أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نوري حمدان - العراق حين تُدار الدولة بالخارج نهاية منظومة وبداية اختبار الدولة العراقية















المزيد.....

العراق حين تُدار الدولة بالخارج نهاية منظومة وبداية اختبار الدولة العراقية


نوري حمدان

الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 21:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن المشهد الأخير في السياسة العراقية حادثة عابرة يمكن وضعها في خانة سوء التقدير أو التوتر الظرفي، بل لحظة كاشفة بكل ما للكلمة من معنى. لحظة أخرجت إلى السطح هشاشة بنيوية تراكمت على مدى عقدين، وعرّت عقلًا سياسيًا ما زال يتعامل مع الدولة بوصفها غنيمة، لا كيانًا سياديًا له موقع ووظيفة في عالم يتغيّر بسرعة لا ترحم المتأخرين. ما جرى لم يكن مجرّد اعتراض أميركي على اسم، ولا خلافًا دبلوماسيًا قابلاً للاحتواء ببيان أو وساطة، بل رسالة صريحة مفادها أن قواعد اللعبة تغيّرت، وأن العراق لم يعد يُدار بمنطق المناورة المفتوحة، ولا بمنهج شراء الوقت.
في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس الأحداث بحدّتها الآنية، بل بما تكشفه من عمق الخلل. وما كشفته الأزمة الأخيرة هو أن الطبقة السياسية العراقية، أو الجزء المهيمن منها على الأقل، ما زالت أسيرة أدوات قديمة، وعلاقات استُهلكت، وافتراضات لم تعد صالحة. الرهان على أن الزمن كفيل بتدوير الزوايا، أو أن التناقضات الدولية ستعيد فتح نوافذ مغلقة، أصبح رهانًا خاسرًا في عالم انتقل من إدارة الأزمات إلى حسمها، ومن سياسة الرماديات إلى منطق الشروط الواضحة.
الخطأ الأكبر لم يكن في الترشيح بحد ذاته، بل في الإصرار عليه رغم تغيّر السياق الإقليمي والدولي. فالسياسة ليست ذاكرة شخصية، ولا سجل إنجازات يُعاد فتحه متى شاء صاحبه، بل قراءة دقيقة لموازين القوة والاتجاهات. من لا يقرأ اللحظة، يتحوّل من لاعب إلى عبء، ومن ورقة تفاوض إلى مشكلة ينبغي احتواؤها أو إزاحتها. وهذا بالضبط ما حدث: العراق، كدولة، وُضع مرة أخرى تحت المجهر، لا بوصفه شريكًا محتملًا، بل بوصفه عقدة لم تُحل بعد.
لطالما قُدّمت السياسة العراقية بعد 2003 على أنها نتاج توازن دقيق بين الخارج والداخل، بين واشنطن وطهران، وبين الشرعية الدستورية والواقع المسلح. غير أن هذا "التوازن" لم يكن في جوهره سوى إدارة مؤقتة للاختلال، لا معالجة له. ومع مرور الوقت، تحوّل إلى منظومة متكاملة لإعادة إنتاج الفشل: محاصصة تُعطّل الدولة، فساد يُفرغ المؤسسات من معناها، وسلاح منفلت يُقايض به القرار السيادي. في مثل هذا السياق، يصبح أي حديث عن استقلال القرار ضربًا من البلاغة السياسية، لا أكثر.
التحوّل اليوم لا يتعلق بشخص، ولا حتى بتيار بعينه، بل بنهاية صلاحية نموذج كامل للحكم. نموذج بُني على افتراض أن العراق يمكن أن يبقى دولة بلا اقتصاد حقيقي، وبلا مؤسسات فاعلة، وبلا رؤية تنموية، طالما أن النفط يوفّر الحد الأدنى من الاستقرار المالي، وطالما أن الخارج مستعد لغضّ الطرف مقابل دور وظيفي محدد. هذا الافتراض انهار. العالم لم يعد يتسامح مع دول رخوة، ولا مع أنظمة تُنتج الفوضى وتطلب الحماية في آن واحد.
المقاربة الأميركية الجديدة للمنطقة، مهما اختلفنا معها أو انتقدنا دوافعها، باتت أكثر وضوحًا وأقل قابلية للتأويل. لم تعد واشنطن معنية بإدارة التوازنات الهشة، ولا بتمويل الاستقرار المؤقت، بل تبحث عن كيانات قادرة على ضبط نفسها، وتأمين مصالحها، وعدم التحوّل إلى منصات تهديد أو مسارات التفاف على العقوبات. في هذا الإطار، لم يعد العراق ملفًا أمنيًا فقط، بل ملفًا اقتصاديًا - سياديًا، تُقاس فيه الحكومات بقدرتها على الإصلاح، لا بخطابها السياسي.
