مصدق الحبيب
الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 22:13
المحور:
قضايا ثقافية
هو الفيلسوف والاقتصادي وعالم الاجتماع الامريكي ومؤسس مدرسة الاقتصاد النمطي المؤسساتي Institutional Economics، وكذلك مؤسس مدرسة البحث الاجتماعي التي عرفت باسم المدرسة الجديدة The New School for Social Research. وهو أيضا صاحب "نظرية الطبقة المترفة" الذي اعتبره بعض مؤرخي الفكر الاقتصادي بأنه من أبرز مفكري ما سمي بعصر التقدم The Progressive Era في الولايات المتحدة الامريكية الذي شمل الثلاثة عقود الأولى من القرن العشرين، التي حدث ان تكون الثلاثة عقود الأخيرة من حياة فبلن. ولأنه عُرف بسبب انتقاداته اللاذعة للمؤسسات الربحية واساليبها في الإنتاج والتوزيع والعمل، فقد كان ڤبلن المحفز الكبير لظهور مجموعة من الاقتصاديين الذين انهمكوا في التحليل اللا-ماركسي لنظم الرأسمالية والفاشية والتطور التكنولوجي.
ولد ثورستين ڤبلن عام 1857 في كيتو بولاية وسكنسن الامريكية. وكان الطفل الرابع من بين 12 طفلا أنجبهم والداه اللذان هاجرا عام 1847 من النرويج الى أمريكا في رحلة بحرية طويلة ومضنية دامت أربعة شهور ونصف. كان ذلك قبل ان يولد ثورستين بعشر سنوات. وبسبب حالة الوالدين المتواضعة وعدم معرفتهم اللغة الإنگليزية، بقيت العائلة ملتصقة بالبيئة المحلية للمهاجرين الإسكندنافيتين، ولم تندمج سريعا مع المجتمع الامريكي، الامر الذي حال دون تعلم ثورستين اللغة الإنگليزية جيدا إلا في سني مراهقته الاولى. في البدء بذل الوالدان جهودا بليغة من اجل اعالة عائلتهما الكبيرة. فكان على الوالد ان يستثمر مهارته في النجارة وصنع الأثاث والهياكل الخشبية وبذلك فقد تمكن من جمع مبلغ كاف لشراء قطعة ارض صغيرة في ولاية منِسوتا، واستطاع ان ينقل عائلته الى هناك عام 1865، أي عندما كان ثورستين ما يزال طفلا في الثامنة من عمره. وبفضل امتلاك قطعة الأرض تلك، اصبح والد ثورستين مزارعا يعمل لنفسه لما تبقى من حياته.
أكمل ثورستين دراسته الابتدائية والثانوية ودخل كلية كارلتن في منسوتا متأخرا عن اقرانه. كان ذلك عام 1880، وكان ثورستين قد أكمل سنته الثالثة والعشرين. لكن ثورستين أنهى البكالوريوس بتفوق وعزم على ان يواصل دراسته العليا في جامعة جون هوبكنز في ميريلاند التي حصل على الماجستير منها عام 1882. بعد ذلك انتقل الى ولاية كنتيكت لدراسة الدكتوراه في جامعة ييل التي نال منها الشهادة عام 1884. كانت دراسته هذه في الفلسفة مع التركيز على الفلسفة الاخلاقية للفيلسوف كانت Kant، فكانت اطروحته بعنوان "الأسس الأخلاقية لمبدأ الثواب والعقاب". كان ثورستين محظوظا من حيث انه درس على يد نخبة من الاساتذة المتميزين آنذاك: الاقتصادي النيوكلاسيكي جان بيتس كلارك John Bates Clark في كلية كارلتن، وهو مؤسس المدرسة البراگماتية. وچارلز ساندرز پيرس Charles Sanders Peirce في جامعة جون هوبكنز، والاقتصادي الليبرالي وليم گرام سمنر William Graham Sumner في جامعة ييل. لكن المفارقة الكبرى هي ان فبلن لم يتأثر بأفكار أي من اولئك الاساتذة اللامعين أو يتبنى أي منهج من مناهجهم، انما كان العكس! فقد رفض ثورستين طروحاتهم جميعا واتخذ اتجاها خاصا به.
