة عن الماركسية، أو تَناقض النوضة معها. لأن «الصِّراع الطّبقي» هو رُكْن مِن الأركان النظرية الأساسية في الماركسية. لكن سعد بـن علال لم يَفعل ذلك. وَلَم يَنْتَبِه سعد بـن علال إلى أنه يَنْسُب إلى الكاتب (المُنْتَـقَد) أفكارًا لم يَـقُلها هذا الكاتب (في الوثيـقة المُنَاقَشَة). وَلَا يُعقل أنْ نَنْسُب إلى مُحَاوِرِينَا أشياء لم يَقُولُوها، ثم نَنْـتَـقِد ما لم يُصرِّحوا به. وَأَطرح تَسَاؤُلي التّالي بِشيء مِن الابتسام : هل هذا الأسلوب في النِّقاش (لدى سعد بـن علال) يَدخل هو أيضًا ضِمن ظاهرة "الصِّراع فيما بين الْأَنَات" ؟
15■ وكمثال ثَانٍ على هذا الأسلوب المُقلـق في النِقَاش، كتب سعد بـن علال : «أتحفظ قليلا على تقديم "الأنا" وكأنها جوهر ثابت يظل هو نفسه عبر [أَنْمَاط الإنتاج] العبودية والإقطاعية والرأسمالية والاشتراكية والشيوعية». وأضاف بـن علال : «أشكال الأنانية، ومضامينها، وآليات اشتغالها، ليست واحدة في كل المجتمعات». لكن أُطروحة النوضة لم تَقل أبدًا أنّ «الْأَنَا هو جوهر ثابت يظل هو نفسه عبر العبودية والإقطاعية والرأسمالية والاشتراكية والشيوعية». وماذا قالت وثيـقة النوضة؟ على خلاف اِتِّهام سعد بـن علال، قالت وثيقة النوضة، أنّ كلّ شخص، سواء كان يَعيش في عهد نَمَط الإنتاج العُبودي، أم الإقطاعي، أم الرَّأْسَمَالِيَ، أم الاشتـراكي، إِلَّا وَيُوجد داخله «أَنَا» مُحَدَّد. وكل «أَنَا» تَمِيل، بِقَدر أو بآخر، إلى أفكار أو سُلُوكِيّات «أَنَانِيَة»، أو مُتمركزة حول «الْأَنَا». وحتّى في عهد «الشيوعية»، ستوجد داخل كل مُواطن «أَنَا» مُحَدَّدة. وقد نَختلـف فيما بيننا حول تَوْصِيف بعض مِيزات «الأنا»، مُرورًا مِن شَخص إلى آخر، وَمِن مرحلة تاريخية إلى أخرى، وَمِن نَمَط إنـتاج إلى آخر. لكن المُهم، هو أنّ «الْأَنَا» سَتبقى مَوجودة في كل المُواطنين، وأنّ كلّ «الْأَنَات» تَختلـف نسبيًّا، أو تَتَـفَاوَت فيما بينها، أو تَتَطَوَّر، أو تَتـعاون، أو تَتـكامل، أو تَسْتَقِل، أو تَتـناقض، أو تَتصارع، وذلك حسب كل لحظة تاريخية، وحسب كلّ حَدث، وحسب كل بِيئَة مُجتمعية مُحدّدة.
وَالمُهم أيضًا، هو أنّ تَطَوُّر أَنماط الإنـتاج، السّائدة في كل مُجتمع مُعيّن، بما فيها نَمط الإنـتاج «الاشتراكي» أو «الشيوعي»، لَا يَـقدر على إِلْغَاء وُجود «الْأَنَا» الـقائم داخل كل شَخص مُحدّد. كما لا يَقدر على مَحْو المُيُول أو النَّزَعَات التِلْقَائِيَة لِـ «لْأَنَا» نحو الأنانية، أو نحو التَمركز حول الذّات، أو الانـتهازية، أو الغِشّ، أو الرَّأْسَمَالِيَة، الخ. وكل «أَنَا» يَتَمَيَّز بِـ «مُمَيِّزَات»، ويشتـغل بِـ «آلِيَّات» عامّة (شَرحتها وَثيقة النوضة).