وهنا تكمن المعضلة: الإصلاح، بالمعنى الحقيقي، يتطلب تفكيك شبكة مصالح مترابطة حكمت العراق منذ 2003. شبكة لا يربطها مشروع وطني، بل عقد حماية متبادلة، تُدار فيها الدولة كإقطاعيات، ويُعاد فيها توزيع الموارد على أساس الولاء لا الكفاءة. هذه الشبكة لم تعد قادرة على تقديم ما يكفي لإقناع الداخل أو الخارج بجدواها. الفساد لم يعد قضية أخلاقية أو سياسية داخلية، بل تهديدًا اقتصاديًا وأمنيًا عابرًا للحدود، تُلاحقه أدوات دولية لم تكن حاضرة سابقًا بهذا الوضوح.
اللافت أن جزءًا من الطبقة السياسية ما زال يعتقد أن المشكلة تكمن في "طريقة الإعلان" أو "توقيت التصريحات"، لا في جوهر الأزمة. هذا تبسيط مخلّ. فحين تُدار دولة على إيقاع ردود الفعل، وحين يُنتظر الخارج ليقول كلمته الحاسمة، يكون الخلل أعمق من زلة لسان أو سوء تقدير. المسألة هنا مسألة عقل سياسي لم يدرك أن العالم تغيّر، وأن قواعد التسامح القديمة انتهت.
في هذا السياق، لا يمكن فصل السياسة عن الاقتصاد. فالدولة التي لا تنتج، ولا تمتلك بنية طاقة مستقلة، ولا تملك قدرة على تمويل استقرارها، ستبقى رهينة. العراق مثال صارخ على ذلك. بلد غني بالموارد، لكنه فقير في الإدارة. يمتلك احتياطات هائلة من النفط والغاز، لكنه عاجز عن تأمين كهرباء مستقرة لمواطنيه. هذا التناقض ليس قدرًا، بل نتيجة مباشرة لعقود من سوء الإدارة والفساد وتسييس الاقتصاد.
من هنا، تكتسب خطوة الشروع الجدي في تطوير حقل عكّاس للغاز دلالة تتجاوز بعدها التقني. فهي ليست مجرد مشروع طاقة، بل إشارة سياسية - اقتصادية في آن واحد. إشارة إلى أن بغداد، ولو بحذر، بدأت تدرك أن أمن الطاقة ليس ملفًا خدماتيًا فحسب، بل أحد مفاتيح السيادة. تقليص الاعتماد على الغاز والكهرباء المستوردة يعني تقليص هامش الضغط الخارجي، وفتح نافذة لإعادة تعريف العلاقة مع الشركاء الدوليين على أساس المصالح المتبادلة، لا الحاجة المزمنة.
اختيار شريك أميركي في هذا الموقع الجغرافي الحساس لم يكن تفصيلًا عابرًا. فهو يحمل رسالة مزدوجة: للخارج بأن العراق مستعد لاختبار مسار مختلف، وللداخل بأن زمن الاكتفاء بالحلول المؤقتة يقترب من نهايته. غير أن هذه الرسالة ستبقى ناقصة ما لم تُستكمل بإصلاحات حقيقية، وبإرادة سياسية قادرة على حماية المشروع من الابتزاز، سواء كان داخليًا أو إقليميًا.
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم ليس من يحكم، بل كيف يُحكم العراق. هل سيبقى أسير نموذج العصابة السياسية، أم سينتقل، ولو بتكلفة عالية، إلى نموذج الدولة؟ الخيار ليس نظريًا، بل وجودي. فالعالم لا ينتظر، والمنطقة تُعاد صياغتها، والدول التي لا تحجز لنفسها موقعًا فاعلًا تُترك على الهامش. العراق ليس استثناءً من هذه القاعدة.
ما نشهده اليوم هو مفترق طرق حقيقي. الاستمرار في تدوير الوجوه، وتجميل الخطاب، وإدارة الأزمات بدل حلّها، لن ينتج إلا مزيدًا من التهميش. في المقابل، القبول القاسي بحقيقة أن مرحلة كاملة انتهت، وأن قواعد جديدة تُفرض، قد يفتح الباب أمام ولادة سياسية مختلفة. ولادة لا تقوم على الشعارات، بل على إعادة بناء الدولة من الأساس: اقتصاد منتج، مؤسسات فاعلة، قرار سيادي، وعلاقة متوازنة مع العالم.
خلاصة القول إن ما يجري ليس إقصاءً لأشخاص، ولا انتقامًا سياسيًا، بل إعلان غير مباشر عن نهاية صلاحية منظومة حكم. منظومة راهنت على الزمن، فخسرته، وعلى الخارج، فاستُهلكت أوراقها، وعلى النفط، فأهدرت فرصته. العراق اليوم أمام اختبار قاسٍ، لكنه ضروري: إما أن يعيد تعريف نفسه كدولة، أو يُدار، مرة أخرى، من خارج حدوده، وبشروط لا يملك صياغتها.



