نوري حمدان
الحوار المتمدن-العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 20:42
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
التصعيد الأميركي الإيراني يعيد رسم خرائط القوة ويختبر مستقبل الأمن الإقليمي
لم يعد التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران مجرد جولة جديدة من تبادل الضربات العسكرية، بل تحول إلى اختبار حقيقي لشكل النظام الأمني في الشرق الأوسط. فما يجري اليوم يتجاوز الحسابات التقليدية للردع والرد المضاد، ليضع المنطقة أمام مرحلة غير مسبوقة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية والطاقة العالمية، في وقت تتراجع فيه قدرة الدبلوماسية على احتواء الأزمات بالسرعة المطلوبة.
التعزيزات العسكرية الأميركية الأخيرة في المنطقة ليست مجرد استعراض للقوة، بل تعكس استعداداً عملياً لإدارة مواجهة قد تطول، حتى وإن كانت واشنطن لا تزال تتجنب خيار الحرب البرية الشاملة. فحشد حاملات الطائرات، والطائرات المقاتلة، ومنظومات الدفاع الجوي، والقوات البحرية، يهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: حماية القواعد الأميركية، وضمان أمن الملاحة الدولية، ومنع إيران من فرض معادلة جديدة في الخليج العربي.
لكن في المقابل، تدرك الإدارة الأميركية أن أي انخراط واسع في حرب مباشرة مع إيران سيحمل تكاليف استراتيجية واقتصادية وسياسية يصعب تحملها، خاصة في ظل تعقيدات البيئة الدولية الحالية. ولذلك يبدو أن واشنطن تفضل استراتيجية "الضغط العسكري المستمر" بدلاً من "الحسم العسكري الشامل"، وهي مقاربة تسمح بإضعاف القدرات الإيرانية تدريجياً من دون الانزلاق إلى احتلال بري أو مواجهة مفتوحة لا يمكن التنبؤ بنتائجها.
من جانبها، تبدو إيران أكثر اقتناعاً بأن المعركة لا يمكن كسبها عبر مواجهة تقليدية مع الولايات المتحدة، ولذلك تعتمد على استراتيجية مختلفة تقوم على توسيع نطاق الاشتباك وإجبار خصومها على دفع أثمان سياسية واقتصادية متزايدة. ولهذا السبب انتقلت الهجمات إلى استهداف مواقع مرتبطة بالوجود الأميركي في أكثر من دولة خليجية، إضافة إلى الأردن، في رسالة واضحة مفادها أن أي دولة تتيح استخدام أراضيها أو أجوائها في العمليات العسكرية لن تكون بمنأى عن الرد الإيراني.
هذه الاستراتيجية لا تستهدف تحقيق انتصار عسكري مباشر، بل تهدف إلى خلق بيئة إقليمية تضغط على الولايات المتحدة من خلال حلفائها. فكلما اتسعت دائرة الدول المتضررة، ازدادت الضغوط الداخلية على حكومات المنطقة، وارتفعت كلفة استمرار العمليات العسكرية بالنسبة لواشنطن.
غير أن هذا النهج يحمل في طياته مخاطر كبيرة. فاستهداف دول الخليج أو الأردن، حتى وإن كان موجهاً نحو قواعد عسكرية، يرفع احتمالات الخطأ في الحسابات العسكرية، وقد يؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين أو إصابة منشآت حيوية للطاقة والمياه، وهو ما قد يدفع تلك الدول إلى تبني مواقف أكثر تشدداً تجاه إيران، بدلاً من ممارسة الضغط على الولايات المتحدة كما تأمل طهران.
الأخطر من ذلك أن الصراع لم يعد مقتصراً على طرفين رئيسيين، بل أصبح متعدد الساحات والجبهات. فهناك قواعد أميركية منتشرة في أكثر من دولة، وممرات بحرية حيوية، وأسواق طاقة عالمية، وشبكة واسعة من التحالفات الأمنية. وهذا يعني أن أي خطأ تكتيكي قد يتحول بسرعة إلى أزمة استراتيجية يصعب احتواؤها.
وفي قلب هذه المعادلة يبقى مضيق هرمز العنصر الأكثر حساسية. فهذا الممر البحري ليس مجرد شريط مائي يفصل بين ضفتي الخليج، بل يمثل أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من الخليج العربي. ولهذا السبب تدرك إيران أن قدرتها على تهديد الملاحة تمنحها ورقة ضغط لا تملكها في أي ساحة أخرى.
لكن استخدام هذه الورقة يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. فالإغلاق الكامل للمضيق قد يمنح الولايات المتحدة وحلفاءها مبرراً قانونياً وسياسياً لتوسيع العمليات العسكرية بصورة غير مسبوقة، كما أنه سيضر بالاقتصاد الإيراني نفسه ويؤثر في علاقات طهران مع شركائها التجاريين، وفي مقدمتهم الدول الآسيوية المستوردة للطاقة.
لذلك يبدو أن إيران تفضل استراتيجية "التهديد المستمر" بدلاً من "الإغلاق الكامل"، أي إبقاء الملاحة تحت الضغط من خلال هجمات محدودة أو تهديدات متكررة ترفع كلفة التأمين والشحن، من دون الوصول إلى مرحلة تدفع المجتمع الدولي إلى تشكيل تحالف عسكري واسع ضدها.
وفي المقابل، تعتبر الولايات المتحدة أن حماية مضيق هرمز تمثل قضية تتجاوز المصالح الأميركية المباشرة، لأنها ترتبط باستقرار الاقتصاد العالمي. ولذلك فإن أي محاولة جدية لتعطيل الملاحة ستقابل على الأرجح برد عسكري واسع، ليس فقط من واشنطن، وإنما من شركاء دوليين يرون في أمن المضيق مصلحة استراتيجية مشتركة.
