أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مصدق الحبيب - الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 15: إرڤنگ فِشَر (1867 – 1947) Irving Fisher















المزيد.....


الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 15: إرڤنگ فِشَر (1867 – 1947) Irving Fisher


مصدق الحبيب

الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 21:33
المحور: قضايا ثقافية
    


هو الاقتصادي والاحصائي الذي وُصِف ايضا بالمخترع والمصلح الاجتماعي المتنور والتقدمي. كان جوزيف شومبيتر قد قال عنه بأنه أعظم اقتصادي انجبته أمريكا. وكان جيمس توبن وملتن فريدمن، وهما من ألمع الاقتصاديين الامريكيين الحائزين على جائزة نوبل في الاقتصاد، قد كررا في اوقات ومناسبات مختلفة نفس وصف شومبيتر. فهو يعتبر من أوائل الاقتصاديين النيوكلاسيكيين الحديين في فترة اتساع دائرة تطور النظرية الاقتصادية من أوربا الى أمريكا. وهو الأول الحاصل على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد في أمريكا، والذي اشتهر بوضوح كتاباته وسلاسة شرحه للمفاهيم والنماذج الاقتصادية، حتى مع استخدام التحليل الرياضي لإسناد المنطق الاقتصادي وتثبيت مصداقيته. لقد قال جورج ستگلتز، الحائز ايضا على جائزة نوبل في الاقتصاد، بأن فشر، وابتداءً من الاطروحة التي قدمها لنيل شهادة الدكتوراه، كان الاول من بين الاقتصاديين الذين حاولوا تحليل منفعة المستهلك وابتكار طريقة لقياسها وتوضيح اهميتها في فهم نظرية الطلب.
ولد فشر في وادي هدسن في نيويورك عام 1867، وكان والده يعمل قسًا لدى الدوائر الحكومية. وهو الرجل الذي زرع في ابنائه الضمير الحي وقوة الاحساس المبكر بالخطأ والصواب، والشر والخير في الحياة، والسعي والاعتماد على الذات. وليس غريبا أن نرىفشر قد ارتقى لتحمل المسؤولية في اعالة والدته وأخيه بعد ان توفى والده وهو في الاسبوع الاول من دخوله الجامعة، حيث أسرع لإيجاد عمل كمدرس خصوصي مكنه من الحصول على الدخل الذي يحوله الى والدته. ولم يؤثر ذلك على اجتهاده في دروسه حيث تخرج الاول على دورته في جامعة ييل Yale. ومن الجدير بالذكر أن نشأةفشر في كنف عائلة دينية علمته الفضيلة، لم تستطع أن تحول دون تحوله الى ملحد فيما بعد. تخرجفشر في قسم الرياضيات عام 1888، وواصل دراساته العليا فيها فأكمل الدكتوراه في الاقتصاد الرياضي عام 1891 في زمن لم يكن هذا الفرع متأسسا أو معروفا بعد، فكان رائده الأول بدعم وتشجيع من استاذه المعروف وليم گرام سمنر. كانت اطروحته بعنوان "بحث رياضي في نظرية القيمة والسعر" التي اصبحت بذرة لاهتماماته الاكاديمية اللاحقة وفاتحة لتأسيس الاتجاه الرياضي المعاصر في الاقتصاد، خاصة وإنها جاءت متزامنة مع جهود زملائه الاوربيين في هذا المجال مثل ليون فالراس في فرنسا، وستانلي جفنز وفرانسس أجوورث في بريطانيا.
