مصدق الحبيب
الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 22:08
المحور:
قضايا ثقافية
تتلمذ الاقتصادي الإنگليزي آرثر پيـگو على يد مارشل. وقد كان تلميذه المفضل لذكائه وتفوقه بحيث أن مارشل، كرئيس لقسم الاقتصاد، أعطاه الفرصة ان يحاضر في القسم، مباشرة بعد تخرجه وهو بسن الرابعة والعشرين. كما انه جعل منه خليفته في رئاسة القسم وهو في الثلاثين من عمره. ولذا فقد عُرِفَ پـيگو بالتصاقه بمنهج مارشل واخلاصه لفلسفته في التدريس والبحث. كان يردد غالبا على طلابه: “أي شيء تسألون عنه في الاقتصاد سترون جوابه عند مارشل". وكما كان وفاؤه لمارشل، فقد اهتم بطلابه وحرص حرصا شديدا على أن يخرّج نخبة بارزة من الاقتصاديين الشباب الذين قادوا فيما بعد، مسيرة الاقتصاد في القرن العشرين. وقد ساهم حماسه وحماس طلابه في زرع البذرة الاولى لما سُمّي لاحقا بـ "مدرسة كمبردج في الفكر الاقتصادي Cambridge School of Economic Thought. وكذلك تسمى
The Cambridge Neoclassicals أو The Marshallian School.
ولد آرثر في مدينة رايد Rydeالواقعة على الساحل الشرقي من جزيرة وايت Isle of Wightفي جنوب انگلترا. كان أبوه ضابطا في الجيش وأمه منحدرة من عائلة بارونات معروفة. دخل مدرسة هارو Harrow العريقة في لندن، فكان تلميذا مجتهدا مهذبا فاز بجوائز مدرسية عديدة، اضافة الى بروزه في النشاطات الاجتماعية. أختار ان تكون دراسته الجامعية في الفلسفة والاخلاق، ثم تفرغ لدراسة الاقتصاد في كلية الملك بكمبرج، والتحق بهيئتها التدريسية عام 1901. بعد ذلك أصبح زميلا في الكلية بعد عام واحد فقط، أي في عام 1902، وفي العام التالي، 1903 فاز بجائزة آدم سمث. بعد ذلك حصل على درجة الاستاذية عام 1908 فاستلم مباشرة رئاسة قسم الاقتصاد، خلفا لمارشل الذي تقاعد من عمله الجامعي في ذلك العام.
كان آرثر رجلا مبدئيا مخلصا في عمله ومعروفا بقيمه الاخلاقية العليا التي غالبا ما كانت سببا لمتاعبه الشخصية التي تحملها نظرا لالتزامه بمسؤوليته. فحين اندلعت الحرب العالمية الأولى رفض الانخراط في القوات المسلحة البريطانية لأنه كان كارها للحروب ولفكرة القتال ضد ابناء جنسه والتي لا تجلب، في اعتقاده، الا الموت والخراب. لكن انصياعه للواجب الوطني جعله يقبل ان يصبح سائقا لسيارات الاسعاف مع الاحتفاظ بعمله كأستاذ جامعي. وفي هذا الصدد أيضا كان آرثر كارها لعمله في اللجان الوطنية العليا. فقد انتدب للعمل في لجنة كونليف الوطنية للتبادل التجاري لعامي 1918 و1919 واللجنة الملكية لضريبة الدخل لعامي 1919 و1920 ولجنة چيمبرلن للنقود والبنوك لعامي 1924 و1925. فلم ير لنفسه المكان المناسب في هذه اللجان عالية المستوى لما يسود فيها غالبا من تدخلات سياسية ونفاق وتدليس. وحتى الاكاديمية البريطانية التي منحته عضويتها عام 1925 استقال منها. ومع تركه العمل في كل تلك اللجان فضل ان يبقى أكاديميا مستقلا منصرفا فقط للتدريس والبحث.
إضافة الى ذلك، فإن آرثر انتمى الى الأكاديميين الاوائل الذين استهوتهم فكرة ان لعلم الاقتصاد رسالة انسانية هي خدمة المجتمع وتحسين احوال معيشة الناس. فهو القائل بأن الاقتصاد عبارة عن نشاط يحمل ثماره الطيبة معه. ولذا فقد اشتغل على عدة محاور اقتصادية كالدورة الاقتصادية واقتصاد المالية العامة والتبادل التجاري والارقام القياسية وطرق تقدير الناتج القومي. وقد تركزت جهوده على مجالين أصبحا فيما بعد الموضوعان اللذان يشيران لمساهماته المتميزة، وهما اقتصاد الرفاه ونظرية العمالة.