بعد نيله الدكتوراه من ييل وتحت اشراف واحد من أفخرالاساتذه هناك، لم يستطع ثورستين الحصول على عمل أكاديمي كما كان يرغب، رغم سعيه الحثيث لذلك. يرجّح الكثيرون بأن هناك أكثر من سبب لتفسير عدم رغبة الجامعات في كسب ذلك الشاب المتوقد الذهن:
1. موقفه التشكيكي الواضح من الدين والمؤسسات الدينية، وتصريحه العلني باعتبار نفسه من "اللاأدريين" Agnostic من الناحية الدينية، في وقت كانت أغلب الجامعات تنتمي بشكل أو بآخر الى الكنيسة أو تحابيها وتراعي مصالحها.
2. استقلاليته الفكرية وكتاباته الثائرة الانتقادية للأوضاع الراهنة.
3. عدم اهتمامه بمظهره بشكل يناسب ما كان متوقعا آنذاك من مظهر مقبول للذين يعملون في سلك التعليم الجامعي.
ولذلك فقد بقي ڤبلن بدون عمل وبدون دخل لمدة ثمان سنوات بعد تخرجه عام 1884. وخلال تلك الفترة الطويلة كان يعتمد بشكل رئيسي على مساعدات مالية من عائلته وعائلة زوجته.
في عام 1892 قرر ڤبلن ان يعود لدراسة الاقتصاد لما بعد الدكتوراه في جامعة كورنيل في نيويورك، ومن هناك دعاه استاذه الطيب الاقتصادي جي لورنس لافلن J. Laurence Laughlin للعمل معه كمساعد تدريسي في جامعة شيكاغو المؤسسة حديثا. وهكذا فقد انتقل الى شيكاغو وعمل في جامعتها لمدة 14 عاما، كانت أخصب فترات حياته الفكرية، رغم شعوره بالعزلة والاحباط في الوسط الأكاديمي. انتج خلال تلك الفترة الكثير الذي اتضحت فيه اختلافاته الفكرية مع الاقتصاديين التقليديين، فكان من ضمن ما انجزه آنذاك كتابه الشهير، "نظرية الطبقة المترفة" The Theory of the Leisure Class المنشور عام 1899، والذي اصبح اشهر من نار على علم لتقديمه العديد من الطروحات النظرية الابتكارية التي صارت فيما بعد مقترنة بإسمه. ولكن رغم ذلك كله، لم يلق القبول المتوقع من قبل زملائه الذين عاملوه ببرود واهمال، الامر الذي يفسر عدم حصوله على أكثر من مرتبة استاذ مساعد رغم قِدمه ونشاطه البارز في التدريس والبحث، اضافة لعمله الأكاديمي الآخر كمد ير تحرير مجلة الاقتصاد السياسي Journal of Political Economy التي تصدرها جامعة شيكاغو. وبرغم جميع المساهمات الفكرية العميقة التي ميزته بشكل واضح كمفكر تنويري فيما بعد. كانت تجربته في الحقل الأكاديمي في شيكاغو تجربة مُرّة انتهت، يا للأسف، بإقالته من وظيفته تحت مزاعم اخلاقية تتعلق بميوله العاطفية نحو النساء، الأمر الذي جعل زوجته ان تستشيط غضبا، ودفعها الى ان تتركه وتطلب الطلاق منه.
بعد شيكاغو، تمكن ثورستين من الحصول على عمل كأستاذ مشارك في جامعة ستانفورد في كاليفورنيا، لكن سمعته كزير نساء وأكاديمي متمرد مخالف للمألوف سبقته الى هناك وتفشت في ستانفورد وسببت له الكثير من المتاعب، فقرر ان يستقيل من وظيفته هناك عام 1910، وذلك بعد مضي أربع سنوات على وصوله لتلك الجامعة. في عام 1911 دعاه أحد زملائه، هربرت دافنبورت Herbert Davenport رئيس قسم الاقتصاد في جامعة ميزوري في كولومبيا- ميزوري للعمل كمحاضر في قسم الاقتصاد، فقبل الدعوة رغم ان الوظيفة وراتبها كانتا أدنى بكثير مما يستحق! لكنه داس على كبريائه وشد الرحال الى هناك وعمل بأحسن مايمكن له ان يعمل، فكان عطاءه بارزا في التدريس والبحث، حيث تمكن من اصدار كتابين هناك عامي 1914 و1915.