أشار عدد من مؤرخي الفكر الاقتصادي بأن البحوث التي قام بها فشر في الولايات المتحدة كانت متزامنة مع بحوث ليون فالراس في فرنسا من دون ان يعلم أحدهما بالآخر، علما ان فشر كان متأثرا بكتابات يوجين فون بومبافرك وجون ري. كما ان نظرية الاستثمار ورأس المال التي صاغها فيما بعد كانت الفاتحة في تقديم المدرسة النمساوية الى المجتمع الأكاديمي الامريكي. من المفاجآت الغريبة والسارة التي فاجأ بها فشر لجنة مناقشة اطروحة الدكتوراه هي الماكنة الهيدروليكية ذات المضخات والصمامات التي تعمل على تدوير السائل التي صممها فشر وعملها بنفسه من أجل توضيح دورة النقود في الاقتصاد وكيف يعمل تغيير العرض والطلب على تغيير الاسعار والتي جلبها كوسيلة ايضاح اثناء المناقشة، اضافة الى شرحه الوصفي المستفيض المعزز بالمعادلات الرياضية. بعد نيله الدكتوراه، تعين استاذا مساعدا في نفس الجامعة وبعد مدة وجيزة حصل على درجة الاستاذية عام 1898، وبقي استاذا في ييل لحين تقاعده عام 1935.
أسهم فشر في وضع نظريات ومفاهيم اقتصادية رئيسية مازلنا نعتمدها الى اليوم كنظرية سعر الفائدة ورأس المال والاستثمار والنظرية الكمية للنقود وكان الاول الذي ناقش العلاقة العكسية بين ارتفاع معدلات الاجور والبطالة، والتي صاغها بشكل رسمي بعد اربعين عاما الاقتصادي النيوزيلندي وليم فيليبس وقدمها بالشكل الذي نعرفه اليوم بمنحنى فيليبس Phillips Curve. وهذا ما يؤكد بأن الكثير من النماذج الاقتصادية الرياضية الحالية تقوم بالأساس على طروحات فشر الاصلية، خاصة في حقل سعر الفائدة والنقود ورأس المال والمدرسة النقدية Monetarism برمتها.
من ضمن تلك المفاهيم الرائدة، اعتبار فشر للفائدة كمقياس لخيارات المجتمع بين استخدام المال في الوقت الحاضر وبين استخدامه في المستقبل، والذي فتح باباً جديدا واسعا للتحليل المقارن للقرارات الاقتصادية في زمني الحاضر والمستقبل، والذي نعرفه اليوم بالـ Intertemporal Analysis، أي التحليل ثنائي الزمن أو تحليل القرارات البيـْزمنية. فمناقشة فشر للنقود والسياسة النقدية ورأس المال عبر هذا التحليل أصبحت الام الشرعية للمدرسة النقدية في الاقتصاد التي ولدت فيما بعد والتي تهتم بشكل خاص بتحليل علاقة عرض النقود في الاقتصاد ودور الدولة في السيطرة على السياسة الاقتصادية من خلالها. وقد كان فشر الاول في هذا المجال الذي اخضع متغيرات الاقتصاد الكلي، خاصة النقود ومستوى الاسعار وسعر الفائدة والعمالة الى التحليل الاحصائي والقياسي في بواكير نشوء الاقتصاد القياسي. وهو الذي يعتبر من المؤسسين الأوائل لهذا الفرع من علم الاقتصاد. كما كان الاول أيضا في استخدام الارقام القياسية. وهو الذي ابتكر الرقم القياسي المثالي Ideal Index Number الذي يساوي المعدل الهندسي بين سعر پاش Paasche وسعر لاسپيرز Laspeyres، اضافة الى ابتكاره لما يسمى بالـ Distributed lag.
أما في نظرية رأس المال فقد ميز فشر بين رأس المال المادي الشيئي كالأسهم المالية وأموال الاستثمار والمكائن والمعدات والابنية وبين تيار العوائد او الدخول المتدفق لوحدة الاستثمار من تلك الموجودات او الاصول. وهنا جاءت نظرية القيمة الزمنية للأموال او بمعنى ابسط، الوحدة النقدية التي تتأثر بزمن حسابها. ولا شك فإن قيمة النقود اليوم تختلف عن قيمتها أمس وعن قيمتها غدا، وهذا ما نعرفه اليوم بـ Time value of money. فقيمة رأس المال عند فشر ينبغي ان تحسب في الزمن الحاضر، ومثال على ذلك فإننا إذا استثمرنا مبلغا من المال اليوم ونتوقع ان يدر لنا عوائدا بعد سنتين من الان، ستكون القيمة الحقيقية لتلك العوائد هي قيمتها اليوم وليس بعد سنتين