أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ادريس الواغيش - محمد بن عيسى والعمى الإيديولوجي..!!















المزيد.....

محمد بن عيسى والعمى الإيديولوجي..!!


ادريس الواغيش

الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 16:49
المحور: الادب والفن
    


بقلم: إدريس الواغيش
............
الكثيرون من المغاربة، عامة ومثقفين، كانوا لا يقصدون مدينة أصيلة في وقت من الأوقات إلا صيفا، وغالبا ما تكون نية القصد مقرونة بحضور مهرجانها الثقافي السنوي. هناك، كنت تلتقي الشاعر والمفكر، الروائي والقاص والفنان، ويرجع الفضل في وجود هذا المهرجان إلى محمد بن عيسى.
أصيلة معروفة عند زوارها بهدوئها الشتوي، وجمال شطآنها الصيفي، والأهم من ذلك، موسمها الثقافي الدولي الذي يتزامن عادة مع عطلة فصل الصيف. كان يرأسه يومذاك رجل أصيلة محمد بن عيسى رحمه الله، الرجل الدبلوماسي والمثقف الذي ارتبط اسمه دائما باسم مدينة أصيلة، وهو الذي جعل من المدينة الشاطئية الصغيرة قبلة للرسامين والفنانين التشكيليين، ومحجا لأغلب مشاهير المثقفين والفنانين في المغرب والعالم. زارها من مشاهير أدباء العالم العربي: محمود درويش، الطيب صالح، أدونيس، إميل حبيبي، إلياس خوري وغيرهم.
المرة الأولى والأخيرة التي التقيت فيها مع المرحوم محمد بن عيسى، كانت في مهرجان أصيلة الدولي. هناك، جلست معه، وتحدثت إليه. ولأنني كنت أكره يومها التقاط الصور مع علية القوم ومشاهيرهم، لم ألتقط معه صورة للذكرى، بالرغم من أنني كنت أحمل معي كاميرا. وهكذا ضيعت على نفسي التقاط صور للذكرى معه، كما الكثيرون غيره.
حدث ذلك، في إحدى دورات مهرجان أصيلة الثقافي، لا أتذكر السنة التي تم فيها ذلك، ولكن أذكر أنه كان يتواجد إلى جانبه في القاعة عدة أسماء وازنة، ينتمي أغلبها إلى عالم السياسة والدبلوماسية، جاءت ضيفة على مهرجان أصيلة من إفريقيا والعالم العربي، إضافة إلى وجوه ثقافية من جامعات مغربية وعربية، وأخرى من جامعات ومعاهد من أمريكا وآسيا وأوروبا. بالنسبة لي، لم أكن ضيفا مثلهم على المهرجان، بالرغم من أنني كنت قاصا وشاعرا، ولكنني دخلت إلى المؤتمر من باب الصحافة.
أوقفني بعض الحرس بداية في الباب الرئيسي، وكان ذلك منتظرا منهم، لأن مهمتهم تقتضي ذلك. قدمت لهم نفسي على أنني صحافي قدم من فاس. وحين طلبوا مني بطاقة الاعتماد، قلت لهم في لطف وأدب أنني صحافي من فاس، ومجيئي إلى أصيلة، ليس من أجل المهرجان، إنما حبا في سحر المدينة، ومحبة في زرقة المحيط، وعشقا في صفرة رمال شواطئها. وأضفت مازحا أنه ليس معي بطاقة اعتماد المهرجان، إذا كان الأمر ممكنا أدخل، وإن كان غير ذلك، أرجع إلى حال سبيلي، و"مريضنا ما عندو باس". قال لي أحد الحراس الشباب في أدب:
- معذرة أستاذ، لسنا من يقرر في مثل هذه الأمور..!!
ثم فجأة، جاء شاب ثالث على عجل، واستفسر عن أمر وقوفي في الباب هو الآخر، ولكن باحترام وفي أدب. ظهر من كلامه أنه رئيسهم، فما كان مني إلا أن كررت له ما أسمعته لحراس الأمن. قال لي والابتسامة تملأ محياه:
- انتظر قليلا، أستشير المسؤولين وأرد عليك، يكون خير..!!
كنت أعرف أن المسؤول الأول والأخير، لن يكون سوى محمد بن عيسى، ومن يكون غيره؟ كان يظهر لي يتحرك برشاقة بين جيئة وذهاب في الممر الرئيسي، غير بعيد عني في الداخل، وهو ينتشي بابتسامته الدبلوماسية مع ضيوفه. كان يلبس بذلة إفريقية مزركشة، ربما تكريما منه للضيوف الدبلوماسيين الأفارقة، وهي عملية تدخل في إكار ما هو ديبلوماسي وترضية الضيوف. كان المغرب يعيش يومها صراعات على كل المستويات مع خصوم وحدتنا الترابية، وخصوصا على الواجهتين الديبلوماسية والعسكرية في الصحراء المغربية. وكنا نحن لا نزال مسكونين بهوس الاشتراكية وزعمائها وطنيا وعالميا، وما يرتبط بها من نظام سياسي واقتصادي واجتماعي. كنا نرى يومئذ كشباب تشبع بالفكر الاشتراكيي الماركسي في المرحلة الثانوية والجامعية، أن الليبرالية نفسها تتجسد شخصيا في بن عيسى رحمه الله تعالى أكثر من غيره.
