عبد الرحمان النوضة
(Rahman Nouda)
الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 14:07
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
إذا تَوَضّح السّبب، زال العَجب. منذ سنة 2022، سبق لي أنْ نشرتُ عدّة مُلاحظات تَتساءل : هل «التَّطْبِيع» بين دَولتي المَغرب وكيّان إسرائيل يَدلّ على أنّ المَغرب بدأ يَـفـقد «اِستقلاله» و «سِيّادته الوطنية» ؟ لكن الكثيرين مِن بين «الصّحفِيِّين» وَ «السِيّاسيِّين»، رَفضوا الاهتمام بهذه المسألة. أو اِعتبروا هذه المُلاحظة مُجرّد «مُبالغة». ومع مُرور الوقت، غَدى يَتأكّد أكثر فأكثر أنّ تلك «المُبالغة» المزعومة، كانـت أقل مِمَّا يَجري على أرض الواقع.
ومع إقامة دَولة المَغرب لِقَانون يُبرِّر «مَنح الجِنسية المَغربية» لِقُرابة مَلْيون «إسرائيلي مِن أصل مَغربي»، أصبحنا أمام نَوع مِن غَزْو وَاسْتِيطَان قانوني للمَغرب، مِن طرف العَدُوّ الإسرائيلي المُستعمر.
وإذا كان المَلك هو الذي قرّر حَقًّا «التَّطبيع»، رغم أنّ غالبية مُواطني شَعب المَغرب يَرفضون هذا «التّطبيع»، فهذا يَعني أنّ «السُّلطة السياسية» في المَغرب خَاطَرت بِـ «اِستمرارية المَلَكِيَة» في المَغرب. فَهل حَقًّا «السُّلطة السياسية» في المَغرب هي حقًّا التي قَرّرت طَوَاعِيَّةً «التَّطبيع»، أمْ أنّها كانـت «مُجبرة» على فعل ذلك؟ وإنْ كانـت حقًّا «مُجبرة»، فهذا يُؤَكِّد أنّ «السُّلطة السياسية» غدت «ضَعيـفة»، أو «خاضعة»، وأنّه مِن المُمكن فِعلًا أنْ تَـفـقد دَولة المَغرب «اِستـقلالها»، أو «سِيّادتها الوَطنية». فَيَطرح فَورًا المَنطق سِلْسِلَة مِن التَساؤلات. ومن بينها مثلًا : أين يُوجد مركز «السُّلطة السياسية» في مَلَكِيّة المَغرب ؟ وما هي إمكانات وَحُدود هذه «السُّلطة السياسية» ؟
ليست «العُلوم السياسية» عُلومًا دقيقة. وَيُمكن الشَـكّ في بعض أُطروحات «الخُبَراء في السياسة». وفي مَلَكِيّة المَغرب، نُلاحظ أنّه، لَا الحُكومة، ولا البَرلمان، وَلا الجهات، الخ، لَا تُشارك في مُمارسة «السُّلطة السيّاسية». ومُجمل المُهتمِّين بالسياسة في المَغرب، «يَفْتَرِضُون» أنّ المَركز المُعتاد الذي تَتجمّع فيه مُجمل «السُّلَط السيّاسية» (political power) الأساسية هو «المَلِك». وَ «يَفترضون» كذلك أنّ «دَولة المَغرب لَا تَتَّخذ أيّ قَرار إلّا إذا وافـق عليه المَلِك». لكن هذا «الافتراض» النظري أصبح غامضًا، أو مشكوكًا فيه، أو مُتجاوزًا.