ولابد لي هنا ان اشير الى الترجمة العربية التي ورثها تلميذ الاقتصاد والقارئ العربي لهذين المصطلحين التي لا أراها ترجمة دقيقة. فاقتصاد الرفاه في هذا الصدد Economics of Welfare لا يقصد به اقتصاد السعادة والترف، انما اقتصاد الصالح العام، حيث يقول التعريف الانكليزي بانه فرع الاقتصاد الذي يعالج ما يجنيه المجتمع من الفوائد والاضرار المترتبة على تبني القرارات والسياسات الاقتصادية من قبل الحكومات والمؤسسات، العامة والخاصة. أما الترجمة العربية لكلمة Employment التي ترد في الكتب المدرسية بـصيغة “العمالة" فهي الأخرى ترجمة غير موفقة لأنها تعطي معنى الاشتغال كعميل لجهات اجنبية! ومن السهل ان يهمل القارئ انها مشتقة من "عمل، يعمل، فهو عامل، وليس عميل". أعتقد ان الترجمة الأدق هي الاستخدام، والمقصود به استخدام الموارد واستثمارها، وعنصر العمل هو واحد من عناصر الانتاج، كالأرض والمال.
في عام 1912 نشر پيگو كتابه الموسوم "الثروة والرفاه" والذي أصدر نسخة منقحة وموسعة منه عام 1920 بعنوان "اقتصاديات الرفاه" الذي كان بمثابة الهوية الفكرية لـ پيگو، بما شمل من طروحات جديدة اُعتبرت كمساهمات قيمة لأدب النظرية الاقتصادية. في هذا الكتاب أولى پيگو اهتماما خاصا بإعادة صياغة وتوسيع وتطوير مفهوم مارشل الـ Externalities والمقصود به الآثار الجانبية، الايجابية والسلبية، الناتجة عن تطبيق القرارات والسياسات الاقتصادية. فبدلا من ألا يعير لها اهتماما متخذو القرارات وراسمو تلك السياسات ولا ينتبه اليها المجتمع، أشار پيگو الى اهميتها واهتم بمعالجتها. وتماما كما تعالج الادوية في الغالب عرضا مرضيا رئيسيا ولا تأبه بالأعراض الجانبية، يحدث هذا أيضا على صعيد الاقتصاد نتيجة لاتخاذ أي قرار اقتصادي. والقيمة الحقيقية لهذه الآثار الاقتصادية الجانبية هي الكلفة المفروضة على الآخرين أو المنفعة المتحققة لهم، والتي لم يُحسب لها حساب لدى من سببها وهو يخدم غرضا معينا لمشروع ما.
لنفترض اننا نتحدث عن بناء مطار في مدينة ما. فلهذا المشروع، اضافة لمنفعته الاصلية بتوفير خدمات النقل الجوي، اضرار كثيرة تلحق بالمنطقة، وكذلك فوائد جانبية غالبا ما لم تؤخذ بالحساب الاقتصادي. فمن الاضرار الرئيسية التأثير على نقاوة الجو في المنطقة المحيطة بالمطار بسبب الكم الهائل من الغازات المنبعثة من محركات الطائرات، وكذلك المضايقة والازعاج لسكان المنطقة بسبب الضوضاء الناتجة جراء اقلاع وهبوط الطائرات، اضافة الى ضغط المرور الاضافي على الطرق والجسور وما ينتج عنه من ازدحام واختناقات واستهلاك لتلك الطرق والجسور. أما الفوائد فقد تكون في هيئة الانتعاش الاقتصادي للمنطقة المتمثل بالحاجة الى المزيد من الفنادق والمطاعم والمحلات التجارية وشركات النقل، والسياحة والاتصالات، وحركة المال، ونشاط البنوك، وغيرها. ولابد ان تكون تلك الاضرار مكلفة، فمن يتحمل مسؤوليتها؟ كما ان الفوائد ينبغي ان تـُشجع وتـُدعم لتخرج من نطاقها الفردي الى نطاق المجتمع الاوسع. وهنا يقترح پيگو بأن الكلفة ينبغي ان تدفع على شكل ضرائب اضافية تفرض على ذلك المشروع. وبذلك ستتجنب المدينة او الولاية تحملها. أما الفوائد فينبغي ان تدعم من قبل الحكومة شريطة ان تتوسع ليجني منها المجتمع ثمارا أكثر. وهذه الضرائب والاعانات المقترحة هي التي عرفت فيما بعد بـ :
Pigouvian tax and Pigouvian Subsidy.
