أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مصدق الحبيب - الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 13: ولفريدو پاريتو (1848-1923) Vilfredo Pareto















المزيد.....


الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 13: ولفريدو پاريتو (1848-1923) Vilfredo Pareto


مصدق الحبيب

الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 00:15
المحور: قضايا ثقافية
    


ينتمي الاقتصادي الإيطالي ولفريدو پاريتو للجيل الثاني من الاقتصاديين النيوكلاسيكيين. وهو أحد مؤسسي مدرسة لوزان في الاقتصاد، المهندس واستاذ الرياضيات والاقتصاد. وكان قد تحول في أواخر سني حياته الى دراسة الاجتماع والنبوغ فيه. وقد كتب ونشر الكثير في هذا الحقل حتى عُرف بنظريته - نظرية النخبة الاجتماعية، اضافة لكونه من أوائل الذين صمموا الطرق التحليلية الرياضية في الاقتصاد ومن أكثر المتحمسين لتطبيقها، نظريا وعمليا.
ولد ولفريدو في پاريس عام 1848 لعائلة ايطالية-فرنسية، حيث كان والده روفائيل پاريتو Raffaele Pareto مهندسا وماركيزا ارستقراطيا من أبناء جَنَوة Geno . وقد فرّ الى فرنسا عام 1835 وأقام هناك كلاجئ سياسي وتزوج من امرأة فرنسية ولدت له بنتين إضافة الى ولفريدو، الذي كان آخر العنقود. عادت العائلة الى ايطاليا عندما كان ولفريدو بسن الرابعة، فتعلم في مدارس جَنَوة حيث عمل والده مدرسا للغة الفرنسية قبل أن يصبح موظفا في وزارة الزراعة في منطقة تورن Turin.
بعد اكماله الدراسة الأولية في المدارس المحلية، دخل ولفريدو المعهد التكنولوجي الملكي ثم جامعة تورن Turin University وتخرج في قسم الرياضيات والفيزياء عام 1867. ثم بدأ دراسته العليا في الهندسة المدنية في معهد تورن الپوليتكنيكي، وكانت رسالته للدكتوراه حول التوازن الميكانيكي، الموضوع الذي وجد له الصلة العلمية مع نظرية التوازن الاقتصادي العام التي ساهم پاريتو في إعادة صياغتها فيما بعد. تخرج ولفريدو الاول على دفعته عام 1870 وعمل مهندسا في سكك حديد روما.
كان ولفريدو مهتما بالأوضاع السياسية في إيطاليا ونشطا في كتابة ونشر المقالات التي تعبر عن موقفه من الأوضاع آنذاك. في أيام الشباب تلك، كان ولفريدو مثاليا لبراليا على طريقة مواطنه كميلو بنسو Camillo Benso (1810-1861) أحد النبلاء الايطاليين الوحدويين الذي تزعم منطقة كاڤوارCavour. ولذا فقد كانت كتاباته تُظهر رفضا شديدا للسياسة البسماركية والتدخلات السافرة من قبل السياسيين الجدد في كل نواحي الحياة. تميزت مقالاته الصحفية في تلك الفترة بانتقاد سياسات الحكومة الاقتصادية والفساد الاداري المتفشي، والتواطؤ أو عدم الاكتراث البرلماني. كان يدعو الى ديمقراطية برلمانية حقيقية وشجب عسكرة البلاد وسياسات الحماية التجارية. وكان قد أطلق على سياستي العسكرة والحماية اسم "عدوّي الحرية". في عام 1872 ألقى خطابا في معهد البحوث الزراعية في فلورنسا انتقد فيه الحالة الاقتصادية وجهود الحكومة القاصرة، ودعا الى نصرة الأسس البرلمانية الأولية والسير على هداها. وخلال حضوره هذا التجمع تعرف على عدد من أعضاء عائلة پيروزي Peruzzi Family الشهيرة في إقليم تسكني Tuscany وبدأ يحضر صالوناتها الثقافية في فلورنسا ويتأثر باتجاهها الفكري اللبرالي.
في عام 1874 ترقى في عمله لموقع أكثر مسؤولية حين أصبح مديرا لشركة الحديد والصلب في فلورنسا، مما زاد من ثقل التزاماته لحد كبير. ومن هنا ومن خلال مواجهة العمال ومشاكل العمل والانتاج والعرض والطلب على المواد الاولية والمنتجات النهائية، بدأ اهتمامه الجدي بدراسة الاقتصاد التي تكثفت مع تصاعد مسؤوليات عمله وازدياد معرفته واطلاعه من خلال سفراته المتكررة الى ألمانيا وبلجيكا والنمسا. وهكذا قرر ان يبدأ بدراسة الاقتصاد دراسة ذاتية عميقة وهو في أوائل الاربعينات من عمره.
خلال عامي 1880 و1882 حاول حظه في الترشيح الى البرلمان لكنه فشل في المحاولتين، مما جعله أكثر راديكالية وأكثر حنقا على النظام الذي رآه قائما على المحسوبية والفساد. وفي الدورة القادمة عام 1886 أعاد عليه الالحاح لفيف من أصدقائه ومريديه أن يحاول مرة أخرى في الانتخابات لكنه رفض رفضا قاطعا وقال قولته الشهيرة:
