|
|
طريقُ أقشُور، مُتعَة ومُغامرَة
ادريس الواغيش
الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 22:49
المحور:
الادب والفن
قلم: إدريس الواغيش
وأنا في الرباط، فكرت في العودة من عُطلتي الصيفية إلى مدينة فاس. ولكن قلت لا بأس، إن تأخرت أيامًا أُخرى عن الوصول قدر المستطاع، أتفادى فيها على الأقل حرارة "الصّْمَايْم الحَامْيَة" التي تصادف عادة بداية شهر غشت في المدينة، يرافقها هبوب رياح شرقي لا يُحتمل. والأخبار الواردة من هنام تقول إن فاس تعرف حرارة مفرطة لا تطاق، تتجاوز في الغالب الأربعين درجة. تكدُّس السّيارات على الطريق: من الرباط، اتجهت شمالا عبر الطريق السيار إلى العرائش، ثم محطة الأداء سيدي اليماني، أتفادى الدخول إلى شبكة طنجة العنكبوتية. جرّبت المُرور وسط طنجة صيفَا، ولم أعد أحتمل تكراره. ولذلك، سلكت هذه المرة الطريق الوطنية عبر دار الشاوي ثم "جبل حبيب"، وُصولا إلى الطريق السريع طنجة- تطوان. مترٌ واحدٌ بين سيارة وأخرى، ولذلك كلفتني الطريق من "عين الحصن" إلى تطوان (مسافتها 20 كلم) وحدها ساعتين من السّير بالسيارة، وما يعادل ساعة أخرى إلى قرية "أزلا" الساحلية. ولم أنجُ من الاكتظاظ الطرقي إلا بعد أن تجاوزتها، واتجهت في طريقي شرقا إلى مدينة واد لاو. واد لاو، التحوُّل من القرية إلى المدينة: تعود أولى زيارتي إلى هذه المدينة، حين كانت قرية صغيرة عام 1983. لم يكن هناك شيء فيها اسمه "مدينة"، ولا سواد إسفلت أو علو إسمنت وخطوط بيضاء وسط الطرقات والشوارع، كل ما كان يميزها، شاطئ يمتد من أسفل الجبل غربًا إلى مَصَبّ الوادي في البحر شرقًا. قصدناها بالسيارة عبر طريق ساحلي كان شبه بدائي، انطلاقا من مخيم يسمى باسم "وادي المالح". لم يكن مخيّمًا بلديًّا، ولكنه كان في ملكية الخواص، ويمتد على جنبات الوادي على أطراف مدينة "مرتين"، كما كان يلحّ عليّ أحد الفلاحين الظرفاء. كلما كان يسمعني أنطقها "مرتيل" باللام، يصر عليّ أن أعيدها بالنون وتصبح "مرتين". ما بين المخيم ومركز مرتين، كان عبارة عن حقول ذرة وأشجار تين وفواكه. اليوم، تطاول الإسمنت على كل شيء، وأصبح وادي المالح نفسه ضمن المجال الحضري للمدينة. كان الطريق إلى واد لاو عبارة عن منعرجات بدائية، يمتد وسط غابة تختلط فيها كل أنواع الأشجار، محلية مثمرة وأخرة غابويّة بين بلدية ورومية. طريق كان يصلح للمشي على البغال والحمير والأرجل، أكثر ما يصلح للسيارات، وما جادت به التكنولوجيا الألمانية، الفرنسية، الأمريكية والكورية الجنوبية من صيحات في عالم السيارات والدراجات النارية. اليوم تغيّر المشهد كثيرًا، وأصبح الطريق البدائي ثلاثي الاتجاهات، مُريحًا قليلا في السياقة، وإن كان الحذر فيه واجب. ولذلك، حين نقول بوجود فساد في دهاليز إدارات البلاد وسيئات في المجتمع، وظلمات بعض المسؤولين وفسادهم، نستحضرُ أن الدولة المغربية حينما تريد، تفعل المستحيل والأعاجيب، وتبطل سحر المفسدين فيها. هناك اليوم طريق سريع، يربط بين مدينتي طنجة وتطوان، وآخر ثلاثي يربط بين: تطوان وواد لاو، ويصل إلى قرى: قاع أسراس، تارغة، اسطيحات، وصولا إلى الجبهة والحسيمة. كان المخيم البلدي، وإلى حدود تسعينيات القرن الفائت، يتوسط واد لاو