أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نوري حمدان - الاستقرار الوظيفي والسيادة الاقتصادية: من يمول حق العامل؟














المزيد.....

الاستقرار الوظيفي والسيادة الاقتصادية: من يمول حق العامل؟


نوري حمدان

الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 15:57
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في العراق، لا ينشغل العامل المتعاقد بتاريخ تثبيته وحده، بل بما إذا كان سيحصل على راتبه في موعده، وما إذا كانت سنوات عمله ستمنحه مستقبلًا أكثر استقرارًا. وخلف هذا القلق اليومي يقف سؤال أوسع للدولة: كيف تضمن الاستقرار الوظيفي من دون أن يبقى تمويله معلقًا بتقلب أسعار النفط؟
يكتسب السؤال أهمية خاصة مع التوجه الحكومي لتثبيت المتعاقدين والأجراء على الملاك الدائم، واستحداث 120 ألف درجة وظيفية جديدة بصفة عقد ضمن موازنة 2027. وقدّر الناطق باسم الحكومة عدد المشمولين بالتثبيت بأكثر من 500 ألف شخص. لكن هذه الأرقام ما تزال في إطار التوجيهات والتصريحات الحكومية؛ فالمشروع لم يتحول بعد إلى قانون نافذ، ولم تُعلن كلفته التفصيلية ومصادر تمويله بصورة تسمح بتقييم أثره المالي.
ومن المهم، منذ البداية، ألا يُوضَع العامل في مواجهة الموازنة. فالمتعاقد الذي أمضى سنوات في مؤسسة عامة لم يصنع طبيعة الاقتصاد العراقي، ولم يقرر اعتماد الدولة على النفط، ولم يضع السياسات التي أبقت القطاع الخاص عاجزًا عن توفير فرص كافية ومستقرة. لقد أدى عملًا تحتاج إليه الدولة، ومن حقه أن يعرف مصير عمله وحقوقه وفق القانون.
في المقابل، فإن مسؤولية الدولة لا تنتهي بإعلان التثبيت. فالاستقرار الوظيفي وعد يمتد إلى سنوات مقبلة، ويتطلب رواتب وتمويلًا وإدارة عادلة وبيئة عمل منتجة. ولهذا ينبغي أن يصاحب كل قرار بهذا الحجم بيان واضح عن كلفته السنوية، وما إذا كانت تمثل زيادة صافية على ما يُدفع حاليًا للمتعاقدين والأجراء، وما يترتب عليه من التزامات مستقبلية.
فالمشمولون بالتثبيت يتقاضى كثير منهم أجورًا بالفعل؛ ولذلك لا يصح احتساب كلفة رواتبهم كلها بوصفها إنفاقًا جديدًا. المطلوب هو بيان الفرق بين الكلفة الحالية والكلفة بعد التثبيت، بما فيها الاستحقاقات والالتزامات اللاحقة. أما الدرجات الجديدة، فتحتاج بدورها إلى تقدير منفصل يوضح توزيعها وأجورها ومصادر تمويلها.
هنا تظهر العلاقة بين الوظيفة والسيادة الاقتصادية. فالدولة التي تعتمد في تمويل الجزء الأكبر من التزاماتها على مورد يتأثر بالأسعار والأسواق الخارجية، تجد مساحة قرارها أضيق كلما تعرضت الإيرادات لصدمة. وقد تنشأ عندئذٍ ضغوط تدفعها إلى الاقتراض أو تأجيل مشاريع أو البحث عن معالجات سريعة. ليست هذه نتيجة حتمية لكل تثبيت أو تعيين، لكنها مخاطرة يجب قياسها ومواجهتها قبل أن تصبح أزمة.
وقد ناقشت اللجنة المالية النيابية، في اجتماعها مع دائرة الموازنة بوزارة المالية يوم 26 تشرين الأول، جداول مشروع موازنة 2027، واستفسرت عن الإيرادات النفطية وغير النفطية، والعجز المخطط ومصادر تمويله، والقروض المخصصة للمشاريع الاستثمارية. وهذه الأسئلة ينبغي أن تصل إجاباتها إلى الرأي العام في جداول واضحة، لأن النقاش حول الموازنة لا يكتمل بالأرقام الإجمالية وحدها.
تداولت تقارير إعلامية تقديرات للنفقات والإيرادات والعجز، لكن النص الرسمي المعتمد للمشروع وجداوله التفصيلية لم يكن متاحًا للتحقق عند إعداد هذا المقال. لذلك لا يصح التعامل مع تلك التقديرات بوصفها قانونًا مقرًا أو أموالًا أُنفقت بالفعل. والفرق كبير بين عجز مخطط في مسودة، وعجز فعلي لا يُعرف إلا بعد تحقق الإيرادات وتنفيذ النفقات.
إن توفير التمويل المستدام يبدأ من إدارة أفضل للموارد القائمة: مكافحة التهرب والفساد في الجمارك والضرائب والمنافذ، وتوسيع الإيرادات غير النفطية بصورة عادلة، ومراجعة الإعفاءات والإنفاق الذي لا يحقق منفعة عامة. لكن تنويع الإيرادات لا ينبغي أن يصبح عنوانًا لزيادة الأعباء على المواطن وحده، بينما تبقى منافذ الهدر والامتيازات غير الخاضعة للمساءلة مفتوحة.
وفي المدى الأبعد، لا يكفي أن تبحث الدولة عن إيرادات جديدة؛ عليها أن توسع قاعدة الإنتاج نفسها. فإعادة تشغيل المعامل القابلة للحياة، ودعم الزراعة والصناعة، ومعالجة اختناقات الكهرباء والتمويل، يمكن أن تخلق فرص عمل وإيرادات تقلل الضغط على الوظيفة الحكومية. أما الشراكة مع القطاع الخاص، فلا تكون حلًا لمجرد إعلانها، بل تحتاج إلى عقود شفافة وضمانات لحقوق العاملين ومعايير تقيس ما تضيفه إلى الإنتاج المحلي.
ولا يعني ذلك أن وظيفة الدولة يجب أن تنحسر حيث يحتاج المواطن إلى معلم أو طبيب أو مهندس أو موظف يقدم خدمة عامة. فالسؤال عن عدد العاملين يجب أن يقترن بسؤال عن احتياجات المؤسسات، وكفاءة توزيعهم، والتدريب والأدوات التي تمكّنهم من أداء عملهم. وربط الإنفاق بنتائج معلنة يمكن أن يجعل الموازنة أداة لتحسين الخدمة، بدل أن يبقى النقاش محصورًا بين رقم الوظائف ورقم الرواتب.
كذلك فإن العدالة في توزيع الدرجات الجديدة جزء من شرعية القرار. فإعلان اعتماد النسب السكانية يحتاج إلى جداول منشورة لكل محافظة وقطاع، ومعايير للتقديم والاختيار، وآلية اعتراض ورقابة. وبذلك يستطيع المواطن أن يرى كيف تُوزَّع الفرص، وأن يطمئن إلى أن الوظيفة العامة ليست مكافأة للنفوذ أو الولاء.
إن تثبيت العاملين، متى استكمل شروطه القانونية والمالية، يمكن أن يكون خطوة نحو إنصاف شريحة انتظرت طويلًا. لكن نجاحه سيُقاس أيضًا بما تفعله الدولة لحماية هذا الاستقرار من الأزمات المقبلة: هل تكشف كلفته؟ هل توفر له تمويلًا مستدامًا؟ هل تحمي الاستثمار المنتج؟ وهل تبني اقتصادًا يمنح الشباب خيارات أوسع من انتظار وظيفة حكومية؟



