مصدق الحبيب
الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 22:12
المحور:
قضايا ثقافية
يعتبر الاقتصادي النمساوي كارل منگر ثالث اقتصاديي الثورة الحدّية، جنباً الى جنب مع جِڤنز وڤلراس. وهو الذي عرف بكونه مؤسس المدرسة النمساوية في الاقتصاد، وصاحب النظرية الذاتية لقيمة العمل.
ولد كارل مَنگر عام 1840 في گاليسيا Galicia التي كانت ضمن الاقليم النمساوي-الهنگاري والتي اصبحت الآن جزءً من جنوب پولندا. کانت عائلته موسرة الحال وكان ابوه واخواه محامين بارزين. أنهي دراسته الابتدائية والثانوية المتقدمة في گاليسيا وذهب لدراسة القانون في جامعتي براغ وڤيينا، ثم حصل على الدكتوراه في القانون من كراكوڤ Krakow عام 1867، وفيما بعد نال درجة الاستاذية من جامعة ڤيينا عام 1873، وهي الجامعة التي بقي فيها أستاذا وباحثا لأكثر من ثلاثين عاما. خلال عقد الستينات من القرن التاسع عشر، عمل مَنگر كصحفي متخصص بالمواضيع الاقتصادية فتركزت تقاريره ومقالاته على السوق الاقتصادية والمالية وتقلباتهما. كان هذا العمل هو الذي أثار فضوله حول الاقتصاد وحول مدى انطباق النظريات الاقتصادية على الواقع العملي، خاصة بما يتعلق بالأسعار، وكيف ومَن يقررها ويغيّرها صعودا ونزولا. ولذا فقد بدأ بدراسة الاقتصاد دراسة واعية تمخضت عن اكمال ونشر كتابه الشهير "مبادئ الاقتصاد" المنشور عام 1871.
في عام 1876 إنتـُدبَ ليكون معلما خاصا لأمير البلاد وولي العهد الشاب رودولف هابسبرگ، وليتولى إعطائه محاضرات خاصة مكثفة فی الشؤون الاقتصادية والقانونية والسياسية. وكذلك ليرافقه في زياراته الرسمية عبر أوروپا. وقد استمر في عمله هذا لمدة ثلاثة عشر عاما، لازم فيها الأمير بشكل متواصل ولحين انتحار الامير مع عشيقته القاصرة في فضيحة ما سُمي بحادث ميرلنگMayerling Incidence. عامان بعد هذه الصدمة أوكل اليه الامبراطور فرانز جوزف، والد الامير رودولف، مهمة رئاسة قسم الاقتصاد في جامعة ڤيينا. كما كلفه ايضا برئاسة اللجنة الوطنية لإصلاح النظام النقدي في النمسا عام 1889. استقال من منصبه كرئيس لقسم الاقتصاد في جامعة فيينا عام 1903 وأراد ان يمضي ما تبقى له من عمر بالراحة والاسترخاء.
عُرف مَنگر باختلافه مع زملائه الحديين حول وحدة القياس الحدية التي استنبطوها وأسموها بالـ "يوتل"Util ، وهي وحدة قياسية لتقدير المنفعة التي يستمدها المستهلك جراء استهلاكه او استخدامه لسلعة ما. يرى مَنگر ان هناك صيغا واغراضا مختلفة للانتفاع من أي سلعة ولذا فلا يصح تطبيق وحدة ثابتة لقياس مديات الانتفاع المتباينة. فمثلا، إذا اعتبرنا منفعة وحدة قياس لكمية من الماء، سندرك بأن الاستعمالات المختلفة لهذه الكمية من الماء بالنسبة لشخص ما في ظرف ما ستأخذ ترتيبها حسب الاهمية، من اطفاء العطش وتحضير الطعام الى غسل الصحون ثم غسل الملابس وثم، وثم، وربما اخيرا الى سقي الازهار. وبالتأكيد ستختلف المنفعة حسب درجة الاشباع الذي سيتناقص من الوحدة الأولى الى الوحدة الأخيرة باختلاف الوحدة لكل غرض من أغراض الاستعمال. فمثلا إطفاء العطش يتم بأقداح، ولكن الماء المطلوب لغسل الملابس قد يقاس بالدلو. ولذا فانه ليس من المنطقي ان تستطيع اي وحدة قياس ثابتة كالـ "يوتل" أن تفي بالغرض لقياس المنفعة لجميع تلك الاغراض المختلفة.