في تلك الفترة وخلال عمله في كولومبيا – ميزوري كتب شاجبا السياسة الالمانية بعد الحرب الاولى ومعتبرا الحرب العامل الاول لتحطيم الاقتصاد. لكنه لم يتحمل أكثر من سبع سنوات في ذلك الموقع فقد ضاق ذرعا به، ليس فقط بمستوى وظيفته الادنى وراتبه الأقل، انما أيضا عدم ارتياحه للبيئة الاجتماعية في كولومبيا، تلك المدينة الصغيرة التي لم توافق توقعاته وتطلعاته، فترك العمل هناك وانتقل الى نيويورك ليتفرغ للعمل على انجاز المزيد من الكتب. في عام 1917 إلتحق ڤبلن بفريق من الخبراء كان قد كلفهم الرئيس وودرو ولسن Woodrow Wilsonلدراسة امكانات التسوية السلمية بعد الحرب العالمية الاولى. وفي العام التالي أصبح عضوا مؤسسا لمدرسة البحث الاجتماعي التي سميت بالمدرسة الجديدة حيث كان فيها على رأس نخبة من ألمع المفكرين كـ جون ديويJohn Dewey وچارلز بيرد Charles Baird وجيمس روبنسن James Robinson ثم انجز ثلاثة كتب خلال أربع سنوات وهي:
- التعليم العالي في أمريكا عام 1918،
- المصالح المكتسبة وعامة الناس عام 1919، و
- المهندسون ونظام الاسعار عام 1921.
لقد عانى فبلن معاناة قاسية في حياته الاكاديمية التي اشعرته بالعزلة واعتبرته منبوذا وكرجل غريب الاطوار يخالف البيئة الثقافية والاجتماعية السائدة ويغرد خارج السرب. فاذا كان السبب هو انه لم يتبن افكار النيوكلاسيكيين ولا الليبراليين ولا الماركسيين، بل انتقدها بشدة كما انتقد ايضا العديد من الظواهر الاجتماعية السائدة في وقته، فان ذلك ينبغي ان لا يكون مبررا لنبذه وتهميشه ومصادرة حقوقه القانونية المشروعة وجعله يتجرع التمييز وعدم الانصاف، خاصة وهو في الوسط الأكاديمي الذي يفترض به ان يتعامل بتفهم الاختلافات الفكرية وتكافؤ الفرص والعدالة والتسامح! على ان أكثر ما كان يؤاخذ عليه هو اسلوب طرحه الانتقادي الازدرائي ولغته التي وصفت بأنها تهجمية فظة. ولم يكن غريبا ان تنتشر سمعته هذه بين الزملاء فقط، بل كان من البديهي ان تنتقل بين الطلاب والموظفين ايضا. فلم يكن يتمتع بأي شعبية بين طلابه الذين اعتادوا ان يصفوا محاضراته في كل الجامعات التي مارس فيها التدريس بأنها عقيمة ومملة وانه متشدد بشكل غير مقبول في نظام الدرجات الذي ينتهجه. ولا عجب في انه رد على ذلك بمرارة في كتابه المنشور عام 1919 الذي شن فيه هجوما كاسحا على نظام التعليم العالي في امريكا ووصفه بأنه ميال ان يضحي بالكفاءات الحقيقية خدمة للمصالح الخاصة وتحقيقا لارباح المستثمرين في ابقاء النظام كما هو عن طريق تبني طرق واساليب غير اكاديمية في تقييم الأداء، واستعارة ما تنتهجه الشركات التجارية في التقييم الاداري لموظفيها.