هناك امثلة اخرى على هذه الآثار الاقتصادية الجانبية ومعالجتها بالضرائب والاعانات تبعا لسلبياتها أو ايجابياتها. منها مثال حول حريق في غابة يندلع بسبب الشرار المنبعث من ماكنة القطار المار عبر الغابة! فمن المسؤول عن ذلك؟ ومن سيعمل على حصر الحريق ومنعه من الانتشار؟ ومن ذا الذي يدفع الكلفة التي يسببها الحريق؟ مثال آخر حول مصنع للورق يُنشأ على ضفة نهر ليطرح فضلات الانتاج في النهر، علما ان النهر هو المصدر الوحيد لماء الشرب للقرية القائمة على ضفتي النهر وعلى مسافة ليست بعيدة من المصنع. هذان المثالان يركزان على الآثار السلبية التي تفوق بكثير اي آثار إيجابية.
كما يعطي پيگو مثالا عن الآثار الايجابية التي قد تنفرد بنفسها والتي تتمحور على التمييز بين المنفعة الفردية والمنفعة الاجتماعية. فيأخذ طالبا يمول ذاتيا تعليمه الاولي من اجل هدف واحد هو حصوله على عمل يعيله. يقول پيگو ان الطالب يتعلم لهدف فردي وربما لا يدري ان المجتمع سيستفيد من ذلك ايضا، ومن المنطقي ان يقوم المجتمع بدعم وتشجيع هذا الطالب وطلاب غيره ويحفزهم ان يزيدوا من مستوى تعليمهم او يتلقوا برامج تدريب اضافية من اجل ان تزداد الفائدة الجمعية. وطبيعي ان يحدث ذلك عن طريق تقديم الزمالات والبعثات والمنح الدراسية التي تمول ذلك التعليم الاضافي من اجل المنفعة الفردية والاجتماعية معا.
يرى پيگو ان الآثار الاقتصادية الجانبية تقدم التبرير المفحم لتدخل الحكومة والالتزام بمسؤوليتها تجاه المجتمع عن طريق رسم السياسة وتنفيذها، وتمويلها، وادارتها، ومراقبتها. وذلك عندما تبرز الحاجة في الحالتين:
- الآثار الاقتصادية الجانبية السلبية Negative Externalities التي تـُعالج بالضرائب، و
- الآثار الاقتصادية الجانبية الايجابية Positive Externalities التي تـُعالج بالإعانات.
وهو هنا يخرج عن فلسفة الـ Laissez Faire واليد الخفية التي تنظم شؤون اقتصاد السوق الحر الذي ينبغي ان يترك لوحده دون اي تدخل حكومي. وپيگو كغيره من الاقتصاديين الذين خرجوا عن هذه الفلسفة يرى ان اقتصاد السوق الحر لابد ان يخفق هنا وهناك، وحين يخفق في أمر ما سيكون من واجب الحكومة التدخل لمعالجة الخلل. فالغرض الاول من ذلك هو ارجاع التوازن الذي قد يتطلب عدالة التوزيع باستخدام الضرائب والاعانات كأدوات تسوية بيد الدولة من اجل اعادة التوزيع أو تحفيز الانتاج وزيادة الاستخدام. وهذا الاعتقاد ناجم عن ايمان آرثر بمبدأ ان الدولة، وباستشارة الاقتصاد، تستطيع رفع الحيف عن المواطنين وتحسين حالتهم الاقتصادية واحلال العدالة الاجتماعية. وما على الاقتصاديين الا ان يرسموا الطريق الصحيح ويحددوا الخطوات والادوات لتحقيق ذلك. يعتبر پـيگو هذا الهدف بالنسبة له أسمى من الانشغال بالتنظير لمجرد تسجيل المساهمات الابتكارية في النظرية الاقتصادية. ومن الجدير بالذكر هنا هو الاشارة الى اختلافه في هذا المجال مع صديقه القريب جون مينرد كنز حول دور الدولة في الاقتصاد! أو ربما بمعنى أدق دور الاقتصاد في الدولة.
