أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مصدق الحبيب - الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 3: تومَس مالثُس (1766-1834) Thomas Malthus















المزيد.....


الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 3: تومَس مالثُس (1766-1834) Thomas Malthus


مصدق الحبيب

الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 7 - 07:22
المحور: قضايا ثقافية
    


عُرف تومس مالثس كقس انگليزي ومفكر اقتصادي وديموغرافي شاعت شهرته بسبب نظريته السكانية التي وصفت بالتشاؤمية وسميت بأسماء مسيئة منها "الفخ المالثسي" و "الكارثة المالثسية" و "شبح مالثس"، حتى ان هذه النظرة السلبية لجهوده العلمية سرت على الاقتصاد بأكمله، فسمي بالعلم المعتم الكئيب dismal science. وبهذا فقد أثارت نظرية مالثس نقاشات وجدالات واسعة النطاق شملت حقول العلم والادب والصحافة، أكاديميا وشعبيا، وجعلت من مالثس الرجل المثير للجدل من بين كل الاقتصاديين الكلاسيكيين آنذاك. لكنه أيضا الرجل العالم الذي أشاد به چارلز دارون Charles Darwin، عالم البايولوجيا الشهير وقال ان طروحاته أعانته في صياغة نظريته المعروفة بنظرية الاختيار الطبيعي. Theory of Natural Selection
ولد توماس مالثس عام 1766 في سُري Surrey، إحدى ضواحي لندن، لعائلة موسرة ومعروفة على الصعيدين العلمي والاجتماعي. كما هي معروفة بتعليم اطفالها داخل البيت لحين سن البلوغ والاستعداد للبدء بالتعليم الجامعي. كان والد توماس رجلا مثقفا مهتما بالعلم وكان صديقا لكثير من مثقفي وعلماء ذلك الزمن الذين اعتادوا ان يزورونه في بيته ومنهم بشكل خاص الفيلسوف الأسكتلندي ديڤـد هيوم والفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو. وهكذا فان توماس، وهو الطفل السادس، قد أنهي متطلبات تعليمه الابتدائي والثانوي داخل البيت، ليدخل اكاديمية وورنگتن لمدة سنتين وهو بسن السادسة عشرة، ثم ليواصل دراسته في كلية يسوع في جامعة كمبرج عام 1784. وفي دراسته الجامعية هذه تفوق في الرياضيات، واللغات، والثقافات اللاتينية ،والاغريقية.
- في عام 1789 أصبح قساً في أبرشية ووتن Parish of Wotton.
- في عام 1791 أنهي دراسة البكالوريوس والماجستير ليصبح زميلا في الكلية.
- في عام 1798 وفي الثانية والثلاثين من عمره نشر مالثس دراسته الشهيرة بعنوان " دراسة في المبادئ السكانية" والتي احتوت على فكرته الرئيسية المعززة بالبيانات والتي تناقش العلاقة بين نمو السكان ونمو الموارد الاقتصادية.
- في عام 1805 أصبح أستاذا للاقتصاد السياسي والتاريخ في الكلية التي أسستها شركة الهند الشرقية في هيلبري.
- في عام 1819 أصبح زميلا في الجمعية الملكية البريطانية، حيث التحق بنادي الاقتصاد السياسي الذي زامل فيه ديڤـد ريكاردو وجيمس ستيوارت مل.
- في عام 1824 أُنتخب كواحد من عشرة أعضاء مختارين في جمعية الادب الملكية لعموم بريطانيا.
- في عام 1833 أُنتخب في اكاديمية العلوم الفرنسية. وكذلك في اكاديمية العلوم الألمانية.
- في عام 1834 أسس، مع آخرين، جمعية الإحصاء البريطانية في لندن
وكان خلال ذلك قد نشر، إضافة الى دراسته الرئيسية في نمو السكان، العديد من المقالات كتلك التي ناقشت القوانين الاقتصادية المتعلقة بمحصول الذرة Corn Laws والتي أعلن فيها تفضيله الاعتماد على الاستيراد بدلا من دعم المنتجات الزراعية المحلية من اجل تحقيق الكفاءة الاقتصادية.