في عام 1920 اصيبت زوجته الثانية بانهيار عصبي وتوفت بعد ست سنوات من زواجهما الذي كان عام 1914. وفي عام 1926 تقاعد ڤبلن من عمله في المدرسة الجديدة في نيويورك وانتقل مرة اخرى الى كاليفورنيا، فتوفى هناك بسكتة قلبية عام 1929.
أهم مساهماته في الفكر الاقتصادي
احتل كتاب ڤبلن المنشور عام 1899 بعنوان "نظرية الطبقة المترفة" مركز الثقل في تعريف مجمل افكاره واختلافه مع معاصريه من مفكري الاقتصاد والاجتماع، واحتوى على المفاهيم الجديدة التي سميت بإسمه والتي مازالت نافذة الى اليوم. كان هذا الكتاب الذي كتبه ايام عمله في جامعة شيكاغو تحليلا اقتصاديا جديدا لسلوك الاثرياء. ففي العالم الذي أصبح ماديا بحتا، ارتبط السلوك الاقتصادي بشكل لاينفصم بمنظومة القيم والتقاليد الاجتماعية والثقافية السائدة في المجتمع. كان ڤبلن يدعو الاقتصاديين الى الاقلاع عن افتراض المستهلك ككيان ستاتيكي مستقل ومحكوم برغباته الشخصية لإشباع حاجاته، ذلك لانه لايمكن التعامل مع المستهلك بمعزل عن مجتمعه وبيئته، فهو نتاج للظروف والعوامل الاجتماعية والثقافية المحيطة به، ولابد ان تؤخذ هذه الظروف والعوامل في الحسبان. ولذا فإن من واجب علم الاقتصاد ان يتتبع تأثير تلك الظروف والعوامل على نشاط الفرد والمؤسسة. لكنّ هذا الاتجاه لم يكن مقبولا عند الاقتصاديين الأكاديميين آنذاك. ولذا فقد قوبلت طروحاته ليس فقط بالتجاهل، بل بالمعارضة والوقوف ضده طيلة عقدين أو أكثر. فعلى سبيل المثال لم يحظ ذلك الكتاب المهم حتى بمراجعة اعتيادية في المجلات الاقتصادية الاكاديمية إلا بعد مرور 26 عاما على صدوره! كما ان طلب ڤبلن بالحصول على علاوة روتينية بمناسبة صدور الكتاب قد جوبه بالرفض من قبل القسم.
عندما حل الكساد العظيم 1929-1933 تغيرت الافكار والمعتقدات وأصبح كلام ڤبلن ذا معنى وفائدة، وبدأ جيل من الاقتصاديين بالاهتمام بما كتبه ڤبلن واعتبروا أنفسهم من تلاميذه واتباعه. لقد تغير الحال فحاز ڤبلن على الاعتراف الذي يستحقه، ولكن بعد مماته. لقد صرح الاقتصادي اليساري جون گاليبرث بأن كتاب ڤبلن كان واحدا من كتابين ثمينين كُتبا في القرن التاسع عشر ومازالا يتمتعان باهتمام القراء وطلبهم. فمنذ ثلاثينات القرن الماضي جرى الاعتقاد بأن ڤبلن كان أول من اهتم بترابط الاقتصاد والاجتماع والثقافة، وهو أول من درس العلاقة بين الاستهلاك والثروة رافضا طروحات اقتصاديي اللاتدخل Laissez- faire والنيوكلاسيك في تفسير السلوك الاقتصادي. كان يؤكد بأن ارتباط سلوك الافراد والمؤسسات والحكومات بما يحيطهم من منظومات اجتماعية وثقافية يجعل الاقتصاد علما متغيرا على الدوام بحيث يصح ان نعتبره علما تطوريا- نشوئيا Evolutionary يدرس المصالح والسلوك الاقتصادي اللذين يتطوران في ظل مؤسسات المجتمع الانثروبولوجية والاجتماعية والثقافية، والتي تتغير بدورها على طول الخط فينشأ منها الجديد على انقاض القديم. ومن هنا فقد اعتبر فبلن مؤسس "الاقتصاد المؤسساتي أو النمطي"Institutional Economics