" أفضّل أن أكشف الخزي والعار على أن أكون جزءً منه"
في عام 1889 تقاعد من عمله في شركة الحديد والصلب وقرر ان يعيش اعتمادا على ميراث متواضع من والديه، فانتقل الى شقة صغيرة وتزوج من فتاة فينيسية فقيرة من أصل روسي. ومعها سكن في شقة صغيرة متواضعة، وانهمك بالدراسة والبحث في الاقتصاد، اضافة الى الاستمرار في كتابة المقالات الصحفية ضد الاوضاع السياسية القائمة آنذاك في ايطاليا. ومع انتشار كتاباته التهجمية ضد الحكومة ازدادت مراقبة رجال الأمن له وتكثفت مضايقات شقاوات السياسيين ومكائدهم ضده. وبسبب تقارير الشرطة وأجهزة الرقابة أُغلقت الأبواب بوجهه حين قدم طلباته للحصول على عمل أكاديمي. لكن تلك الكتابات كانت في نفس الوقت الوسيلة التي تعرف اليه من خلالها الاقتصادي النيوكلاسيكي الايطالي الشهير آنذاك مافيو پانتليوني Maffeo Pantaleoni (1857-1924)، فانبثقت بينهما صداقة قوية، فكرية وسياسية تمخضت عن تعاون مثمر في النشر والمحاضرات والندوات. كما تمخضت عن أهم ما حدث في حياة ولفريدو، وهو توصية پانتليوني به الى ڤلراس الذي كان يبحث عن خليفة له في رئاسة قسم الاقتصاد في جامعة لوزان، وهذا ما ساعد ولفريدو أن يحوز على ذلك المنصب عام 1893. وفي نفس العام ظهرت مقدمته للطبعة الإيطالية لكتاب رأس المال لماركس.
في وقت مبكر لذلك كان پانتليوني هو الذي أشار الى ولفريدو أن يقرأ كتابات ڤلراس ويتعلم منهجه، مما نتج فعلا عن اعجاب ولفريدو بڤلراس للحد الذي أصبح فيه أحد اتباعه الاوائل في مدرسة لوزان، نظرا لتقارب افكارهما وتطلعاتهما رغم اختلاف شخصياتهما. في مقالة عن پاريتو نشرها معهد التفكير الاقتصادي الجديد، يذكر الكاتب بعضا من الاختلاف في شخصيات الرجلين. فبينما كان ڤلراس برجوازيا مثاليا هادئا ومسالما وليس لديه الكثير من الجرأة والاقدام، كان پاريتو عكس ذلك، شجاعا تهكميا ومولعا بالجدل والردود المباشرة اللاذعة والساخرة. ولم يحل هذا الاختلاف دون حصول پاريتو على المنصب. لقد أحرزه، أولا بذكائه وكفاءته وخلفيته الرياضية التي يميل اليها ڤلراس، وثانيا بسبب موضوعية ڤلراس، واخيرا بتأثير توصية پانتليوني.
لقد تمكن پاريتو من تبوء منصب رئاسة قسم الاقتصاد في جامعة لوزان بكفاءة عالية تليق به كخليفة لاقتصادي مخضرم مثل ڤلراس. فكان مثابرا في عمله الأكاديمي وساعيا، ليس فقط لتطوير القسم كوحدة ادارية انما تطوير النظرية الاقتصادية من خلال ذلك الموقع الذي ينظر اليه الاقتصاديون وسواهم بهيبة واحترام. ومن موقعه كأستاذ في القسم، حرص پاريتو على نشر محاضراته بجزئين متتالين عامي 1896 و1897 وقد سمى هذا العمل "كورس في الاقتصاد السياسي" الذي أعتبر فيما بعد كتابه الاول من أصل كتابين أساسيين حملا أفكاره ومساهماته النظرية الهامة. الكتاب الثاني كان قد نشر عام 1906 وكان بعنوان "دليل الاقتصاد السياسي".
في منهجه الاقتصادي، انتقد پاريتو مصطلح المنفعة النيوكلاسيكي الذي وجده غير دقيق واقترح تبديله بمصطلح آخر رآه أكثر انسجاما مع المعنى المقصود. انطوى اقتراحه على استخدام مصطلح Ophelimity بدلا من Utility الذي يعطي انطباعا بالرفاهية في حين ان المصطلح الجديد يشير فقط الى المعنى الاقتصادي المجرد للاستفادة الآنية. كما انه يعير نفسه بأكثر فعالية من مصطلح المنفعة الى الحسابات التكنيكية في التطبيقات الاقتصادية المختلفة. على ان المنفعة تبقى تعبّر عن كل معاني الاستفادة والاستمتاع المادي وكذلك الروحي والمعنوي والأخلاقي. وبهذا فقد تغيرت لديه مصطلحات متصلة، فمثلا مصطلح Marginal Utility اصبح Elementary Ophelimity، كما انه دعا الى اسقاط المنفعة الكاردنالية Cardinal Utilityوتبني المنفعة الاوردنالية Ordinal Utility ، وتحوّل مبدأ المنفعة العام Utilitarianism الى أمثلية پاريتو Pareto Optimality الذي اصبح فيما بعد أشهر مصطلح في علم الاقتصاد، خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين. وربما كان هذا المصطلح هو الذي أعلن هوية جديدة للاقتصاد الجزئي بشقيه، نظرية المستهلك، ونظرية المؤسسة، لاستنادهما على تلك الامثلية كمعيار حاسم معناه ان أعظم تقدم لا يحرز من قبل طرف ما بدون ان يكون على حساب الطرف الآخر، بافتراض اشتراكهما في نفس القضية المحدودة الابعاد (كحالة الاستخدام الكامل للموارد الاقتصادية، مثلا).
