أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مصدق الحبيب - الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 11: ألِفرَد مارشل (1842-1924) Alfred Marshall















المزيد.....


الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 11: ألِفرَد مارشل (1842-1924) Alfred Marshall


مصدق الحبيب

الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 00:16
المحور: قضايا ثقافية
    


اكتسب مارشل شهرته الواسعة باعتباره أحد أكبر المؤثرين في مسيرة تطور علم الاقتصاد. فاذا كان آدم سمث يُعتبر أبو الاقتصاد الأول، فان مارشل يصلح ان يكنى بأبي الاقتصاد الثاني. وباستثناء جماعة الحديين، فهو ربما كان أول من جسد على نطاق أوسع وأدق انتقال مدرسة الفكر الاقتصادي من المرحلة الكلاسيكية الى المرحلة النيوكلاسيكية، حيث كانت مساهماته أكثر شمولا، وأحسن تنظيما وأعمق تأثيرا. كما انه عُرف كأول النيوكلاسيكيين الذين وفقوا بين نظريتي قيمة السلعة السائدتين آنذاك، النظرية الكلاسيكية الموضوعية التي تعتمد كمية العمل المبذول في انتاج السلعة وبالتالي كلفة الإنتاج او جانب العرض، والنظرية الحدية الذاتية التي تعتمد على مدى منفعة المستهلك من السلعة أو جانب الطلب. وهو كذلك أول من نقل منهج الاقتصاد نقلة نوعية كبيرة باتجاه استخدام المعالجات الرياضية، رغم انه كان واضحا في رغبته بتجنيب حقل الاقتصاد من ان يصبح علما تكنيكيا بحتا ويتخلى عن طبيعته الوصفية التي أرادها أن تبقى بمتناول الدارسين غير الأكاديميين. كما انه كان يخشى من ان التطرف في استخدام الرياضيات والاحصاء كتطبيقات اقتصادية قد يجعل العلم يفقد العلم خصوصيته بجعله هجينا ويجذب فقط أولئك الشباب المتحمسين للتعمق فقط في البحث الأكاديمي فيكون بعيدا عن البحوث التطبيقية العامة وتلك التي تتم فيها معالجة المشاكل الاقتصادية التي تمس حياة الناس مباشرة.
إضافة الى ذلك، فقد عُرف مارشل ايضا بكونه المؤسس لمدرسة كمبرج النيوكلاسيكية في الاقتصاد، والسادن لشؤونها الفكرية والمهنية، باعتباره الشخصية الاكاديمية التي اكتسبت الاحترام واصبحت ذائعة الصيت، خاصة في حقل النظرية الاقتصادية الجزئية، في بريطانيا وما ورائها لعقدين او ثلاثة عقود، أو على الأقل من عام 1890 تاريخ نشر كتابه الرئيسي "مبادئ الاقتصاد" ولغاية وفاته عام 1924.
ولد مارشل في لندن عام 1842 كثاني خمسة أطفال لعائلة شبه برجوازية، حيث كان والده يعمل مديرا في مجال المصارف ومعروفا لدى دوائر ومجتمع بنك انگلترا. وهو الوالد ذو التوجهات التبشيرية البروتستانتية، لكن ألِفـْرَد نشأ ليكون فيما بعد مؤمنا بالعقيدة الليبرالية الجورجية والميول الاشتراكية بتوجهاتها الاقتصادية والاجتماعية كضرورة دحر الفقر واحلال العدالة الاجتماعية والالتزام بتشكيل اتحادات العمال والمهنيين من أجل صيانة حقوقهم المشروعة، وتعليم المرأة وتحريرها وفتح مجالات العمل لها. ومن حسن الحظ ان ألِفـْرَد واخوته كان لديهم والدان اهتما بتوفير التعليم الجيد لأطفالهما واستطاعا ان يرسلهم الى المدارس الخاصة، وليس بالضرورة الى المدارس الدينية.