من الجدير بالذكر ان كتاب ڤبلن عن الطبقة المترفة ظهر في وقت كانت الماركسية في صعود متزايد. ورغم انه كان منحازا للطبقات الاقتصادية الدنيا، ومنتقدا للنظام الرأسمالي وطرق الانتاج وطبيعة الملكية فيه، لكنه لم يتفق مع ماركس الذي آمن بصراع الطبقات الاجتماعية وحتمية انتصار الطبقات الكادحة بالثورة واكتساب قيادة المجتمع. فعلى العكس من ذلك، اعتقد ڤبلن ان الطبقات الدنيا ستظل تكافح وتسعى بنفسها من أجل ان ترتقي الى مستوى الطبقات العليا. أما بالنسبة لموضوعة الصراع الطبقي فقد شخصه بطريقة مختلفة عن طريقة ماركس. كان يرى الرأسمالية وقد ألهبت الصراع بين اولئك الذين ينهضون بالانتاج المادي كالمخترعين والمهندسين والمصممين والمنفذين والعمال وبين اولئك الذين يصنعون المال ويتاجرون به ويؤثرون على السوق والاسعار والتوازن وهم الممولون والمستثمرون، والملاك، والمحامون، والمدراء. فمن الناحية الاقتصادية كان ڤبلن متأثرا بالمدرسة التأريخية الالمانية وبخاصة گستاف شمولر. Gustav von Schmollerكما انه اعتمد على عدة نظريات في الانثروبولوجيا والاجتماع وعلم النفس وكان يدين لچارلز دارون Charles Darwinفي اعتبار الاقتصاد علما نشوئيا. عُرف فبلن ايضا بإيمانه بالمذهب الپراگماتي الذي يرفض الطروحات القدرية والمشيئة الالهية لمصير الانسان. واعتقد ان بإمكان الانسان ان يفرض قدره بإرادته الحرة وسعيه الحثيث للمصير الذي يرسمه لنفسه، طالما انه يدرك ان مصير البشر ليس محتوما بقوة ميتافيزيقية عليا. كما ان ڤبلن لم يتردد بإعلان توجهه الفلسفي الأگنوستي اللاادري عندما يأتي الامر الى اشكالية وجود الخالق. أضف الى ذلك فانه كان يؤمن ايمانا عميقا بجدلية السبب والنتيجة التي تحكم الوجود، والتي كانت بمثابة الفنار الذي انتهت اليه مجمل افكاره الفلسفية.
لقد رأى ڤبلن في استهلاك الطبقة المترفة قدرا كبيرا من التبذير الاقتصادي الذي وصفه بزيادة الانفاق على السلع الكمالية بأكثر من قيمتها وبوعي كامل، ذلك لأن الغرض من شراء تلك السلع ليس اشباع الحاجة. كان يؤكد بأن هذه الطبقة تراكم ارباحها من خلال تجارة الاموال وليس من خلال الانتاج المادي، فلا عجب ان تنفق تلك الاموال الفائضة عن الحاجة المادية بنفس السرعة التي تستحصلها فيها، خاصة وانها تؤدي غرضا مهما وهو الاعلان عن القدرة على شراء السلع والخدمات الباهضة السعر من أجل عرض الحالة الاجتماعية العليا وتأكيد هوية الطبقة والانتماء اليها امام الآخرين.
من اهم المفاهيم التي صاغها ڤبلن وبقيت منسوبة اليه حتى يومنا هذا هي:
- الاقتصاد المؤسساتي Institutional Economics
جاء ڤبلن بفكرة هذه التسمية بسبب اختلافه مع الاقتصاديين من قبله حول معنى علم الاقتصاد وموقعه مما يجري في المجتمع. اذ ان الاقتصاديين التقليديين اعتبروا الاقتصاد علما مستقرا ومستقلا عن تأثير بيئته رغم انه يؤثر فيها، وان النظرية الاقتصادية ساكنة مستترة Static ولها هويتها الخاصة بها. خلافا لذلك فقد كان لڤبلن اعتقادا راسخا بأن كل ما في الاقتصاد هو نتاج البيئة الاجتماعية والثقافية التي يحيى فيها. أي انه ابن المؤسسات الاجتماعية والثقافية السائدة في مجتمع ما وزمن معين، وبما ان تلك البيئة ستتغير عبر الزمن وبتأثير عوامل أخرى فان الاقتصاد ونظرياته لابد ان تواكب ذلك التغيير. أي ان نظرياته لا يمكن ان تكون مستقلة بذاتها وكأنها مثل قوانين الطبيعة التي ليس للمجتمع ومؤسساته يد في تكونها وثباتها او تغيرها. ونتيجة لذلك رأى ڤبلن ان حالة علم الاقتصاد هي حالة تطورية Evolutionary بذات المعنى الذي تُفهم فيه نظرية النشوء والارتقاء.