ان احداث عام 1890 في إيطاليا وفرنسا وما رافقها من شغب وعنف وتضليل للجماهير المنتفضة من اجل العيش الكريم والتي انتهت بزج المئات وربما الآلاف في السجون أو نفيهم خارج اوطانهم اصابت پاريتو بخيبة أمل كبرى وأحدثت في اعماقه ما يشبه الردة الفكرية. ففي مقالة شهيرة نشرتها صحيفة الـ Rivista بدا پاريتو لاذعا ضد الديمقراطية التي افرزتها الاحداث معيدا الى الاذهان بأن الديمقراطية الحقيقية لا تقوم الا اذا بنيت على نظم الجدارة والكفاءة والعدالة الاجتماعية، وما عدا ذلك سيكون مجرد هراء. وواصل القول بأن الديمقراطية التي تلهج بها الحركات والأحزاب الراديكالية لا تهدف سوى لاستلام السلطة والامساك بها من اجل المنافع والامتيازات دون تحقيق أي تغييرات بنيوية في المجتمع على طريق تهيئته لظروف العيش الكريم. وما نظرياتهم ووعودهم إلا پروپاگاندا سافرة تثير المستضعفين والمهمشين وتدفع بهم الى الشوارع للمطالبة بحقوقهم المسلوبة. كما انه رأى ان لا فرق البتة بين أحزاب اليمين واليسار أو بين الحركات التحررية والاشتراكية، والشيوعية، والنازية، والفاشية. فكلهم سواء على طريق تأليه القادة وادامة سلطاتهم التي تحافظ على الأنظمة الفاسدة.
كان پاريتو مؤمنا بتحليل المادية التاريخية لدى ماركس الا انه اختلف معه في وسائل الوصول لتحقيق هدف الاشتراكية. كان يعتقد جازما بأن تقييد الحرية الاقتصادية مهما كان مصدره ومهما كانت نواياه سيؤول الى تبديد الثروة الوطنية ويظلم القاعدة العريضة من الفقراء والكادحين وسط الشعارات والوعود الجميلة التي يختفي وراء بهرجتها الانتهازيون والفاسدون الذين يلهثون وراء الكسب غير المشروع والسريع، فيما يبقى المغلوبون على امرهم يعانون شظف العيش، وتبقى النظريات الجذابة والاحلام الوردية كالستار الدخاني الذي يحجب انظار الشعوب عن حقائق السلطة والنفوذ والمال. وقد وصل به الغضب ان يصف زعماء الاشتراكية وايديولوجيتهم بـ "ارستقراطية قطاع الطرق"!
وفي مقالة نشرها عام 1902 قال:
لقد باع ماركس الوهم الأكبر للجماهير العريضة، ذلك ان صراع الطبقات لا يزول! ووعود الشيوعية بتأسيس المجتمع اللاطبقي ماهي الا صرعة أيديولوجية تمكّن القادة والمؤسسات الفكرية التي تعمل لصالحهم من الاستمرار في صنع الأوهام.
وفي ضوء هذه الخلفية الفكرية والسياسية، تضمنت بعض مصادر تأريخ الفكر الاقتصادي شيئا من الغموض عن علاقة پاريتو بفاشية موسليني Benito Mussolini (1883-1945). وهنا يمكنني الاستنتاج بأن پاريتو كان قد شجع بعض اجراءات حكومة موسوليني المعلنة في الايام الاولى. تلك الاجراءات التي تناسبت مع فكر وتطلعات پاريتو، كتقليل الضرائب على الملكية وتقليل دور الدولة في الاقتصاد بتحويل العديد من شركات القطاع العام الى القطاع الخاص وتشجيع التطور الصناعي والتضييق على اللبرالية السياسية التي كان پاريتو يعتبرها منفلتة. وفي نفس الوقت حذر السلطة الفاشية من مغبة تقييد الحريات وضرورة الرقابة الشديدة على المسؤولين الذين قد ينحدرون الى درب الفساد. كان موسليني قد ابدى استعدادا للتحول من الاجراءات الاشتراكية الى ما قد يسمى منهج السياسة النخبوية. ولأن پاريتو قد جاء بنظرية النخبة في الاجتماع، فقد أصبح ذلك تبريرا لدى مستشاري موسليني ومن يطبل له أن يستخدموا اسم پاريتو لصالحهم ويدّعون ان الحكومة تهتدي بفكره، خاصة وان موسليني كان أحد طلاب پاريتو في يوم ما! على ان تهمة پاريتو كمرشد للنظام الفاشي التي روجها بعض معارضيه وحساده لم تقو على ان تثبت لضعف ركائزها، خاصة وان پاريتو لم يعش طويلا في ظل النظام الفاشي، فقد أدركه الموت بعد أشهر قليلة من استلام موسوليني السلطة.

