نوري حمدان
الحوار المتمدن-العدد: 8554 - 2025 / 12 / 12 - 12:29
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لم تعد العلاقات الأميركية - العراقية تُقاس اليوم بحجم التصريحات أو عدد اللقاءات الدبلوماسية، بقدر ما تُقاس بقدرة الدولة العراقية على حسم خياراتها السيادية في لحظة إقليمية شديدة التعقيد. فالتحذيرات الأميركية الأخيرة، سواء عبر اللقاءات الرسمية أو البيانات السياسية، تعكس قلقًا متزايدًا من بقاء العراق في منطقة رمادية بين الدولة والشبكات المسلحة، وبين الشراكة الدولية والاصطفافات الإقليمية.
العراق، بعد أكثر من عقدين على تغيير النظام، أُتيحت له فرص متكررة لإعادة بناء مؤسساته وترميم موقعه الإقليمي والدولي. غير أن هذه الفرص كانت تُهدر غالبًا بسبب ازدواج القرار، وتنازع السلطات، وتغليب الحسابات الفئوية على المصلحة الوطنية. واليوم، ومع إحياء ذكرى الانتصار على تنظيم داعش، تبرز مفارقة لافتة: فالنصر العسكري لم يترجم بعد إلى نصر سياسي مكتمل.
الولايات المتحدة، من جانبها، لا تُخفي رغبتها في عراق مستقر وقادر على حماية سيادته، ليس فقط بدافع المصالح المشتركة، بل أيضًا لأن هشاشة العراق تنعكس مباشرة على أمن المنطقة واستقرارها. إلا أن هذا الدعم، كما تُظهر التجارب السابقة، يبقى مشروطًا بوجود شريك دولتي قادر على اتخاذ القرار وتنفيذه، لا دولة تتقاسم سلطتها مع قوى موازية.
في المقابل، أثبتت السنوات الثلاث الأخيرة أن العراق قادر، متى ما توفرت الإرادة السياسية، على اعتماد سياسة متوازنة تُبعده عن صراعات المحاور، وتمنحه هامش حركة أوسع في علاقاته الدولية. هذه المقاربة الواقعية أسهمت في تخفيف الضغوط، وتحسين المناخ الاقتصادي نسبيًا، واستعادة جزء من الثقة الخارجية، لكنها لا تزال هشة وقابلة للانتكاس.
الرسالة الأميركية الأخيرة لا يمكن قراءتها بوصفها تهديدًا بقدر ما هي تنبيه سياسي مبكر: إما دولة موحدة قادرة على فرض القانون وبناء شراكات متكافئة، أو استمرار حالة التشرذم التي تقود حتمًا إلى عزلة دولية وتآكل اقتصادي. وهنا، تقع المسؤولية التاريخية على عاتق النخب السياسية والدينية، التي لم يعد أمامها ترف المناورة أو تأجيل الحسم.
إن مستقبل العلاقات الأميركية - العراقية لن يُرسم في واشنطن وحدها، بل في بغداد أولًا، حيث يُختبر معنى السيادة، ويُحدد شكل الدولة، ويُحسم السؤال الأهم: هل يريد العراق أن يكون شريكًا كاملًا في النظام الإقليمي الجديد، أم ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين؟
#نوري_حمدان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