- الاستهلاك السافر Conspicuous Consumption
وهوالاستهلاك الحاصل نتيجة الانفاق على السلع الباهضة الاثمان من أجل التفاخر والمباهاة وتأكيد الانتماء للطبقة العليا القادرة وحدها على الانفاق على هذه الانواع من المشتريات. وهي بالأصل ظاهرة افرزتها حالة النمو المتسارع للطبقة الوسطى في السلم الاقتصادي والاجتماعي وتزايد دخولها خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، كما تجسدت في حالة الشراء الباذخ للسلع والخدمات عالية الثمن من قبل شلة من الأثرياء الكبار. ومن المؤكد ان هذه الظاهرة ستستمر وتتفاقم في القرن الواحد والعشرين وما بعده. ومن الجدير بالذكر هنا هو انه بسبب كون الغرض الأساسي من هذا الاستهلاك هو التفاخر والمباهاة وتأكيد الانتماء للطبقة الاجتماعية العليا، يتطلب ذلك ان تكون السلع والخدمات وظروف الشراء من النوع الذي تراه الناس وتتحسس قيمته المالية وتشعر ان لا أحد قادر على ذلك الا تلك النخبة المختارة.
المثال الأبرز على ذلك النوع من الاستهلاك هو البيوت الباذخة والقلاع الواقعة في أجمل الجزر وشواطئ البحار، والسيارات الفاخرة التي يدفع فيها هؤلاء المشترون اسعارا خيالية تساوي عشرة او عشرين ضعفا مقارنة بمتوسط سعر السيارات الأخرى التي تشتريها العامة. كما ينتمي لهذا النوع من الاستهلاك الياختات والطائرات الخاصة، وكذلك السلع القديمة الصنع والاثاث والانتيكات والسلع النادرة المناسبة لهواية جمع النوادر كاللوحات الفنية لاشهر الفنانين التي تباع بالملايين والحاجات واللوازم الشخصية للمشاهير المتوفين أو بيوتهم وسياراتهم، وغيرها.
- التبذير السافرConspicuous Waste
ويراد به تخصيص الموارد والوقت والجهود في غير محلها، أو في أنشطة واستخدامات تستلزم أقل من تلك الموارد لتحقيق الغرض المطلوب. ولا شك فان ذلك يؤدي الى تبديد طاقات وامكانات الأمة، والتي كان من الأجدر بها ان تـُسخّر في أغراض أخرى لخدمة العامة. انه ضياع سافر لثروات المجتمع والذي يؤدي في المحصلة النهائية الى سلب مقومات العيش الافضل للمواطنين وحرمانهم مما يستحقون من هناء ورفاه. وهكذا كان لفبلن اعتقاده بأن المعيار الحقيقي لتخصيص الموارد والانفاق الرشيد هو اذا كان يؤول في النهاية الى خدمة الناس والمساهمة في رفع مستوى معيشتهم. وبدون ذلك فان ذلك الانفاق وتلك الموارد تقع في خانة التبذير السافر، ومعها تتضح خيانة المسؤولية الوطنية.