كنت أراه واقفا على مقربة من مدخل قاعة المحاضرات الرئيسية بمركز "الحسن الثاني للملتقيات الدولية"، تحيط به صفوة من رجالات السياسة والفكر والأدب والإعلام والفن التشكيلي. وما هي سوى دقائق، حتى وصل الشاب مسرعا، يحمل معه بشرى الجواب الشافي. قال لي مبتسما:
- يكفي أن تكون معك بطاقة الصحافة..!!
أظهرت له بطاقتي الصحفية، وقال لي:
- من حسن حظك أنهم لم يبدأوا بعد، اتبعني..!!
تبعته بخطوات المنتصر، وهذا ما كان يهمني في الأمر كله. كان كل هدفي أن أحقق رغبتي، وأنتصر لعنادي الطفولي. التحقت بآخر فرد من الجمهور النوعي الذي دخل إلى القاعة، ثم أخذ كل منا مكانه في مقعده. أذكر أن محور اللقاء كان تحت عنوان: "العلاقات الشائكة بين دول المغرب العربي".
كان هناك في القاعة، بعض وزراء خارجية أفارقة معروفين وأسماء أخرى ديبلوماسية وازنة، أذكر منها: عصمت عبد المجيد رئيس جامعة الدول العربية وزير خارجية مصر الأسبق، عمر موسى وزير خارجية مصر، دبلوماسيون من الخليج العربي، وأحد الأكاديميين التونسيين السمر الحامل للجنسية الأمريكية، ومنه علمت في معرض حديثه، أنه كان صديقا لمحمد بن عيسى أثناء دراستهما معا في معهد ماساتشوستس بالولايات المتحدة الأمريكية. وكنت أول مرة أعرف فيها أن محمد بن عيسى مر من هناك.
بعد انتهاء تقديم العروض، بدأ طرح أسئلة الجمهور، حصرها مسير الجلسة في أفراد لا يتجاوز عددهم الخمسة، كنت واحدا منهم، لأن الضيوف الكبار من السياسيين والديبلوماسيين كانوا يرجعون في سيارات خاصة مع مرافقة أمنية مشددة إلى طنجة، فيما يبقى الضيوف الآخرون في فنادق بأصيلة، وبالتالي كانت الأسئلة والأجوبة مجرد توابل، بعد تقديم الضيوف ورقاتهم وأفكارهم في موضوع الندوة.
عندما نودي علي، قدمت نفسي على أساس أنني صحافي من فاس. وعندما سمع محمد بن عيسى "صحافي" ومن "فاس"، رفع رأسه ووضع القلم ملتفتا إلى جهتي، بعد أن كان غارقا في تدوين أشياء على أوراق صغيرة أمامه.
كنت يومها، كما الكثيرين من أمثالي، مسكونا بالقدفكر الاشتراكي ومصابا بالعمى الإيديولوجي، ولا تعرف قواميسنا سوى كلمات رنانة، مثل: الاشتراكية، الشيوعية، تروتسكي، ماوتسيتونغ، إنجلز، غيفارا، فيدل كاسترو والرفيق ستالين، وغيرهم من رموز الشيوعية والاشتراكية.
في فترة الاستراحة، فرشت أمامنا على طاولات في قاعة فسيحة مختلف أنواع الحلويات المغربية التقليدية الرفيعة، وأباريق شاي ومختلف العواصر، وشباب وفتيات بألبسة موحدة يحضرون الطلبيات. جلست على طاولة مع شخص لا أعرفه، حاولت قدر الإمكان أن تفادى أي شخص أعرفه ويعرفني أو أعرفه ولا يعرفني، بمن فيهم محمد بن عيسى نفسه.
المفاجأة الكبرى، أن محمد بن عيسى، بما كان يمثله يومها من ثقل ثقافي وسياسي، وما يتوفر عليه من كاريزما وجاه ومال وسلطة، ووجاهة وجاه ونفوذ، جاء عندي وجلس على كرسي إلى جانبي. سلم على الرجل الذي يجلس إلى جانبي، وقال لي بابتسامته المعهودة مرحبا:
- مرحبا بفاس، ومن زارنا من أهل فاس..!!
الحقيقة أنني تلعثمت وضاعت مني كل الكلمات، وجدته ظريفا في الخمس دقائق التي جلس فيها معي، وأكثر لطفا، على عكس كل ما رسمناه عنه في مخيلتنا، وما كان يقال عنه في مجالس نميمتنا السياسية. كان في حديثه القصير معنا، في مستوى اللطف واللباقة والديبلوماسية التي مارسها كوزير خارجية سابق.
وكنت من جانبي، مسكونا وملبوسا بالغرور والتعالي والعمى الإيديولوجي الساكن في أوهامي. وأنا اليوم لا ألوم نفسي على ذلك، كان مفعول رواسب ما سكنني لسنوات في الجامعة والحزب، لازال يتحكم في لاوعيي الباطني، وأيضا لأنني لم أكن أنتظر شيئا من دخولي غير الدخول نفسه.
رحم الله محمد بنعيسى، الرجل الذي قابلته مرتين في أصيلة، وكنت فيهما متكبرا يسكنه عماه الإيديولوجي، وكان هو أكثر واقعية وتواضعا مما كنت أتصوره...!!