من الآن، وهذا ما نسميه القيمة الحاضرة او الحالية Current value. ويسري الامر على تقييم كل رؤوس الاموال وحتى قيمة المؤسسات برمتها. ومن هنا جاءت نظرية الفصل Separation Theorem، والتي تؤكد بأن الهدف الجوهري للمؤسسة هو تعظيم قيمتها المقاسة بالأسعار الجارية، أي ان جميع عوائدها وفائدتها المستقبلية ينبغي ان تحسب بموجب قيمة الدولار اليوم وهذا يتطلب أن نجلب القيمة المستقبلية لأي عائد الى قيمتها الحالية عن طريق الحساب الرياضي المسمى بـ الخصم Discounting الذي يستخدم سعر الفائدة السائد في السوق. وقد جاءت كلمة الفصل بمعنى ان التقييم الاصح للمؤسسة هو الذي يعتمد فصل هدف مالك المؤسسة الذي يروم الى زيادة رؤوس اموالها وعوائدها بأي قيمة عن هدف المدير المالي الذي يدرك ان التقييم الحقيقي هو الذي يعتمد قيمتها المخصومة بموجب قيمة الدولار الحالي.
وبالنسبة لسعر الفائدة، فقد كان فشر هو الذي ميز بين سعر الفائدة الاسمي وسعر الفائدة الحقيقي فوضع ما نسميه اليوم معادلة فشر Fisher Equation التي تعرّف سعر الفائدة الحقيقي (r) بكونه السعر الاسمي (i) ناقص معدل التضخم المتوقع (f) :
r ={(1 + i)/ (1+f)}- 1 = i - f
كما صاغ فشر معادلة التبادل Equation of Exchange. وهي MV = PT. وذلك عندما يمثل M عرض النقود وV سرعة التداول وP مستوى الاسعار و T عدد العمليات او الصفقات المالية. أما ما سمي بفرضية فشر Fisher Hypothesis التي تنص على ان سعر الفائدة الحقيقي يعمل كعامل مستقل عن العوامل النقدية الاخرى وبضمنها سعر الفائدة الاسمي.
في كتابه "القوة الشرائية للنقود" المنشور عام 1911 والذي وضع فيه اصول توازن الاسعار واستقرار قيمة الدولار، أشار فشر الى العلاقة بين التغييرات في عرض النقود ومستوى الاسعار والتي تتبين من خلالها القوة الشرائية وهي كمية السلع والخدمات التي تستطيع النقود شرائها. وقد بين ما سماه بـ "وهم النقود" Money Illusion. وهو ظاهرة التعلق بالأموال لذاتها وليس بما تستطيع فعله، أي الى اي مدى تستطيع النقود ان تشتري من السلع والخدمات! وبتعبير تكنيكي هو ان اغلب المستثمرين لا يجيدون تقدير قوة النقود الشرائية بسبب تأرجحها بموجب قيمة الوحدة النقدية زمنيا وتأثير مستوى الاسعار عليها. ولهذا كان فشر الاقتصادي الاول الذي اقترح العزوف عن تحديد قيمة الدولار بكمية الذهب الساندة لها في البنك المركزي، انما الاصح ان تقاس بقيمة تلك الكمية في السوق لأنها قيمة محكومة بمستوى الاسعار والزمن وتتأثر بموجب الارقام القياسية تبعا لأسعار سلع معينة في اي اقتصاد. كما اقترح على البنوك الفيدرالية ان تنتهج سياسة الاحتياطي الكامل المساوي لـ 100% من قيمة الودائع. ولا يخفى على أحد الآن بأن هذه الافكار التي صاغها فشر ماتزال تمثل حجر الزاوية في رسم سياسات البنوك المركزية في العالم.
وفيما جاء من افكار فشر حول سعر الفائدة هو ان هذا السعر ذا الاهمية البالغة في الاقتصاد ينشأ من تفاعل عاملين:
1- تفضيل الناس عموما لاستخدام الدخل الحالي على الدخل التالي. أي انهم يفضلون الحصول على المال وانفاقه على حاجاتهم عاجلا وليس آجلا، وهو امر متعلق بالطبيعة الانسانية الميالة الى الاشباع الآني وليس المؤجل والذي يسمى في اقتصاد المستهلك Consumer impatience.

