أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نوري حمدان - عامر عبد الله... أوراق من ذاكرة رجل ومن تاريخ وطن















المزيد.....

عامر عبد الله... أوراق من ذاكرة رجل ومن تاريخ وطن


نوري حمدان

الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 18:18
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في تمام الساعة الحادية عشرة من صباح يوم الأربعاء الموافق 30 أيلول 2026، فرغت من قراءة مذكرات عامر عبد الله، القيادي السابق في الحزب الشيوعي العراقي. رحلة دامت اثنتي عشرة ساعة موزعة على ثلاثة أيام. والحق أن أقول إنها كانت رحلة ممتعة للغاية، ولأول مرة تقريباً لم يحدث معي ذلك الشرود الذهني أثناء القراءة، وهي الحالة التي أعاني منها كثيراً. ولعل لذلك أسباباً عديدة، من بينها أسلوب الكاتب، واهتمامي الشخصي بهذه المرحلة من تاريخ العراق، فضلاً عن أنني كنت أشعر، كلما تقدمت في الصفحات، أنني لا أقرأ سيرة رجل فحسب، وإنما أقترب من تاريخ بلد وحزب ومرحلة سياسية ما تزال أسئلتها مفتوحة حتى اليوم.
كما بودي أن أقول إنني دخلت إلى هذه الأوراق وفي ذهني صورة مسبقة عن عامر عبد الله: القيادي الشيوعي، والمثقف، والسياسي الذي عاش في قلب أحداث كبرى، وكان قريباً من مراكز صناعة القرار داخل حزبه وخارجه. لكنني خرجت منها بصورة أكثر تركيباً؛ صورة رجل لا يمكن اختزاله في منصب حزبي أو موقف سياسي أو مرحلة بعينها. فبين دفتي الكتاب يظهر المثقف إلى جانب السياسي، والمفاوض إلى جانب المناضل، والرجل الواثق من بعض خياراته إلى جانب الإنسان الذي يعود إلى الماضي محاولاً تفسيره وفهم ما جرى فيه.
وربما هنا تكمن أولى نقاط قوة هذه الأوراق: عامر عبد الله لا يكتب بوصفه مؤرخاً يقف خارج الأحداث، بل بوصفه واحداً من صانعي بعضها وشاهداً على بعضها الآخر.
وهو نفسه كان واعياً بهذه المسألة. ففي حديثه عن ضرورة تسجيل تجارب الجيل الذي عاش تلك الأحداث، يرى أن شهادات من بقي من شهودها يمكن أن توفر للمؤرخ "مادة أولية" تساعد، بعد التدقيق والمقارنة، في كتابة التاريخ، ثم يحدد موقعه بوضوح شديد: "لا كمؤرخ، بل كراوية أو شاهد".
وأحسب أن هذه العبارة ينبغي أن ترافق القارئ حتى الصفحة الأخيرة.
فنحن لسنا أمام "تاريخ الحزب الشيوعي العراقي" بقدر ما نحن أمام تاريخ الحزب كما رآه عامر عبد الله من الموقع الذي كان يقف فيه. والفرق بين الاثنين كبير. فهو طرف في الأحداث، وفي الخلافات، وفي القرارات، وفي النجاحات والإخفاقات أيضاً. ولذلك فإن شهادته تكتسب أهميتها من قربه الاستثنائي من الحدث، لكنها، في الوقت نفسه، تحتاج إلى أن توضع إلى جانب شهادات الآخرين ووثائق المرحلة قبل أن تتحول من "رواية شاهد" إلى حكم تاريخي نهائي.
المذكرات التي لم تصلنا كاملة
لكن المفاجأة التي ينبغي الوقوف عندها منذ البداية هي أننا، في الحقيقة، لا نقرأ مذكرات عامر عبد الله كاملة.
فالكتاب الذي أعده وحرره كاظم الموسوي يحمل عنوان عامر عبد الله: أوراق "من دفتر مذكراتي"، وصدر إلكترونياً في لندن في آب 2026. والأهم من ذلك أن الموسوي يوضح أن الرزمة التي وصلت إليه لا تمثل، بحسب تقديره، سوى نحو عشرة في المئة مما كتبه عامر عبد الله، وأن بقية دفتر الذكريات مفقودة.
وهنا توقفت طويلاً.
ماذا كان في التسعين في المئة الأخرى؟
أي أحداث دوّنها الرجل ولم تصل إلينا؟ وأي شخصيات تحدث عنها؟ وأي خلافات داخل الحزب سجلها؟ وهل كانت الأوراق المفقودة تحتوي مراجعات أكثر صراحة لبعض القرارات التي شارك هو نفسه في صناعتها؟