#ادريس_الواغيش (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرات عبد الرحمن الغندور في أوراق
- بُكاء -بوعَبديل- في غرناطة ووَداع فيليبي في سبتة...!!
- من -الحُكم الذاتي- إلى -المَجلس الانتقالي-
- الانتخاباتُ في المَغرب بين الشّخص والفكرَة...!!
- آه يا وطني، كم كنتَ وحدك...!!
- البُعدُ الهويّاتي في رواية -عيشوا لأجل آلهتكم-
- سيكولوجية الإسباني المَهزوم...!!
- لا زلنا خلف الباب أحيَاء...!!
- طريقُ أقشُور، مُتعَة ومُغامرَة
- رحل السرغيني وبقي شعره.!!
- صدمتي الأولى مع بشاعة الاحتلال في سبتة..!!
- متى كان الأسد يخاف من -الطورو-..؟
- مشاة مغاربة يغزون سبتة المحتلة..!!
- -هكذا عرفت الصحراء، رحلات مثيرة بين فاس والكركارات- جديد إصد ...
- مُونديَال 2026 بعَين العَقل...!!
- هل أصبحتُ تافهًا…؟!
- خنيفرَة تحتفي بتجربَة المساعدي النقديّة ومُنتسب القصصية
- المُضمَرُ في سُلوك الحُكومَة: منكُم.. ليهُم...!!
- صرُوح يَحتفي بشعريّة أمَل برّادَة
- طبيعَة الحُمق المَغربي...!!


المزيد.....




- مآسي الحرب الأهلية السريلانكية في ترجمة عربية لرواية «أقمار ...
- -قوارب تلوح من الأفق البعيد-.. متاحف قطر تروي رحلة الخزف الص ...
- أحمد سعد يفقد صوته قبل إطلاق ألبومه -الموسيقى العربية-
- الإنتاج السينمائي التونسي:-بكمة- و-ويك إند-.. فيلما رعب ينال ...
- فرنسا: شخصيات من عالم الثقافة والرياضة توقع عريضة مناهضة للع ...
- ماكلمور يطلق جولة -الحرية لفلسطين- بعد استبعاده من حفلات إد ...
- موسكو تكشف تفاصيل مشروع المبنى الجديد للسيرك الكبير
- مركز -عدالة- في إسرائيل: نقص في أوراق الاقتراع باللغة العربي ...
- -حين تنطق أخشاب البيوت القديمة-.. متاحف قطر تحول ذكريات الأج ...
- -الحرية لفلسطين-... جولة جديدة لمغني الراب الأمريكي ماكلمور ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ادريس الواغيش - محمد بن عيسى والعمى الإيديولوجي..!!