كان ألِفـْرَد قد أبدى نبوغا مبكرا، فعمد والداه لإرساله للتعليم في مدرسة مرچنت تيلر Merchant Taylor’s School الخاصة ذات السمعة الاكاديمية الرصينة، ثم الى كلية سانت جون في كمبرج St. John College، وهما من المدارس التي تتطلب معدلات عالية للقبول. ولم يكن صعبا على ألِفـْرَد أن يتفوق فيهما، فقد حصل في كلية كمبرج على الدرجة الثانية في عموم الكلية خلال امتحان الشرف العام الخاص بالرياضيات Cambridge Mathematical Tripos. ولذا فقد انتخب زميلا في الكلية وهو بعمر 23 عاما. في مرحلته الجامعية بدأ بدراسة الفيزياء لكنه لم يطق مواد الدراسة ومنهجها، فبدأ يتململ ويتكاسل ويتأزم نفسيا، لكنه سارع الى انقاذ نفسه من الانهيار العصبي بانتقاله الى دراسة الفلسفة، التي سرعان ما أصبح شغوفا بها، خاصة القسم المتعلق بدراسة فلسفة أصل المعرفة وعلاقتها باللاهوت. ولذلك فقد درس الميتافيزيقيا والأخلاق. وهذا الصنف من الدروس، كما صرح هو لاحقا، هو الذي قاده الى دراسة الاقتصاد. كما يعترف مارشل في كتابه مبادئ الاقتصاد السياسي (ص 74) ان أحد زملائه الذي كان غالبا ما يشتبك معه في نقاشات علمية وفلسفية حامية كان السبب الرئيسي في اثارة حب الاستطلاع والاهتمام لديه بدراسة الاقتصاد. ولم ينس عبارة ذلك الزميل الاثيرة التي كان يرددها على مسامعه في كل نقاش: "لو أنك كنت قد عرفت وفهمت الاقتصاد السياسي لما قلت كذا وكذا". وبالفعل كان لذلك الزميل وللدروس التي اختارها، الأثر الكبير في دفعه الى التركيز على دراسة الاقتصاد دراسة عميقة فانكب على قراءة كل ما استطاع من كتب آدم سمث وريكاردو وجون ستِوَرت مِلْ والاقتصاديين الاوائل.
بدأ مارشل عمله الأكاديمي كمحاضر في كلية باليُل Balliol College في اوكسفورد، ثم انتقل منها الى كلية سانت جون بعد ثلاث سنوات، أي في عام 1868، حيث عُيّن محاضر في قسم العلوم الاجتماعية والأخلاق. وهنا بدأت قصة حبه مع ميري پيلي Mary Paley التي درست الاقتصاد وكانت احدى طالباته، ومن أُولى النساء اللائي قُبلن في كمبرج. فی عام 1877 تزوج مارشل من پيلي فكان عليهما ان يستقيلا من العمل طبقا لأنظمة الجامعة آنذاك التي لا تسمح بتواجد الزوجين معا في هيئاتها التدريسية. هذا ما حدا بهما ان ينتقلا الى جامعة برستل Bristol Universityويعملا معا في التدريس والبحث لغاية 1884 حيث عادا الى كمبرج ليصبح مارشل استاذا للاقتصاد ويحل محل استاذ الاقتصاد المخضرم هنري فوست Henry Fawcett الذي توفاه الاجل عام 1885. خلال عمله في كمبرج سطع نجم مارشل فتربع على قيادة الفكر الاقتصادي وتمكن من جذب العديد من المواهب الشابة من زملائه وطلابه، فكان من بينهم اولئك الذين اصبح لهم فيما بعد شأنا عظيما في حقل الاقتصاد كآرثر بيگو Arthur C. Pigou وجون مينرد كـَنز John M. Keynes الذي اصبح اسمه فيما بعد نارا على علم. أمضى مارشل في كمبرج ثلاثة وعشرين عاما حتى تقاعده من العمل الأكاديمي عام 1908 وتسلميه رئاسة القسم الى زميله وتلميذه سابقا آرثر پيگو Arthur Pigot
في تعريفه لعلم الاقتصاد السياسي، كتب ألفرد مارشل:
"الاقتصاد أو الاقتصاد السياسي علم يدرس الانسان وحاجاته في حياته اليومية، ويختبر ذلك الجزء من الفرد، وكذلك من المجتمع، الوثيق الصلة في رغبة وقدرة كل منهما للحصول على الحاجات المادية التي تشبع رغباته"
يتضح جليا من هنا ان مارشل وضع تركيزه على كيفية اشباع الانسان، الفرد والمجتمع، للحاجات المادية الضرورية لضمان السعادة والعيش الكريم. وبالتأكيد فان التركيز على الكيفية يشمل تصرف الانسان إزاء اشباع حاجاته المادية. فبفهم تصرف الانسان يمكن وضع القوانين التي تحكم الاشباع للوصول الى الطريقة الأفضل لتحقيق الهدف. فها هو قد رأى في الاقتصاد اهمية اجتماعية ومسؤولية كبيرة في تلبية الحاجات المادية للمجتمع كما أدرك ان هذا الامر مرتبط ارتباطا وثيقا بطبيعة القوى الاجتماعية والسياسية السائدة في اي مجتمع. ومن هنا برزت توجهاته الليبرالية الاشتراكية ونضجت مواقفه الانسانية الملتزمة.