وَمِمّا أتت به أيضًا أطروحة النوضة، أنه يستحيل النَّجَاح في بـناء المُجتمع الاشتـراكي إذا اِقْتَصَرت الثّورة الاشتراكية فـقط على (النَّهْج الذي يُرَكِّز عليه سعد بـن علال، أيْ) تَحويل مِلْكِيّة وَسائل الإنـتاج مِن المِلْكِيَّة الخُصوصية إلى المِلْكِيَّة الجماعية، وأهملت تَثْوِير «الشّخصية» العَمِيـقة (أو الْأَنَا)، المَوجُودة داخل كل مُواطن.
16■ وتـقـول أطروحة النوضة (التي كان يَنـبغي نقاشها) : من بين أسباب اِنهيّار تجربة الاتحاد السُّوفياتي، نجد بالضّبط أنّ الحزب الشيوعي السُّوفياتي، في سَعيه إلى بـناء الاشتراكية، رَكَّز فـقط على تَأْمِيم وسائل الإنـتاج، وعلى مُقاومة مُؤامرات الإمبرياليّات الغَربية، وعلى بـناء الدّولة الوطنية الاشتـراكية (التي تَحوّلت إلى نَوع من رَأْسَمَالِيَة الدّولة). ولم يَقم الحزب الشيوعي السُّوفياتي بِـ «الثّورة الثَقافية المُتواصلة» الضّرورية. وأهْمَلَ هذا الحزب الشيوعي إنجاز سَيْرُورة مُجتمعية مُتواصلة، تَهدف إلى تَغْيِير «الْأَنَا»، وَتَثْوِير «شَخصيّة» المُواطن، كل مُواطن، وعلى اِمتـداد الأجيال المُتوالية.
17■ وظهر في تَـعليـق سعد بـن علال، كَأَنّ وثيقة النوضة تُريد «تَثوير الْأَنَا» فـقط عبر «تَربية أخلاقـية»، أو عبر الوَعْظ الأخلاقي. وكتب سعد بـن علال : «وهنا يصبح "تهذيب الأنا" أقل ارتباطا بالوعظ الأخلاقي وأكثر ارتباطا ببناء ثقافة سياسية جديدة». لكن سعد بـن علال لم يُقدِّم أيّ اقتباس (citation, quotation)، مَأْخُوذ مِن وثيـقة النُوضة، يُثبت تُهْمَة اِقتصار النوضة على «تَهْذِيب الْأَنَا» في مَجال «تَثْوِير الْأَنَا». وكتب بـن علال : «نقد الأنانية لا يمكن أن يكون مجرد تربية أخلاقية للفرد، مهما كانت أهميتها، بل يحتاج أيضا إلى نقد الشروط الاجتماعية». وفي الواقع، لَا يَكفي «نـقد الشروط الاجتماعية» لِإِحداث تَثْوِير في «الْأَنَا» الموجود لدى كلّ مُواطن.
وعلى خلاف كلّ رأي يُقَلِّل مِن أهمِّية «التـربية الأخلاقـية»، فإنّ هذه «التـربية الأخلاقية»، كانـت، وَسَتبقى، ضَرورية، في كل المُجتمعات (بما فيها المُجتمع الاشتـراكي، أو الشيوعي)، وَمَهْمَا كانـت أنماط الإنـتاج القائمة في هذه المُجتمعات. وفي نـفس الوقت، سَتَبْـقَـى هذه «التّربيّة الأخلاقية»، هي نَفسها، غير كَافيّة بِوَحدها لِـ «تَثْوِير الْأَنَا».