- سلعة فبلن Veblen Good
هذا المفهوم هو امتداد لمفهوم الاستهلاك السافر. فسلعة فبلن هي مادة ذلك الاستهلاك، وبسببه سيكون الطلب عليها مخالفا لقانون الطلب، أي ان الطلب عليها يزداد كلما ازداد سعرها، ويقل كلما قل سعرها، علما ان الطلب عليها يكون محدودا جدا ومحصورا بفئة قليلة من المشترين. فزيادة سعرها وقلة من هم يستطيعون شرائها هو الذي يقرر قيمتها عند من يشتريها. فاذا انخفض سعرها لأي سبب أو اتسع نطاق القادرين على شرائها ستنخفض قيمتها عند من يقصد شرائها من أجل ان يحظى بالاولوية والتفرد. وواضح ان الغرض من اقتناء مثل هذه السلع هو التميز، باعتبارها رمزا للثراء والرفاهية والجاه والانتماء للطبقة العليا في المجتمع. وبهذا فاذا انخفض سعرها واصبحت بمتناول الكثيرين، قلت قيمتها وزال الغرض من اقتنائها. ومن هنا نفهم بأن هذه السلع لا تباع في المخازن لعامة الناس انما تباع عبر قنوات خاصة وطرق محدودة ومحجوزة حصريا لمن يتبارى على شرائها.
- المحاكاة المالية Pecuniary Emulation
ويراد بها تقييم الافراد والمجتمعات لحالتهم المالية ومقارنتها المباشرة بالحالة المالية للأفراد والمجتمعات التي هي اعلى منهم، والتي يتطلعون لان يكونون جزءً منها. وهذه المقارنة لاتقف عند هذا الحد بل تتضمن السعي المتواصل للبلوغ الى ذلك المستوى المالي المقارن للآخرين، أو الأفضل لتخطيه من أجل بلوغ الحالة الاقتصادية والاجتماعية التي تميزهم كما ميزت اولئك الاخرين، وبذا سيكون الهدف النهائي هو تبني تلك الحالة المنشودة والتلبس بها.
- ثنائية فبلن Veblenian Dichotomy
وتسمى ايضا Ceremonial/Instrumental Dichotomy. كان فبلن قد أكد بأن المؤسسات الاجتماعية هي التي تقرر نوع وطبيعة التكنولوجيا ووسائل الانتاج السائدة. ولأن كل المجتمعات لها انماطها واعرافها وتقاليدها التي قد تتفق او تتعارض مع غيرها من المجتمعات، سيكون من الاهم من أجل حصد أفضل النتائج هو تناسب ذلك الثنائي، وسائل الإنتاج من طرف وطبيعة المجتمع وتقاليده من طرف آخر.
مصــادر مختـــارة
https://en.wikipedia.org/wiki/Thorstein_Veblen
https://pdxscholar.library.pdx.edu/econ_fac/172/
https://www.britannica.com/money/Thorstein-Veblen
https://www.econlib.org/library/Enc/bios/Veblen.html
https://www.investopedia.com/terms/t/thorstein-veblen.as
https://www.lib.uchicago.edu/collex/exhibits/university-chicago-centennial-catalogues/university-chicago-faculty-centennial-view/thorstein-veblen-1857-1929-economics
Mitchell, R.E. (2001). Thorstein Veblen: Pioneer in Environmental Sociology. Organization & Environment, , pp. 389-408
Veblen, Thorstein (1899). The Theory of the Leisure Class. New York: Macmillan.
Veblen, Thorstein (1904). The Theory of Business Enterprise. New York: Charles Scribner’s Sons.
Veblen, Thorstein (1914). The Instinct of Workmanship and the State of the Industrial Arts. New York: Macmillan.
Veblen, Thorstein (1915). Imperial Germany and the Industrial Revolution. New York: Macmillan.
Veblen, Thorstein (1917). An Inquiry into the Nature of Peace and the Terms of Its Perpetuation. New York: Macmillan.
Veblen, Thorstein (1918). The Higher Learning in America: A Memorandum on the Conduct of Universities by Business Men. New York: B. W. Huebsch.
Veblen, Thorstein (1919). The Place of Science in Modern Civilisation and Other Essays. New York: B. W. Huebsch.
Veblen, Thorstein (1919). The Vested Interests and the Common Man. New York: B. W. Huebsch.
Veblen, Thorstein (1921). The Engineers and the Price System. New York: B. W. Huebsch.
#مصدق_الحبيب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