|
|
الحرب على إيران.. حين تصبح المنطقة كلها جزءاً من المفاوضات
نوري حمدان
الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 17:14
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في الحروب الكبرى لا تكون الطائرات والصواريخ وحدها هي التي تحدد هوية المنتصر والمهزوم، ولا تنتهي المعارك دائماً عندما تصمت المدافع. ثمة حروب تبدأ عسكرية ثم تتحول إلى اقتصادية، وأخرى تبدأ بحصار اقتصادي قبل أن تجد طريقها إلى ساحات القتال، وثمة صراعات تكون أهدافها الحقيقية أبعد كثيراً من الأسباب المعلنة التي بدأت من أجلها. والمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تبدو اليوم واحدة من تلك الحروب التي يصعب اختزالها في عنوان واحد، بعدما تداخل فيها البرنامج النووي والصواريخ الباليستية ومضيق هرمز والنفوذ الإقليمي والقواعد العسكرية الأميركية والعقوبات الاقتصادية وأمن الطاقة العالمي، حتى لم يعد ممكناً التعامل مع أي منها باعتباره ملفاً منفصلاً عن الآخر. لهذا ربما لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو: من بدأ الحرب؟ ولا حتى: من سينتصر فيها؟ فالسؤال الأبعد أثراً هو: أي شرق أوسط تريد هذه الحرب أن تنتجه عندما تنتهي؟ على مدى سنوات طويلة جرى تقديم الخلاف الأميركي الإيراني باعتباره أزمة مرتبطة أساساً بالبرنامج النووي الإيراني، وكانت المفاوضات والعقوبات والاتفاقات الدولية تدور، ظاهرياً على الأقل، حول منع إيران من الوصول إلى السلاح النووي مقابل رفع العقوبات المفروضة عليها أو تخفيفها. غير أن تطورات المواجهة كشفت تدريجياً أن المسألة أصبحت أكبر من ذلك بكثير. فالمشكلة الأميركية لم تعد تتعلق فقط بما إذا كانت إيران ستنتج سلاحاً نووياً أم لا، وإنما بحجم القوة التي يمكن السماح لها بامتلاكها واستخدامها في النظام الإقليمي. الصواريخ الإيرانية أصبحت جزءاً من المشكلة، والنفوذ الإقليمي جزءاً منها، وأمن الملاحة جزءاً ثالثاً، والعلاقات الإيرانية مع القوى الدولية المنافسة للولايات المتحدة جزءاً آخر. وهكذا انتقلت الأزمة من محاولة ضبط برنامج محدد إلى محاولة إعادة تحديد موقع إيران داخل ميزان القوى في الشرق الأوسط. ومن وجهة النظر الأميركية، يمكن فهم المسألة باعتبارها محاولة لمنع ظهور قوة إقليمية تستطيع تهديد المصالح الأميركية وحلفائها أو التحكم بممرات الطاقة أو استخدام شبكات سياسية وعسكرية خارج حدودها للتأثير في قرارات دول أخرى. أما من وجهة النظر الإيرانية، فإن القبول بشروط تمس هذه العناصر جميعاً قد لا يبدو تسوية، وإنما تنازلاً عن أدوات قوة بنتها طهران طوال عقود، وترى فيها جزءاً من منظومة الردع التي تحمي النظام والدولة معاً. وهنا تقع العقدة الأساسية. فالولايات المتحدة تريد اتفاقاً يجعل إيران أقل قدرة على تهديد النظام الإقليمي القائم، بينما تريد إيران اتفاقاً يرفع عنها العقوبات ويمنع استهدافها عسكرياً من دون أن يجردها من عناصر القوة التي تعتقد أنها تضمن أمنها وموقعها. وبين الهدفين تضيق مساحة التسوية، لأن الخلاف لم يعد على مقدار التنازل فقط، وإنما على تعريف ما يمكن اعتباره تنازلاً وما يمكن اعتباره استسلاماً. وهذه المسألة تطرح سؤالاً يستحق التوقف عنده: ماذا يعني الحديث المتكرر عن تغيير "سلوك إيران"؟ إذا كان المقصود ضمان عدم تحول البرنامج النووي إلى برنامج عسكري، فإن باب التسوية يبقى ممكناً من حيث المبدأ. وإذا أضيف إليه ضبط الصواريخ بعيدة المدى، تصبح المفاوضات أكثر صعوبة ولكنها تظل قابلة للتصور. أما إذا أصبح المطلوب يشمل البرنامج النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي والعلاقات مع الجماعات المسلحة وطرق الملاحة وربما طبيعة التحالفات الإيرانية نفسها، فنحن لا نعود أمام تعديل ملف أو اثنين، بل أمام إعادة صياغة الدور الإيراني في الشرق الأوسط. عند هذه النقطة تستطيع طهران أن تقول إن المطلوب منها لم يعد تقديم تنازلات متبادلة، وإنما القبول بموقع إقليمي جديد تحدده موازين القوة التي تتفوق فيها الولايات المتحدة. لكن ذلك لا يجعل الرواية الإيرانية كاملة أو يعفي سياسات طهران نفسها من المساءلة. فدول عديدة في المنطقة لديها مخاوف حقيقية من المشروع الإيراني، ومن استخدام الجماعات المسلحة ومنطق الوكلاء في إدارة الصراعات. والعراق ولبنان وسوريا واليمن قدمت، بدرجات وتجارب مختلفة، أمثلة على الكلفة التي يمكن أن تدفعها الدول عندما تتحول أراضيها إلى ساحات تنافس بين القوى الخارجية. لذلك فإن اختزال كل الاعتراض على السياسة الإيرانية بأنه مؤامرة أميركية لا يفسر الواقع كله، مثلما أن اختزال كل ما تقوم به الولايات المتحدة بأنه دفاع عن القانون الدولي وأمن المنطقة لا يفسره كله أيضاً. وبين الروايتين توجد حقيقة أكثر تعقيداً: هناك صراع على من يمتلك القدرة على تحديد قواعد القوة في الشرق الأوسط، وعلى الحدود التي يسمح لكل قوة إقليمية بأن تتحرك داخلها. ومن هنا تصبح الحرب الاقتصادية امتداداً طبيعياً للحرب العسكرية. فالعقوبات ليست جديدة في العلاقات الأميركية الإيرانية، وكانت منذ عقود إحدى الأدوات الأساسية التي تستخدمها واشنطن للضغط على طهران. لكن الفارق بين العقوبات المحددة وبين محاولة تضييق الخناق على الموارد المالية وصادرات الطاقة وحركة التجارة ليس مجرد فارق لغوي. فعندما يصبح الهدف تعطيل مصادر الدخل ورفع تكلفة التجارة والضغط على العملة وتقليص قدرة الدولة على تمويل مؤسساتها، فإن الاقتصاد يتحول عملياً إلى ساحة من ساحات الحرب. غير أن العقوبات لا تصيب الحكومات وحدها. إنها تصل إلى الأسواق والرواتب والوقود والدواء وفرص العمل ومستويات المعيشة. ومن هنا يبرز السؤال الأخلاقي والسياسي الذي يرافق الحصار دائماً: أين ينتهي الضغط على النظام وأين يبدأ العقاب الذي يتحمله المجتمع؟ واشنطن تراهن على أن الضغوط الاقتصادية يمكن أن تجعل تكلفة استمرار المواجهة أعلى من تكلفة التسوية، بينما تراهن طهران على أن المجتمع الإيراني والدولة الإيرانية قادران على تحمل الضغوط فترة أطول مما تستطيع الولايات المتحدة تحمل تكلفة حرب ممتدة واضطراب أسواق الطاقة واستنزاف مواردها العسكرية. وهنا ندخل إلى جوهر حروب الاستنزاف، حيث لا يكون المطلوب أن يكون اقتصادك أقوى من اقتصاد خصمك أو جيشك أكبر من جيشه؛ ففي بعض الأحيان يكفي أن تكون قدرتك على تحمل الألم أكبر من قدرة خصمك على انتظار النتائج. لكن هذا