ومما ينبغي ذكره هنا هو ان اقتصاديي الرفاه الذين برزوا بعد الكساد العالمي تجاوزوا طروحات پـيگو حول الآثار الاقتصادية الجانبية ومعالجتها بالتدخل الحكومي عن طريق استعمال الضرائب والاعانات كأدوات لتصحيح الانحرافات المتأصلة في اقتصاد السوق. المثال الابرز على ذلك هو مقالة الاقتصادي رونالد كوس Ronald Coaseالحائز على جائزة نوبل عام 1991. تضمنت مقالته الموسومة "مشكلة الكلفة الاجتماعية" والمنشورة عام 1960 انتقادا صريحا لنظرية پـيگو في الآثار الاقتصادية الجانبية ومعالجته المقترحة لها. يعتقد كوس انه لا داعي ابدا الى التدخل الحكومي لمعالجة تلك الآثار! اذ ان من المثمر ان تدخل الاطراف المعنية في المفاوضات وتصل الى التسوية دون جر الحكومة الى هذا الامر. ويأخذ مثال پـيگو حول مصنع الورق فيقول لو يعطي نظام اقتصاد السوق الاهمية لتوزيع الملكية وتنظيمها لأصبحت حلول هذه المشاكل بسيطة. فمثلا لو ان كل ضفاف النهر معلومة الملكية، والحقوق مسجلة لأصحابها لأصبح موضوع انشاء مصنع الورق على ضفاف النهر قضية قانونية يترافع فيها الطرفان بموجب القانون فتكون ادارة المصنع امام حقوق استخدام ماء النهر العائدة للسكان. هذا إذا لم يصل الطرفان الى تسوية خاصة بالتفاوض بينهما. فاذا شعرت ادارة المصنع ان طلبات السكان باهضة ولا يمكن تحملها، سيعزفون عن تنفيذ خطة بناء المصنع في ذلك الموقع. وواضح ان كوس ومن يؤمن بطروحاته هم اولئك الذين يقفون ضد التدخل الحكومي وسن القوانين والقواعد والاجراءات العامة المعروفة بـ Regulatory policies. وهذا هو الاتجاه الذي اتسع خلال الستينات من القرن المنصرم وبعدها، والذي أدى الى ظهور مدرسة الخيار العام Public Choice School في الاقتصاد التي تعترض على رمي كل الامور بيد الدولة، خاصة وإن اصحابها يعتقدون ان نصيب فشل الحكومات في حل المشاكل الاقتصادية لا يختلف كثيرا عن نصيب القطاع الخاص، بل ربما كانت دوائر الحكومة أقل كفاءة.
الموضوع الثاني المهم الذي تميز به پـيگو هو نظرية الاستخدام والبطالة. في عام 1913 نشر پـيگو بحثه عن البطالة، والذي نقحه وطوره ووسعه خلال العشرين سنة اللاحقة فنشره عام 1933 بعنوان "نظرية البطالة"، والذي تضمن آراءه الاساسية في هذا الموضوع. ورد في موسوعة العالم الجديد ان نظرية پـيگو هنا تستند على أساسين هما:
- ان الاجور ينبغي ان تساوي الناتج الحدي للعمل
- وان منفعة او قيمة الاجور للعامل عند قبوله العمل تساوي المنفعة او القيمة الحدية فيما لو لم يقبل العمل. وبتعبير اوضح ان قيمة الاجر بالنسبة للعامل يجب ان لا تنخفض دون الحد الادنى المقبول لديه في ذلك الظرف. اذ انها لو انخفضت عن ذلك فلا يكون للعامل الحافز لقبول ذلك العمل.