18■ وظهر بين سُطور تَعليـق سعد بـن علال، أنه اِبتـعد عَن، أو رَفَض، المَنهج الذي يَدعو (في الوثيقة) إلى بَذل مَجهودات تَهدف إلى تَعليم المُواطنين كَيْفِيَّة «التَحَكُّم في الْأَنَا». وَفضّل سعد بـن علال الاعتماد أكثر على «المُؤَسَّـسات والعلاقات التي تجعل بعض أشكال الأنانية أكثر قـوة وانـتشارا من غيرها». والاعتقاد الكَلَاسِيكِي الـقديم، الذي سَاد داخل الحركات الماركسية، أو الاشتـراكية، عبر العالم، بين سنوات 1950 و 1990، هو بالضّبط التَصوّر الذي كان يظنّ أنّ العَامل الحاسم في بـناء الاشتـراكية، وفي تَثوير «شخصيّة» المُواطن، أو «الْأَنَا»، هو تأميم وسائل الإنـتاج، وتـغيير «المُؤَسّـسات والعَلاقات» المُجتمعية. هل هذا العامل سيكفي وحده لإحداث تَغْيِير كَيْفِي وَآلِي في نَوْعِيَّة «الشّخصية»، أو «الْأَنَا»، المَوجودة داخل كل مُواطن ؟ تَجارب مُحاولات بـناء الاشتـراكية، في رُوسيا، والصِّين، تُثْبِتُ خطأ هذا الاعتقاد. ومن بين النَقَائِص المُرْتَـكَبَة، نجد بالضّبط عدم كِفاية تَثْوِير «العَقل»، أو «الشّخصية»، أو «الْأَنَا»، المَوجود داخل كل مُواطن.
19■ هل «التّربيّة الأخلاقية» تَكفي وحدها لِـ «تَثْوِير الْأَنَا» ؟ وَكَيـف نُنجز إِصْلاح أو تَثْوِير «الْأَنَا» لَدَى عامّة المُواطنين ؟ مُهِمّة تَثْوِير «الْأَنَا» (لَدَى كلّ المُواطنين)، تُطرح على الخُصوص في المُجتمع الاشتـراكي (أي بعد تَثْبِيت الثّورة الاشتراكية). أمّا في المُجتمع الرَّأْسَمَالِي، فَيَبْـقَـى تَثْوِير «الْأنَا» صَعْبًا، أو مُستحيلًا. ورغم هذه «الصُّعوبة» في المُجتمع الرَّأْسَمَالِي، تَبـقـى الـقِوَى السياسية الثّورية مُلزمة بِإِنْجاز مُهمّة «تَثْوِير الْأَنَا» لدى أعضائها وأنصارها. وبدون هذا «التَّثْوِير لِلْأَنَا»، يَستحيل خَوض الثّورة المُجتمعية، أو إِنجاحها، أو تَثْبِيتِهَا.
وَيُوجد «الْأَنَا» في كلّ شَخص. والشَّخص الفَرد، أو المُواطن، هو العُنصر الأوَّلي البَسيط الذي يَتـكوّن منه المُجتمع. وَعَمَلِيَّات «تَثْوير الْأَنَا» الفَردي، وَ «تَثْوير المُجتمع» المُشترك، هُما وَجْهَان لِعُملة واحدة. بِمَعنى أنّ «تَثْوِير الْأَنَا» يَحتاج (هو أيضًا) إلى الرَّبْط بين «تَثْوير البِنْيَات التّحتيّة»، وَ «تَثْوِير البِنْيَات الفَوقيّة»، في المُجتمع المَعني.
فَمَا هي المَهام العَمليّة الضّرورية لِتَثْوِير «الْأَنَا» لدى عامّة المُواطنين ؟
لِكَيْ يَنْجح المُجتمع الاشتراكي في تَرْبِيَة أو تَثْوِير «الْأَنَا» (لدى عامّة المُواطنين)، لَا يَكفي أيّ إجراء بوحده. بل يَجب اِستـعمال عدّة إجراءات مُجتمعية، مُتَنَوِّعة، وَمُتـكاملة. مِنها مثلًا : تَثْوِير السُّلطة السياسية، وَتَثْوِير علاقات الإنـتاج، وَإِقَامة الـقـوانين الثّورية الضَّرورية، وَتَشييد دَولة العَدل والـقانون، وَتَعْزِير الحُرِّيَات السياسية، وَتَثـقـيـف عامّة المُواطنين، وَنَشْر الوعي السياسي الثّوري، وَمُناهضة الإفلات مِن العِقَاب، والمُرُونَة العَقْلَانِيَة في تَنـفيذ العِقَاب أو