|
|
مشاة مغاربة يغزون سبتة المحتلة..!!
ادريس الواغيش
الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 07:44
المحور:
الادب والفن
الهجرة فعل إنساني قديم يدخل ضمن قانون الطبيعة، ولا أحد يمكن إيقافه. الفعل يبقى فعلا، له ما قبله، وعليه ما بعده من ردات فعل، قد تتشابه أحيانا، وتختلف في حالات أخرى، حتى لو كانت قرصة أذن خفيفة. كنا نسميها هجرة سرية عبر سبتة، صرنا نسميها هجرة علنية إلى سبتة المحتلة، ولكن الإسبان سموها غزوة مغربية..!! قال بعض الإسبان أن مشاة مغاربة غزوا سبتة المحتلة بملابسهم المدنية، وأنهم قد لا يخرجوا منها هذه المرة. فهل تكون ملامح ومؤشرات غزوة مباركة مستقبلا؟ سبتة عزيزة على كل المغاربة، والإسبان يحتلونها اليوم ضد منطق الأشياء والتاريخ، وهي بكل تأكيد عائدة إلى موطنها الأم عاجلا أم آجلا، و سنحررها بدون سلاح إن شاء الله تعالى، كما فعلنا مع الصحراء المغربية. ولكن دعنا نفرق بين الأمنية والواقع، وبين نظرة الإسبان لما جرى من أحداث في سبتة السليبة، ونفكك ما جرى من أحداث وفق ما رأيناه، وما ارتأيناه. لم يكن هناك مزاح هذه المرة مع البحر، في زرقته وعلى مشارف سبتة المحتلة، توحد الذكر والأنثى، الاشتراكي والشيوعي، الرأسمالي الليبرالي، العامل مع العاطل، الإسلاموي والملتحي مع من لا ملة له أو دين..!! الواقع والمنطق الذي أعرفه بصفتي مغربيا يقول، أن المسألة ليست بهذه البساطة "غير آجي ونقز" إلى سبتة المحتلة، برا وبحرا، مغاربة وأجانب. أعرف أن العين المغربية بكل أجهزتها، بشرية وإلكترونية، يقظة ومفتوحة على الدوام بالليل والنهار، وهي لا تعرف النوم أبدا، ولا يغمض لها جفن على طول الشواطىء المغربية، بدءا من الكويرة جنوبا إلى حدود شاطئ السعيدية على الحدود الجزائرية شرقا. ولكن مع ذلك، تبقى نظرية المؤامرة الخارجية قائمة، فيما وقع بالقرب من سبتة السليبة بنسب متفاوتة، كما حدث مع ظاهرة جيل"زد"، ذات موجة عابرة، ومرت بما لها وما عليها. لم يكن يسمح لمثل العرايشية أو غيرها من نمل الإنس والجان بالعبور إلى سبتة المحتلة سباحة أو مشيا على الأقدام إلا بسلطان أو إغماض عين. ومع ذلك، كل شيء وارد، يمكن أن يكون حصل هناك نوع من الانفلات التكنولوجي، تعقيدات سياسية، وجهة نظر مغربية غاضبة أو بعد نظر رسمي، لا يشبه ما نعرفه نحن عامة الشعب وسوادهم، تداخلت فيه حسابات جيوسياسية وتكتيكات معينة مع بعض الأطراف، لن تكون الجارة الإسبانية أولهم، ولا نظرائها من الأوروبيين آخرهم. وبعيدا عن تقييم الأوضاع الداخلية، لا يبدو أن هناك دخل لعاملي الفقر والبطالة، وكل ما هو اجتماعي واقتصادي، فيما وقع من هجوم مائي على سبتة المحتلة. هناك طموح عارم فاق قدرات الشباب المغامر، وتهور البعض مع غياب الواقعية في نظرتهم إلى الأمور. كما لا أستبعد كذلك، من وجهة نظري، أن يدخل الأمر في إطار أبعاد ثلاثة: تقصير تربوي أسري، غضبة مغربية صامتة أو هجمة سيبرانية غزت عقول الشباب ومخيلاتهم. أما موقف إسبانيا المتذبذب من وحدتنا الترابية، فقد خبرنا بدايته بعد اعترافها بسيادة المغرب على صحرائه، ولم نعرف بعد نهاياته، وإلا ما كنا رأينا قطعانا من الشبان المغاربة، ومعهم أجانب من المغاربيين والأفارقة، في زمن ومكان واحد، وهم يسبحون ليلا ونهارا على طول سواحل سبتة السليبة من جهة الشمال تحديدا، وهم طلقاء أحرار في