نوري حمدان
الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 00:29
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
هل يغادر العراق مرحلة الوصاية الأمنية إلى دولة تحتكر السلاح والقرار، أم تتغير أشكال الحضور الخارجي فيما تبقى معادلات الداخل على حالها؟
بانتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي ومغادرة آخر قواته من العراق في الثلاثين من أيلول 2026، طُويت صفحة أمنية امتدت لأكثر من عقد، وبدأت صفحة أخرى قد تكون أكثر تعقيدًا من سابقتها. فالانسحاب، على أهميته السياسية والرمزية، لا يعني بالضرورة انتهاء التأثير الأميركي أو الغربي في العراق، مثلما لا يعني تلقائيًا أن بغداد أصبحت منذ اليوم التالي صاحبة القرار الأمني الكامل. الاتفاقات التي قادت إلى إنهاء مهمة التحالف تحدثت أصلًا عن الانتقال إلى علاقات أمنية ثنائية، فيما تستمر مجالات التدريب والتعاون العسكري والتسليح وتبادل المعلومات بصيغ مختلفة. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل بقي جندي أميركي في قاعدة عراقية؟ بل أصبح: من يحدد خيارات العراق الأمنية، ومن يمتلك قرار الحرب والسلم، ومن يملك القوة المسلحة داخل حدوده؟
من هنا، فإن وصف الحكومة لهذه المرحلة بأنها تكريس للسيادة العراقية يضعها أمام اختبار ربما يكون أصعب من اختبار إخراج القوات الأجنبية نفسه. فالسيادة ليست احتفالًا بخروج آخر جندي أجنبي، وإنما منظومة متكاملة تبدأ باحتكار الدولة للقوة وتنتهي باستقلال قرارها السياسي والأمني والاقتصادي. وليس من الممكن الحديث عن سيادة مكتملة فيما توجد قوى مسلحة تستطيع أن تتخذ قرارًا أمنيًا أو عسكريًا خارج مؤسسات الدولة، أو أن تدخل في مواجهة مع دولة أخرى، أو تطلق صاروخًا أو طائرة مسيّرة، ثم تجد الحكومة نفسها مضطرة إلى معالجة النتائج سياسيًا ودبلوماسيًا.
وهنا تحديدًا يصبح ملف حصر السلاح بيد الدولة معيارًا لاختبار جدية المرحلة الجديدة. فقد بدأت الحكومة خطوات تشريعية وأمنية في هذا الاتجاه، ووصفت السلاح المنفلت بأنه تهديد لسلطة القانون وهيبة المؤسسات. لكن المشكلة العراقية لم تكن يومًا في نقص الشعارات أو النصوص القانونية بقدر ما كانت في المسافة بين النص والتنفيذ. وحصر السلاح لا يعني جمع البنادق من المواطنين فحسب، بل يعني، في جوهره السياسي، إنهاء ازدواجية القرار الأمني، بحيث لا توجد قوة تمتلك حق استخدام السلاح الثقيل أو اتخاذ قرار المواجهة خارج سلسلة القيادة الرسمية للدولة.
ولذلك لا ينبغي قراءة تشديد سفير الاتحاد الأوروبي لدى العراق كليمنس سيمتنر على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة بوصفه موقفًا دبلوماسيًا عابرًا. الاتحاد الأوروبي أعلن دعمه للبرنامج الحكومي والإصلاحات، فيما يرتبط موقفه من السلاح أيضًا برؤية أوسع ترى أن استقرار العراق وسيادة القانون شرط أساسي للإصلاح الاقتصادي وجذب الاستثمار. كما أن البعثة الاستشارية الأوروبية في العراق عملت منذ سنوات في مجالات إصلاح القطاع الأمني المدني وإدارة الحدود ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. وهذا يعني أن المسألة لم تعد شأنًا أمنيًا داخليًا محضًا، لأن أي سلاح قادر على إنتاج فعل عسكري عابر للحدود يصبح جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي والدولي.
لكن الضغط الخارجي، أميركيًا كان أم أوروبيًا، لا يستطيع أن يصنع دولة بدلًا من العراقيين. وهذه نقطة جوهرية ينبغي ألا تضيع في النقاش. حصر السلاح إذا تحقق استجابة لضغط خارجي فقط سيظل هشًا، أما إذا تحول إلى عقد سياسي عراقي وإلى قاعدة دستورية ملزمة للجميع، فإنه عندها يصبح جزءًا من بناء الدولة. المطلوب ليس نقل قرار الفصائل من عاصمة خارجية إلى عاصمة خارجية أخرى، بل نقله إلى بغداد، أي إلى المؤسسات الدستورية العراقية حصرًا.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم المسار الذي يجري الحديث عنه، والذي يبدأ بالتهدئة، ثم التفاوض، ثم الانتقال إلى تسليم أو تنظيم السلاح وصولًا إلى 30 حزيران 2027. وقد أكد المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة أن هذا الموعد جرى تحديده بالاتفاق مع الفصائل، فيما تشير الخطة المتداولة إلى مرحلة تهدئة أولية تمتد تسعين يومًا قبل الانتقال إلى معالجة السلاح بصورة تدريجية.