وفي خضم هذه المواجهة، تتمسك إيران باتهام الولايات المتحدة بعدم الالتزام بمذكرة التفاهم التي كان يُفترض أن تفتح الباب أمام تهدئة تدريجية. وقد يكون لهذا الموقف بعد داخلي يهدف إلى إظهار أن طهران لم تتخلَّ عن التفاهمات، بل إن الطرف الآخر هو من أفشلها. كما يحمل بعداً تفاوضياً، إذ تسعى إيران إلى الاحتفاظ بورقة سياسية تسمح لها بالعودة إلى طاولة المفاوضات من موقع لا يبدو فيه أنها قدمت تنازلات مجانية.
أما واشنطن، فتربط أي عودة للمسار الدبلوماسي بوقف الهجمات على قواتها ومصالحها، وهو ما يجعل الأزمة تدور في حلقة مفرغة؛ فكل طرف يشترط على الآخر اتخاذ الخطوة الأولى، فيما تستمر العمليات العسكرية في تغيير الوقائع على الأرض.
ورغم كل ذلك، فإن القول بانتهاء الدبلوماسية سيكون استنتاجاً متسرعاً. فالتاريخ الحديث للعلاقات الأميركية الإيرانية يثبت أن فترات التصعيد العسكري كانت كثيراً ما تُتبع بمراحل تفاوض غير مباشر. والسبب بسيط؛ فكلا الطرفين يدرك أن الحرب المفتوحة لا تحقق أهدافه النهائية، وأن التفاوض، مهما كان معقداً، يبقى أقل كلفة من مواجهة لا يمكن التحكم بمآلاتها.
إلا أن المشكلة تكمن في أن أي مسار دبلوماسي جديد لن يكون مشابهاً لما سبقه. فمستوى انعدام الثقة ارتفع بصورة كبيرة، كما أن الأطراف الإقليمية أصبحت لاعباً أساسياً في أي تفاهم مستقبلي. وبالتالي فإن أي اتفاق جديد سيحتاج إلى ضمانات وآليات رقابة أكثر صرامة، وربما إلى دور أكبر للدول الوسيطة لضمان استدامة الالتزامات.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل نحن أمام حرب إقليمية شاملة؟
الإجابة، في تقديري، أكثر تعقيداً من مجرد نعم أو لا.
فالمنطقة تعيش بالفعل حرباً إقليمية من حيث اتساع الجغرافيا وتعدد الساحات، لكن هذه الحرب لا تزال محكومة بقيود سياسية وعسكرية تمنعها من التحول إلى مواجهة شاملة. فالولايات المتحدة لم تلجأ إلى غزو بري، وإيران ما زالت تتجنب، في معظم الأحيان، استهدافات قد تؤدي إلى تعبئة دولية كاملة ضدها، كما أن قنوات الاتصال غير المباشر لم تنقطع نهائياً.
ومع ذلك، فإن هامش الخطأ أصبح ضيقاً للغاية. فكلما توسعت الضربات، وازدادت الخسائر، وارتفع عدد الدول المتأثرة، أصبحت احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أكبر أكثر واقعية. وقد يكون حادث واحد، كاستهداف منشأة نفطية كبرى، أو إغلاق فعلي لمضيق هرمز، أو سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، كفيلاً بتغيير قواعد اللعبة بالكامل.
إن أخطر ما في الأزمة الحالية ليس حجم القوة العسكرية المستخدمة، وإنما تآكل قواعد الاشتباك التي حكمت العلاقة بين الطرفين طوال سنوات. ففي السابق كانت هناك خطوط حمراء واضحة، أما اليوم فقد أصبحت تلك الخطوط أكثر غموضاً، وهو ما يزيد احتمالات سوء التقدير وسرعة التصعيد.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن إغفال أن الشرق الأوسط لم يعد الساحة الوحيدة التي تشغل صناع القرار في واشنطن أو طهران. فالتنافس الدولي، والضغوط الاقتصادية، وأزمات الطاقة، والتحولات الجيوسياسية، كلها عوامل تجعل الطرفين حريصين على تجنب حرب تستنزف مواردهما لعقود مقبلة.
ومن هنا يمكن القول إن المنطقة تقف أمام مفترق طرق تاريخي. فإما أن ينجح الردع المتبادل في فرض العودة إلى طاولة المفاوضات، وإما أن يستمر التصعيد التدريجي حتى يصل إلى نقطة يفقد فيها الجميع القدرة على التحكم بمجريات الأحداث.
لقد أثبتت تجارب الشرق الأوسط أن الحروب لا تبدأ دائماً بقرار استراتيجي كبير، بل كثيراً ما تنطلق من حادث محدود يتوسع بفعل الحسابات الخاطئة وردود الفعل المتبادلة. ولهذا فإن المسؤولية لا تقع على عاتق واشنطن أو طهران وحدهما، بل تشمل أيضاً القوى الإقليمية والدولية التي تمتلك القدرة على منع الانزلاق نحو مواجهة ستكون كلفتها باهظة على الجميع.
وفي نهاية المطاف، تبدو الحقيقة الأكثر وضوحاً أن المنطقة لم تعد تعيش مرحلة "اللاحرب واللاسلم" كما كان يُعتقد سابقاً، بل دخلت مرحلة جديدة عنوانها الصراع المفتوح منخفض الحدة، الذي قد يستمر زمناً طويلاً ما لم تُنتج الدبلوماسية إطاراً أمنياً جديداً يوازن بين الردع والاستقرار. وحتى يتحقق ذلك، سيبقى الشرق الأوسط يعيش على إيقاع الأزمات، فيما يبقى احتمال الانفجار الكبير قائماً، وإن لم يكن حتمياً.
#نوري_حمدان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