بخيامه، والباقي مُجرّد بنايات رديئة، عشوائية وغير مهيكلة، أغلبها إدارات من مخلفات الاستعمار الاسباني. وكان أقصى ما يستطيع استعمار "الله يكون في العَون" الإسباني فعله. فرنسا وأوروبا جعلت من إسبانيا قوة استعمارية "صحّة" بمساعدة الكنيسة، كي يكون استعمارا "بالزّْز" رغم أنف الضّفة الجنوبية الإسلامية في المملكة المغربية، حفاظا على وصيّة الملكة الكاثوليكية إيزابيلا، ووجهاتها الدينية المتطرفة ضد الإسلام والمسلمين. إسبانيا في مُجملها، كانت حينها بالكاد تجد قوت يومها. الطفلُ البريُّ بحريًّا: أتساءل أحيانًا، كيف تحوّل ذلك الطفل البريّ، الذي هو أنا، من ولد طائش يعشق صيد الطيور، والعوم في غدران نهر ورغَة المخيفة إلى كائن بحري، ومولع بزرقة البحر والسباحة بين أمواجه؟ وحين تمعّنت في هذا التحوّل، وجدت أن الأمر غاية في البساطة. لم يكن في جوهره، أكثر من حرف "حاء" منعزل يفصل البر عن البحر. وعودة إلى البدايات، وجدت أن علاقتي بالماء بدأت ب "البير"، لما كنت طفلا صغيرا في قرية "أيلة"، والأمر لا يتعلق هنا ب "بئر الشرب" في البادية. ولكن، صهريج يُجمع فيه ماء سقي حقول الفلاحة السقوية في الدوار وقت الصيف: طماطم، فلافل، فاصولياء، بطاطس، قرع أخضر...إلخ. كان هذا "البير" بطول ستة أمتار، وعرض أربعة أمتار، قد يخونني التقدير وأزيد في المساحة أو أنقص قليلا. في هذا الصهريج، تعلمنا فنون الغوص والغطس، واجتهدنا في تطبيق كل أشكال السباحة المُمكنة: سباحة على البطن والظهر، الاستغناء عن استخدام الأيدي والأرجل، الارتخاء فوق الماء كيفية البقاء لمدة أطول تحت الماء دون تنفس وفوق سطحه دون حراك. حدث ذلك في ماء الصهريج، قبل الانتقال إلى غدران النهر. لم يكن مهما بالنسبة للأطفال والشباب المراهق أن يلتقي في هذا الصهريج: ماء الصابون، أشواك التين الهندي، بول الأطفال والحمير والبغال، وروث باقي البهائم الطرية من أبقار وأغنام وماعز وغيرها. الأهم أن نقفز من غصن الشجرة ونعوم. وكم كنا سعداء بالعوم، حين كان يسمح لنا أحد رجالات الدوار، وهم قلة قليلة، بالعوم بين جدرانه قبل الامتلاء. وفي هذا الصهريج تعلمنا فنون العوم، ونحن أطفال صغار ندرس في كتاب القرية، ثم تلاميذ في مدرستها. أذكر أنه كثيرًا ما كاد بعضنا يموت غرقا، في أكثر من مرة. الانتقال من البئر إلى النهر: بعد تعلم السباحة في الصهريج والبئر، انتقلنا إلى العوم في غدران ورغة في سبعينيات وثمانيات القرن الماضي، العوم في النهر تتطلب كفاءة ومهارة أكبر. كانت غدران نهر ورغة مُخيفة في فصل الصيف، أما دون ذلك، وخصوصًا في فصل في الشتاء، كان يصعب النظر إلى تلاطم الأمواج في جنباته. ولكن الجفاف في السنوات الأخيرة، وإنشاء السدود غيّرَا من المُعادلة. كنا نعرف هذه الغدران بالأسماء والصفات، قبل أن نعرف زُرقة المحيط غربًا، وشواطئ البحر الأبيض المتوسط شمالا. هكذا توطدت علاقتي بالبحر والمحيط، انطلاقا من "الصهريج" والنهر، وإن كان المغاربة يميلون في علاقتهم إلى البحر الأبيض المتوسط. هناك حميمية مبالغ فيها للمغاربة مع البحر المتوسط على حساب المحيط الأطلسي، وهي تحتاج إلى دراسة سيكولوجية وسوسيولوجية. ولذلك، تكتظ شواطئه بالمصطافين أكثر من المحيط، رغم ما يقدم لهم