2- فكرة الاستثمار التي تسمح بنمو الاموال في المستقبل جراء التضحية باستخدامها في الوقت الحاضر. أي اننا إذا ادخرنا واستثمرنا سنقوم لا محالة بقطع مبلغ الادخار والاستثمار من الدخل وعلى حساب المبلغ الموجه للاستهلاك في الوقت الحاضر. ولذا فإننا إذا احتجنا لاستهلاكنا اكثر مما يسمح به الدخل المتوفر، سنستدين من المصرف! واموال المصرف هي اموال اولئك الناس الذين ضحوا باستهلاكهم الحالي بأمل ان يحصلوا على الفوائد ويتمتعوا أكثر باستهلاك المستقبل! ونتيجة لهذه التضحية يكافئهم المصرف بمنحهم تلك الفوائد المستحقة على استثمار اموالهم. أما نحن الذين استدنا فعلينا، في وقت لاحق، ان نسدد الديون إضافة الى الفوائد المفروضة عليها. وبين الفائدة المدفوعة للمستثمرين والفائدة المستلمة من المدينين، اضافة الى اعتبارات اخرى، تقوم المصارف بتحديد سعر الفائدة، والذي هو في النهاية سيكون "سعر استخدام الاموال".
وكان لفشر رأي خاص حول الضريبة. فهو أول من دعا الى الغاء ضريبة الدخل والاكتفاء بضريبة الاستهلاك حيث كان يعتقد ان الضريبة على الدخل تعني دفع الضريبة مرتين double taxation، مرة على الدخل ومرة اخرى على استثمار هذا الدخل مما يثبط الرغبة في الاستثمار بالنسبة لأولئك القادرين على توجيه ادخاراتهم نحو الاستثمار.
أكمل فشر ونشر 14 كتابا في الاقتصاد و15 كتابا في مواضيع اخرى والكتب الاساسية التي ضمت اغلب افكاره المبتكرة في الاقتصاد هي:
- طبيعة الدخل ورأس المال 1906
- القوة الشرائية للنقود 1911
- صنع الارقام القياسية 1922
- نظرية الفائدة 1930
- الانتعاش والكساد 1932
واضافة الى مساهماته الفكرية فقد كان فشر سباقا لتأسيس الجمعيات الاكاديمية المهنية الهامة كجمعية الاقتصاديين الامريكيين التي أصبح رئيسها عام 1918، وجمعية الاقتصاد القياسي التي اسسها مع جوزيف شومبيتر وراگنر فرش وچارلز رووس، وأصبح رئيسها الاول عام 1931. كما ترأس الجمعية الامريكية لتحسين النسل لمدة أربع سنوات من 1922 الى 1926.
كان فشر ناشطا من أجل السلام العالمي والتعاون الدولي، ورافضا للنزاعات والحروب. وقد انتمى الى مجموعة من المهتمين في هذا المجال تمكنت من شن حملة واسعة للتحضير لتأسيس عصبة الامم وحث الولايات المتحدة على الانضمام اليها من اجل ان تصبح أمریکا قائدة العالم الحر للسلام والحرية! ولكن حين تكونت العصبة عام 1919 تخلفت الولايات المتحدة عن الانضمام اليها! مما اصابه بالإحباط والهزيمة. ورغم ان البعض من زملائه كان قد وصفه بكونه رجل غريب الاطوار! لكنه كان نابضا بالحياة والحيوية والنشاط الاجتماعي وكانت له اهتما مات في مجالات واسعة في العلوم والآداب. كما كان مخترعا في الميكانيك حيث ابتكر نظام كاردات الفهرسة وحوله الى مشروع تجاري حصل منه على ارباح كثيرة لكنه فقدها لحد الافلاس عند انهيار السوق المالية عام 1929 وبدء سنوات الكساد العظيم خلال الثلاثينات.
في عام 1898 اصيب فشر بمرض التدرن الرئوي الذي شفي منه وأصبح على أثره مهتما بالصحة العامة وناشطا في مجال التغذية والوقاية والرياضة البدنية وتحسين النسل وأصبح نباتيا وكتب كتابا في هذا المجال بعنوان "كيف تعيش: القواعد العلمية للعيش السليم" الذي حقق شعبية واسعة. كما دعا الى نبذ الكحول والمخدرات أو تحريم انتاجها واستهلاكها.