ليس في الكتاب ما يسمح لنا بالإجابة عن هذه الأسئلة، ولذلك سيكون من الخطأ أن نبني حول الأوراق المفقودة استنتاجات لا دليل عليها. لكن مجرد معرفتنا بوجودها تفرض علينا الحذر: نحن أمام أجزاء من شهادة، لا أمام الشهادة كلها.
وهذا النقص، لم يقلل بالنسبة لي من قيمة الكتاب، بل زاد فضولي تجاهه؛ لأن الأوراق الباقية تكشف مقدار ما يمكن أن يكون قد ضاع من مادة تاريخية كان من الممكن أن تساعد في فهم واحدة من أكثر التجارب السياسية العراقية إثارة للجدل.
الرجل الذي كان قريباً من مركز الحدث
كلما تقدمت في القراءة كان السؤال الذي يلح عليّ هو: من أين يستمد عامر عبد الله أهمية شهادته؟
الجواب لا يتعلق فقط بكونه شيوعياً قديماً. فالكتاب يقدم رجلاً دخل الحزب الشيوعي العراقي سنة 1951، ثم صعد سريعاً في قيادته، وأصبح عضواً في اللجنة المركزية سنة 1955، ثم في المكتب السياسي، وكان له دور في العمل السياسي والتحالفات التي سبقت ثورة 14 تموز 1958، قبل أن يصبح لاحقاً جزءاً من تجربة الجبهة الوطنية في السبعينيات.
لكن الأهم من المناصب هو موقعه من الأحداث.
فنحن، في صفحات كثيرة، لا نقرأ عما سمعه عامر عبد الله، بل عما حضره أو شارك فيه: اجتماعات، حوارات، مفاوضات، رسائل، مذكرات، سجالات داخل الحزب وخارجه، ولقاءات مع شخصيات كانت في أعلى هرم الدولة.
ولعل الصفحات المتعلقة بالأيام الأخيرة للجبهة الوطنية بين الحزب الشيوعي وحزب البعث تقدم مثالاً واضحاً على ذلك.
ففي أحد اللقاءات التي يرويها، ينقل أجواء نقاش متوتر مع صدام حسين حول علاقة البعث بالشيوعيين. وبعد الاجتماع يقول إنه استُدعي إلى مكتب صدام، حيث دار سجال أكثر حدة، وصولاً إلى حديث صدام عن استغلال الشيوعيين للجبهة من أجل "الكسب الحزبي" وتهديده بملاحقتهم.
بغض النظر عن تقييم هذه الرواية، فإن قيمتها تكمن في أنها تأتينا من رجل كان موجوداً في الغرفة. والأمر نفسه يتكرر في روايته عن أحمد حسن البكر. ففي آذار 1978، يقول إن جندياً من الحرس الجمهوري جاء إلى منزله برسالة شخصية من البكر يدعوه فيها إلى اللقاء والتداول في أوضاع البلد.
ثم يخبرنا أن اللقاء لم يكن بروتوكولياً عابراً؛ فقد امتد، بحسب روايته، على أجزاء من ثلاثة أيام، وتناول فيهما تردي الأوضاع، وتصاعد القمع، وأجهزة المخابرات، ومظاهر الاستبداد، ومحاولات تقويض الجبهة، وتفاقم العداء للشيوعيين، والعلاقة مع الاتحاد السوفيتي وغيرها.
وهنا بدأت أشعر أن القيمة الحقيقية للكتاب ليست في الأحداث الكبرى وحدها، فكثير منها معروف، وإنما في التفاصيل الصغيرة التي تحدث في هوامش تلك الأحداث: من قال ماذا؟ كيف كان الآخر يرد؟ كيف كانت القيادات تنظر بعضها إلى بعض؟ ومتى بدأ الشك يحل محل الثقة بين حليفين كانا يجلسان، ظاهرياً على الأقل، في جبهة سياسية واحدة؟
ومن هذه النقطة، في رأيي، تبدأ القضية الأكبر التي لا أريد أن تمر في قراءتي مروراً سريعاً:
تجربة الجبهة الوطنية مع حزب البعث.
لا أريد أن أتعامل معها بمنطق المعرفة اللاحقة، أي أن نعرف كيف انتهت التجربة ثم نحاكم بدايتها انطلاقاً من نهايتها. السؤال الأصعب والأكثر فائدة هو: ماذا كان يعرف الشيوعيون في حينه؟ وما الذي كانوا يتوقعونه من التحالف؟ وما البدائل التي كانت أمامهم؟ ومتى ظهرت علامات الخطر؟ ولماذا استمرت التجربة بعد ظهورها؟ وأين يضع عامر عبد الله نفسه ومسؤوليته في كل ذلك؟
هذه، بالنسبة لي، واحدة من أهم المسائل التي تستحق أن نحاور بها عامر عبد الله، لا أن نكتفي بنقل روايته عنها.