في 1906 نشر كتابه الرئيسي الثاني في الاقتصاد بعنوان " دليل الاقتصاد السياسي" الذي قدم فيه علم الاقتصاد البحت بمعالجة رياضية متقدمة من أجل تطوير النظرية الاقتصادية الجزئية وتبنيه التحليل الهندسي الگرافيكي للعديد من المفاهيم، علما ان التركيز كان ينصب على إيجاد صيغة للتوازن الاقتصادي العام عن طريق حل سلسلة من المعادلات التفاضلية التي تمثل كل قطاعات الاقتصاد بمدخلاتها ومخرجاتها.
وكان لأدوات التحليل الاقتصادي نصيبا كبيرا كما في استخدامه الذكي للصياغات التي وضعها أجوورث. والحقيقة ان شهرة "صندوق أجوورث" ومنحنيات السواء كوسائل تحليلية فعالة لم تُعرف الا من خلال استخدامات پاريتو في هذا الكتاب، ولم تشتهر في الوسط الأكاديمي الا بعد الثلاثينات من القرن العشرين، وما يزال يجري العمل بهما الى اليوم كأدوات نظرية اساسية في علم الاقتصاد.
في عام 1907 تقاعد پاريتو من عمله الأكاديمي كرئيس لقسم الاقتصاد في جامعة لوزان. وكان مصمما على دراسة الاجتماع لاعتقاده ان الاقتصاد وحده غير قادر على الاجابة على كل اسئلة الحياة الصعبة، خاصة وان النظرية الاقتصادية تفترض العقلانية والمنطق في السلوك الاقتصادي للأفراد والمؤسسات وتنتهج التحليل الرياضي في الحساب والتقدير وهذا ما يجافي حقيقة ودوافع السلوك الانساني في احايين كثيرة. وقد تمكّن پاريتو من انجاز ثلاثة كتب في الاجتماع بين 1916 و1921.
ولأن زوجته الروسية أليساندرينا قد تركته عام 1901 وهربت مع عشيقها الشاب الذي كان أحد الخدم! لم يفكر پاريتو في الزواج بعدها إلا بعد مرور عشرين عاما. وكمتقاعد وحيد، فقد فضّل ان يسكن في ڤلّة صغيرة قريبة من شواطئ بحيرة جنيفا ويعيش مستمتعا مع عدد من القطط وعدد من خزانات الكتب وصناديق الواين. ولكن بعد فترة تعرف على امرأة فرنسية قبلت ان تشاركه العيش بعد ان تزوجها عام 1923، لكنه لم يكمل تلك السنة معها، فتوفى بعد أشهر من نفس العام.

