أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نوري حمدان - موازنة 2027: هل تحمي السيادة الغذائية أم تموّل فاتورة الاستيراد؟















المزيد.....

موازنة 2027: هل تحمي السيادة الغذائية أم تموّل فاتورة الاستيراد؟


نوري حمدان

الحوار المتمدن-العدد: 8872 - 2026 / 10 / 28 - 18:26
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حين ترتفع أسعار الغذاء، لا تبدأ الأزمة في جداول وزارة المالية، بل في البيت: في كمية الطعام التي تستطيع الأسرة شراءها، وفي الأصناف التي تستغني عنها، وفي الجزء المتزايد من دخلها الذي تستهلكه الضروريات. ولهذا فإن مناقشة موازنة 2027 لا تكتمل بالسؤال عن الرواتب والتعيينات والعجز؛ عليها أن تجيب أيضًا عن قدرة الدولة على حماية غذاء المواطنين عندما تضطرب الأسواق خارج حدودها.
تمنح التحذيرات الدولية الأخيرة هذا السؤال أهمية إضافية. فقد نشر معهد "إس آند بي غلوبال" في 19 تشرين الأول 2026 تحليلًا يوضح كيف يمكن لاضطراب إمدادات الطاقة والأسمدة، بالتزامن مع مخاطر "النينيو" على المحاصيل، أن يزيد الضغوط على الأسواق الغذائية خلال 2027. ولا يتحدث التحليل عن أزمة حتمية، بل عن مخاطر قد تتفاقم إذا استمرت اضطرابات الإمداد وتضررت محاصيل في مناطق إنتاج رئيسية.
بالنسبة إلى العراق، ينبغي أن يتحول هذا التحذير إلى سؤال مالي وإنتاجي: ماذا أعدّت الموازنة لاحتمال ارتفاع كلفة الحبوب والزيوت والأعلاف والأسمدة والنقل؟ وهل تمتلك الدولة قدرة على الاستجابة من دون أن تضطر إلى تقليص خدمات أخرى، أو تحميل الأسر أعباء إضافية؟
لم تتوفر عند إعداد هذا المقال جداول رسمية معتمدة تكفي للحكم على تخصيصات الغذاء والزراعة في موازنة 2027. لذلك فإن المطلوب الآن هو تحديد ما يجب أن تكشفه هذه الجداول، والمعايير التي سنحاسب بها الإنفاق لاحقًا.
أول هذه المعايير هو حماية الغذاء المتاح للمواطن اليوم. فالبطاقة التموينية وشبكات الحماية تمثلان أدوات أساسية في مواجهة الضغوط المعيشية، لكن كفايتهما لا تُقاس بقيمة التخصيص وحدها. قد يرتفع المبلغ الاسمي، بينما تتراجع الكميات التي يشتريها إذا ارتفعت الأسعار العالمية أو كلفة النقل والتأمين. ومن هنا تصبح الشفافية ضرورية: ما الكميات المستهدفة؟ وما أسعار الشراء المفترضة؟ وما هامش الطوارئ؟ وكيف ستُضمن جودة المواد وانتظام وصولها؟
وتحتاج الدولة إلى أن تشرح كيف ستتعامل مع صدمة أسعار محتملة: هل تمتلك مخزونًا مناسبًا؟ وهل تتوزع مصادر الشراء بما يقلّل مخاطر تعطل مورد أو طريق نقل؟ وهل توجد آليات رقابية تمنع تحوّل الاستعجال في التعاقد إلى باب لرفع الكلف وإضعاف المنافسة؟
غير أن تأمين الغذاء في الأمد القريب لا يعفي الموازنة من مسؤولية بناء قدرة إنتاجية للمستقبل. فالاعتماد المستمر على شراء الغذاء من الخارج يجعل جزءًا من أمن الأسرة مرتبطًا بأسعار وشروط لا تتحكم بها الدولة. وكلما اتسعت هذه الفجوة، ازدادت الحاجة إلى العملة الأجنبية، وتعاظمت حساسية الغذاء لتقلبات الصرف والشحن والأسواق الدولية>
ولا تعني السيادة الغذائية أن ينتج العراق كل ما يستهلكه، أو أن يُمنع الاستيراد بصرف النظر عن الكلفة والحاجة. فالاستيراد أداة مشروعة وضرورية في حالات كثيرة. لكن امتلاك القرار يتطلب قدرة على الاختيار والموازنة بين الموردين والبدائل، إلى جانب إنتاج محلي يستطيع الاستمرار اقتصاديًا وبيئيًا>