ورغم ألمعية فشر ونشاطه الأكاديمي المتقدم، فإن من المفارقات الكبرى التي زعزعت ثقة الأكاديميين والجمهور على السواء بقابليته على تفسير الظواهر الاقتصادية هو تصريحه العلني بأن اسعار الاسهم في السوق المالية وصلت الى المستوى الذي يمكنها من الاستقرار الذي لا قلق يتوجب بعده. كان ذلك قبل ايام قليلة من الانهيار المدوي للسوق المالية في الولايات المتحدة الامريكية الذي بدأ في الرابع من سبتمبر، ثم في 29 اكتوبر عام 1929 الذي سمي بيوم الثلاثاء السوداء والذي عصف بالاقتصاد الامريكي والعالمي ورماه في اطول وأقسى كساد اقتصادي في تاريخ الاقتصاد. ولم يخسر فشر كامل ثروته فحسب، بل خسر سمعته الاكاديمية رغم استمراره بتفسير ما حدث والتنبؤ بحالة الشفاء الاقتصادي الذي لابد ان يحل لاحقا بفعل طبيعة الدورة الاقتصادية. ولكن لم ينفع أي تفسير يقدمه فشر أو أي اقتصادي آخر. كان ذلك بمثابة الضربة القاضية التي انهت الانتباه لما يقوله ويكتبه فشر. كما ان حالته المادية قد ساءت كثيرا بعد ذلك، خاصة بعد تقاعده من ييل عام 1935 حيث لم يكن راتبه التقاعدي كافيا لسد مصروفاته الاساسية مما دفع الجامعة لشراء بيته واعادة تأجيره له بإيجار رمزي. ثم توفت زوجته عام 1940 واصيب هو بالسرطان عام 1947 مما عجل وفاته التي حدثت في نفس العام في نيوهيفن بولاية كنتكت.
ان تفسير الازمات الاقتصادية الذي طوره فشر بعد انهيار السوق المالية عام 1929 والكساد الذي تبعه ما يزال تفسيرا نافذا الى اليوم. وهو ما سمي فيما بعد بنظرية الديون والانكماش التي عزت حدوث الازمات الاقتصادية الى انفجار ما سمي بفقاعة التسليف التي تنتفخ الى أكثر مما هو ضروري فتنفجر لاحقا نتيجة للثقة المتزايدة في السوق التجارية خلال اوقات الانتعاش الاقتصادي وزيادة الارباح والدخول. فمثلما تنفجر الفقاعة الهوائية عندما يستمر نفخها الى ما وراء حدود استيعاب غلافها، يحدث الامر في انفجار فقاعة المديونية في الهيكل الاقتصادي الذي تترتب عليه نتائج وخيمة منها:
- انخفاض عرض النقود في التداول بسبب دفع الديون الى المصارف التي تحجم عن ضخ النقود مرة اخرى في الدورة الاقتصادية.
- انخفاض الاسعار عموما والارباح والدخول التي يتبعها انخفاض الانتاج والعمالة وتقليص لاحق للدخول والاستهلاك فتكسد السلع والخدمات في السوق مما يدعو الى تخفيض اضافي في الانتاج ثم الدخول والاستهلاك، وهكذا تعيد الدورة نفسها في دوامة حلزونية مفجعة متجهة الى القاع، وهذا ما يصف مرحلة الكساد العميق depression الذي يتبع مرحلة الركود الاقتصادي recession غير القادر على تدوير العجلة الاقتصادية والبدء بمرحة التعافي recovery.
ورغم ان هذه النظرية فسرت الواقع بشكل علمي الا انها جوبهت بالتجاهل والاهمال، خاصة بعد تحول الانظار الى صعود نجم كنز في بريطانيا وتأثيره البالغ على البيئة الاكاديمية واروقة السياسة الاقتصادية الدولية التي استجابت الى طروحاته الجديدة في اعادة الدماء الى اوعية الجسم الاقتصادي المعتل. وهكذا استمر تجاهل فشر الى ما بعد عقد زمني أو أكثر على وفاته ولحين صدور بحث الاقتصادي الامريكي جاك هرشلايفر الموسوم "حول نظرية الاستثمار الامثل" المنشور عام 1958 والذي اعاد الثقة الى طروحات فشر واثبت صحتها. ومن هناك عاد نجم فشر يلمع في الحياة الاكاديمية ليأخذ القدر الذي يستحقه من الاهتمام والاحترام خلال الستينات والسبعينات من القرن المنصرم.