كانت أغلب مساهمات مارشل الاقتصادية النظرية في كتابه الرئيسي الشامل، مبادئ الاقتصاد، الذي بدأ بالتخطيط له كمشروع أساسي شامل عام 1881، والذي أراده ان يكون بجزئين ليضم كل افكاره الاقتصادية، المبتكرة والمحورة ممن سبقه. وقد تمكن ان يكمل وينشر الجزء الاول عام 1890، وبقي يعمل على اكمال الجزء الثاني حتى بعد تقاعده من المهمات الاكاديمية الجامعية، لكن الموت أدركه عام 1924 وهو لم يكمل ما خطط له. على انه كتب الكثير في مواضيع اخرى وانجز مهام عديدة خلال تلك الاثناء. كان الجزء الاول سفرا ضخما ضم أكثر من 870 صفحة من الحجم الكبير وطبع مرات عديدة وأصبح الكتاب المعتمد الاول في تدريس علم الاقتصاد في أورُپا وما ورائها، خاصة خلال النصف قرن الذي تلا وفاة مارشل.
أهم ما جاء في كتاب المبادئ هذا هو طروحات مارشل الاصلية اضافة الى ما قام بتنقيحه وتنظيمه من افكار ما سبقه من اقتصاديين، خاصة وليم ستانلي جـِڤنز. من الموضوعات التأسيسية التي بقيت تنير معرفتنا الى اليوم هي مفاهيم فائض المستهلك وفائض المنتج ومرونة الاستهلاك والفرق بين مديات الانتاج الزمنية التي صنفها الى قصيرة وطويلة ومتوسطة المدى، والفرق بين الكلفة الثابتة والمتغيرة والفرق بين التوازن الاقتصادي العام والتوازن الجزئي. ومن مساهماته الكبرى ايضا صياغة قوانين العرض والطلب وتمثيلها بمنحنيات هندسية وتعيين نقطة توازن السوق، وكذلك شرح الفرق بين التغيير في الكميات المطلوبة على شكل انزلاق على طول المنحنيات الذي تسببه تقلبات السعر لوحدها، وبين ارتحال كامل المنحنيات يمينا وشمالا بموجب تغييرات اخرى غير السعر كالتحولات في دخل المستهلك أو ذائقته. نظر مارشل للعلاقة بين منحنى الطلب ومنحنى العرض باعتبارها تجسيدا للعلاقة بين طلب المستهلك المبني على منفعته وامكانية انتاج السلعة واستعداد المنتج لبيعها المبنيتان على كلفة الانتاج.
يقول مارشل في كتاب المبادئ:
"بإمكاننا ان نتساءل فيما اذا كان حد المقص الأعلى ام حده الأسفل هو الذي يقص الورق فعلا! كما لو نتساءل فيما اذا كانت القيمة تعزى لمنفعة السلعة أو لكلفة انتاجها! والجواب قد يكون انه من الممكن ان نحصل على قطع ما للورق اذا ثبتنا احد حدي المقص وحركنا الحد الآخر! ولكن لا نستطيع مع هذه الحالة ان نقول بثقة عالية ان قطع الورق كان من عمل ذلك الحد المتحرك فقط. تصريح مثل هذا قد يكون من قبيل الكلام العام لكنه لا يمكن ان يرتقي للاستنتاج المنطقي العلمي".
وواضح ان ما يقصده مارشل هنا هو توضيح حقيقة ما يجري في السوق لبعض السلع وكيف يتحدد سعرها بناءً على ظروف معينة للعرض والطلب. فقد يحدث ان يكون أحدهما ثابتا أو غير مؤثر بسبب ظرف معين، فيما يبقى الآخر فاعلا ومؤثرا. وبهذا سيتقرر سعر السلعة، على الاغلب، اعتمادا على الطرف الفاعل وظروفه. وهنا أوضح مارشل بأنه في المدى القصير تميل ظروف الطلب الى التأثير على السوق والسعر اكثر مما تفعله ظروف العرض او كلفة الإنتاج. ولكن في المدى الابعد تنقلب الآية وتصبح ظروف العرض او ما يقرر كلفة الإنتاج هي المؤثر الأكبر على السوق، وبالتالي على السعر. وكانت تلك هي المرة الأولى التي يشار فيها الى أهمية الأفق الزمني بين المدى القصير والمدى البعيد. وبالنتيجة النهائية فان الطرفين يؤثران في عملية تكوّن القيمو، وبالتالي تقرير السعر.