الرهان الإيراني يحمل خطراً داخلياً لا يمكن تجاهله. فالشعوب قد تتحمل الضغوط الخارجية عندما ترى أنها تواجه تهديداً وطنياً، لكنها قد تعيد في لحظة معينة توجيه غضبها نحو السلطة إذا اقتنعت بأن السياسات الداخلية والخارجية هي التي جعلت حياتها أكثر صعوبة. ولهذا فإن الاقتصاد الإيراني ليس مجرد جبهة بين واشنطن وطهران، وإنما اختبار للعلاقة بين الدولة الإيرانية ومجتمعها أيضاً. وإذا كان الاقتصاد إحدى ساحات الاستنزاف، فإن مضيق هرمز هو المكان الذي تتقاطع عنده تقريباً جميع خيوط المواجهة. فهذا الشريط المائي الضيق يستطيع التأثير في حسابات عواصم تبعد عنه آلاف الكيلومترات، لأن ما يحدث فيه لا يبقى قضية إيرانية أميركية. الصين معنية، والهند معنية، وأوروبا معنية، ودول الخليج معنية، وأسواق الطاقة العالمية معنية. وهنا تمتلك إيران ورقة جغرافية بالغة الأهمية، لأنها لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق المضيق إغلاقاً كاملاً حتى تؤثر في الاقتصاد العالمي. يكفي ارتفاع مستوى المخاطر بصورة تجعل شركات الشحن والتأمين تعيد حساباتها، وترتفع معها تكلفة النقل والطاقة. لكن الورقة نفسها يمكن أن تنقلب على صاحبها، لأن حرية الملاحة ليست مصلحة أميركية فقط. هناك دول كثيرة قد تختلف مع واشنطن سياسياً، لكنها لا تستطيع القبول بتحول أحد أهم ممرات الطاقة في العالم إلى أداة ضغط دائمة. لهذا يمثل هرمز نموذجاً واضحاً للتناقض بين القوة والشرعية. قد تمتلك دولة القدرة العسكرية على تهديد ممر بحري، لكن امتلاكها هذه القدرة لا يعني أن العالم سيقبل باستخدامها سياسياً أو قانونياً. وفي المقابل قد ترفع قوة عظمى شعار حماية حرية الملاحة، لكن هذا لا يلغي الأسئلة المتعلقة بوجودها العسكري الواسع واستخدام العقوبات والقوة لتحقيق أهدافها السياسية. إنها معادلة يتداخل فيها القانون الدولي مع حقيقة قديمة حكمت العلاقات بين الدول طويلاً: الجميع يتحدث بلغة القانون، لكن الجميع يحسب خطواته بلغة القوة. وعندما ننتقل من هرمز إلى الدول العربية تصبح المسألة أكثر حساسية. فإيران تنظر إلى الوجود العسكري الأميركي في المنطقة باعتباره أحد مصادر التهديد المباشر لها، بينما ترى الولايات المتحدة قواعدها وتحالفاتها جزءاً من منظومة ردع وحماية لمصالحها ومصالح حلفائها. وبين الطرفين توجد دول عربية لها حساباتها ومخاوفها ومصالحها الخاصة. بعضها يرى في إيران خطراً أمنياً مباشراً، وبعضها يخشى مشروعها الإقليمي، وبعضها يحتفظ معها بعلاقات سياسية واقتصادية ويحاول تجنب الانجرار إلى المواجهة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول أراضي هذه الدول وقواعدها ومجالاتها الجوية ومياهها إلى جزء من الحرب. عندها يصبح الحديث عن السيادة أكثر تعقيداً. فإذا كانت إيران تقول إنها تقاوم الهيمنة الأميركية دفاعاً عن سيادة المنطقة، فكيف يمكن التوفيق بين هذا الخطاب وبين تدخلات ونفوذ إيراني أثارا اعتراضات واسعة داخل عدد من دول المنطقة؟ وإذا كانت الولايات المتحدة تقول إنها تدافع عن أمن الدول وسيادتها، فكيف يمكن تجاهل أن منظومة القوة الأميركية نفسها تمنح واشنطن تأثيراً هائلاً في القرارات الأمنية والعسكرية للمنطقة؟ المفارقة أن الطرفين يتحدثان عن السيادة، لكن دول المنطقة هي التي تجد نفسها مطالبة بإثبات سيادتها بينهما. ولا توجد دولة ربما تكشف تناقضات هذه المعادلة مثل العراق. فمنذ عام 2003 أصبح العراق واحداً من أهم ميادين التنافس والتداخل بين واشنطن وطهران. أسقطت الولايات المتحدة النظام السابق، ثم نشأ نظام سياسي جديد استطاعت إيران بناء نفوذ واسع داخله، وتداخلت العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية إلى درجة أصبح معها من الصعب أحياناً فصل الصراع الداخلي العراقي عن التنافس الإقليمي والدولي. لكن المفارقة التاريخية تكمن في أن الولايات المتحدة وإيران، رغم عدائهما الشديد، وجدتا نفسيهما في مراحل معينة أمام خصوم مشتركين أو مصالح متقاطعة. وهذا يكشف شيئاً أساسياً في السياسة الدولية: العداء الأيديولوجي لا يمنع تقاطع المصالح عندما تفرض الظروف ذلك. واليوم يجد العراق نفسه أمام اختبار جديد. فهو لا يستطيع ببساطة أن يكون جزءاً من محور أميركي ضد إيران من دون دفع أثمان داخلية وإقليمية، كما لا يستطيع أن يتحول إلى امتداد استراتيجي لإيران من دون أن يخسر جزءاً من استقلال قراره وعلاقاته العربية والدولية. ولهذا ربما ينبغي أن يكون السؤال العراقي مختلفاً عن السؤال الأميركي والإيراني. ليس: من سينتصر، واشنطن أم طهران؟ وإنما: كيف لا يخسر العراق في انتصار أي منهما؟ إن الدولة التي تبني أمنها على انتصار قوة خارجية على أخرى تبقى رهينة ميزان القوى، أما الدولة التي تبني مؤسساتها وقدرتها وقرارها المستقل فهي التي تستطيع التعامل مع الجميع من موقع المصلحة الوطنية. وهذا لا يتعلق بالعراق وحده، بل ربما يصلح قاعدة لدول المنطقة كلها. وفي موازاة الحرب العسكرية والاقتصادية تدور حرب أخرى لا تقل أهمية: حرب تفسير ما يجري. طهران تريد تقديم الصراع باعتباره مواجهة بين دولة مستقلة وقوة عظمى تسعى إلى إخضاعها وإعادة ترتيب المنطقة وفق مصالحها. وواشنطن تقدم المواجهة باعتبارها صراعاً مع نظام توسعي يهدد جيرانه والملاحة الدولية ويستخدم الجماعات المسلحة لمد نفوذه خارج حدوده. كل رواية تحتوي على أجزاء من الواقع، وكل رواية تتجاهل أجزاء أخرى منه. وتبدأ المشكلة عندما تتحول الرواية السياسية إلى بديل عن الوقائع، فيصبح كل معارض لإيران تابعاً للولايات المتحدة، وكل ناقد للسياسة الأميركية مؤيداً للمشروع الإيراني. وهذه الثنائية واحدة من أخطر نتائج الاستقطاب الذي عرفته المنطقة. فقد أصبح مطلوباً من المواطن العربي، في كثير من الأحيان، أن يختار بين سرديتين: إما أن يقبل الهيمنة الأميركية باعتبارها ضماناً للاستقرار، أو يقبل النفوذ الإيراني باعتباره مقاومة لهذه الهيمنة. لكن لماذا يجب أن يكون الخيار محصوراً بين الاثنين؟ لماذا لا تستطيع المنطقة إنتاج مفهوم ثالث للسيادة يقوم على استقلال القرار الوطني ورفض تحويل الدول إلى ساحات نفوذ لأي قوة خارجية؟ هذا السؤال يصبح أكثر أهمية عندما ننظر إلى ميزان القوة العسكري. فالتفوق الأميركي التقليدي واضح، لكن الحروب لا تقاس فقط بعدد الطائرات والسفن والصواريخ. هناك عامل آخر لا يقل أهمية هو الزمن. إدارة عمليات عسكرية مستمرة، وحماية القواعد، واعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتأمين طرق الملاحة، والحفاظ في الوقت نفسه على جاهزية القوات لمواجهة أزمات محتملة في مناطق أخرى من العالم، كلها عمليات لها تكلفة مالية ولوجستية متصاعدة. وهنا تصبح استراتيجية الطرف الأضعف مختلفة. إيران لا تحتاج إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً بالمفهوم التقليدي، فهذا هدف يصعب تصوره في ميزان القوة المباشر. ما تحتاج إليه هو جعل تكلفة تحقيق الأهداف الأميركية مرتفعة بما يكفي لإعادة واشنطن إلى الحسابات السياسية. هذه هي فلسفة الردع غير المتكافئ. فالتهديد العسكري الأقل تكلفة قد يفرض إجراءات دفاعية أعلى تكلفة، والتهديد البحري المحدود قد يستدعي انتشاراً عسكرياً واسعاً، واستمرار حالة الخطر قد يفرض أثماناً اقتصادية تتجاوز بكثير كلفة الوسيلة المستخدمة لخلق ذلك الخطر. لكن إيران تواجه المشكلة ذاتها من الاتجاه المعاكس. فالولايات المتحدة تمتلك قدرة اقتصادية وعسكرية هائلة على تحمل النفقات، بينما الاقتصاد الإيراني أكثر هشاشة أمام الحصار واضطراب التجارة وتراجع العملة. وهكذا يصبح السؤال بين الطرفين سؤالاً عن النفس الأطول: هل تستطيع واشنطن تحمل حرب استنزاف عسكرية وسياسية طويلة؟ وهل تستطيع طهران تحمل حرب استنزاف اقتصادية واجتماعية طويلة؟ ورغم كل ذلك، يبقى الحديث عن التفاوض حاضراً. وليس في ذلك تناقض كما قد يبدو. فالدول كثيراً ما تتفاوض وهي تقاتل، بل إن بعض الحروب تخاض أساساً من أجل تحسين الموقع على طاولة المفاوضات. كل ضربة عسكرية تحمل رسالة سياسية، وكل عقوبة اقتصادية قد تكون محاولة للحصول على تنازل، وكل تهديد لممر بحري أو قاعدة عسكرية قد يكون محاولة لرفع ثمن استمرار المواجهة. لكن التفاوض تحت النار يحمل خطراً دائماً، لأن حادثاً واحداً قد يغير الحسابات كلها. سقوط عدد كبير من الجنود، أو استهداف منشآت مدنية، أو حادث بحري يؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة، أو توسع المواجهة إلى دولة أخرى، يمكن أن ينقل الأزمة من مرحلة الضغط المحسوب إلى مرحلة يصعب على القيادات السياسية التحكم بها. والتاريخ مليء بحروب لم يكن أحد يريدها بالحجم الذي وصلت إليه، لكنها نشأت من سلسلة ردود كان كل طرف يعتقد أنه يستطيع السيطرة عليها. ولهذا فإن الحديث عن المنتصر والمهزوم ربما يكون سابقاً لأوانه، بل وربما يكون مضللاً في أساسه. فإذا خرجت إيران من الحرب أضعف اقتصادياً وعسكرياً، فهل يعني ذلك أن الولايات المتحدة انتصرت؟ ليس بالضرورة. إذا بقي النظام الإيراني قائماً، واستمرت قدرته على إعادة بناء عناصر قوته تدريجياً، فقد يتحول التفوق العسكري الأميركي إلى جولة أخرى في صراع طويل. وإذا استطاعت إيران الصمود ولم تتمكن واشنطن من فرض جميع شروطها، فهل تستطيع طهران إعلان النصر؟ أيضاً ليس بالضرورة. فإذا خرج الاقتصاد أكثر إنهاكاً، والمجتمع أكثر فقراً، والبنية العسكرية متضررة، والعلاقات الإقليمية أكثر توتراً، فإن مجرد عدم الاستسلام لا يعني تحقيق النصر. وهنا تكمن مشكلة تعريف الانتصار في حروب العصر الحديث. قد يستطيع الطرفان في النهاية إعلان النصر أمام جمهورهما، بينما تكون المنطقة كلها قد خسرت جزءاً من أمنها وثروتها واستقرارها. لهذا ينبغي النظر إلى المواجهة باعتبارها أكبر من حرب أميركية إيرانية. إنها في جانب عميق منها معركة على شكل النظام الإقليمي المقبل: هل يبقى الشرق الأوسط منطقة تعتمد في أمنها بصورة أساسية على القوة الأميركية؟ وهل تستطيع إيران الاحتفاظ بموقعها كقوة إقليمية تمتلك أدوات تأثير خارج حدودها؟ وهل تستطيع الدول العربية بناء منظومة أمنية تجعلها أقل اعتماداً على القوى الخارجية؟ وما الموقع الذي ستحتله الصين والهند وروسيا وأوروبا في معادلة ما بعد الحرب؟ هذه الأسئلة لن تختفي إذا توقفت الصواريخ غداً. بل قد تكون المفاوضات التي تأتي بعد الحرب أكثر أهمية من الحرب نفسها، لأنها ستحدد ما إذا كانت المنطقة ستعود بعد سنوات إلى دورة أخرى من الصراع، أم أن معادلة جديدة ستنشأ وتكون قادرة على الصمود. وأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يجري التعامل مع الشرق الأوسط بعد انتهاء المواجهة باعتباره جائزة للطرف المنتصر. فالمنطقة ليست ملكاً للولايات المتحدة كي تعيد تشكيلها وفق احتياجاتها الاستراتيجية، وليست مجالاً حيوياً لإيران كي تحدد وحدها مفهوم المقاومة والسيادة فيها. للدول العربية شعوب ومصالح وذاكرة وتاريخ وحق في صياغة أمنها بعيداً عن الاختيار الإجباري بين مشاريع الآخرين. فالهيمنة لا تصبح مقبولة لأنها تواجه هيمنة أخرى، والتدخل الخارجي لا يصبح مشروعاً لأن الطرف الذي يمارسه يرفع شعار المقاومة، والقوة العسكرية لا تتحول إلى حق سياسي لمجرد أن صاحبها قادر على استخدامها. وإذا انتهت الحرب بإيران أضعف، يبقى السؤال: هل ستكون المنطقة أكثر استقلالاً بالفعل، أم أكثر اعتماداً على الولايات المتحدة؟ وإذا استطاعت إيران الصمود، يبقى السؤال المقابل: هل يعني ذلك أن دول المنطقة ستصبح أكثر سيادة، أم أن النفوذ الإيراني سيعود تحت عنوان الانتصار على الهيمنة الأميركية؟ ربما لا تكون الإجابة في انتصار أي من الطرفين. فالمعضلة الحقيقية في الشرق الأوسط ليست فقط وجود قوة أميركية كبيرة أو قوة إيرانية تطمح إلى تثبيت موقعها الإقليمي، وإنما ضعف قدرة كثير من دول المنطقة على إنتاج توازنها الخاص. وعندما تغيب القوة الإقليمية المتوازنة وتضعف الدولة الوطنية، تملأ القوى الأخرى الفراغ. لهذا قد تكون المعركة التي ينبغي أن تبدأ بعد انتهاء الحرب أهم من الحرب نفسها: معركة بناء الدولة، واستعادة القرار الوطني، وتحويل العلاقات الإقليمية من ساحات نفوذ إلى شبكة مصالح متبادلة. عندها فقط تستطيع المنطقة أن تقول للولايات المتحدة إن الشراكة لا تعني الوصاية، وأن تقول لإيران إن الجوار لا يعني النفوذ، وأن تقول للعالم إن أمن الشرق الأوسط لا ينبغي أن يبقى نتيجة جانبية للتنافس بين القوى. أما الآن، وبين الصواريخ والعقوبات والتهديدات ورسائل التفاوض، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تقاتل الولايات المتحدة وإيران من أجل إنهاء حرب، أم أنهما تتفاوضان بالسلاح على شكل المنطقة التي ستولد بعدها؟ وقد تكون الإجابة عن هذا السؤال، أكثر من أي بيان عسكري أو اتفاق مؤقت، هي التي ستحدد في النهاية من الذي انتصر فعلاً، ومن الذي دفع الثمن.