مصادر مختارة

Diamand, R.W. (2019). Irving Fisher. New York: Palgrave MacMillan

Dollar Stabilization (1921). Encyclopedia Britannica 30: 852–853.

Fisher, Irving (1906). The Nature of Capital and Income. New York: Macmillan.

Fisher, Irving (1907). The Rate of Interest. New York: Macmillan.

Fisher, Irving (1911). The Purchasing Power of Money. New York: Macmillan.

Fisher, Irving (1922). The Making of Index Numbers. Boston: Houghton Mifflin.

Fisher, Irving (1930). The Theory of Interest. New York: Macmillan.

https://carleton.ca/keirarmstrong/learning-resources/selected-biographies/fisher-irving-1867-1947

https://cowles.yale.edu/archives/irving-fisher

https://en.wikipedia.org/wiki/Irving_Fisher

https://fraser.stlouisfed.org/author/fisher-irving-1867-1947

https://www.britannica.com/money/Irving-Fisher
https://www.econlib.org/library/Enc/bios/Fisher.html
https://www.hbs.edu/faculty/Pages/item.aspx?num=31250
https://www.hetwebsite.net/het/profiles/fisher.htm
https://www.investopedia.com/terms/f/fishereffect.asp

https://www.nber.org/system/files/working_papers/w17267/w17267.pdf

Thaler, Richard (1997). Irving Fisher: Modern Behavioral Economist. The American Economic Review,87,2, pp.439-441.



#مصدق_الحبيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 14: يوهان گستاڤ ڤكسل ...
- الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 13: ولفريدو پاريتو (1848-1923) ...
- الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 12: فرانسس إيجوورث (1845-1926) ...
- الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 11: ألِفرَد مارشل (1842-1924) A ...
- الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 10: كارل مَنگر (1840 - 1921) Ca ...
- الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 9: وليم ستانلي جڤنز (1835 ...
- الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 8: ليون ڤلراس (1834-1910) ...
- الاقتصاديون المؤسسون/الحلقة 7: كارل ماركس (1818-1883) Karl H ...
- الاقتصاديون المؤسسون/الحلقة 6: جون ستيورت مِلْ (1806-1873) J ...
- الاقتصاديون المؤسسون/الحلقة 5: ديفد ريكاردو (1772 - 1823) Da ...
- الاقتصاديون المؤسسون/الحلقة 4: ژان باپتيست سَي (1767 - 1832) ...
- الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 3: تومَس مالثُس (1766-1834) Tho ...
- الاقتصاديون المؤسسون: الحلقة الثانية/ جِرَمي بَنثم (1748-183 ...
- الحلقة الأولى: آدم سمث (1723 - 1790)
- الاقتصاديون المؤسسون - آدم سمث (1)
- همسة عن السياب وموقفه الفكري
- تفعيل الديمقراطية لمعالجة ازمات الراسمالية
- تشريح المعرفة
- وفاءً لمحمود صبري: عرض موجز لكتاب الدكتور حمدي التكمة چي
- ذاكرة اعتقال .. واعتقال الذاكرة


المزيد.....




- تفتيش منزل إلهان عمر ضمن تحقيق فيدرالي.. ماذا نعرف؟
- لبنان: ضبط مواد متفجرة على حدود سوريا وسط جدل حول شحنة الـC4 ...
- رأي.. حبيب الملا يكتب: ما مسؤولية إيران قانونياً عن هجمات ال ...
- مقاطعة سومي.. دبابة T-80BVM الروسية تستهدف مواقع عسكرية أوكر ...
- وزير الإعلام السعودي: الحياة في المملكة مستمرة بصورة طبيعية ...
- ليبيا.. إغلاق مؤقت لمقر مجلس النواب في طرابلس وسط تصاعد النز ...
- نتنياهو يتابع تطورات -حادث الشمال- ويؤجل ظهوره التلفزيوني
- باتروشيف: الغرب يخطط لفرض حصار على بحر البلطيق والمضائق المؤ ...
- الحرس الثوري الإيراني يعلن استهداف -ناقلة نفط عملاقة- ثالثة ...
- استقالة نائب رئيس شرطة جنوب أفريقيا وسط تهم بالفساد والاعتدا ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مصدق الحبيب - الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 15: إرڤنگ فِشَر (1867 – 1947) Irving Fisher