مبدأ پاريتو Pareto Principle:

ويسمى أيضا قانون پاريتو أو قاعدة پاريتو أو قانون القلة الفعالة. يشير هذا المبدأ الى انه على العموم سنرى ان 80% من النتائج تتأتى من 20% من الاسباب. يعود هذا المبدأ الى الدراسة التي اجراها پاريتو في جامعة لوزان والمنشورة عام 1896 والتي بينت ان 80% من الاراضي في ايطاليا مملوكة من قبل 20% من السكان. بعد ذلك جمع پاريتو احصاءات من بلدان عديدة في أوربا وخارجها، ولحقب زمنية مختلفة، فتكررت لديه نسب مقاربة جدا للنسبة في ايطاليا. بعد ذلك، وخلال الاربعينات من القرن العشرين قام المهندس وخبير الادارة الروماني-الامريكي جوزيف جوران Joseph Juran باختبار تلك القاعدة على عدة مجالات في الادارة فحصل على نتائج متقاربة، فما كان منه إلا ان يعمم هذه القاعدة ويطلق عليها اسم پاريتو بالصيغة التي نعرفها اليوم. وهكذا بدأت هذه القاعدة تتحقق في حقول ومجالات عديدة.
فيما يلي بعض الأمثلة:
80% من المبيعات لسلعة معينة يشتريها 20% من عملاء تلك الشركة
80% من الارباح التي تجنيها الشركات الكبيرة تأتي نتيجة لمجهود 20% من موظفي الادارة العليا.
80% من دخل ومكافآت المستشارين الماليين يأتيهم من 20% من عملائهم.
80% من مبالغ التبرعات تأتي من 20% من مجموع المتبرعين
80% من ايرادات الضرائب تأتي من 20% من دافعي الضرائب
80% من مشاكل الكومبيوتر تختفي نتيجة لمعالجة 20% من الفايروسات الالكترونية.
وقد أصبح معروفا اليوم ان 83% من الدخل العالمي يقع في أيدي 20% من سكان الارض، فيما يحصل 80% من السكان على 17% فقط من اجمالي الدخل العالمي. أما في الولايات المتحدة فيتطرف التوزيع أكثر ليكون 90% من اجمالي الدخل يقع في أيدي 10% من السكان، فيما يحصل 1% فقط من نسبة الـ 10% المباركة على 80% من تلك الـ 90%. ومن هذه النسب المتكررة استنتج پاريتو بأن نظرية الانتاج محكومة بحقيقة أن مدخلات الانتاج ومخرجاته ليست متكافئة التأثير والاثر.