#نوري_حمدان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
زيارة الزيدي إلى تركيا.. هل تؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الا
...
-
زيارة طهران... هل عاد العراق بمكاسب توازي ما قدم؟
-
الحوار الوطني المدني.. حاجة العراق قبل أن يكون خياراً
-
الشرق الأوسط على حافة الانفجار
-
الحرب على الفساد... هل بدأ العراق يكسر الخطوط الحمراء أم أنه
...
-
حين يصبح العنف لغةً للجميع
-
بين واشنطن وبكين وموسكو.. أين يقف العراق في خرائط العالم الج
...
-
تاجر البندقية في الصين.. براغماتية المصالح العليا وإعادة رسم
...
-
عيد العمال في العراق بين الألم والأمل
-
الدولة بين المحاصصة وإرادة الشعب
-
العراق بين تعقيدات الداخل وضغوط الإقليم: توازنات هشة في لحظة
...
-
أزمة التوافق وضغوط تشكيل الحكومة
-
مقال يكسر أول أقفال المحاصصة
-
سيادة العراق بين عجز الداخل وضغوط الخارج
-
العراق على خط الزلازل الإقليمية: تصعيد أميركي - إيراني واختب
...
-
العراق حين تُدار الدولة بالخارج نهاية منظومة وبداية اختبار ا
...
-
الانسحاب المحسوب والعودة الثقيلة
-
البرلمان السادس: حين يغيب حُرّاس الحقوق وتُشرَّع السلطة بلا
...
-
فنزويلا والاختبار الفاضح لشرعية النظام الدولي: السيادة في زم
...
-
حصر السلاح في العراق: لحظة الدولة بين منطق الشرعية وحدود الق
...
المزيد.....
-
السعر والمميزات.. كل ما تريد معرفته عن هواتف آيفون الجديدة
-
فيديو متداول لـ-استسلام مقاتلين حوثيين في الجوف باليمن-.. هذ
...
-
مؤتمر استثنائي للجمهوريين .. اختبار صعب لترامب قبل التجديد ا
...
-
بعد اتهام موسكو باستهداف مطار لايبزيغ .. كيف ستتحرك برلين؟
-
مدفيديف: نرغب في انتهاء النزاع في أوكرانيا بأسرع ما يمكن ولك
...
-
-الليكود- يتهم محمد دحلان ويائير غولان بـ-التدخل الأجنبي- في
...
-
خلال 12 ساعة الدفاع الجوي يدمر 108 طائرات مسيرة فوق مناطق رو
...
-
مصادر: مدير وكالة الاستخبارات المركزية قد يتولى دورا أكبر في
...
-
-ثورة في جيبك-! آبل تكشف عن آيفون 18 برو بأطول بطارية في الت
...
-
الدفاع السورية تصدر بيانا حول انفجار سرمدا الدامي
المزيد.....
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
المزيد.....
|