وقد تحدث پـيگو عن مرونة العمل، وبالأخص مرونة الطلب على العمل من قبل اصحاب العمل والشركات والمصانع. والمرونة هي المفهوم الذي يصف مدى استجابة كمية العمل المطلوبة تبعا للتغيير في معدلات الاجور. تكنيكيا يمكن حساب هذه الاستجابة بقسمة نسبة التغيير المئوية في كمية العمل المطلوبة على نسبة التغيير المئوية في الاجور، زيادة ونقصانا. وبموجب النتائج الرقمية فقد جرى تصنيف المرونة تبعا لقيمتها. فاذا كانت قيمتها أكثر من واحد، فهي توصف حالة الاستخدام او التشغيل بانها "مرنة". وهذا يعني ان الطلب على تشغيل العمال يستجيب بشكل ايجابي وأكبر من معدل انخفاض الاجور، كما يستجيب بشكل سلبي وأكبر من معدل ارتفاع الاجور. أما إذا كانت قيمة المرونة اقل من واحد فإن الطلب على التشغيل سيوصف بانه "غير مرن".
لنأخذ مثالا رقميا نفترض فيه ان العمال في مكان ما سيقبلون اجورا اقل من ذي قبل بنسبة 10%، فماذا ستكون استجابة اصحاب العمل بالنسبة لتشغيل العمال؟ فاذا اقبلت ادارة العمل على زيادة التشغيل بنسب أكثر من 10% فان مرونة الطلب على العمل تكون "مرنة"، والعكس صحيح، اي إذا كانت استجابة الادارة هي زيادة التشغيل بأقل من 10% ستكون مرونة الطلب على العمل "غير مرنة".
وقد قام پـيگو فعلا بتقدير مرونة الطلب على العمل في بريطانيا فوجدها بين 3 و4 %. كما كان من دواعي الصدف ان يحصل الاقتصادي الامريكي پول دَگلـَس Paul Douglas على تقديرات مشابهة عن مرونة الطلب على العمل في أمريكا. ان ما تعنيه هذه المرونة هو انه لو اُ تخذ قرار برفع اجور العمال بنسبة 1% فان رد فعل اصحاب العمل سيكون تخفيض عدد العمال او ساعات العمل بنسبة 3-4 %، وبذلك سيُحبط قرار زيادة الاجور بالمعنى الاجمالي وسوف لن يتحقق هدف رفع الحيف عن العمال والكادحين ورفع مستوى معيشتهم. والعكس سيحدث ايضا فلو فرضنا ان العمال وافقوا على تخفيض اجورهم بنسبة 1% فسيندفع اصحاب العمل لزيادة التشغيل بنسبة 3-4% من اجل انتهاز فرصة تخفيض كلفة الانتاج وتحقيق ارباح أكثر، لكن ذلك سوف لن يكون لسعادة العمال! ولولا اضطرارهم لما قبلوا بتخفيض اجورهم.
كان پـيگو زميلا وصديقا حميما لجون كنز. ورغم اختلافه الفكري معه فقد حافظ على روح الاحترام والتعاون حتى انه ساعد كنز بمبالغ كبيرة اثناء بحثه ونشره لنظرية الاحتمال. لكن كتاب كنز " النظرية العامة للاستخدام والفائدة والنقود" المنشور عام 1936 والذي أحدث تغييرا كبيرا في السياسة الاقتصادية، ليس فقط في بريطانيا، بل على المستوى الدولي، تضمن انتقادا واسعا لطروحات پـيگو! حتى انه ذكر پـيگو 17 مرة في معرض نسف افكاره في الاستخدام والبطالة والنقود والتدخل الحكومي. وقد رَدّ پـيگو على ذلك عدة مرات وفي مناسبات مختلفة. ومن موقفه المخالف لكنز اكتسبنا ما سمي ب "تأثير پـيگو" Pigou Effect المقصود به تحفيز الناتج الوطني ورفع مستوى الاستخدام والاستهلاك في اوقات الانكماش وانخفاض الاسعارDeflation. وقد اوضح پـيگو في ذلك الموقف علاقة الاسعار بالإنتاج والتشغيل والاستهلاك، حيث يعتقد پـيگو بأنه في وقت الانكماش وانخفاض الاسعار، سيعود الاقتصاد الى حالته الطبيعية وسيكون متوازنا أكثر مما يعتقد كنز. اذ ان مستويات الاسعار المنخفضة ستعني زيادة عرض النقود وارتفاع الميل الحدي للادخار والاستثمار الذي سيؤول الى زيادة التشغيل وبالتالي زيادة الانتاج وتوزيع أوسع للدخول التي سيذهب اغلبها الى الاستهلاك! وبخلافه، فعندما ترتفع الاسعار للمستوى التضخمي، ينخفض الميل الحدي للادخار ويهبط الاستثمار والانتاج وتنخفض معدلات التشغيل أكثر، وكذلك الاجور والدخل الاجمالي فيصبح المجتمع غير قادر على شراء السلع المتوفرة في السوق.