من إغراءات في شواطئ مدن الأطلسي. في الساحل الشمالي.. في الساحل المتوسطي الشمالي من واد لاو إلى الجبهة، تتعلم غصبًا عنك، كيف تتكلم الإسبانية في أيام معدودات. كل المحطات التي في متناول جهاز السيارة كانت تنطق إسباني، وطيلة إقامتي في الشمال المائل قليلا إلى الشرق: واد لاو، قاع أسراس، تارغا، السطيحات، لم أكن أسمع في إذاعات سيارتي سوى الإسبانية، حتى كدت أتعلمها غصبًا عني. وهذا يفرض على الجهات المسؤولة تقوية أجهزة الإرسال، حتى يتمكن المواطن المغربي في تلك المناطق من التقاط الإذاعات المغربية، وينصت على هواه إلى طقطوقته الجبلية، ويعرف ماذا يجري في وطنه. إذاعة "Medi1" القريبة نسبيًّا، كانت لا تسمع إلا نادرًا، وفي أوقات زمنية قصيرة، ثم تغيب عن مسامعي دون سابق إنذار. كانت إقامتي في واد لاو قصيرة، ولذلك غادرته صباحًا على عجل. الطريق من واد لاو إلى أقشور الطريق من واد لاو إلى أقشور ثم شفشاون، قبل الالتقاء بالطريق السريع القادم من تطوان صعب للغاية، فرضت فيه الجغرافية سطوتها. هو طريق جميل، وفيه ما يغري بالنظر والتأمل، ما في ذلك من دون أدنى شك. ولكن القيادة فيه خطرة، تتطلب يقظة وانتباها مستمرين: منعرجات، منحدرات حادة، مرتفعات كأنها واقفة على رجليها. ولكن كل ذلك، يهون أمام ما تراه العين من فتنة وجمال طبيعي، ولو أن الأمكنة المخصصة للوقوف قليلة. الوقوف في غير محله هناك، يعني حتمًا عرقلة السير، وسماع منبهات سيارات مع توبيخات وتنبيهات، وقد يسبب في حوادث سير مميتة على جنبات أجراف وديان عميقة. على جانب الطريق، وفي جو قروي تغيب عنه أيّ ملامح مشاريع تنمية قروية، جلست مع صاحب مقهى شبه فارغ. عاتبته عن عدم تهيئ وجبات للمسافرين العابرين: فطور، غذاء وعشاء بلدي وفق طاقته ومعرفته انتظرت منه إجابات أو تفسيرات، ولكنه آثر الصمت دون إجابة. وقال لي مواطن قروي آخر في إحدى محطات الوقوف الأخرى: "هذه الطريق كانت عبارة عن "بيست" إلى حدود 1990م. بدأ العمل فيها ما بين 63- 67 بأدوات بسيطة، مثل: الفؤوس وغيرها، كنا نقصد شفشاون على المواشي إلى عهد قريب في الثمانينات". نحوَ مُنتزَه أقشُور.. عند الانعطاف يسارًا، تصبح الطريق بصيغة أخرى على بعد كيلومترات قليلة. وتبدو أكثر صعوبة، حين تفترق: واحدة مُخصّصة للذهاب، والثانية للإياب. مررت صعودًا نحو "تالمبوط"، تبدو القرية هناك كما لو أنها لوحة تشكيلية معلقة على حائط أو ألصقت به، وفيها توجد قيادة أقشور، كما قيل لي. هناك، تجد نفسك أمام وُعورة جغرافية، لا تحتاج إلى خرائط طوبوغرافيا. الإهمال الحكومي الرسمي للطريق واضح فاضح، ولا يحتاج إلى دليل. في بعض اللحظات، لم يكن أمامي فرصة لأمتع النظر، كان همّي الوحيد الاهتمام بمقود السيارة ومُغيّر السُّرعات فيها، كي لا تقف لي السيارة، كما فعلت سيارات أخريات جديدة في وسط العقبة، طريق لا يرقى إلى مستوى منتزه عالمي يقصده السياح من كل أنحاء العالم. الوُصول إلى أقشُور.. وصلت أقشور باكرًا قليلا، ولكن ذلك لم يمنع من أركن سيارتي خارج الحاجز، وجدتهم أنزلوا للتو الحاجز الحديدي. ومن جاء من بعدي متأخرًا، سيضع حتمًا سيارته بعيدًا عن مدخل أقشور بما يقارب الكيلومتر أو أكثر. كنت أول مرة أزور فيها هذا المنتزه