هنا يبرز الماء بوصفه قيدًا حاسمًا. فالتوسع الزراعي لا يكون إنجازًا لمجرد زيادة المساحات إذا استنزف موارد مائية محدودة أو تجاهل ملاءمة المحاصيل للظروف المحلية. والموازنة التي تدعم الزراعة تحتاج إلى بيان ما ستنتجه كل وحدة من الإنفاق والماء، وما إذا كانت الأولوية لتحديث الري، أو تحسين البذور، أو تقليل الفاقد، أو معالجة اختناقات التسويق والخزن>
كذلك فإن دعم الفلاح لا يكتمل بإعلان سعر شراء محصوله. انتظام تسديد مستحقاته، وتوفير المدخلات في الوقت المناسب، وإتاحة النقل والخزن والتسويق، كلها عناصر تحدد قدرته على مواصلة الإنتاج. وقد تفقد المساعدة قيمتها إذا وصلت بعد فوات الموسم، أو استُهلكت في إجراءات ووسطاء قبل أن تصل إلى مستحقها>
ولهذا ينبغي أن تربط موازنة 2027 الدعم بنتائج معلنة يمكن قياسها: تحسن الإنتاجية، وتقليل الفاقد، وكفاءة استخدام المياه، وجودة المحصول، واستمرار المنتج في عمله. كما يجب نشر توزيع الدعم والمستفيدين منه، حتى لا تتحول حماية الزراعة إلى غطاء لامتيازات لا يعرف المواطن عائدها>
وفي هذا السياق تأتي مسألة الإعفاءات الجمركية. فقد أعلن رئيس اللجنة المالية النيابية عزم اللجنة استضافة محافظ البنك المركزي ووزير المالية لبحث تمويل الموازنة، مشيرًا إلى أثر متوقع للإعفاءات في الإيرادات غير النفطية والحاجة إلى بدائل. وهذه مناقشة تمويلية مرتقبة، وليست دليلًا على إقرار معالجة نهائية.
قد يكون إعفاء بعض السلع الغذائية أو مدخلات الإنتاج إجراءً مفيدًا عند الضرورة. لكن تقييمه يتطلب معرفة المواد المشمولة، ومدة الإعفاء، وكلفته على الخزينة، والجهات المستفيدة، ومدى انتقال التخفيض إلى المستهلك أو المنتج. فإذا تنازلت الدولة عن إيراد، فمن حق المجتمع أن يعرف المنفعة المقابلة، وأن يرى أثرها في سعر السلعة أو كلفة إنتاجها.
وقد تترتب على السياسات التجارية آثار مختلفة بحسب السلعة وتوقيتها. فتخفيض كلفة استيراد مدخل زراعي قد يساعد المنتج المحلي، بينما يحتاج إعفاء سلعة نهائية منافسة لمحصول محلي إلى تقدير أثره في الفلاح والمستهلك معًا. المطلوب سياسة معلنة توازن بين توفير الغذاء بأسعار مناسبة واستمرار الإنتاج، وتراجع نتائجها بدل الاكتفاء بتبريرها عند صدورها.
وتزداد أهمية هذه الموازنة حين تتعدد الالتزامات المالية: رواتب وتثبيت وتعيينات وخدمات واستثمار، إلى جانب احتمال ارتفاع فاتورة الغذاء. فلا يجوز أن يتحول النقاش إلى مفاضلة مبسطة بين حق العامل في الاستقرار وحق الأسرة في الغذاء. كلاهما التزام عام، والمسؤولية الحكومية هي كشف كلفتهما ومصادر تمويلهما، وتقليص الهدر والامتيازات قبل مطالبة المجتمع بتحمل الأعباء.
كما أن ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية، متى تأكد نطاقه وتفصيله، لا يغني عن هذا العمل. فالاحتياطي يمنح قدرة على مواجهة الصدمات، لكنه لا يخلق بذاته إنتاجًا زراعيًا، ولا يعوض غياب التخطيط المالي والتجاري. والاستدامة تتطلب موارد متجددة وقدرة إنتاجية وإدارة تحافظ على أدوات الحماية للأوقات التي تحتاج إليها البلاد.
يمثّل الغذاء اختبارًا مباشرًا لمعنى السيادة الاقتصادية. فالدولة تُظهر قدرتها عندما تؤمّن احتياجات الناس العاجلة، وتحسن التفاوض والشراء، وتراقب الإنفاق، وتبني في الوقت نفسه بدائل تقلل تعرضهم للأزمات المقبلة.
وعندما تُنشر جداول موازنة 2027، ينبغي أن نبحث فيها عن هذه الخيارات، ثم نتابع تنفيذها. كم خُصص للغذاء؟ وكم وصل إلى المواطنين؟ وكم أُنفق على الإنتاج والماء والخزن؟ وما الذي تغيّر نتيجة هذا الإنفاق؟
فالأسرة العراقية تحتاج إلى طعام متاح اليوم، وإلى أسباب تطمئنها إلى توفره غدًا. ومهمة الموازنة أن تصل بين الحاجتين بسياسة واضحة يمكن مساءلتها.