أمثلية پاريتو Pareto Optimality أو كفاءة پاريتو Pareto Efficiency

هي الحالة الاقتصادية التي لا يمكن معها اعادة توزيع وتنظيم الموارد لجعل طرف ما أفضل مالم يصبح طرف آخر أسوء من ذي قبل. فهي اذاً، حالة الاستخدام الكامل التي يصل اليها نظام ما بحيث لا يمكن احراز اي تقدم اضافي بعدها. وان كان احراز اي تقدم في جانب معين امرا ضروريا، فسوف لن يكون ذلك التقدم ممكننا إلا على حساب تراجع او خسارة جانب آخر في نفس النظام. فلو كان نظام المنافسة الحرة كاملا تاما كما تفرضه بعض النظريات وتصفه بنظام المنافسة الحرة التام، لأصبح من الممكن ان يصل الى تلك الحالة المثلى التي يصفها پاريتو.
لنفترض ان هناك قدرا من البطالة المقنعة في القطاع الزراعي وهناك في نفس الوقت حاجة لمزيد من العمال في القطاع الصناعي. عندئذ سيكون من المناسب سحب عدد العمال المطلوب من القطاع الزراعي وتشغيلهم في القطاع الصناعي لسد العجز في كمية العمل وتحقيق الزيادة في الانتاج. هذه الحالة لا تصف أمثلية أو كفاءة پاريتو، انما تنفيها! وذلك بسبب امكانية تصعيد اجمالي الانتاج من خلال زيادته في القطاع الصناعي بدون أي تقليل في انتاج القطاع الزراعي نظرا لسهولة الاستغناء عن بعض العمال فيه. ولو كان القطاع الزراعي في حالة تشغيل العدد الامثل من العمال لكان من الصعوبة الاستغناء عن اي منهم وسوف لن يكون بمقدور القطاع الصناعي ان يزيد من انتاجه الا اذا كان ذلك على حساب الحاق الضرر في القطاع الزراعي، وهذا ما يصف حالة كفاءة پاريتو.

وفي الختام يمكننا القول بأن على يدي هذا الاقتصادي الايطالي اللامع انتقل الاقتصاد نقلة نوعية من حقل وصفي يعتمد المنطق والفلسفة والاخلاق الى علم حديث يعتمد البحث العلمي والتحليل الرياضي والاحصائي، وتلك كانت من أعظم المساهمات في تاريخ الفكر الاقتصادي.