كما انه اختلف مع الكلاسيكيين حول قيمة السلعة المقد رة بناءً على قيمة العمل. فقد رأى بأنهم أهملوا قيمة السلعة الاستعمالية وركزوا فقط على قيمتها التبادلية في السوق. ولكن إذا اعتبرنا القيمة الاستعمالية فان السلعة ستثمن بمقدار قابليتها على اشباع حاجة المستهلك، وبغض النظر عن كمية العمل المبذول في انتاجها. ومن هذا المنظور ذهب مَنگر الى تفسير معنى ونشأة النقود والاسعار فاعتقد ان كل العلاقات الاقتصادية مرتبطة بديناميكية السبب والنتيجة والتي تتمحور حول حاجات الانسان وطرق اشباعها. وهنا فانه اختلف مع المفهوم الارسطوطاليسي للتبادل القائل بأن الناس يتبادلون السلع ذات القيم المتساوية لديهم. لكن مَنگر يرى ان الاصح هو ان الناس يبادلون ما له قيمة أقل عندهم بما هو أكثر قيمة في نظرهم، الامر الذي يثبت جدوى التبادل ومنفعة الطرفين منه. ومن هذا التبادل نشأت النقود كأداة لقياس القيم المتبادلة، ونشأت الحاجة الى الطرف الثالث الوسيط من أجل احداث وتسهيل عملية التبادل التي غالبا ما تكون من الصعب ان تحدث لوحدها.
كذلك فان مَنگر أغنى مناقشة "متناقضة الماء- الماس" التي حيّرت آدم سمث، والملخصة بالسؤال: كيف للماس الذي ليس له حاجة ملحة على الاطلاق ان يتمتع بسعر عالِ جدا بينما ليس هناك أي سعر للماء وهو الذي تعتمد عليه حياة البشر؟ لقد فسّر مَنگر هذا التناقض بناءً على المفاهيم الحدية، وبالذات عن طريق التفريق بين المنفعة الكلية Total Utility والمنفعة الحدية Marginal Utility. فالماء، اساس الحياة يتمتع بالطلب العالي لكنه رخيص أو مجاني لان منفعته الحدية واطئة جدا بسبب وفرته، لكن منفعته الكلية عالية جدا بسبب ضرورته الحاسمة. أما الماس الذي ليس له أي منفعة عملية والمطلوب من قبل القلة القليلة من الناس يكون سعره غالي جدا ذلك ان منفعته الحدية عالية جدا بسبب ندرته ومنفعته الكلية واطئة جدا بسبب قلة فائدته العملية. وهنا، فإن الوفرة والندرة يشيران الى العرض الذي يسهم في تحديد قيمة السلعة التبادلية جنبا الى جنب مع الطلب عليها. وبالنسبة للسعر فإن مَنگر يعتقد بأنه يمثل حلقة الاتصال بين القيمة الذاتية التي يقررها المستهلك لسلعة ما نظراً لأهميتها له وبين القيمة الموضوعية التي تتقرر في السوق نظراً لحسابات المنتج وعوامل العرض والطلب في السوق. وهكذا يصبح السعر وسيلة لقياس قيم السلع والخدمات. كما انه يفسر نشوء النقود كنتيجة لعملية تلقائية عضوية أوجدتها ضرورة التبادل السلعي والخدمي، تماما مثل نشوء اللغة بين البشر، كوسيلة لتسهيل تفاهمهم وتفاعلهم فيما بينهم. فالنقود إذاً عبارة عن سلعة ايضا، وهي السلعة الاكثر تداولا وتبادلا.
في هذا الصدد قدّم لنا مَنگر تفسيرا أوسع وأدق مما قدمه آدم سمث في "ثروة الأمم" حول نشوء النقود، وهو التفسير الذي ما زلنا نعتمده الى وقتنا هذا. يعود مَنگر الى مسألة المقايضة بين الافراد والعائلات التي كانت معتمدة قديما كطريقة للحصول على ما يسد حاجاتهم، وهي النقطة التي كانت بداية الانطلاق في قصة النقود. يبين لنا مَنگر انه لو أراد المرء مثلا ان يقايض شيئا معينا يمتلكه ولا يحتاجه بشيء آخر محدد ولديه حاجة له، ولنقل انه يريد ان يقايض اناء للطبخ بمصباح. هذا الامر قد يحدث وقد لا يحدث، وذلك لصعوبة توافق الحاجات المحددة وتزامن وقت المقايضة. وقد ينتظر المرء حدوث هذه المقايضة زمنا طويلا أو الى الابد. ولكن بالتجربة والمراس تعلم الناس بأن مثل هذه المقايضة المحددة قد تسهل وتتم إذا مرت عبر مقايضات ثانوية أخرى تقود الى الهدف المنشود.