#نوري_حمدان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تشرين و-السيادة-.. نريد وطن
- 30 أيلول.. حين تصبح السيادة مسؤولية
- الحرب على إيران.. حين تصبح المنطقة كلها جزءاً من المفاوضات
- زيارة الزيدي إلى تركيا.. هل تؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الا ...
- زيارة طهران... هل عاد العراق بمكاسب توازي ما قدم؟
- الحوار الوطني المدني.. حاجة العراق قبل أن يكون خياراً
- الشرق الأوسط على حافة الانفجار
- الحرب على الفساد... هل بدأ العراق يكسر الخطوط الحمراء أم أنه ...
- حين يصبح العنف لغةً للجميع
- بين واشنطن وبكين وموسكو.. أين يقف العراق في خرائط العالم الج ...
- تاجر البندقية في الصين.. براغماتية المصالح العليا وإعادة رسم ...
- عيد العمال في العراق بين الألم والأمل
- الدولة بين المحاصصة وإرادة الشعب
- العراق بين تعقيدات الداخل وضغوط الإقليم: توازنات هشة في لحظة ...
- أزمة التوافق وضغوط تشكيل الحكومة
- مقال يكسر أول أقفال المحاصصة
- سيادة العراق بين عجز الداخل وضغوط الخارج
- العراق على خط الزلازل الإقليمية: تصعيد أميركي - إيراني واختب ...
- العراق حين تُدار الدولة بالخارج نهاية منظومة وبداية اختبار ا ...
- الانسحاب المحسوب والعودة الثقيلة


المزيد.....




- إثيوبيا تصدر بيانًا بشأن نهر النيل والبحر الأحمر وتحذر من -ا ...
- بوتين يشيد بدور المعلمين في روسيا ويؤكد استمرار دعم تطوير مه ...
- النرويج: نظارات الذكاء الاصطناعي تحت المجهر!
- -فايننشال تايمز-: أوكرانيا استنفدت تقريبا مخزونها من قاطرات ...
- بوتين: يجب أن يحظى جميع الأطفال في روسيا بفرص تعليمية متساوي ...
- رئاسة عقيلة صالح على المحك.. النواب الليبي يصوت لتغيير اللائ ...
- المجلس الأعلى للدولة في ليبيا يرفض بالإجماع مخرجات -4+4- وقر ...
- أنقرة: التحركات الإسرائيلية على -خط سوفا 53- في القنيطرة بسو ...
- القوات الحكومية اليمنية تطلق -هجوما استراتيجيا- على صنعاء بم ...
- أمطار قياسية تغرق كتالونيا وتستنفر السلطات في إسبانيا


المزيد.....

- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نوري حمدان - عامر عبد الله... أوراق من ذاكرة رجل ومن تاريخ وطن