#نوري_حمدان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قبل 25 تشرين: حماية الاحتجاج والاستماع إلى أسبابه
- العراق وصندوق النقد: من يدفع ثمن الإصلاح المؤجَّل؟
- رواتب الحشد وسلاح الفصائل: السيادة تبدأ من خزينة الدولة
- سيادة على الورق وغذاء مستورد
- موازنة العراق 2027: إدارة الأزمة أم إعادة إنتاج أسبابها؟
- العراق بعد التحالف الدولي: اختبار السيادة وإعادة تشكيل العلا ...
- حين يدفع المواطن ثمن الاستقرار... سؤال السيادة في قرار البنك ...
- عامر عبد الله... أوراق من ذاكرة رجل ومن تاريخ وطن
- تشرين و-السيادة-.. نريد وطن
- 30 أيلول.. حين تصبح السيادة مسؤولية
- الحرب على إيران.. حين تصبح المنطقة كلها جزءاً من المفاوضات
- زيارة الزيدي إلى تركيا.. هل تؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الا ...
- زيارة طهران... هل عاد العراق بمكاسب توازي ما قدم؟
- الحوار الوطني المدني.. حاجة العراق قبل أن يكون خياراً
- الشرق الأوسط على حافة الانفجار
- الحرب على الفساد... هل بدأ العراق يكسر الخطوط الحمراء أم أنه ...
- حين يصبح العنف لغةً للجميع
- بين واشنطن وبكين وموسكو.. أين يقف العراق في خرائط العالم الج ...
- تاجر البندقية في الصين.. براغماتية المصالح العليا وإعادة رسم ...
- عيد العمال في العراق بين الألم والأمل


المزيد.....




- تجاوز سياج السجن وسرق شاحنة.. القبض على قاتل مدان بعد 9 أيام ...
- -الحرب سبب خسارتنا-.. أول تعليق من فانس على نتائج انتخابات ا ...
- وزير خارجية ألمانيا: الروس والاتحاد السوفيتي وآخرون حررونا م ...
- ترامب يدرس إقالة وزير الحرب هيغسيث على وقع الهزيمة في الانتخ ...
- الجيش الإسرائيلي: لن نسمح لحزب الله بإعادة تأهيل نفسه وأي مح ...
- موسكو ترفض أي قيود على حق استخدام الفيتو في مجلس الأمن
- جونسون ينسحب من قيادة الجمهوريين في مجلس النواب بعد الخسارة ...
- أوروبا تواجه هجمات سيبرانية تستهدف الغذاء..هل هي مقدمة لحربٍ ...
- الانتخابات الأميركية ترسم مشهدًا جديدًا بأغلبية ديمقراطية.. ...
- بعد فوز الديمقراطيين بالكونغرس الأمريكي.. المعارضة الإسرائيل ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نوري حمدان - الاستقرار الوظيفي والسيادة الاقتصادية: من يمول حق العامل؟