#نوري_حمدان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الانسحاب المحسوب والعودة الثقيلة
- البرلمان السادس: حين يغيب حُرّاس الحقوق وتُشرَّع السلطة بلا ...
- فنزويلا والاختبار الفاضح لشرعية النظام الدولي: السيادة في زم ...
- حصر السلاح في العراق: لحظة الدولة بين منطق الشرعية وحدود الق ...
- الاحتجاجات الإيرانية: حين يهتز الداخل وتتقاطع خرائط النفوذ ف ...
- بين الدستور والتوافق.. العراق يودّع 2025 على عتبة اختبار الد ...
- حراك اقتصادي غير مسبوق: إعادة تشكيل المالية الريعية العراقية
- إقليم البصرة.. سؤال الثروة والدولة في لحظة عراقية حرجة
- كهرباء العراق.. حين يتحول الغاز الإيراني إلى مفتاح العتمة
- الدولة أولاً.. والسلاح أخيراً
- بعد نكسة 2025: هل يمتلك التيار الديمقراطي العراقي شجاعة المب ...
- العراق بعد إسدال ستار التفويضات
- هل يحتاج العراق إلى مزيد من الأحزاب؟
- صراع المناصب يضع العراق أمام معادلة حاسمة
- بعثة الأمم المتحدة في العراق.. ماذا أنجزت فعليًا؟
- العلاقات الأميركية - العراقية بين اختبار السيادة وحدود الشرا ...
- اقتصادٌ مُنهك يبحث عن إدارة رشيدة: قراءة في أزمات العراق الم ...
- بين تعقيدات الداخل وضغوط الخارج.. الحكومة المقبلة على مفترق ...
- نون العراق.. حين يفتح المعرض بوابة الضوء
- المخدرات في العراق.. حين يتحوّل الخطر الصامت إلى تهديد وطني ...


المزيد.....




- أمريكيون يقضون 45 مليار دقيقة في مشاهدة -بلووي- مسلسل الرسوم ...
- إيران تنهض بوجه ترامب: ألف مسيّرة جاهزة للقتال.. ومناورات با ...
- فيديو ضرب شرطي مسلمتين في هولندا والسلطات تحقق
- دخلت الفن صدفة.. مقتل هدى شعراوي بطلة -باب الحارة- واتهام خا ...
- دراسة تحذر: ما تفعله في الثلاثينات يحدد شكل شيخوختك
- الجزيرة تستنكر حظر -يوتيوب- بثها بإسرائيل
- -المقاتل زودني ببندقية وتركني-.. تكتيكات القسام برواية أسير ...
- فولكس فاغن تستهدف السوق الصيني بأكبر -هجوم كهربائي-
- -الجندي البطريق-.. جندي روسي يحاول خداع مسيّرة أوكرانية وسط ...
- -جواسيس- أم هدايا؟ استعادة الصين توأم الباندا من اليابان تثي ...


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نوري حمدان - العراق حين تُدار الدولة بالخارج نهاية منظومة وبداية اختبار الدولة العراقية