هذا الجدول ليس مستحيلًا، لكنه شديد الطموح. نجاحه يتوقف على ما إذا كانت المدة الزمنية ستستخدم لتفكيك أسباب وجود السلاح الموازي، أم ستتحول إلى مجرد تأجيل للمشكلة. فالفصائل ليست مخازن أسلحة فقط، إنها شبكات تنظيمية وسياسية واجتماعية واقتصادية، وبعضها يمتلك تمثيلًا سياسيًا ونفوذًا مؤسسيًا وعلاقات إقليمية. ولهذا فإن تسليم السلاح الثقيل، على أهميته، لن يكون كافيًا إذا بقيت سلسلة القيادة والتمويل والقرار مستقلة عن الدولة. المطلوب عملية أوسع تعيد تعريف العلاقة بين العمل السياسي والعمل المسلح، وتضع قاعدة لا تقبل الاستثناء: من يريد المشاركة في السياسة يعمل بأدوات السياسة، ومن يحمل السلاح ضمن المؤسسات الأمنية يخضع لسلسلة القيادة الرسمية وقوانين الدولة.
وفي موازاة ذلك، فإن انتقال العراق من علاقة أمنية متعددة الأطراف مع التحالف الدولي إلى علاقات دفاعية ثنائية لا ينبغي النظر إليه بوصفه تناقضًا مع السيادة. الدول ذات السيادة تعقد اتفاقيات دفاع وتدريب وتسليح وتبادل معلومات، والسيادة لا تعني العزلة. الفارق يكمن في طبيعة العلاقة: هل تأتي استجابة لحاجة عراقية يحددها العراق، أم تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج الاعتماد الأمني بصيغة أخرى؟ فإذا امتلكت بغداد القدرة على تحديد حاجاتها الدفاعية، وتنويع مصادر التسليح، وإدارة معلوماتها الاستخبارية، وتأمين أجوائها وحدودها، فإن العلاقات الثنائية تصبح أداة لتعزيز السيادة. أما إذا بقيت الدولة عاجزة عن أداء وظائف أساسية من دون شريك خارجي، فإن الشكل يتغير بينما تبقى التبعية قائمة.
وهذا النقاش الأمني يقود مباشرة إلى ملف الفساد، لأن الدولة التي لا تحتكر السلاح ولا تحمي المال العام تواجه في الحالتين المشكلة ذاتها: ضعف قدرة المؤسسات على فرض القانون. ومن هنا تكتسب التصريحات الأوروبية بشأن استرداد الأموال والأصول العراقية المنهوبة أهمية خاصة. فقد أعلن الاتحاد الأوروبي استعداده لدعم بغداد في استرداد الأموال والأصول، إلى جانب برامج الحوكمة والنزاهة وتطوير الأطر التشريعية.
المعضلة أن مكافحة الفساد في العراق غالبًا ما تُختزل في القبض على المتهم وإحالته إلى القضاء، بينما تبدأ المعركة الأصعب بعد ذلك: أين ذهبت الأموال؟ وبأي أسماء سُجلت الأصول؟ وفي أي دول استقرت؟ وكيف يمكن إثبات الصلة القانونية بين الأموال الموجودة في الخارج والجريمة الأصلية داخل العراق؟ إن استرداد الأموال العابرة للحدود يحتاج إلى تحقيقات مالية احترافية، وقواعد بيانات مترابطة، وتعاون بين القضاء وأجهزة النزاهة والمصارف والجهات الرقابية، فضلًا عن طلبات مساعدة قانونية دولية مكتملة وقادرة على الصمود أمام محاكم الدول التي توجد فيها الأصول.
وهنا يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يقدم للعراق ما هو أكثر فائدة من الدعم السياسي العام: الخبرة القانونية والفنية، وتطوير قدرات التحقيق المالي، والمساعدة في تعقب الأصول وتجميدها، وتسهيل التعاون القضائي مع الدول الأوروبية، وتعزيز آليات مكافحة غسل الأموال. لكن أوروبا لا تستطيع استرداد أموال العراق نيابة عنه إذا لم يقدم العراق ملفات قانونية متماسكة. فالدولة التي تطلب من محكمة أجنبية تجميد عقار أو حساب مصرفي مطالبة بإثبات مصدره وصلته بجريمة محددة وفق إجراءات يمكن الدفاع عنها قضائيًا. ولذلك فإن إصلاح البيئة التشريعية والقضائية العراقية ليس مطلبًا أوروبيًا بقدر ما هو شرط عراقي لاستعادة أموال العراقيين.