ولتوضيح المثال أكثر، لنفترض ان المرء سيقايض اناء الطبخ بفأس أو بفأس صغير ومعزق، كمرحلة أولى. أو انه يرفع من اهتمام المقايضين إذا أضاف سكينا الى الاناء. وهكذا قد تتعدد المراحل وفي نهاية المطاف قد يحصل ذلك المرء على المصباح الذي يريده. لكن هذا التحول صعب أيضا ويأخذ وقتا طويلا. وبمرور الزمن وغنى التجربة أدرك الناس بأن هناك سلعة معينة مرغوبة لدى الجميع والحاجة لها دائمة كالقمح مثلا او الرز. فمن المنطقي ان تصلح مثل هذه السلعة لمقايضة أي شيء بمجرد الاتفاق بين الطرفين على الكمية التي تساوي قيمة الشيء المقايض به. ولا شك فان هذه السلعة قد تطورت تاريخيا فكانت مثلا لدى بعض المجتمعات وفي زمن ما عبارة عن نوع من الماشية أو فرو بعض الحيوانات أو الملح أو حتى الماء. وأخيرا اصبحت هذه السلعة تقاس بالفضة أو الذهب بسبب صفاتهما الفريدة. وهذه السلعة اصبحت بعد فترة خاضعة لسيطرة الدولة ومنظمة بموجب قوانينها التي تنظم سك العملة المعدنية وإنتاج العملة الورقية، وصولا الى عصر عملات الأونلاين Online والديجتل Digital الى ان شهدنا في هذا الزمن ظهور الكربتو Crypto والبتكوين Bitcoin.
اُعتبرت نظرية السعر والنقود من صلب مساهمات مَنگر في تاريخ الفكر الاقتصادي، خاصة وانه قد نظر الى السعر كتجسيد موضوعي لظاهرة سببية تجلت في خضم محاولات اشباع الانسان لحاجاته. وهذا هو ما أكده الاقتصادي جوزيف شومپيتر حين قال:
" ان ما وصفه مَنگر حول نشوء مفهوم السعر لايصور فقط عملية اشباع الانسان لحاجته انما يفسر ايضا بقية الظواهر الاقتصادية المعقددة في اقتصاد التبادل". (Schumpeter (1954,.
كان ذلك انعكاسا مباشرا لما أكد عليه مَنگر من ان على المرء، مستهلكا كان ام منتجا، ان يمتلك المعرفة اللازمة لاتخاذ قراراته الاقتصادية. ويقصد وعيه الاقتصادي ومعرفتة بالسلعة التي يشتريها وبسعرها وبكلفتها وبكل علاقات السبب والنتيجة المتعلقة بعملية التبادل وما يترتب عليها من آثار اقتصادية.
في شرحه لنظرية الانتاج، كان مَنگر قد صنف السلع وعلاقتها باشباع حاجات الانسان الى مراتب عليا ودنيا. فمثلا علاقة الخبز بالمستهلك لاشباع الجوع عبارة عن علاقة ذات مرتبة دنيا ، لكن علاقات عوامل انتاج الخبز بالمستهلك ستكون من علاقات المراتب العليا. وهذه العلاقات مصنفة هي الاخرى الى مراتب ثانوية فمثلا نوعية الدقيق وحالات الافران تكون من المرتبة الثانية تليها حالة المطاحن ثم نوعية القمح وحالة الحقول وعمل الفلاحين ستكون في المراتب الثالثة والرابعة والخامسة وهكذا صعودا الى اعلى المراتب التي تمثل ابعد العلاقات بالاستهلاك المباشر للخبز من قبل المستهلك. والاستنتاج الاساسي هو ان سلع المراتب العليا ستتحول تدريجيا الى سلع وخدمات المراتب الدنيا ذات الصلة المباشرة باشباع الحاجات. ما يترتب على ذلك هو ان الطلب على عوامل الانتاج (أو سلع وخدمات المراتب العليا) سيكون عبارة عن استجابة للطلب على السلع وثيقة الصلة باشباع حاجة المستهلك وهي الخبز في هذا المثال (وهي من سلع وخدمات المراتب الدنيا) التي تشبع الحاجة مباشرة. وفي هذا الايضاح يثبت منگر صحة مقولته الشهيرة بأن كل الاشياء محكومة بقوانين السبب والنتيجة التي تسري باتجاهين.