الاتجاه المعاكس، هائمون على وجوههم برا، وعلى صدورهم بحرا، مثلما تفعل أسماك السلمون عادة. لا يهمني من أي مدينة جاءت تلك الشابة المغربية المليحة، وهي التي أطلقت الشرارة الأولى إعلاميا، بعد وصولها إلى سبتة المحتلة، شابة تبدو رشيقة في جسمها على هيئة غزالة، وفي كامل ابتسامتها العريضة وبهجتها ونشوتها بالعبور. أكثر من ذلك، كانت تحمل في فمها سلك الربط التقويمي للأسنان، وهو من النوع غالي الثمن، وشباب آخرون يحملون بين أياديهم أيفون آخر طراز، ويلتقطون صور أفواجا بشرية تعبر البر والبحر. قد أفرح لها ولهم، كما فعل الكثيرون والكثيرات، وقد أهنئها بما فعلته من فتح "مبين"، وما ينتظرها لاحقا من جنات "فردوس" على الضفة الأخرى. وقد أجلد الذات، وألعن القيامة والإقامة في البلد، كما فعل غيري من اليساريين واليمينيين والإسلامويين لاعتبارات تخصهم: أخلاقية، سياسية، اجتماعية وحتى نفسية..إلخ. "إني اخترتك يا وطني حباً وطواعية إني اخترتك يا وطني سراً وعلانية" كثيرا ما تغنيت بهذا المقطع في سري وعلانيتي، وهكذا تعلمت أن أحب وطني منذ صغري. ولذلك، وعيي النسبي بظواهر الأمور وبواطنها، لا يقبل مني أن أفعل مثلهم، ولو أنني في باطني، أطمح أن أعيش في النرويج والسويد مثلهم، ولكن شيئا ما في نفس هذا الباطن، يمنعني من التفكير في مغادرة بلدي إلا مسافرا بجواز سفر مغربي. لن ألوم الأغلبية في الحكومة المغربية الحالية، ومعها أكثرية الأحزاب الصامتة صمت القبور، ولا السياسيين الفاسدين والمرتشين، ومعهم البرلمانيين الناهبين لأموال وخيرات هذا البلد، لأنني أعرف ماضيهم أولا، وأعرف مساراتهم السياسية ثانيا، ولن أنتظر منهم شيئا يبهج النفس والروح في هذا البلد. وأيضا، لأن ما وقع على أبواب سبتة من تدفق بشري، هو أكبر إدانة للطبقة السياسية برمتها في المغرب. ولكن، يمكن أن أغتنم فرصة الانتخابات التشريعية المقبلة، وأروم نحو جهة سياسية محددة أو لون سياسي معين، وأدعي أنها ستوفر، إن آلت أمور الحكومة المغربية المقبلة إليها، ما يكفي من الوظائف ومناصب الشغل، وتجد العمل للعاطلين والهاربين من الشباب، وما يكفي من المستشفيات للمرضى والمدارس للأطفال، وتغلق مضايق البحر والبحر في المستقبل إلى الأبد، وخصوصا أمام هجرة الشباب الانتحارية في عرض البحر المتوسط. ولكن، دعنا نفكر قليلا بعقل وروية، ونتساءل في هدوء، بعيدا عن لغة السياسة والإشارة والعاطفة، وتداخل وساط السوشل ميديا في تأجيج هذا الهيجان نحو العبور إلى سبتة، ونقوم بقراءة سيميائية لملامح الوجوه المنتصرة والمنتشية، وتفكيك فرحها في آنيته العابرة: صحيح أن هذه الشابة، كما غيرها، انتصرت على الخمس كيلومتر سباحة، وفي تمثلاتها نجاحات ابن بلدتها ومدينتها العرائش الأمين جمال، الموهبة الكروية المبهرة مع فريقي برشلونة وإسبانيا، ومن ثمة يجوز لها أن ترفع شارة النصر، وهي تقول في قرارة نفسها:"مستقبل غامض أفضل من حاضر نعرفه". ولكن، ثمة سؤال آخر يبقى معلقا: ثم ماذا بعد هذا العبور سباحة؟ وعلى من انتصرت هذه العرايشية مع غيرها؟ ولمن فازت بهكذا عبور؟ هل على وطنها؟ أم على ذاتها؟ نعرف أنه لو كانت هذه الشابة التي شكلت شرارة البداية طالبة في معهد عالي أو جامعة، لما فعلت ذلك، ولو كان معها دبلوم بسيط أو درجة علمية رفيعة، لما أقدمت على فعلتها، وحتى لو كانت تتوفر على دبلوم مهني، لما فعلت كذلك، لا هي ولا غيرها، لأن التعامل مع فكرة الهجرة سيكون حتما مغايرا، ويختلف عن عبور البحر أو التحليق في الجو، هناك طرق أخرى مختلفة عن المغامرة سباحة. ولكن بما أنها، كما غيرها، لا يملكون سوى سواعدهم غامروا برمي أنفسهم في البحر، ولو أنه كان من الممكن أن تخونهم قوتهم وأنفاسهم في أي لحظة، ويصبحون من الغارقين الهالكين، وحينها سيكونون مجرد طعم آدمي لسمك قرش عابر، مثل أي سفينة أو بارجة عابرة من مضيق جبل طارق نحو مجاهل زرقة المحيطات في الشرق والغرب. عموما، نحمد الله حمدا كثيرا، أن لا شيء من ذلك حصل لها ولغيرها، ولو أن الأمور لا زالت في بداياتها، والأيام القادمة ستفرج عن مآسي من دون شك، وربنا يستر من الآتي. وكما نعرف أنه حين ينتهي فعل الفرح والابتسامة، وتأثير مفعول أضواء وسائل الإعلام، وهو حتما سيمر سريعا مثل لمح البصر، ستبدأ من دون شك مرارة الواقع وآلامه. وتبدأ معه استنطاقات وإجراءات إدارية أخرى أكثر تعقيدا، وقد تكون في بعض الأحيان ذليلة، كما رأيناها في أكثر من مناسبة في مراكز الاستقبال الإسبانية. أحمد الله من جهتي كمواطن مغربي على سلامتها، مهما كانت الدوافع والظروف، وأرجو لها كما لغيرها حظا موفقا، مع كل الأمل في أن تجد في الضفة الأخرى عملا يليق بها، وألا ترتمي مرة أخرى مع غيرها في مغامرات وتهلكات الغربة. أخيرا، نرجو خيرا لهذه البلاد التي نحبها، مهما جار مسؤولوها علينا، “والله يصوبها من عندو وصافي”. ديما مغرب..!!
#ادريس_الواغيش (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
-هكذا عرفت الصحراء، رحلات مثيرة بين فاس والكركارات- جديد إصد
...
-
مُونديَال 2026 بعَين العَقل...!!
-
هل أصبحتُ تافهًا…؟!
-
خنيفرَة تحتفي بتجربَة المساعدي النقديّة ومُنتسب القصصية
-
المُضمَرُ في سُلوك الحُكومَة: منكُم.. ليهُم...!!
-
صرُوح يَحتفي بشعريّة أمَل برّادَة
-
طبيعَة الحُمق المَغربي...!!
-
مع أمّي في الحي الإفرنجي
-
أصغَرُ من نملة في الصّحرَاء
-
مَلامِحُ الوَداع
-
إيران، بُطولة واهمَة...!!
-
مَعهدُ صُروح يُكرّم الأديب والإعلامي بوهلال بفاس
-
خَسِرنا الكأس، ورَبحنا هَويّتنا...!!
-
معهد -صروح- يحتفي بالشعر واللغة العربية
-
هاتُوا المَغرب، هاتُوا الكأس...!!
-
مهرجان تاونات يحتفي بالشاعر إدريس الجاي
-
مَعهد صُروح يُقاربُ أنسَاق الوَاغيش الأدبيّة
-
برّاد شاي صَحراويّ في الڭرڭارات
-
مسابقة إدريس الجاي الشعرية في نسختها الأولى
-
جيلُ -زِدْ- الذي يُمثّلني
المزيد.....
-
ليبيا تسترد آثارها المنهوبة وتصارع لإنقاذ تاريخها من الخطر
-
دعوى بـ105 ملايين دولار ضد نتفليكس بعد سرقة فيلم نيكولاس كيج
...
-
“سينما تحت الإبادة”.. كتاب جديد لأشرف بيدس يرصد صورة غزة في
...
-
بعد الجدل الواسع... نقابة الفنانين توضح حقيقة منع إدخال الآل
...
-
نسيان اللغة الثانية بسبب الخرف يؤثر علي رعاية المسنين
-
ندى يافي: -في فرنسا تعرضت اللغة العربية للتشويه ووصفت بأنها
...
-
مصر.. تامر حسني يعلن وفاة والده الفنان المعتزل حسني شريف
-
كارول سماحة تطلق كليب -يا حظي-.. وتدخل عصر الذكاء الاصطناعي
...
-
كيجي.. عمارة خشبية صُنعت بالفأس واشتهرت ببنائها -من دون مسام
...
-
الناطور ينفي والخاني يطالب بتوضيحات.. جدل في الوسط الفني الس
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|