أما كنز، الذي يعتبر مارشل الأستاذ الذي ألهمه، فقد كتب يقول:
"لقد وضع مارشل النهاية الأخيرة المقنعة للجدال حول ما اذا كانت كلفة الإنتاج (جانب العرض) أو منفعة المستهلك (جانب الطلب) هي العامل الذي يقرر قيمة السلعة، وبالتالي سعرها في السوق، وذلك بتأكيده ان الطرفين يعملان معا على تقرير القيمة".
من الجدير بالذكر هنا هو ان مارشل لم يبتكر منحنيات الطلب والعرض لان هناك من سبقه في ذلك كـ كورنو Cournot (1838) و راو Rau (1841) و دوپي Dupuit (1844) و مانگولت Mangoldt (1863) وجنكن Jenkin (1870) و جـِڤنز Jevons (1871)، إلا ان مارشل قدم تلك المنحنيات بطريقة أوضح وحوّر طريقة رسمها الى ما نعرفه اليوم. ولم يكن أحد ليدعي منذ ذلك اليوم ان ما فعله مارشل هو الاصح من بين ما سبقوه، لكن تيار المعرفة الاقتصادية تبع ما اختطه مارشل على أية حال.
من الاسئلة الجوهرية التي يواجهها طلاب الاقتصاد ودارسيه في كل مكان هو سؤال: لماذا ندرس منحنيات الطلب والعرض بعكس ترتيبهما الاعتيادي السائد بموجب تقاليد التحليل الرياضي؟ أي لماذا نضع السعر على المحور العمودي، وهو المتغير المستقل، ونضع الكمية على المحور الافقي، وهي المتغير المعتمد؟ أليس هذا خلاف المبدأ الرياضي المعروف الذي يضع العامل المستقل على المحور الافقي والمعتمد على العمودي؟ ولكن لم يكن هناك جوابا علميا شافيا لتبرير ذلك سوى ان ذلك هو ما فعله مارشل. أما من سبقه ممن ذكرناهم اعلاه فقد انقسموا بين من فعل مثل مارشل وبين من خالفه.
من خلال استخدام مارشل لنظرية المنفعة الحدية نعرف اليوم ان مفهوم توازن المستهلك ينطوي على تساوي المنفعة الحدية من السلعة مع السعر الذي يدفعه المستهلك. ونعرف ايضا ميكانيكية تزايد وتناقص معدلات العائد الحدي من أي فعالية وليس بالضرورة جراء استهلاك سلعة ما. ويدين حقل الاقتصاد الجزئي لمارشل توضيحه مفهوم فائض المستهلك الذي ينشأ عن تراكم الفروقات بين قيمة السلعة للمستهلك وسعرها على طول عدد الوحدات التي يشتريها المستهلك ولغاية آخر وحدة، التي تتساوى عندها القيمة مع السعر. فمثلا إذا قرر المستهلك ان يشتري خمس برتقالات بسعر دولار للواحدة منها، فانه سيكون قد أدرك ضمنا بأن العدد خمسة لم يأت اعتباطا انما لان البرتقالة الخامسة ستتساوى عندها المنفعة مع دولار واحد. ولو كان السعر اقل من دولار لكان المستهلك قد اشترى أكثر من خمسة، ولو كان السع أكثر من دولار لاشترى اقل من خمس برتقالات. في هذه الحالة سيجني المستهلك قيم أكبر من ان تتساوى مع دولار واحد للبرتقالات الاربع الاولى، ابتداءً من اعلى قيمة للبرتقالة الاولى ونزولا لأقل قيمة للبرتقالة الرابعة. على ان كل هذه القيم التقديرية بنظر المستهلك تكون أكبر من دولار واحد، ولا تكون مساوية لدولار واحد الا عند البرتقالة الخامسة والاخيرة. لنفترض الان ان قيم البرتقالات الخمس ستكون كما يلي:
الاولى = -$-1.25
الثانية = -$-1.20
الثالثة = -$-1.15
الرابعة = -$-1.05
الخامسة = -$-1.00
القيمة الكلية = -$-5.65
السعر الكلي = (-$-5.00 x 5) -$-5.00
الفرق المتراكم = -$-0.65
وهذا هو الفائض في القيمة الذي يستحصله المستهلك والذي يحفزه لشراء خمس برتقالات، لا أكثر ولا اقل، وذلك بموجب تقديراته، بافتراض ان تقديرات المستهلك عقلانية. وبنفس الطريقة سيكون هناك فائضا للمنتج مساويا للفرق بين ايراده وكلفة انتاجه.