المدرسة النمساوية في الاقتصاد Austrian School of Economics:
كانت اغلب مساهمات مَنگر الاقتصادية قد وردت في مؤلفه الاساسي، "مبادئ الاقتصاد" Principles of Political Economy المنشور عام 1871 والذي لم يلقَ اي اهتمام عام في ذلك الوقت لكنه حفز بعض المتحمسين لافكاره الطليعية والذين كانوا بمثابة الاتباع القلائل الموالين له والذين نما عددهم تدريجيا وليصبح قسم منهم اقتصاديين لامعين. فبالاضافة الى الافكار الاساسية في النظرية الاقتصادية في كتاب المبادئ، كتب مَنگر ايضا في اصول وطرق البحث العلمي فكان كتابه الموسوم "تحقيق في طرق بحث العلوم الاجتماعية مع اشارة خاصة لعلم الاقتصاد" المنشور عام 1883.
أثار كتاب المبادئ ضجة كبيرة وانتقادات صارخة من قبل مجتمع الاقتصاديين في ڤيينا على أثر ما جاء فيه من آراء جريئة غير تقليدية خرجت عما كان مألوفا في الادب الاقتصادي المتداول في النمسا وألمانيا والبلاد التي تتكلم الألمانية، حيث هيمنت عليها المدرسة التاريخية الألمانية في الاقتصاد بزعامة الاقتصادي الألماني الشهير آنذاك وليم روشر William Roscher. كانت أفكار مَنكر وما جاء في كتابه من مناقشات للمفاهيم الاقتصادية السائدة قد استمالت حتى بعض طلاب روشر مثل گستاڤ شمولر Gustav Schmoller وآخرين الذين كانوا تحت نفوذه الفكري والمتعطشين للتغيير والخروج عن نمطه التقليدي فوجدوا في مَنگر ثائرا جريئا يستحق الحماس وتستحق أفكاره الطليعية ان تمثل ما هو أصيل وجدير به ان ينطلق من جامعة ڤيينا. وهكذا بدأ شمولر وبعض زملائه يكتبون دفاعا عن أفكار مَنگر وترويجا لها، حتى ان شمولر نفسه هو الذي جاء بتسمية "المدرسة النمساوية" لمنهج مَنگر ومن تبعه كإشارة لتميزها باعتبارها خارجة عن المنهج التقليدي المستتب والشائع في النمسا وألمانيا وما حولهما لزمن طويل.
ولاشك فقد اثيرت الانتقادات والاعتراضات على ذلك ولكن قام مَنگر بالتصدي الحازم لها في كراس كان عنوانه، "اخطاء المنهج التاريخي في الاقتصاد الالماني" المنشور عام 1884 والذي بدأ منه الجدال المنهجي المعروف بين المدرستين الالمانية والنمساوية. وخلال سنوات الجدال تلك كسب مَنگر رهطا آخرا من الزملاء والطلاب الذين اصبحوا فيما بعد من ألمع خبراء المدرسة النمساوية كـ يوجين بوم باڤرك Eugen von Bohm-Bawerk وفردريش ڤايزر Friedrich von Wieser الذي تنسب اليه صياغته المتميزة لقانوني تناقص المنفعة الحدية وتوازن المستهلك كما نعرفهما اليوم بعد ان ترجم وشرح ولخص ما كتبه مَنگر بنفس المعنى. وفي القرن العشرين تبنى افكار هذه المدرسة اقتصاديين متفوقين مثل لدڤگ مايزس Ludwig von Mises الذي كان طالبا لدى يوجين بوم- باڤرك وفردرش هايك Friedrich Hayek احد طلاب مايزس الذي فاز بجائزة نوبل في الاقتصاد عام 1974.