وهذا يقود بدوره إلى الاقتصاد، حيث تبدو هناك فرصة لإعادة صياغة العلاقة العراقية–الأوروبية بعيدًا عن اختزال العراق في النفط والطاقة. فالإطار الرسمي للعلاقة بين الطرفين يتضمن أصلًا التجارة والاستثمار والتنمية والتعاون الاقتصادي، كما أن التطورات الأخيرة تشير إلى اهتمام أكبر بتمويل التجارة وتنمية القطاع الخاص، ففي أيلول 2026 أعلن البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، بدعم أوروبي، تسهيلًا لتمويل التجارة بقيمة تصل إلى 25 مليون دولار لأحد المصارف العراقية، مع برامج لتطوير المهارات المصرفية وتوسيع وصول الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى التمويل.
لكن الرغبة الأوروبية وحدها لا تصنع استثمارًا. المستثمر لا يدخل سوقًا لأن المسؤولين دعوه إليها، بل عندما يستطيع حساب المخاطر والعائد وحماية رأس المال. وهنا يحتاج العراق إلى إصلاحات تبدأ من تبسيط إجراءات تأسيس الشركات والحصول على التراخيص، وتمر بإصلاح النظام المصرفي والجمارك والضرائب، وتنتهي بقضاء تجاري فعال وضمان تنفيذ العقود وحماية المستثمر من الابتزاز والفساد والنفوذ المسلح. فالاستثمار الأجنبي، بخلاف شراء النفط، يحتاج إلى بيئة مستقرة لسنوات، ولا يمكن فصل الاقتصاد عن الأمن وعن سيادة القانون.
لهذا تبدو الملفات المطروحة، رغم اختلافها الظاهري، أجزاءً من معادلة واحدة. حصر السلاح يشجع الاستثمار، ومكافحة الفساد تحمي المال العام، وإصلاح التشريعات يعزز الثقة، واسترداد الأموال يعيد الاعتبار للقانون، والعلاقات الدفاعية المتوازنة تقلل الاعتماد على الخارج، وكل ذلك يصب في بناء مفهوم عملي للسيادة يتجاوز الخطاب السياسي.
ويبقى الاختبار الأصعب إقليميًا. فالعراق يقع في منطقة شديدة الاضطراب، وتتنازعها مصالح أميركية وإيرانية وعربية ودولية، وأي ضعف في سلطة الدولة يسمح بتحويل الجغرافيا العراقية إلى مساحة لتبادل الرسائل بين الآخرين. وحين تتحدث دول الجوار عن تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية، لا يكفي أن تقول بغداد إنها لم تأذن بها، لأن السيادة لا تعني فقط ألا توافق الدولة على الفعل، بل أن تكون قادرة على منعه.
وهذه ربما تكون المعادلة التي ستحدد نجاح المرحلة المقبلة أو فشلها. العراق لا يستطيع تغيير موقعه الجغرافي، ولا إنهاء تناقضات الإقليم، ولا منع القوى الكبرى من السعي إلى مصالحها، لكنه يستطيع أن يقرر ما إذا كانت هذه المصالح ستمر عبر الدولة العراقية أم عبر أطراف داخلها. يستطيع أن يقيم علاقة أمنية مع الولايات المتحدة، وشراكة اقتصادية مع أوروبا، وعلاقات وثيقة مع إيران، وتعاونًا مع تركيا والدول العربية، من دون أن تتحول أي من هذه العلاقات إلى وصاية على قراره الوطني.
لذلك فإن يوم خروج آخر قوات التحالف لا يمثل نهاية قصة السيادة العراقية، بل ربما يمثل بدايتها الحقيقية. ففي السابق كان وجود القوات الأجنبية يقدم تفسيرًا جاهزًا لكثير من الاختلالات، أما بعد مغادرتها فإن المسؤولية تنتقل بصورة أوضح إلى الداخل. ومن الآن فصاعدًا، لن يكون السؤال الأهم: متى خرج الأميركيون؟ بل ماذا فعل العراقيون بعد خروجهم؟
فإذا استطاعت الدولة أن تجعل قرار السلاح والحرب والسلم بيد مؤسساتها، وأن تستعيد المال المنهوب، وتفرض القانون على القوي قبل الضعيف، وتخلق اقتصادًا قادرًا على جذب الاستثمار، وتبني علاقات خارجية متوازنة، فإن خروج التحالف سيكون بالفعل بداية انتقال تاريخي نحو سيادة أكثر اكتمالًا. أما إذا غادر الوجود العسكري الأجنبي وبقيت مراكز القرار متعددة، والسلاح متعددًا، والاقتصاد أسير الفساد، والحدود مفتوحة أمام صراعات الآخرين، فإن ما يكون قد تغير هو شكل المعادلة لا جوهرها.
السيادة، في النهاية، ليست فراغ القواعد العسكرية من الجنود الأجانب، بل امتلاء مؤسسات الدولة بالقدرة والشرعية. وليست أن يغادر الآخرون أرضك فحسب، بل أن تصبح أنت وحدك قادرًا على أن تقرر ماذا يحدث فوق هذه الأرض. وتلك هي المهمة الأصعب التي تبدأ، لا تنتهي، بعد خروج التحالف الدولي.
#نوري_حمدان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