نظرية مالثس السكانية The Malthusian Population Growth Model
طرح مالثس أفكاره المتميزة في مجال السكان وتأثيره في المجتمع في بحثه المعنون "دراسة في المبادئ السكانية" An Essay on the Principle of Population,، والذي نُشر عام 1798 دون اسم المؤلف. وكان بحثا رصينا لكونه موثقا بإحصاءات عديدة ومتنوعة جمعها وبوّبها واحتسب فيها عوامل ديموغرافية مختلفة كمعدلات الولادات والوفيات والاعمار وحالات الزواج والطلاق والانجاب ومعدلات العمر المتوقع Life expectancy وحالات التعمير أو طول العمر Longevity وكذلك العوامل الاقتصادية المرتبطة بها كالدخول، وحالات العمل ،والبطالة وغيرها.
وقد أعلن مالثس في دراسته هذه ان أحلام الانسان بمستقبل زاهر سعيد سوف تصطدم بعقبة كبيرة هي النمو السكاني المنفلت الذي لا تحمد عقباه امام ما هو لازم لتأمين ذلك المستقبل السعيد، بل ستتفاقم المشكلة للحد الذي قد تهدد فيه بقاء المجتمعات. ولذا فقد كانت مخاوفه وآماله ان لا يرتفع النمو السكاني للحد الذي يؤول الى المجاعة والمشاكل الأكبر منها كاحتدام الصراعات والحروب والتدمير.
كان ذلك الهاجس الذي اعترى مالثس قد بُني على استنتاج مفاده أن معدلات النمو السكاني التي لاحظها كانت تشير بانها تتزايد وفق متوالية هندسية فيما تنزع معدلات نمو الغذاء ومستلزمات العيش الاخرى الى الزيادة وفق متوالية حسابية. وبذلك فان النمو السكاني الذي سيحدث بوتائر أسرع مما هي عليه في نمو الغذاء سيؤدي الى تصاعد فرق التراكم في الزيادات الاجمالية والذي سيؤول بمرور الزمن الى حدوث فجوة بين الاتجاهين ستتسع لتجعل الغذاء الإجمالي المتوفر غير قادر على الاستجابة لحاجات السكان. ان هذه الحالة، ووفقا للبيانات التي توفرت لديه، ليست حالة احتمالية، انما هي حالة واقعة لا محالة، ولكنها مجرد مسألة زمن للوصول للنقطة الحرجة، لا غير. وبهذا فان حصول هذه الحالة، ليس فقط سيعيق من امكانيات التطور والازدهار في المستقبل، بل انه من الممكن ان يؤدي الى انفجار مشاكل اجتماعية وسياسية عويصة قد تتفاقم فتؤدي الى تغيير طبيعة المجتمعات بعيدا عما نعرفه اليوم. وقد تنهي حالة المدنية فنعود الى شريعة الغاب ويصبح البقاء للأقوى فقط!
يناقش مالثس الحلول المحتملة لتلك الازمة فيشير الى إمكانية تكييف أحد عاملين أساسيين لنمو السكان او تكييف كلاهما، وهما معدل الوفيات ومعدل الولادات، وذلك بهدف تحقيق حالة التخفيف التدريجي لعدم الانسجام بين نمو السكان ونمو الغذاء والسلع الاخرى وبالتالي تحجيم الفجوة المؤدية الى الكارثة الانسانية. العامل الاول هو معدل الوفيات الذي سيحد من نمو السكان بسبب ارتفاعه. يحدث هذا عادة في حالات تفشي الامراض والاوبئة والمجاعات والكوارث الطبيعية والحروب، وهو ليس بخيار على اية حال. بقي العامل الثاني وهو معدل الولادات الذي سيحد من نمو السكان عن طريق تخفيضه. يحدث هذا في حالات تقليل الزيجات وتأخيرها أو العزوف عنها في حالات حث وتشجيع الرغبة في العزوبية. كما يحدث في حالات الامتناع عن إنجاب الاطفال او على الأقل تقليل عددهم وتأخير انجابهم او تطويل الفاصل بين انجابهم. لكن الملفت للنظر هو ان مالثس لم يعوّل على معالجة الطرف الاخر من المعادلة المختلة وهو زيادة نمو الغذاء عن طريق استثمار مساحات أكثر للزراعة وتشغيل عدد أكبر من المزارعين ومنح الامتيازات والمحفزات لقطاعات الانتاج والعمل على تكثيفه وتنويعه. والحقيقة انه كان يائسا من هذا الجانب فقد حسم الامر بأن هذه المعالجة بطيئة وغير فعالة إذا اعتمدنا على ما متوفر من إمكانات في