الجميل والرائع، هو الذي ملأ الإعلام وكلام الناس ضجيجًا في العطل المدرسية والصيفية. وهنا وجدت نفسي أمام خيارين، إما أزور الشلال الكبير أو قنطرة ربي. كنت قد تجاوزت شلالات صغيرة والشلال الصغير الرئيسي، سألت أحدهم هناك مُستشيرًا، وقد جلست في مقهاه إلى جانب بحيرة صغيرة على الوادي، أشرب عصير البرتقال، وأريح رُكبتيّ من تعب الصُّعود. قال لي مازحًا: "أنت مثل ثعلب، يريد أن يصطاد أرنبين". أفهمته أنني لم أستوعب ما يرمز إليه، أجابني فورًا أن الوصول إلى كليهما يتطلب "رْكَابي صحَاح"، قلبَا فولاذيًّا ونفَسًا طويلا. نصحني أن أعود من حيث أتيت، وفي مفترق الوديان أنعطف يسارًا، لأن رُؤية الشلال الكبير تكون أفضل في الربيع، أما في الصيف يكون الماء قد نقص قليلا، ولا تكون رُؤيته أجمل وفي أفضل حال. نحو "قنطرَة ربّي" الأعجوبة من هذا المنطلق، اخترت التوجه نحو قنطرَة ربّي. كان الطريق إليه صعبَا وشاقًّا، يتطلب نفَسًا طويلا وصبرًا. ولكنه لم يكن غريبًا لا عن أنفاسي وأقدامي، ولا عن أقدامي ورُكبتيّ. سبق لي أن اجتزت ما هو أصعب منه في جبال الصحراء، كما في بلدتي في جبال الريف بأعالي مرتفعات تاونات. ومع ذلك، كنت أخشى أن تخونني قواي، وقد تجاوزت الستين. ولكن بفضل الله وقوّته لم يحصل أي شيء، ممّا كنت أخاف منه وأخشاه. ولكن ما لاحظته، وأنا في الطريق صعودًا، هو غياب شبه كُلّي للتشوير، وهو ما كان يزيد من صعوبة الطريق أما الزّوّار، وهم بالآلاف. أصحاب المحلات و"النواويل"، لم يكونوا بدورهم متعاونين. قد أجد لهم أسبابًا ومُبرّرات، كان في كل مرة كان يسألهم أحد، ومع مرور الوقت يصبح السؤال ثقيلا على مسامعهم، مُزعجًا ومقلقا لهم، وهم منشغلون في إعداد برارد الشاي والطواجن وأشياء أخرى. وفي أحيان كثيرة، يصطدم أصحاب هذه "النواويل و"المطاعم" على الوادي مع الزوار العابرين. في حين أن المسألة في غاية البساطة، لم يكن يلزم التشوير، سوى إحاطة الطاولات والكراسي بأخشاب أو خيوط ملون للتنبيه، وبعض الكتابات على الأخشاب أو الأحجار المسطحة التي تكثر في الوادي. مُنتزَه أقشور في المُستقبل.. قال أحد هؤلاء المستثمرين الشباب، وأنا أناقش معه مشاكل وقعت لي مع صاحب مطعم، وقد أخذت مقعدي في مطعمه أنتظر طجينا ومشروبًا: - أخبرونا (ويقصد السلطات ربما) أن الأمور لن تبقى على حالها، كل شيء سيتغير هنا، وسينظم قبل 2030، وهو موعد كأس العالم، ولن يعود وجود لهذه الفوضى بالوادي مستقبلا... وهي مشاريع تنموية وسياحية كثيرة، بدأت في عدة مناطق سياحية بالمغرب، وأصبحت مثل هذه التّهيئة النموذجية تروق للعين وتدعو للفخر. وقد سبق لي أن رأيتها في عدة مناطق بالمغرب: ضاية أكلمام أزْكزَا في خنيفرة، عين فيتال في إفران وغيرها. أقشور تعرف إقبالا رهيبًا من السياح، وخصوصًا في فصل الصيف. حشود كبيرة تقصده من المغاربة والأجانب، ولكن يلزمها فصل في المقال، بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. طريق رديئة توصلك إلى أشهر منتج سياحي وطني، وهو جنة على الأرض، وهبها الله تعالى للمغاربة وبمواصفات عالمية. الكنادير حاضرَة في سَماء أقشور ونحن في واد أقشور السّحيق، كانت الكنادير البرمائية المتخصصة في إطفاء الحرائق وفخر