مصـــادر مختـــارة

Amoroso, L (1938). Vilfredo Pareto, Econometrica, Vol. 6, No. 1, Jan. .
Blaug, M. (1986). Great Economists before Keynes. Cambridge: Cambridge University Press.
Bruno, G. (1987). Pareto, Vilfredo. The New Palgrave: A Dictionary of Economics, v. 5, pp. 799–804.
Femia, J. V. (2006). Pareto and Political Theory
https://en.wikipedia.org/wiki/Vilfredo_Pareto
https://thedecisionlab.com/thinkers/philosophy/vilfredo-pareto
https://www.britannica.com/money/Vilfredo-Pareto
https://www.city-journal.org/article/review-of-vilfredo-paretos-contributions-to-modern-social-theory
https://www.econlib.org/library/Enc/bios/Pareto.html
https://www.goodreads.com/author/show/386776.Vilfredo_Pareto
https://www.hetwebsite.net/het/profiles/pareto.htm
https://www.investopedia.com/terms/p/paretoprinciple.asp
https://www.libertarianism.org/topics/vilfredo-pareto-1848-1923
https://www.newworldencyclopedia.org/entry/Vilfredo_Pareto
https://www.oxfordreference.com/display/10.1093/oi/authority.20110803100306247?d=%2F10.1093%2Foi%2Fauthority.20110803100306247&p=emailA0TMYn0jImESc
Mornati, F.(2018)., Vilfredo Pareto: An Intellectual Biography Vol. I, From Science to Liberty (1848-1891), London: Palgrave Macmillan.
Pareto, V. (1896). Course in Political Economy. Translated by Luigino Bruni (1997).
Pareto, V. (1906). Manual of Political Economy. Translated by Ann Schwier. New York: Skousen, M. (2009). The Making of Modern Economics. New York: M



#مصدق_الحبيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 12: فرانسس إيجوورث (1845-1926) ...
- الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 11: ألِفرَد مارشل (1842-1924) A ...
- الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 10: كارل مَنگر (1840 - 1921) Ca ...
- الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 9: وليم ستانلي جڤنز (1835 ...
- الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 8: ليون ڤلراس (1834-1910) ...
- الاقتصاديون المؤسسون/الحلقة 7: كارل ماركس (1818-1883) Karl H ...
- الاقتصاديون المؤسسون/الحلقة 6: جون ستيورت مِلْ (1806-1873) J ...
- الاقتصاديون المؤسسون/الحلقة 5: ديفد ريكاردو (1772 - 1823) Da ...
- الاقتصاديون المؤسسون/الحلقة 4: ژان باپتيست سَي (1767 - 1832) ...
- الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 3: تومَس مالثُس (1766-1834) Tho ...
- الاقتصاديون المؤسسون: الحلقة الثانية/ جِرَمي بَنثم (1748-183 ...
- الحلقة الأولى: آدم سمث (1723 - 1790)
- الاقتصاديون المؤسسون - آدم سمث (1)
- همسة عن السياب وموقفه الفكري
- تفعيل الديمقراطية لمعالجة ازمات الراسمالية
- تشريح المعرفة
- وفاءً لمحمود صبري: عرض موجز لكتاب الدكتور حمدي التكمة چي
- ذاكرة اعتقال .. واعتقال الذاكرة
- مالعمل بعد التظاهرة الكبرى الاولى؟
- عن الامانة الاكاديمية والالتزام العلمي


المزيد.....




- -قوة وقيصر-.. ترامب يعلن عن خططه بشأن الذكاء الاصطناعي
- شاهد.. إعصار نادر يرسم مشهدًا استثنائيًا فوق جبال ولاية يوتا ...
- تقارير تؤكد زيارة خبراء من الحرس الثوري الإيراني مناطق مطلة ...
- اشتداد المعارك في اليمن.. وخبراء من الحرس الثوري زاروا -باب ...
- موسكو: نظام التصويت الإلكتروني يصد الهجمات السيبرانية والانت ...
- مائدة كامل الوزير تشعل الجدل في مصر.. صور زفاف باذخ تتحول إل ...
- انتخاب رئيس أركان الجيش الألماني رئيسا جديدا للجنة العسكرية ...
- الجيش الإيراني يرد على تصريحات قائد -سنتكوم-: ادعاءات مضللة ...
- نقيب المحامين من الشرقية: نسعى لخدمة أعضاء الجمعية العمومية ...
- رائحة مزعجة رغم تكرار الغسيل.. الحل قد يبدأ قبل تشغيل الغسال ...


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مصدق الحبيب - الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 13: ولفريدو پاريتو (1848-1923) Vilfredo Pareto