استغلال الأراضي وتكثيف العمل الزراعي. وقد يكون مالثس معذورا في هذا التصور لأنه لم يشهد آنذاك ما حدث بعد زمنه من تطور صناعي وتكنولوجي مبهر. أضف الى ذلك ان تربية مالثس الدينية وفلسفته الأخلاقية تجعله ميالا للتعويل على العنصر الاخلاقي المتعلق بسلوك الافراد ووعيهم الجمعي وواجبهم الوطني ازاء مستقبل الاجيال. فقد اعتبر الوسائل المذكورة للحد من نمو السكان ممكنة اذا ما آمن بها المرء كواجب انساني ينبغي الالتزام به من اجل الخير لمستقبل الانسانية جمعاء. على ان بعضا من ذلك التصور لم يكن متوقعا منه كرجل دين خاصة في حالة ذكره لتقنين الزواج وتحديد النسل كمعالجة محتملة! رغم انه لم يدعُ اليهما صراحة.
وعلى صعيد آخر، فإن مالثس كان يؤمن بأن الغالبية العظمى من فقراء المجتمع عادة ما يكثرون من الزيجات خلال حياتهم ويميلون على العموم الى انجاب أطفال اكثر وهو سبب رئيسي لنمو السكان المفرط. كما انه يعتقد ان الانسان عموما ينزع الى الكسل والتقاعس عن العمل مالم يُجبر على تأديته. وبهذا فهو يقف على الضد من برامج الدولة لمساعدة الفقراء ويراهن ان من الاصلح لهم وللمجتمع ان تكف الدولة عن تقديم العون المالي المجاني، بل عليها ان تخلق المحفزات لدفعهم الى العمل والاعتماد الذاتي. وهذا ما لا يتوقعه المرء من قس متآلف مع الكنيسة القائمة على فكرة العون الاجتماعي الجمعي بالعطايا والهدايا والصدقات والتي تفتح أبوابها للمعوزين والمحتاجين وأصحاب المشاكل المختلفة. فموقف مثل معارضة العون الحكومي للفقراء قد لا يثير الاستغراب ان صدر من لدن ارستقراطي متعجرف، لا من رجل يؤمن بالورع والتقوى.
لم يقف مالثس عند هذا الحد في نظريته التي استنتجها تبعا لتفاوت معدلات النمو بين السكان والغذاء كما أفادت البيانات التي جمعها، بل تعداه الى الافتراض بأن المشكلة لا تنتهي عند حدث واحد، بل ستكون دورية، ذلك ان الافراط في انتاج الغذاء ووسائل العيش المريحة للإنسان سيزيد من خصوبة السكان فيرتفع معدل إنجاب الأطفال ويبقى في ازدياد للحد الذي يفوق به توفر الغذاء فتعاد المشكلة الأولى من جديد، وهلم جرا.
يقول چارلز دارون عالم البايولوجيا والجيولوجيا الإنگليزي (1839-1882) وصاحب نظرية النشوء والارتقاء Evolution، انه وجد في نظرية مالثس ما يدعم افتراضاته في مسألة الخيار الطبيعي أو البقاء للأصلح Natural Selection، حيث انه توقف عند ملاحظة مالثس بأن كلا الحيوان والنبات قادران على ان ينتجا اجيالا من ذريتهما أكثر من قدرة هذه الأجيال على البقاء. وكذلك يستطيع الانسان ان ينجب عددا غير محدد من الأطفال ما لم يقف عند حده من وجهة نظر وعي أخلاقي او اجتماعي مدفوعا بالرغبة لمنع تردي حالة المعيشة كلما زاد عدد الأطفال عن حد معين. لكن دارون استعمل الفكرة بطريقة مختلفة بالطبع، حين استنتج ان عدد الأطفال الكبير سيقود الى نشوء المنافسة على كل شيء. وان الاختلافات الطبيعية بينهم، جسديا ونفسيا، ستكون كفيلة بترجيح بعضهم على بعض، فيموت في آخر المطاف من لا يستطيع المقاومة ويبقى القسم الآخر.