كتب الاقتصادي المعاصر پيتر بوتك Peter Boettke الأستاذ في جامعة جورج ميسن، في مقالته الموسومة "المدرسة النمساوية في الاقتصاد" والمنشورة في موقع المكتبة الاقتصادية، تلخيصا تضمن عشر نقاط تشير الى تميز المدرسة النمساوية:
1. الفرد هو المحور، والقرارات التي يصنعها والخيارات التي يتخذها هي الأساس في التحليل الاقتصادي. وبهذا ليس هناك ما يسمى بالخيار الجمعي. وهدف الاقتصاد هو فهم الكيفية التي يتخذ فيها الفرد خياراته ويعرف كيف يخدم خططه وأهدافه. كما يشمل هذا الهدف اكتشاف الكيفية التي يعالج فيها هذا العلم الآثار السلبية غير المقصودة التي قد تنتج عن عملية اتخاذ الفرد لقراراته.
2. اقتصاد السوق ونظام الأسعار يحتمّان طبيعة العلاقات التبادلية بين الأفراد والمؤسسات على أساس صيغة نقدية.
3. بينما تنشأ العلوم الطبيعية وتتطور وهي مجردة من أغراض الانسان وخططه، ترتكز العلوم الإنسانية الاجتماعية على تلك الأغراض والخطط باعتبار ان الانسان وسلوكه وافعاله هي المحور الأساسي الذي تتمحور حوله القضايا الاجتماعية، مما يجعلها علوم ذاتية Subjective فيما تبقى العلوم الطبيعية على أصولها الموضوعية Objective.
4. القيمة ذاتية بطبيعتها، ذلك انها تتقرر بموجب ما يراه الفرد. وكلفة الفرصة أو الكلفة البديلة أو الضائعة Opportunity Cost هي قيمة أفضل خيار ممكن اعتباره من بين البدائل المتاحة.
5. السعر له وظيفة أخرى في نظام السوق وهي ان يعمل كإشارة Signal تشير الى ما متوفر من معلومات في السوق حول المنتجات، وهو يعمل لطرفي المعادلة، للمستهلكين وللمنتجين على حد سواء. فمثلا حين يرتفع سعر البنزين، سيقود ذلك الارتفاع المستهلكين، اوتوماتيكيا، باتجاه ان يغيروا من سلوكهم أزاء هذه السلعة، كأن يبادروا بعقلنة استهلاكهم منها، ولا يهم من أين أتت أو كيف حدثت تلك الزيادة في السعر. المهم هو انقيادهم ليتبعوها كواقع حال.
6. بدون الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، سوف لن تكون هناك أسواق لهذه الوسائل، ولا أسعار! وبدون الأسعار التي تعكس ندرتها النسبية والمعلومات الواجب الحصول عليها، سوف لن يتمكن المخططون الاقتصاديون الذين يحرصون على الملكية العامة، من حساب كلف البدائل بطريقة معقولة، مما يؤثر سلباً على الكفاءة الاقتصادية.
7. المنافسة ليست مجرد مصطلح يتغنى به مريدوه، انما هي تمثل نظاما كاملا للنشاط الاقتصادي الذي تلعب فيه المبادرة ويلعب فيه المقاول Entrepreneur دورا حاسما في الاستثمار وبناء المشاريع وتحقيق الأرباح، ذلك ان المقاول هو الذي يعرف السوق والطلب ومكامن النجاح فيسعى لاكتشاف فرص الاستثمار الواعدة ويساعد في انطلاقها وتفعيلها وتحويل أفكار الإنتاج وامنيات المستثمرين الى سلع ملموسة تنافس غيرها في السوق وتجذب المستهلكين وتحقق الأرباح للمنتجين، وهذا ما يسري كنفع عام للعمال والمدراء والموردين وكل اطراف العملية الإنتاجية، أي المجتمع برمته.
8. النقود ليست حيادية Non-neutral والدليل على ذلك هو لو ان عرض النقود ازداد دون وجود الطلب الكافي لمواجهته، كأن تتخذ الحكومة قرارا بطبع كمية معينة من النقود، فان الأسعار ستقفز مباشرة لمواجهة هذا التغيير. لكن الأسعار عبر البلاد لا تزيد بنفس النسبة او بالتزامن مع بعضها، بل انها ستختلف في قدر الزيادة ووقتها وأمدها. وهذا التفاوت على نطاق الاقتصاد سيعني تغييرا في الأسعار النسبية للسلع Relative prices الذي سيؤثر بدوره على طبيعة وشكل ونمط التبادل التجاري والإنتاج، وهذا الأثر البليغ نستطيع ان نعزوه الى فعل النقود. أي ان النقود لها دور هام في هيكل وعمل الاقتصاد، وبهذا فهي ليست حيادية.