#نوري_حمدان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاستقرار الوظيفي والسيادة الاقتصادية: من يمول حق العامل؟
- قبل 25 تشرين: حماية الاحتجاج والاستماع إلى أسبابه
- العراق وصندوق النقد: من يدفع ثمن الإصلاح المؤجَّل؟
- رواتب الحشد وسلاح الفصائل: السيادة تبدأ من خزينة الدولة
- سيادة على الورق وغذاء مستورد
- موازنة العراق 2027: إدارة الأزمة أم إعادة إنتاج أسبابها؟
- العراق بعد التحالف الدولي: اختبار السيادة وإعادة تشكيل العلا ...
- حين يدفع المواطن ثمن الاستقرار... سؤال السيادة في قرار البنك ...
- عامر عبد الله... أوراق من ذاكرة رجل ومن تاريخ وطن
- تشرين و-السيادة-.. نريد وطن
- 30 أيلول.. حين تصبح السيادة مسؤولية
- الحرب على إيران.. حين تصبح المنطقة كلها جزءاً من المفاوضات
- زيارة الزيدي إلى تركيا.. هل تؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الا ...
- زيارة طهران... هل عاد العراق بمكاسب توازي ما قدم؟
- الحوار الوطني المدني.. حاجة العراق قبل أن يكون خياراً
- الشرق الأوسط على حافة الانفجار
- الحرب على الفساد... هل بدأ العراق يكسر الخطوط الحمراء أم أنه ...
- حين يصبح العنف لغةً للجميع
- بين واشنطن وبكين وموسكو.. أين يقف العراق في خرائط العالم الج ...
- تاجر البندقية في الصين.. براغماتية المصالح العليا وإعادة رسم ...


المزيد.....




- قتيل و8 مصابين.. إطلاق نار يحوّل احتفالات مباراة جامعية إلى ...
- الحرس الثوري: أمريكا فشلت في حماية قواعدها بالمنطقة ولا قيود ...
- موسكو: 60 ألف طن من الأسمدة الروسية المخصصة لإفريقيا لا تزال ...
- البديوي: التكامل الخليجي أصبح ضرورة استراتيجية لا خيارا تنمو ...
- مفاوضون إيرانيون في الدوحة لليوم الثالث وسط مخاوف من تصاعد ا ...
- اكتشاف خزان أكسجين خفي في أعماق الأرض
- عالم روسي: وتيرة الاحتباس الحراري في روسيا أسرع بـ2.5 مرة من ...
- أمراض قد تخفيها نوبات الفواق المتكررة
- زخّات شهب مميزة تزين السماء في نوفمبر
- لا تحتاج إلى معدات.. تمارين بسيطة تساعد في خفض ضغط الدم


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نوري حمدان - موازنة 2027: هل تحمي السيادة الغذائية أم تموّل فاتورة الاستيراد؟