غني عن القول ان طروحات مالثس هذه قد جرى اعتبارها متطرفة في ذلك الوقت وأثارت موجات من الغضب والاحتجاج والانتقاد الحاد التي استمرت ليومنا هذا. وقد وصفت بانها تنطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية للحياة وتبعث على اليأس والحزن، حتى ان تعبير المالثسية أصبح بمرور الزمن صنوا للتشاؤمية والقنوط. وزيادة على ذلك فقد جرى في بعض المحافل اتهام مالثس بأنه كان محورا للكراهية والشر، خاصة عندما استغل نظريته بعض المتصيدين في الماء العكر وبعض السياسيين الأشرار من اجل تبرير سياساتهم الاستعمارية وممارساتهم العدوانية. حدث ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، عندما جرى تسويق ما سمي بمجاعة البطاطا Potato Famine في إيرلندا على انها حدثت بسبب الزيادة المفرطة وغير المسؤولة للسكان، بدلا من كونها نتيجة مباشرة للسياسة الاستعمارية الإنكليزية وفشل برامجها الاقتصادية في ايرلندا. كما جرى تسويق نفس التبرير لحالة البؤس والفاقة وشيوع المجاعات في الهند الكولونيالية.
على ان مالثس لم يسلم أيضا من النقد الإيجابي البناء الذي أشار الى ان المثلبة الكبرى في نظرية مالثس هي افتقارها لإجراءات التطبيق العملي، رغم وقوفها على قاعدة نظرية رصينة اعتمدت تحليل البيانات الواقعية. فقد أشاروا أولئك النقاد الى ان غياب إجراءات ومحاولات التطبيق والتحقيق المتكرر على ارض الواقع، وليس تشاؤمية الطرح، كان السبب الأساسي في عدم تضمين هذه النظرية في جسد النظرية الاقتصادية عموما. وهكذا، فمن ناحية التحليل الاقتصادي، فان نظرية مالثس بقيت الى اليوم بمثابة الكسر في الروح التفاؤلية التي ادعى بها علم الاقتصاد باعتباره العلم الذي سيقود الى تحسين حياة الأجيال وتحقيق الرفاهية عن طريق الفهم الصحيح لسلوك الانسان الاقتصادي الذي يجابه به ندرة الموارد ومحدوديتها النسبية لإشباع رغباته التي ليس لها حدود. ورغم ان مالثس كان يتوخى الدقة ويعتمد التحليل الاحصائي فانه قام في السنة التالية لنشر دراسته، أي في عام 1799 بالسفر الى عدة بلدان منها ألمانيا وروسيا والبلاد الاسكندنافية من اجل جمع المعلومات السكانية والاطلاع على حال اقتصاداتها لتتم له المقارنة والتحليل الاوسع لنظريته التي مازال متمسكا بها رغم الرفض الواسع لنتائجها والفلسفة التي استندت عليها.
في عام 1803 نشر مالثس تنقيحا شاملا لنظريته مع الإضافات والشروحات، ولكنها بقيت تفتقر للتطبيق والتحقيق، خاصة في ظل تغير الظروف العامة. وينبغي ان لا يغيب عن البال بأن مالثس صاغ هذه النظرية قبل الثورة الصناعية، حيث لم يكن يخطر على البال مدى التطورات المذهلة التي انتجتها الثورة الصناعية وما بعدها في تحديث وسائل الإنتاج وابتداع طرق استغلال الأراضي وتطوير زراعة المحاصيل التي جلبت صنوفا واجيالا من المكائن الزراعية وتكنيكيات الإنتاج وتطور علوم وكيمياء الاسمدة والمبيدات وعلوم الاحياء والطب والنبات ووسائل التكييف وغير ذلك الكثير وصولا الى آخر ما نشهده اليوم من ابداع في تطوير الهندسة الوراثية في الزراعة وتكاثر وتربية الحيوان التي انتجت موارد جديدة ووفيرة ومحسنة.
وبذلك فمن الأسلم القول ان الزمن وتطور العلوم والتكنولوجيا قد وضعا نهاية منطقية لهذه النظرية وابطلا فرضياتها الأساسية.
كتاب مالثس الرئيسي في الاقتصاد
صدر كتاب مالثس الرئيسي في الاقتصاد عام 1820 وكان بعنوان " مبادئ الاقتصاد السياسي Principles of Political Economy فكان مناسبة لإثارة ما سمي بالمناظرة المالثسية-الريكاردية نسبة الى صديقه ديڤـد ريكاردو الذي كان قد أصدر كتابا بنفس العنوان في السنة التي سبقت صدور كتاب مالثس. استمرت هذه المناظرة طوال العشرينات من ذلك القرن وكانت متعددة الموضوعات منها الموضوع الاساسي "الريع". فالريع عند ريكاردو، وكما أشرنا سابقا، عبارة عن مكافأة لعنصر غير انتاجي وهو ملكية الارض التي لا تنتج أي سلعة أو خدمة انتاجا مباشرا كسواها من عناصر الانتاج! فهي إذاً، في نظر ريكاردو، تأخذ من الانتاج ولا تساهم فيه. أما مالثس فلا ينظر الى الريع بهذا المنطق، بل يعتبره