9. السلع الرأسمالية المنتِجة (بكسر التاء) تتميز بطبيعتها المتغايرة أو غير المتجانسة Heterogeneous والمتعددة الأغراض والمهام المحددة Multispecific. ولكي يتم التنسيق بينها وبين السلع الاستهلاكية المنتَجة (بفتح التاء)، تلعب الأسعار "المنبهة" Signaling prices دور الحَكَم الذي يعطي الإشارة في عملية التنسيق.
10. المؤسسات الاجتماعية Social institutions الفاعلة في عموم المجتمع لا تتكون بتصميم أو إرادة أحد، بل انها نتيجة جانبية By-product لأنشطة مختلفة موجودة أصلاً من اجل اهداف أخرى. وكمثال على هذا، يعطينا البروفسور بوتك مثالا اقتبسه من فردرش هايك وهو أحد أقطاب المدرسة النمساوية في مقالة له منشورة عام 1948.
لقد جاء المثال، كما يلي:
"في عز الشتاء وفي يوم تنهمر فيه الثلوج، تأمل الطالب المتأخر عن الدرس الذي يضطر ان يعبر الحديقة الواسعة التي تقع عبرها البناية التي يقصدها، بدلا من ان يستقل الطريق المنظف حولها. هو هنا يترك آثار عبوره في الحديقة المليئة بالثلوج، تلك الآثار التي سرعان ما يقتفيها الطلاب الآخرون، وبزيادة مرور الطلاب، تصبح تلك الآثار طريقا أقصر يربط طرفي الحديقة ويسلكه طلاب واناس كثيرون ولأغراض أخرى غير حضور ذلك الدرس. فهذا الطريق لم يفتحه أحد بقصد وتصميم، لكنه تكون تحت ضرورة معينة فوجده الآخرون سبيلا لتسهيل مهامهم.
تقاعد مَنگر من عمله الأكاديمي عام 1903، ولم ينتج بعد ذلك أي عمل فكري مهم لغاية وفاته عام 1921 عن عمر 81 عاما.
مصـــادر مختـــارة
Boettke, P.(1994), The Elgar Companion to Austrian Economics. Brookfield, Vt.: Edward Elgar, 1994.
Dolan, E.(1976), The Foundations of Modern Austrian Economics. Mission, Kans.: Sheed and Ward,
Ebeling, R. M.(2021), Carl Menger s Theory of Institutions and Market Processes, American Institute for Economic Research.
https://en.wikipedia.org/wiki/Carl_Menger
https://hope.econ.duke.edu/node/1657
https://mises.org/profile/carl-menger
https://oll.libertyfund.org/people/carl-menger
https://www.adamsmith.org/blog/carl-menger-founder-of-austrian-economics
https://www.aier.org/article/carl-menger-and-the-sesquicentennial-founding-of-the-austrian
https://www.britannica.com/money/Carl-Meng
https://www.econlib.org/library/Enc1/bios/Menger.html
https://www.iedm.org/82110-carl-menger-founder-austrian-school-economics/
Joseph T. Biography of Carl Menger: The Founder of the Austrian School (1840-1921),
Menger, C. (1871). Principles of Economics. Translated by J. Dingwall and B. F. Hoselitz,with an introduction by Friedrich A. Hayek. New York: New York University Press, 1981.
Menger, C. (1892). On the Origin of Money. Translated by Caroline A. Foley, Economic Journal 2 (June): 239–255.
Mises, L. Introduces the Austrian School, from Ludwig von Mises, Memoirs. Can be found in http://mises.org/daily/3512
Schumpeter, Joseph (1951). Carl Menger In : Ten Great Economists, From Marx to Keynes. Translated by Hans W. Singer. Oxford University Press.
Stigler, George (1937). The Economics of Carl Menger. Journal of Political Economy,. 45 (2): 229–250.
#مصدق_الحبيب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