الزَّجْر أو الرَّدْع تُجاه الجَرائم والجُنَح والمُخالفات، وَتَشجيع الأنشطة المُنْتِجَة، وَتَـعميم التَضَامُن المُجتمعي وَتَشْجِيعه، وتَعْمِيم المُراقبة المُتبادلة، والمُحاسبة المُتبادلة، وَاشْتِرَاط الشُّورَى في المُبادرات التي تَهُمّ الجماعة، وَتَعميم التَّربية الأخلاقـية المُتواصلة لَدَى الأطفال والمُراهقـين والبَالِغِين والمُسِنِّين، وَنَشر التّربية على التَحكّم في «الأنانية» الشّخصية، وَتَعميم تَنظيم النـقاشات السياسية العُمومية، وتـنظيم الصِّراعات السياسية الجماهيرية، وَتَعْوِيد المُواطنين على تَبادل النّقد السياسي العُمومي البَنَّاء، وتشجيع النّقد الذّاتي، وَتَغْذِيَة ثَورة ثَقافية جماهيرية تَحَرُّرِيَة مُتواصلة، والرُّجوع إلى قاعدة الشّعب الثّورية، والْاِحْتِكَام إلى جماهير الشّعب الثّورية (وليس إلى جماهيره المُحافظة)، بِالإضافة إلى أساليب أو مَناهج أخرى (لَا نَقدر على الوَعي بها في الوقت الحالي، لكن)، يجب اِبْتِكارها (فيما بعد)، وذلك في اِرْتِبَاط بِتَطَوُّر الأوضاع المُجتمعية، والعَالَمِيَة، الـقائمة، أو المُقبلة. وأضاف سعد بـن علال إلى هذه المهام (المذكورة في الوثيقة) : «قَبُول النّقد، ومقاومة عبادة الأشخاص، والـفصل بين الخلاف الـفكري والعداء الشخصي، وجعل المسؤولية قابلة للمساءلة، والـقـيادة قابلة للتـداول، والمعرفة ملكا جماعيا لا مصدرا للسلطة الفردية».
وعليه، فإنّ شرط النضال المُتواصل (الـفردي والجماعي) بِهدف تَقْوِيم، وَتَثْوِير، «الشَّخْصِيَة»، أو «الْأَنَا»، الكَامِنَة داخل كل مُواطن، هو شرط ضروري لإنجاح بـناء الاشتـراكية (وَضَمان دَوامها). وَيَنْضَاف هذا الشّرط إلى الشُّروط الأخرى الكلاسيكية المَعروفة. وبدون هذا الشّرط، تَنهار تجربة بـناء الاشتـراكية (مثلما حدث في رُوسيا والصِّين). فَلَا يَـكفي النضال من أجل تَثوير عَلاقات الإنـتاج المُجتمعية، بل يلزم، في نـفس الوقت، النضال من أجل تَثْوِير «الشّخصية»، أو «الْأَنَا»، المَوجودة داخل كل مُواطن.
وأَطْلَـقَ الحزب الشيوعي الصِّيني عدّة حركِات «ثـقَافية»، أو «تَصْحِيحِيَة»، تستعمل أَسَاليب: تَعْبِئَة الجماهير، وفتح النـقاشات السياسية العُمومية، والتَـثـقِيف الفِكْرِي، والمشاركة في خوض الصراع السياسي العُمومي. ومن أبرز هذه الحركات "الثـقافية" التي حدثـت في الصِّين : «حركة مِئَة زَهْرَة» بين سنتي 1956 و 1957، و«حركة القَـفْزَة الكُبْرَى» بين سنتي 1958 و 1960، و«حركة التَرْبِيَة الاشتراكية» بين سنتي 1962 و 1965، و«حركة الثورة الثـقافية» بين سنتي 1966 و 1976. وكل هذه «الحركات الثّقافية»، كانت، ومَا زالت، مُلْتَبِسَة نِسْبِيًّا، وتُثِير لَدَى المُهْتَمِّين، نـقاشات فكرية، وخلافات سياسية، وصراعات فلسفية. ورغم بعض التَجَاوُزَات التي حدثت خلال هذه الحركات، كانت «الثورة الثـقافية» في الصّين، أكثر إفادةً، وأقَلُّ ضررًا، بالمقارنة مع حَمَلَات «التطهير»، و«التَّرْهِيب»، و«الرُّعْب»، التي وَقَـعَت تحت حُكْم المُسْتبد جُوزِيف اسْطَالِين.