المغرب، حاضرة في سماء أقشور تحلق فوقنا. هي الإخصائية الشهيرة في إطفاء الحرائق، وحارسة اخضرار غاباتنا الأمينة بالمغرب. كم أحسست بالفخر، تذكرت وأنا أراها أول مرّة في حياتي، وهي تعبرُ سماء قرية السّطيحات، وشاطئها الجميل فوق رأسي نحو المتوسط. كانت تغرف ما يكفيها من ماء البحر، ثم تعود في كل مرة كي تطفئ حرائق الغابات المحيطة. حين رأيتها تحلق في أقشور، قال لي رجل من المنطقة أنها كانت ولا زالت، لمدة يومين، تعمل على إطفاء نيران اشتعلت في غابات كثيفة نواحي شفشاون. قنطرَة ربّي إحدى عجائب الجيولوجيا.. قنطرَة ربّي في شفشاون أو جسر الله -God s bridge، هي إحدى عجائب الجيولوجيا والجسور الطبيعية المعلقة في العالم. لا حديد أو إسمنت مسلح فيها، قنطرة صنعتها الطبيعة، مع تآكل الصخور عبر آلاف السنين. الوصول إليها أمر صعب ومُرهق، ولكن ينتهي بانبهار ودهشة، وأيضًا بإعجاب ورضى عن النفس على خوض الصّعاب والتعب من أجلها، وأنها تستحق هذا كل التعب للوصول إليها. في بركة مائية أسفلها، كان خليط من الزوار يسبحون في مياه موغلة في الزرقة، تغري الأجساد المتعبة بالاسترخاء والعوم، فيهم مغاربة وعجم من الجنسين. أقشُور جنّة الله في أرضه.. أقشور في الصيف، هي جنة من الجنات التي توجد على وجه الأرض، وهي واحدة من هذه الجنات في المغرب باختصار. فيها برودة محبّبة في عزّ حرارة فصل الصيف، عذوبة ماء ينزل زلالا إلى المَعدة العطشانة من الحلق، جسر طبيعي يجري الماء من تحته، اخضرارُ الغابات، الأشجار على الجنبات تعطي جمالية للوادي السحيق. وأنت في أقشور، تجد نفسك في عالم آخر مختلف تمامًا، مناظر طبيعية خلابة، بعيدًا عن صخب الحياة اليومية في الشواطئ المغربية، ضوضاء وأضواء ليالي مدنها الأطلسية والمتوسطية. تنغمس منبهرًا في أجمل المناظر الطبيعية: غدران صافية للسباحة، منحدرات، شلالات صغيرة، ومن حولك غابات وأجراف جبال الريف الشامخة. وأمام عينيك كل ما تشتهيه الأنفس: طواجن مغربية، بريد شاي أصيلة، عصير البرتقال، كما لو أنه خرج لتوّه من أبواب الجنة...إلخ الطريق إلى أقشور مُشكلة ويبقى الطريق إلى أقشور مشكلا رئيسيًّا، هو قطعة من جهنم في السياقة. منتزه أقشور من دون شك عالمي، ولكن الطريق إليه كارثي. طريق لا يشرف البلاد ولا العباد، ولا حتى الدولة المغربية. ومع ذلك، تصادف في ذات الطريق جحافل من السيارات، لا أول لها ولا آخر، ومن حين لآخر تجد نفسك أمام حافلات نقل السياح، وشاحنات كبيرة لنقل السلع والبضائع. وتتساءل في حيرة من أمرك: أين سيصطف كل هؤلاء؟ وأيّ أرض ستتسع لعجلاتهم؟ الوصول إلى أقشور يتطلب سائقًا حرفيًّا و"حديدًا نقيًّا"، وعلى من يفكر في زيارتها في ذروة الموسم السياحي الصيفي أن يقصدها باكرًا، حتى يجد مكانًا له ولسيارته، وسير"شوف تشوف". ولذلك، على المسؤولين في الدولة والجهة والعمالة والجماعة المحلية أن يعيدوا النظر في ترتيب الأولويات في تلك المنطقة، كما في طريقة تدبير أهم منتجع سياحي جبلي معروف وطنيًّا وعالميًّا، بعيدًا عن كل عشوائية في التدبير والتسيير. ومراقبة بعض الأثمنة التي يفرضها بعض أصحاب المحلات التجارية والمطاعم، وفق أمزجتهم وأهوائهم. يفرضون أثمنة بشكل عشوائي، وفيها انتقائية أحيانًا وانتهازية في كثير من الحالات، دون أن يؤدوا سنتيمًا واحدًا من الضرائب لخزينة الدولة. شرعيّة زيارة شفشاون عند مغادرة منتزه أقشور، وجدت نفسي أمام سؤال أخلاقي، كان صعبًا عليّ الجواب عنه. تساءلت مع نفسي: متى اكتملت شرعية زيارتي إلى شفشاون، دون لقاء مولانا الشاعر عبد الكريم الطبال؟ هل أفوّت ملاقاته والجلوس معه، والإنصات إلى صوته الخفيض؟ فيه متعة كبيرة، وفائدة لا يجب تفويتها. التقيت به مساء، كما كنت أفعل دائما، استمعت إليه، وأنا جالس إلى جانبه. أصغي إلى مُحاضرته العفوية في الشعر والزُّهد والتّصوُّف، وأنا إلى جانبه على الهواء الطلق في مساء شفشاوني جميل. تشعب بنا الحديث عن ماضي المشهد الشعري المغربي، عن غياباته وراهنيّته. كان أول ما سألني عنه، هو صاحبه في الشعر القصيدة محمد السرغيني، كان ذلك قبل أن يغادرنا الشاعر الكبير رحمه الله بيومين. ذكرته بما أعرفه عنه، وما أملكه من معلومات عن صحته. ذكرني مولانا الشاعر الطبال بما جمعهما معا في الماضي، وأنه يشكو من بعض الأعراض الصّحية، حفظه الله وعافاه. وهي أعراض تأتي مع التقدم في العمر، والطبال من جيل الشاعر السرغيني محمد، كلاهما من مواليد 1930م. ودعت شفشاون، وأنا لا أعلم، أنني سأكون على موعد بعد يوم واحد مع توديع شاعر الرُّؤى والتأمّلات الشعرية والفلسفية في القصيدة محمد السرغيني رحمه الله تعالى..!!
#ادريس_الواغيش (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
رحل السرغيني وبقي شعره.!!
-
صدمتي الأولى مع بشاعة الاحتلال في سبتة..!!
-
متى كان الأسد يخاف من -الطورو-..؟
-
مشاة مغاربة يغزون سبتة المحتلة..!!
-
-هكذا عرفت الصحراء، رحلات مثيرة بين فاس والكركارات- جديد إصد
...
-
مُونديَال 2026 بعَين العَقل...!!
-
هل أصبحتُ تافهًا…؟!
-
خنيفرَة تحتفي بتجربَة المساعدي النقديّة ومُنتسب القصصية
-
المُضمَرُ في سُلوك الحُكومَة: منكُم.. ليهُم...!!
-
صرُوح يَحتفي بشعريّة أمَل برّادَة
-
طبيعَة الحُمق المَغربي...!!
-
مع أمّي في الحي الإفرنجي
-
أصغَرُ من نملة في الصّحرَاء
-
مَلامِحُ الوَداع
-
إيران، بُطولة واهمَة...!!
-
مَعهدُ صُروح يُكرّم الأديب والإعلامي بوهلال بفاس
-
خَسِرنا الكأس، ورَبحنا هَويّتنا...!!
-
معهد -صروح- يحتفي بالشعر واللغة العربية
-
هاتُوا المَغرب، هاتُوا الكأس...!!
-
مهرجان تاونات يحتفي بالشاعر إدريس الجاي
المزيد.....
-
وفاة الفنان الفلسطيني الكبير سليمان منصور صاحب -جمل المحامل-
...
-
نجوم الدراما يعودون إلى السينما.. هل تستعيد الأفلام التركية
...
-
بعد فوزه بجائزة النيل للمبدعين العرب.. الشاعر العراقي د. عل
...
-
بين المال وعقدة اللغة.. أسرار عزوف اللاعبين الإنجليز عن الاح
...
-
RT تدشن فيلم -أرض اللبان- في عُمان
-
ثلاث بيضات فابرجيه طلبها نيقولاي الثاني ضمن أغلى خمس بيضات ف
...
-
سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا
...
-
من قلعة بني حماد إلى بجاية.. كيف غيّر البحر مصير الدولة الحم
...
-
-على طريقة الأفلام-.. كاميرات توثق اغتيال زعيم مافيا القوقاز
...
-
-الحياة بعد الموت- يحصد الجائزة الكبرى في مهرجان -كوروتشي- ا
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|