والإشكالية النظرية هنا، هي أنّه يُمكن أنْ يكون هذا «الافتـراض» السّابق ناقصًا، أو خاطئًا. ولماذا ؟ لأن «السّلطة السيّاسية» لا توجد دائمًا بِكَاملها في المُؤَسّـسة التي نَعتقد أنها هي مَـقَرّ هذه «السُّلطة السياسية». ومُحدِّد مَقَرّ «السّلطة السياسية»، ليس هو الدُّستور، أو الـقانون، أو الأقوال، أو الأماني، وإنما هو الوَاقع المَلموس. وهذا الوَاقع هو حَيّ، وَمُتـناقض، وَمُتحرِّك، وَتَتَصَارَع باستمرار حَوله عدّة قِوَى فَعّالة أو مُؤثِّرة. وَلَا يُـعْقَل نُكران وُجود «الضُغُوطات الأجنبية» الهائلة على دولة المَغرب. ويُمكن مثلًا أن نظنّ خَطَأً، أنّ «المَلِك هو الذي يُقَرِّر كلّ شيء». بينما في الواقع، أصبحت تُوجد جهات غَامِضة، أو غير مُتَوَقَّعَة، تَجعل المَلِك يُوافـق على قرار مُعيّن (مثل «التَّطبيع»)، وَلَوْ أنّ المَلِك غير راض 100 % على هذا القرار. وَكَمِثَال، يُمكن لِجِهَات غامضة، مَوجودة وراء مُستشار المَلِك أَنْدِي أَزُولَاي، الكَادِر البَنْكِي الـفَرنسي المُناصر لِإسرائيل، هي الجِهات التي فَرَضَت على مَلِك المَغرب، أو على «السُّلطة السياسية»، أو على دَولة المَغرب، بعض التَوَجُّهات السيّاسية الإستـراتيجية المُحَدَّدَة، مثل سيّاسة «تَطْبِيع» العلاقات بين دَولة المَغرب والكِيّان المُسْتَـعْمِر إسرائيل، مع ما يَتَرَثُّب عن هذا «التَّطبيع» مِن تَبِـعَات (اقتصادية، وتجارية، وَبَـنْكِيّة، ومالية، وأمنية، ومخابراتية، وعسكرية، وصناعية، وزراعية، وخدماتية، وإعلامية، وثـقافية، وقـيميّة، ودبلوماسية، بالإضافة إلى مَنح الجِنْسِيَة المَغربية إلى قُرابة مليون إسرائيلي، الخ). ونـتائج هذا «التَّطبيع» ليست بسيطة، أو عابرة، وإنما تَفرض على المَغرب مليون مُسْتَوطِن إسرائيلي مُفترس، مَنَحتهم «السُّلطة السياسية» حق السّكن، والتَّملّك، والانـتخاب، والتَّرشيح، والوُصول إلى رئاسة كل مُؤسّـسات دَولة المَغرب وَسُلُطَاتها.
وفي حالة صحّة هذا الافتـراض السّابق، يجب علينا إذن أنْ نَـعترف أنّ جزءًا حاسمًا من «السُّلطة السياسية» في المغرب قد اِنـتـقل، خلال فتـرة مُعَيّنة، وَبِشكل غير مَحسوس، مِن أيدي مَلِك المَغرب، إلى أَيَادِي هيئات مَالِيَة عَالمية صَهيونية. وفي إطار هذا الافتـراض السّابق، لا يـقدر مَلِك المَغرب على رفض كلّ إِملاءات تلك الهيئات المَالية الأجنبية. وَيَبدو المَشْهَد كأنّ قمّة الدولة (في المَغرب)، أو «السُّلطة السياسية»، وَقَعَت في فخّ، سواء بسبب إغراءات سُهولة الحُصول على الـقُروض المالية، أو بسبب وُعُود وَهمية حول حَلِّ قضية الصحراء، أو لأسباب أخرى. وَتَحوّل المَغرب من دولة «مُستقلّة» في المَظهر، إلى دَولة «خاضعة»، أو «تَابعة»، لجهات غامضة، أو غير مُتوقّعة. وذلك على الأقل في بعض المَيادين، مثل ميدان «التَّطبيع» بين دَولة المَغرب والعَدُوّ الإسرائيلي المُسْتَـعْمِر.
وفي مُجمل دُوّل العالم، لا يَجوز لِـ «رئيس الدّولة»، أو لِـ «السُّلطة السياسية»، أنْ يَدْخُلَا في تـناقض مُطلـق مع اختيّارات «الأغلبية العُظمى مِن الشّعب». لأن «واجب الدّولة» (في كل العالم)، هو «تَلبيّة مَطالب الشّعب». فإن كان شَعب المَغرب مُتَضَامِنًا مع شعب فلسطين المُسْتَـعْمَر، وَمُناهضًا لِلكيّان الإسرائيلي المُسْتَـعْمِر، وَرَافضًا لأيّ «تَطبيع» معه، يُصبح من «واجب دَولة» المَغرب أنْ تُلَبِّيَ «اختيّارات الشّعب». وإنْ حدث خلاف أو شَكّ أو غُموض حول «اختيّارات» شَعب المَغرب، يُمكن مثلًا تـنظيم «اِستـفتاء شعبي» لِمَعرفة مَطالب «أغلبية الشّعب».