وليس غَريبًا أن تَكون الثورة الاشتـراكية في الصِّين قد حاولت خَوض «الثورة الثقافية» المُتواصلة (بين سنوات 1956 و 1976)، بهدف مُحاربة المُيُول الـفَردانية، أو الانـتهازية، أو الرَّأْسَمَالِيَة، التي كانـت تظهر لدى بعض قَادَة أو أُطُر الحزب الشيوعي الصِّيني الحاكم. ولو أنّ هذه «الثورات الثقافية» كانـت آنذاك تُثِير في الصين الكثير من الخلافات، وسوء التَّـفَاهُم، واستجلبت اِسْتِهْجَان وَعَدَاء وسائل الإعلام الغَربية.
20■ وَمِن الصّعب الدِّفاع عن أطروحة «الْأَنَا»، بالمَفاهيم الماركسية، لأن نَظرية «الْأَنَا» لَا تُوجد في الماركسية. لكن غيّاب نَظرية «الْأَنَا» في الماركسية، لَا يَعني، وَلَا يُثبت، أنّ هذه النّظرية خاطئة، أو تَحريـفية، أو رجعية. وَأُذَكِّر هنا أنّ إعادة اِكتشاف مسألة «الْأَنَا» (في كتاب النوضة حول اِنهيّار الاتحاد السُّوفياتي)، لم يَسْقُط تِلـقائيّا من السّماء، وإنما البحث في أسباب اِنهيّار الاتحاد السُّوفياتي هو الذي أَوْصَل إليها.
21■ ونجد مِن بين أسرار نُقط ضُعف قِوَى اليسار اليوم (بين سنوات 1990 و 2020)، أنها لَا تَعمل بما فيه الكفاية بهدف تَـكْوِين المُناضلين، وَتَدريب الأُطر الثَّوْرِيَة الكُـفْأَة، وَتَثْوِير «الشَّخْصِيّات»، أو «الْأَنَات» [جمع أَنَا]، الكامنة داخل كل عُضو، أو كلّ مُناصر، لدى الْقِوَى السياسية الثّورية. وإذا كان مُعظم مُناضلي قـوى اليسار لَا يَختلـفون كَيْفِيَّا في نَوْعِيَّة «شَخصيّاتهم»، أو «أَنَاتِهِم» [جمع أَنَا]، بالمُقارنة مع «شخصيّات» المُواطنين العَادِيِّين، فإن قِوَى هذا اليسار ستبقى ضعيـفة، أو عاجزة على إنجاح الثّورة المُجتمعية الاشتراكية (أنظر كتاب النوضة : نـقد أحزاب اليسار، نشر سنة 2012، الصفحات 324).
22■ وفي الخِتَام، أُعيد التَّذْكِير ببعض الأفكار الواردة في أطروحة النوضة :
• الصراعات التي تنشأ بين الأشخاص، سواءً داخل الأسرة، أم الحي، أم الجمعية، أم الحزب، أم النـقابة، أم الشركة، أم الإدارة، أو حتى داخل نَفس الطّبقة المُجتمعية الواحدة، لَا يَجوز اختـزالها فقط في مَجال «الصراع الطبقي». بل يجب أيضا مُراعاة اِحتمال تَمَوْضُع هذه الصراعات في مَجال «الصِّراع بين الْأَنَات» [جمع أَنَا].
• «الأنانية» هي سُلوك مُجتمعي مَوضوعي، وَمُعقّد. ومُحاولات تَـفسير «الْأَنَانِيَة»، أو تَفسير «الصراعات فيما بين أشخاص [أَنَات] مُختلفين»، بِعَنَاصِر وَأَبْـعَاد مُتـنوِّعة، مثل ظروف العَيش المُجتمعي، أو الأوضاع المُجتمعية، أو العلاقات الطَّبقـية أو المُجتمعية، أو الصراع الطبقي، أو العلاقات السياسية، أو نمط الإنـتاج السّائد، أو المصالح المُتناقضة، أو علاقات تَمَلُّك وسائل الإنـتاج، أو أنواع المِلْكِيَّات الخُصوصية، أو المِيزات الشّخصية، أو الثـقافة، أو التقاليد، الخ، كل هذه التـفسيرات واردة، أو مُحتملة. لكن أُطروحة النوضة أَتَت بِعُنصر جديد وَمُؤَثِّر، هو عُنصر «الْأَنَا». وفي التحليلات الـقديمة، كان عُنصر «الْأَنَا» مَجْهولًا، أو مُهملا، أو مُقَيَّمًا بأقل من تَأثيره الحقيقي. وَلَوْ أنّه مِن المفهوم، أنّ ما هو شخصي، يَرتبط، وَيَتـفاعل، وَيَتـداخل، بالضّرورة، مع ما هو اقتصادي، أو سياسي، أو ثـقافي، أو طبقـي، أو مُجتمعي، أو تاريخي.