يقول مارشل:
"ان ما يحصل عليه المستهلك من منفعة زائدة في تقديره عن السعر الذي يدفعه هي ما تجعل المستهلك يفضل شراء تلك السلعة دون غيرها"
وواضح ان في ذلك منطق الحكمة لأي مستهلك، بغض النظر عن مستوى وعيه ومعرفته! بل اعتمادا فقط على الفطرة. فلا يمكن ان نتصور بالمنطق المعقول ان احداً يدفع لسلعة ما سعرا، يعتقد هو في تقديره، أكبر من قيمتها لديه!
من التطبيقات الحيوية الهامة لفائض المستهلك والمنتج التي نوه اليها مارشل هو امكانية تغير قناعة ورضا الناس عن السياسات الاقتصادية التي تنتهجها الحكومة كسياسة الانفاق العام والضرائب وسياسات انتاج القطاع العام. مثل هذه التطبيقات تطورت فيما بعد واصبحت اساسا لما سمي بعدئذ اقتصاد الرفاه Welfare economics.
ولابد هنا من التنويه بأن فائض المستهلك Consumer’s surplus وفائض المنتج Producer’s surplus مفهومان يختلفان عن فائض القيمة Surplus value الذي اشار اليه ماركس.

تعزى شعبية وفائدة مفهوم المرونة وتطبيقاتها المتعددة الى ما أوضحه مارشل حول مرونة الطلب المرتبطة بتغيرات سعر السلعة او تلك المرتبطة بتغيرات دخل المستهلك.
والمرونة Elasticity هنا هي الاداة التحليلية لقياس مدى استجابة طلب المستهلك لتغيرات السعر او الدخل. ومما قدمه مارشل لمعرفتنا الاقتصادية ايضا هو التفريق بين الاقتصاد الديناميكي المتغير Dynamic والاقتصاد السكوني الثابت Static وذلك عبر إدراك ثلاثة عوامل مؤثرة عبر الوقت. وهذه العوامل هي:
- حالة ودرجة التكنولوجيا
- حالة الأسواق
- ذائقة المستهلك.
على ان هذه العوامل تتفاعل فيما بينها أيضا لتنتج هجينا من التأثيرات.
لم تقتصر مساهمات مارشل النظرية على ماورد في كتاب المبادئ، انما افصحت كتاباته الاخرى عن مساهمات مهمة في دراسة المنظمة الصناعية واحوال التجارة والائتمان والنقود، وطرق البحث العلمي خاصة في حقل الاقتصاد. ففي عام 1919صدر له كتاب الصناعة والتجارة، وفي عام 1923 صدر له آخر كتبه بعنوان النقود، الائتمان والتجارة.
فيما يخص منهج البحث والمعرفة، نجد هنا ما يلخص فلسفة مارشل في التعامل مع الظواهر الاقتصادية بطريقة علمية. فقد جاء في كتاب المبادئ:
" الحقائق تبقى صامتة وتحجم عن ان تُعلمنا بأي شيء، مالم نجد من يفسرها بالحجة المنطقية والبرهان العلمي" (ص74). كما جاء ايضا:
" علينا ان نفك مغاليق المفاهيم الاقتصادية قبل ان نخضعها للتطبيق العملي في صياغة القوانين أو وضع السياسة الاقتصادية".
وبذلك يتضح منهج مارشل الذي عرف بتوخي الدقة العلمية التي رآها تتعزز أكثر ويسهل استيعابها باستخدام وسائل التحليل الرياضي رغم انه كان مصرا على عدم مقاطعة القارئ بسلسلة المعادلات والاستنتاجات والبراهين الرياضية وفضل ان يضعها في الهوامش والملاحق للتركيز على فحوى النص الوصفي وتأمين انسيابيته، ولكي تبقى تلك الهوامش والملاحق مفيدة لإوائك الذين يسعون الى الاستزادة في الشرح والتوضيح. وبذلك فان هناك شبه اجماع على ان مارشل هو الاقتصادي الهام الذي مكن الاقتصاد ان يكون عِلما رسميا معززا بالسمعة الطيبة والأرث التحليلي الواسع اللذان تركهما بعده.