من الموضوعات التي اهتم بها پـيگو هو موضوع التفريق بين مفهومي صافي الناتج الخاص الحاصل نتيجة للقرارات الاقتصادية التي يتخذها الافراد وصافي الانتاج الاجتماعي الحاصل نتيجة للقرارات الاقتصادية التي يتخذها المجتمع. وكذلك بين الناتج الحدي الخاص والناتج الحدي العام. واوضح ان في اقتصاد السوق والمنافسة الحرة، غالبا ما تتخذ القرارات الاقتصادية العامة من اجل تعظيم المنفعة الفردية المختلفة عن المنفعة العامة. وهذا ما ينبغي معالجته من قبل الدولة. فمثلا احدى وسائل تحقيق الصالح العام هي تحويل جزء من دخول الاغنياء الى الفقراء عن طريق الضرائب والذي له آثر مضاعف حيث ان القيمة الحدية للدولار عند الفقير تكون اعلى من قيمتها الحدية عند الغني مما يسفر عن الاستخدام العقلاني للدخل وتحسين الحالة المعاشية للكادحين والمعدمين والذي سينسحب على تحسين الانتاج عموما وزيادة الانتاجية والمنفعة العامة للجميع. كان پـيگو متأثرا تأثيرا كثيرا بلبرالية جيمس مِلْ، حيث كان يؤمن بالفرد الذي تقيّمه عقلانيته وموضوعيته وسعيه المخلص واحترامه للقانون. وكان يرى انه كلما تهذب الفرد تهذب المجتمع وكلما كان المجتمع مهذبا كانت حكومته كذلك، أو تُجبر لترتقي الى مسؤوليتها العليا في حماية المجتمع والعمل الجاد من اجل الرفاه العام.
كان لپـيگو اصدقاء كثيرون تربطهم علاقات المودة والانسجام والتعاون المشترك رغم انه لم يتزوج! وكانت هوايته المفضلة تسلق الجبال مع مجموعة من الاصدقاء، وهي الهواية التي لم يعد قادرا على ممارستها بعد ان اصيب بمرض القلب وأصبح ملازما لبيته.
في عام 1943 استقال من رئاسة قسم الاقتصاد في كمبرج لكنه بقي يحاضر هناك كلما استطاع ولحين وفاته عام 1959.
مصـــادر مختـــارة
Aslanbeigui,N. &Oakes, G. (2015). Arthur Cecil Pigou. Palgrave MacMillan.
https://aede.osu.edu/sites/aede/files/publication_files/%20A%20Biography%20of%20Arthur%20C.%20Pigou.pdf
https://competitionandappropriation.econ.ucla.edu/wp-content/uploads/sites/95/2017/09/PigouNewPalgrave2008.pdf
https://edisciplinas.usp.br/pluginfile.php/4154221/mod_resource/content/0/Pigou-The_Economic_of_Welfare_1920.pdf
https://en.wikipedia.org/wiki/Arthur_Cecil_Pigou
https://www.britannica.com/money/Arthur-Cecil-Pigou
https://www.econlib.org/library/Enc/bios/Pigou.html
https://www.hetwebsite.net/het/profiles/pigou.htm
Johnson,H.G. (1960). Arthur Cecil Pigou, 1877-1959, The Canadian Journal of Economics and Political Science, pp. 150-155 (6 pages)
Pigou, Arthur Cecil (1906). Protective & Preferential Import Duties. New York: MacMillan
Pigou, Arthur Cecil (1912).Wealth and Welfare, . London: MacMillan and Co., Ltd.
Pigou, Arthur Cecil (1920). The Economics of Welfare . London: MacMillan and Co., Ltd.
Pigou, Arthur Cecil (1922).The Political Economy of War, . London: MacMillan and Co., Ltd.
Pigou, Arthur Cecil (1933).The Theory of Unemployment, . London: MacMillan and Co., Ltd.
#مصدق_الحبيب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