• والظروف المُجتمعية التي تُقَوِّي «الأَنَا» و «الْأَنَانِيَة»، لَا تـنحصر فـقط في نَمَط الإنـتاج العُبودي، أو الإقطاعي، أو الرَّأْسَمَالِي، بل أصبح اليوم واضحًا أنّ تجربة الاتحاد السُّوفياتي تُعَلِّمُنا أنّ حتّى الاشتـراكية النّاشئة، يُمكنها أنْ تُـغدِّي، أو أنْ تُعيد إنـتاج، «الْأنَا»، و «الْأَنَانِيَة»، والنَزَعَات الـفَرْدَانِيَة، والطُّموحات الرَّأْسَمَالِيَة. والأشخاص أو المَجموعات التي قامت بإسقاط نظام الاتحاد السّوفياتي، أو ساهمت فيه، أو لم تُعارضه، كانـت تَعتبر نـفسها مِن ضِمن أنصار الرَّأْسَـمَالية. وشاركت هذه الجماعات (المُضادّة للثّورة، أو للاشتراكية) في نهب ثروات وَمُمتلكات الشّعب السُّوفياتي. وتَحوّل أفراد هذه الجماعات (المُضادّة للثّورة، أو للاشتراكية)، في ظَرف وَجيز، مِن أُطُر (في الحزب أو في الدّولة) لَا تملك شيئا، إلى رأسماليِّين يُسيطرون على أجزاء هامّة مِن ثَروات المُجتمع. وَتُؤَكِّد تَجربة اِنهيّار الاتحاد السُّوفياتي، وَلَوْ أثناء بـناء الاشتـراكية، ضرورة الـقـيّام بِإِعَادة تَربية مُتواصلة لكلّ المُواطنين. ورغم كل ما قـيل حول تجربة «الثّورة الثّقافية» في الصِّين، فإنها تَستحقّ أنْ نَسْتَحْضِرَها، وأنْ نُعمِّقها، وَلو عبر مُراجعتها، أو تَـقْوِيمِها.
• لكي يكون النـقاش السياسي ناجحا، ومثمرا، وَمُفيدا للجميع، يجب على كل الأشخاص المُتحاورين، أنْ يَلتـزموا بِقَواعد في الحِوار، تَكون جِدِّيَة، وَدَقيقة، وَصَارمة. وقد سبق لي، في سنة 2016، أن نَشرتُ وثيـقة «فَنّ النَّقد السياسي» (في 70 صفحة) [ويُمكن تـنزيلها من مُدوّنة الكاتب]. ومن بين هذه الـقـواعد المُتعدِّدة، ما يلي : 1) النّقد مَشروع، وَمُباح، للجميع. لكن النَّقد قد يَجلب تَبادلَ النَّقد والنَّـقد المُضاد. 2) النـقاش الجيِّد ليس مُبارزة ذَاتِيَة، بين أشخاص يتصارعون على الغَلَبَة. وإنما هو بَحث جَماعي عن الحقـيـقة الثّورية. وهذه الحقـيـقة الثّورية تَتجاوز شَخصيّات المُتحاورين هم أنفسهم. 3) من واجب كل نَاقد أنْ يَمتـنـع عن طَرح أيّ نَقد، إلى حِين أنْ يَأتي بِحُجج عقلانية (مثلًا على شكل اِقْتِبَاسَات، أو مَقـولات مضبوطة، أو أحداث تاريخية، الخ). 4) يجب التَـعامل مع النَّقد السياسي كأنّه نَوع مِن الْاِتِّهَام في مجال "الـقانون الجنائي". حيث لَا يجوز نَقْد، أو اِتِّهَام، أيّ شخص، أو جماعة، بدون الْإِتْيَان بِحُجج معقـولة، ودقـيـقة، وَمُـقْنِعَة، وقابلة لِلـفَحص، ولِلمُراجعة، ولِلمُراقبة، ولِلتَّدْقِيق. 5) كل شخص مُنْتَـقَد، أو مُتَّهَم، يَبْـقـى بَريئًا إلى حين أنْ تَثْبُتَ إدانته. 6) يلزم أنْ يكون هدف النّقد، ليس هو الإساءة إلى الشّخص المُنْتَـقَـد، أو الـقضاء عليه، وإنّما هو مُحاولة مُعالجة الشّخص المَريض، أو تَـقْوِيم الشّخص المخطئ، وهو أيضًا إبراز الحقـيـقة الثّورية، لإفادة عُموم المُواطنين.