فائضا اقتصاديا. كان الجدال الدائر حول مسألة الريع متأصلا في الجدال حول القوانين الخاصة بمحصول الذرة حيث فرضت تعريفة عالية على استيراد الذرة من اجل حماية المنتوج المحلي والتي يساندها مالثس بقوة ويعارضها ريكاردو. تضمنت المناظرة مواضيع اقتصادية هامة اخرى كالتخمة في الانتاج glut وقانون سي وتراكم رأس المال. فالتخمة لا تحدث حسب اعتقاد ريكاردو المؤمن بقانون سي القائل بأن العرض سيخلق الطلب اللازم وسيحدث التوازن فلا خوف من تكدس السلع في السوق دون تصريفها. أما مالثس فيرى الامر مختلفا. يقول مالثس ان الانتاج هو عملية واقعة تحت سطوة المنتجين الذين يحفزهم الربح ويدفعهم للاستمرار بالإنتاج لكن الطلب غالبا ما تحدده دخول الجموع وقواهم الشرائية وجلهم من العمال الذين يستلمون اجورا بحد الكفاف والتي لا تعينهم على الاستهلاك الذي يؤمن تصريف كل السلع المنتجة! وبالتالي ففرط الانتاج حدث وارد وفائض العرض سيكون نتيجة له.
في موضوع الطلب ، فقد قدم مالثس، وربما لأول مرة، الطلب على شكل جدول، منفصلا عن الكميات المطلوبة على انفراد، انما كل كمية مرغوبة إزاء السعر المتوقع. كما قدم الطلب في منحنيات ألقت الضوء على قانون سَي. وعند مناقشة مسألة تقرير الأسعار ابتدع مالثس مصطلح "الطلب الفعال" Effective Demand، المصطلح الذي مازلنا نستخدمه الى اليوم. وكان قد خرج عن سبيله ليقترح الاستثمار في المشاريع العامة التي تقوم بها الحكومة وكذلك ما ينفقه القطاع الخاص كاستثمارات في الإنتاج الباذخ Luxury investment وذلك من اجل زيادة الطلب الفعال الذي يدفع عجلة الاقتصاد الى الامام. وتوافقا مع هذا كان مالثس يحذر من اتباع نصائح أولئك الداعين الى التقشف وزيادة المدخرات التي كان يراها قاتلة للحوافز ومعرقلة لمسيرة الإنتاج وإعادة الإنتاج. وهنا كانت نصيحته الأساسية ان يكون هناك توازنا عقلانيا بين القدرة الإنتاجية والرغبة والامكانية الاستهلاكية. فبدون رغبة وإمكانية المستهلك ستبقى السلع المنتجة بائرة على رفوف المخازن. وهذا ما نسميه اليوم بالكساد والركود الاقتصادي Recession and Depression. وبذلك كان واضحا ان مالثس في ميله الفكري هذا بدا وكأنه كنزيا اكثر من كنز الذي ظهرت نظريته في النصف الثاني من ثلاثينات القرن العشرين.
من الاختلافات الفكرية الأخرى مع ريكاردو، كان مفهوم الإنتاج. فالمعروف ان ريكاردو كان يرى الانتاج شاملا للسلع والخدمات. أما مالثس فيراه متعلقا بالسلع دون الخدمات. ولذا، كان ذلك من الاسباب التي دعت مالثس الى الاعتقاد بأن اغلب زملائه الاقتصاديين لا يتوخون الدقة في تعريف المصطلحات المتداولة لما لذلك من الاثر البالغ في تسلسل المنطق وفهم النظريات. ففي عام 1827 أصدر مالثس قائمة طويلة بتعريفاته المفصلة لكثير من المفاهيم والمصطلحات الاقتصادية وتطبيقاتها وطرق استخدامها فكان بذلك أول الاقتصاديين في اصدار مثل هذا الدليل العام للمصطلحات.
توفي مالثس عام 1834 عن عمر 68 عاما إثر نوبة قلبية مفاجئة.
في الختام يمكن القول بأن ما سمي بنظرة مالثس التشاؤمية كانت نتيجة لكون مالثس اقتصاديا تطبيقيا تحفز افكاره الارقام والاحصاءات وحساباتها بدلا من المشاعر. كان مالثس قد وُصِف بعد مماته من قبل اصدقائه والمقربين منه بانه كان رجلا عقائديا كريما رقيق القلب مدنيا بسلوكه ومهذبا بأخلاقه. ولذا، فقد يبدو انه عاش حياة هانئة هادئة تخللتها صداقات حميمة مع العديد من زملائه ومعارفه. كما وصف بانه كان رجلا وسيما رغم وجود شق ولادي في شفته العليا وسقف فمه مما أثر على طريقته في النطق والكلام.