مصـــادر مختـــارة
Blaug, M.(1986). Great Economists before Keynes. Cambridge: Cambridge University Press.
https://en.wikipedia.org/wiki/Alfred_Marshall
https://inomics.com/blog/alfred-marshall-1543400
https://lux.collections.yale.edu/view/person/a77831d4-6a26-4d3e-b0c9-fcdfbe275fbf
https://thedecisionlab.com/thinkers/economics/alfred-marshall
https://thedecisionlab.com/thinkers/economics/alfred-marshall
https://www.britannica.com/money/Alfred-Marshall
https://www.econlib.org/library/Enc/bios/Marshall.html
https://www.econlib.org/library/Enc1/bios/Marshall.html
Hunt, E. (2002) History of Economic Thought. New York: M.E. Sharpe Publications.
Keynes, J. (1924). Alfred Marshall, 1842–1924. The Economic Journal 34#135 September.
Marshall, A.(1891). Principles of Economics. London: MacMillan & Co.
Marshall, A.(1894). Elements of Economics of Industry. London: MacMillan & Co.
Marshall, A.(1938). Principles of Economics: An Introductory Volume. London and New York: MacMillan & Co.
Reisman, D. (2013). Alfred Marshall: Progress and Politics. New York: Taylor & Francis.
Skousen, M.(2009). The Making of Modern Economics. New York: M.E. SharpenPublications.
Tullberg, R M..(2004). Alfred Marshall (1842–1924). Oxford Dictionary of National Biography.



#مصدق_الحبيب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 10: كارل مَنگر (1840 - 1921) Ca ...
- الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 9: وليم ستانلي جڤنز (1835 ...
- الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 8: ليون ڤلراس (1834-1910) ...
- الاقتصاديون المؤسسون/الحلقة 7: كارل ماركس (1818-1883) Karl H ...
- الاقتصاديون المؤسسون/الحلقة 6: جون ستيورت مِلْ (1806-1873) J ...
- الاقتصاديون المؤسسون/الحلقة 5: ديفد ريكاردو (1772 - 1823) Da ...
- الاقتصاديون المؤسسون/الحلقة 4: ژان باپتيست سَي (1767 - 1832) ...
- الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 3: تومَس مالثُس (1766-1834) Tho ...
- الاقتصاديون المؤسسون: الحلقة الثانية/ جِرَمي بَنثم (1748-183 ...
- الحلقة الأولى: آدم سمث (1723 - 1790)
- الاقتصاديون المؤسسون - آدم سمث (1)
- همسة عن السياب وموقفه الفكري
- تفعيل الديمقراطية لمعالجة ازمات الراسمالية
- تشريح المعرفة
- وفاءً لمحمود صبري: عرض موجز لكتاب الدكتور حمدي التكمة چي
- ذاكرة اعتقال .. واعتقال الذاكرة
- مالعمل بعد التظاهرة الكبرى الاولى؟
- عن الامانة الاكاديمية والالتزام العلمي
- كلمتان، لاغير !!
- إبراهيم كبّة: كلمة وفاء في ذمة الخلود


المزيد.....




- عراقجي يبحث مع نظيريه السعودي والتركي الاستقرار الإقليمي وأم ...
- الحرس الثوري الإيراني يعلن مهاجمة زورق أمريكي مسير
- الدفاع الروسية: تزايد استخدام جنود أوكرانيين رموز QR للتواصل ...
- -لا تملك أي سيطرة على حدودها-.. ترامب يصف وضع إسبانيا بالمحز ...
- إندونيسيا: رماد بركان أناك كراكاتاو يوقف 209 رحلات في مطار ج ...
- الجيش الإسرائيلي يصدر إنذارا عاجلا لسكان عربصاليم جنوب لبنان ...
- الجيش الإسرائيلي يجري مناورة مفاجئة للتعامل مع سيناريو متعدد ...
- هانتر بايدن لا يستبعد الترشح للرئاسة الأمريكية ويحدد الشريحة ...
- بعد 4 أيام من الترقب.. انتشال جثة الطفل أيوب من بئر في الجزا ...
- عاجل | مراسل الجزيرة: غارتان إسرائيليتان على بلدة النبطية ال ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مصدق الحبيب - الاقتصاديون المؤسسون/ الحلقة 11: ألِفرَد مارشل (1842-1924) Alfred Marshall