وقد يَـقـول مُعتـرض أن «السُّلطة السياسية»، أو المَلِك، في المَغرب، يُوافـقان 100 % على قرار «التَّطبيع». لكن تَضامن «غالبية شعب المَغرب» مع شعب فلسطين، ورفض «غالبية شعب المَغرب» لأيّ شكل مِن أشكال «التَّطبيع»، يُعرِّض «اِستمرارية المَلَكِيّة» في المَغرب إلى الخَطر. وهذا الخطر لا يَخفى على «السُّلطة السياسية»، وَلَا على المَلِك. وهذا «التَّطبيع» يُحوِّل عَمليًّا المَغرب، وَبِطُرق غير واضحة، إلى نَوع مِن «المَحْمِيَة»، أو «المُستـعمرة» الإسرائيلية. الشيء الذي يَرفضه شعب المَغرب، ولو كَلّفه ذلك قَطيعة تاريخية مع المَلَكِيّة، عبر ثورة مُجتمعية شاملة ضدّ هذه المَلَكِيَة. وإنْ كان شَعب المَغرب «حُرًّا وَمُسْتَـقِلًّا»، فَسَيَكُون مِن حَـقِّه أن «يَثُور» ضدّ ذلك «التَّطبيع»، وضدّ مَن حَاوَل فَرض «التَّطبيع» على الشّعب.
لذلك، فإنّ الاحتمال الأكبر هو أنّ «السُّلطة السياسية»، أو المَلِك، لم يُوافـقا 100 % على «التَّطبيع»، وإنما أُجْبِرَا عليه. لكن مِن طَرف مَن ؟ مِن طَرف الجهات المَالية العالمية الموجودة وراء مُستشار المَلِك أندري أزولاي (andré azoulay). وقد قال الكاتب المُناضل ضدّ الصّهيونية يَعقـوب كُوهِن (Jacob Cohen) عن أَندري أَزُولَايْ أنه عَمِيل لِلْمُوسَاد، وَلِلعَدوّ إسرائيل. ومعنى ذلك هو أنّ «السّلطة السياسية» (في المَغرب) لم تَعُد مَوْجُودة كلها بين أيدي مُؤسّـسة المَلِك. وأنّ «اِستـقلال دَولة المَغرب»، أو «سِيّادتها الوطنية»، أصبحا نَاقصين، أو رُبّما مَفقودين.
وقد تُذَكِّرنا هذه الوضعية بِوضعية سُلطان المَغرب عبد الحفيظ في سنة 1912، الذي تَمّ تَوْرِيطه (هو وأسلافه) في فَخِّ تَراكم دُيون عُمومية ضخمة، وعجز على إرجاعها. وساهم هذا العجز (على إرجاع تلك الدُّيُون) في إجبار السُّلطان عبد الحفيظ على الـقَبُول بِتَوقـيع مُعاهدة «الحِمَاية» مع الاستعمار الفَرنسي. فأصبح المَغرب «مَحْمِيًّا»، و «خاضعًا»، للإستـعمارين الـفرنسي والإسباني في سنة 1912. ورغم البَقَاء الظّاهر لِلسُّلطان في «السُّلطة السياسية»، أو رغم اِستمرارية «النظام السياسي المَلَكِي المَخْزَنِي»، إِنـتـقلت «السلطة السيّاسية» الـفعلية مِن المَلِك إلى «المُقيم العام الـفَرَنْسِي» في مدينة الرِّباط، وإلى «المُفوّض السّامي الإسباني» في مدينة طِطْوَان. فَهَل يُـعِيد التّاريخ نَـفسه ؟
رحمان النوضة، 5 ماي 2026.
#عبد_الرحمان_النوضة (هاشتاغ)
Rahman_Nouda#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