مصــــادر مختــــــارة


Bowen, F. (1879). Malthusianism, Darwinism, and Pessimism. NAR
Dorfman, R.) 1989(. Thomas Malthus and David Ricardo. Journal of Economic Perspectives, 3 (3):
https://en.wikipedia.org/wiki/Thomas_Robert_Malthus
https://evolution.berkeley.edu/the-history-of-evolutionary-thought/pre-1800/the-ecology-of-human-populations-thomas-malthus
https://ucmp.berkeley.edu/history/malthus.html
https://www.aeaweb.org/articles?id=10.1257/jep.3.3.15https://www.bbc.co.uk/history/historic_figures/malthus_thomas.shtml
https://www.britannica.com/money/Thomas-Malthus
https://www.d.umn.edu/cla/faculty/jhamlin/4111/Malthus/Thomas%20Robert%20Malthus.htm
https://www.econlib.org/library/Enc/bios/Malthus.html
https://www.investopedia.com/terms/t/thomas-malthus.asp
https://www.jesus.cam.ac.uk/thomas-robert-malthus
https://www.peterharrington.co.uk/authors/m/thomas-malthus
Malthus, T.R. (1798). An Essay on the Principle of Population, London: -print-ed for J. Johnson, Stock Code: 156737
Malthus, T.R. (1820). Principles of Political Economy, with a view to their practical application.London : John Murray
Malthus, T.R. (1824). Political Economy. London: Quarterly Review
Malthus, T.R. (1824). Population. London: Encyclopedia Britannica.National Academic Forum (1998). Malthus and his legacy: The population debate after 200 years. London.



#مصدق_الحبيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاقتصاديون المؤسسون: الحلقة الثانية/ جِرَمي بَنثم (1748-183 ...
- الحلقة الأولى: آدم سمث (1723 - 1790)
- الاقتصاديون المؤسسون - آدم سمث (1)
- همسة عن السياب وموقفه الفكري
- تفعيل الديمقراطية لمعالجة ازمات الراسمالية
- تشريح المعرفة
- وفاءً لمحمود صبري: عرض موجز لكتاب الدكتور حمدي التكمة چي
- ذاكرة اعتقال .. واعتقال الذاكرة
- مالعمل بعد التظاهرة الكبرى الاولى؟
- عن الامانة الاكاديمية والالتزام العلمي
- كلمتان، لاغير !!
- إبراهيم كبّة: كلمة وفاء في ذمة الخلود
- لمحة تأريخية عن نشأة وتطورالخط العربي
- الخط العربي: موقف فلسفي وعملي
- وداعا حسني
- الفن والحرية والابداع: كتاب جديد لمصدق الحبيب
- الخط العربي:منبع السحر اللامتناهي والحلم الفنطازي
- تنبيه الى القارئ وعتاب للسيد محسن ظافر غريب
- جوهر الديمقراطية
- الحريّة الأكاديميّة ونظام التعليم الحر المستقل


المزيد.....




- سعودي يحرق زوجته بالبنزين.. الداخلية تكشف تفاصيل مروعة بإعلا ...
- البحرين.. انطلاق صافرات الإنذار والداخلية تصدر توجيهات
- قرب مضيق هرمز.. ضربات أمريكية على بندر عباس وسيريك كـ-عقاب- ...
- استهدفت 85 موقعا.. الحرس الثوري الإيراني يعلق على الضربات في ...
- الدفاع الروسية: توجيه ضربة ليلية دقيقة لمواقع صناعية في كييف ...
- دبلوماسية السفن الأمريكية السوداء!
- كان ينام في الشوارع... ثم صار يعلّم الناس إدارة أموالهم
- إطلاق صفارات الإنذار في البحرين عقب الضربات الأمريكية على إي ...
- الدفاعات الكويتية تتصدى لهجمات صاروخية بعد القصف الأمريكي عل ...
- الحرس الثوري الإيراني: استهدفنا 85 موقعا عسكريا أمريكيا في ا ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مصدق الحبيب - الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 3: تومَس مالثُس (1766-1834) Thomas Malthus