رحمان النوضة. 21 أكتوبر 2026. الصِّيغة رقم 3.
الرَّابِط لتـنزيل الوثائق المذكورة داخل هذا المقال
https://livreschauds.wordpress.com/لائحة-liste/
…….•■❊◊❊■•…….



#عبد_الرحمان_النوضة (هاشتاغ)       Rahman_Nouda#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيران= الأمل الوحيد
- ضد الأوهام السياسية
- دولة المغرب تُجَنِّس مليون إسرائيلي
- الدّولة الرأسمالية تَقتل الثقافة
- إشكاليات القوى الثورية(2من2)
- إشكاليّات الـقِوَى الثورية12
- سر التطبيع بين المغرب وإسرائيل
- أسرار نهضة الشعوب
- فضيحة الضريبة على السيارات
- التمييز بين الدولة والوطن والنظام
- المغرب محميّة إسرائيلية؟
- ظاهرة الاستبداد السياسي
- اِنْتِحَار جَماعي شَامل
- أُطروحات سيّاسية (ص8)
- أطروحات سياسية
- أنواع ودرجات الوعي السياسي
- إستعملوا الذكاء الاصطناعي!
- من حاول اغتيال سيون أسيدون
- خطورة الحركات الهوياتية، نموذج روندا
- في فوضى العالم، ما اليقينيات، وما الشكوك


المزيد.....




- تصريح المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية على إثر تطورات ...
- Our Sovereignty Is Endangered 
- السويد: وقفة تضامنية أسبوعية متجددة مع الشعب الفلسطيني بمدين ...
- تظاهرات حاشدة في أكثر من 50 مدينة إيطالية
- طبيب الفقراء يروي انتهاكات سجون إسرائيل
- Community Organizations Call on Business Leaders To Protect ...
- Beyond Netanyahu: What Israel’s Election Means for Palestini ...
- Rape as a Tool of Empire: Cornell, Palestine, and the Silenc ...
- Jamia Agitation Exposes the Crisis of Campus Democracy in In ...
- The Logic of Human Rights and an Alternative Perspective


المزيد.....

- من هيمنة الخوارزميات إلى سيادة الجماهير / رزكار عقراوي
- التجديد التنظيمي لليسار في العصر الرقمي، مقترحات لتطوير مسود ... / رزكار عقراوي
- الماركسيّة و مسألة السكّان الأصليّين [ الهنود الحمر - في الم ... / شادي الشماوي
- الأمل الثوريّ – ظهور إمكانيّات جديدة لثورة تحريريّة في خضمّ ... / شادي الشماوي
- القنبلة الصامتة، الذكاء الاصطناعي وتفكيك العقل البشري / رزكار عقراوي
- بيان من أجل ثورة اشتراكية ايكولوجية؛ القطع مع النمو الرأسمال ... / الأممية الرابعة
- التوجّه الإستراتيجي [ للثورة في الولايات المتّحدة ] في عالم ... / شادي الشماوي
- الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي ... / شادي الشماوي
- عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال / المناضل-ة
- كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - عبد الرحمان النوضة - نقاش حول -الأنا-