علم الدين بدرية
الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 21:56
المحور:
قضايا ثقافية
مقالة في الأدب الساخر
في تجربة غياهبي الإنسانيّة.. حيث عصارة رأيي الآخر.. أصبحُ أحيانًا.. مثل طفل ساذج تدهشه الفقاعات المتلألئة وتسحره!! فيصبح ساذجًا تأخذه الدهشة عبر متاهاته السطحيّة المعتمة برغباتها ونزواتها وأهوائها.. ويصبح الكلام سفيرًا أصمًّا أبكمًا للجروح..
أنا سياسيّ رديء ورديء جدًا، فخلال خمسة عقود من الزمن لم أجد ولم أبحث لنفسي عن منصب أو وظيفة في قمامة المرشّحين والزعامات، سأقف اليوم أمامكم وأقول لكم.. إنّ مصلحة مجتمعكم تهمّني كثيرًا ، وبما أنني عشت طوال حياتي السابقة مواطنًا عنيدًا تعيسًا سيئ السمعة يُحارب طواحين الهواء ويرسم لنفسه أحلامًا( يوتوبيّة ) بعدما قرأ بالصدفة كتاب المدينة الفاضلة للفارابي وكتاب يوتوبيا Utopia لتوماس مور... فإنني أُعلن عليكم الآن وعلى الملأ، ندمي وأسفي على ما أهرقت من سنين عمري هدرًا، وأفكر في صنع شيء من أجل هذا البلد الطيب، شيء يرفع تمثيل المواطنين وينقل صوتهم ويعمل على تحسين جودة حياتهم وحماية بيئتهم من خلال الصلاحيات التشريعيّة والرقابيّة التي أسعى للوصول أليها والحصول عليها، شيء أستحق عليه كلمة طيّبة عندما سأرحل عنكم وتتذكرون اسمي في جلسات نميمتكم ومجالسكم الانتخابيّة المسيّسة البعيدة عن (المظلومين والمستضعفين في الأرض) والذين بدون شجرة عائلة تحميهم من الحر أو أصل يقيهم شرّ الاقتلاع... لذلك فكرت أن أبدأ حملتي الانتخابيّة للظفر بعضوية البرلمان في السابع والعشرين من شهر تشرين أول الحالي باستحقاق وامتياز، وأن أرشح شخصي المتواضع راجيًا منكم أن تتكرموا وتمنحوا خادمكم وأخاكم الذي يسهر على مصالحكم، أصواتكم الرقيقة، أصواتكم التي لم يبقَ أحد من محترفي السياسة ومقاولي الانتخابات إلاّ وتفاوض معكم على بيعها وشرائها !!. أعرف أنكم يا إخوتي مطالبون دائما بمنح شيء ما، ففي هذا المجتمع ليس هناك من يمنح شيئًا لأحد، الكل يطالبكم بدفع شيء من جيوبكم وعرقكم وكرامتكم وحتى من وجودكم، وبما أنكم إخوتي دفعتم كل ما لديكم لحكومات وإدارات سابقة وما زلتم تدفعون ثمن المياه، الكهرباء والهواء وتدفعون ضريبة الأملاك (الأرنونة) والضرائب والغرامات على أنواعها ولم يبق لديكم سوى صوتكم المبحوح والمجروح، فإنني ألتمس منكم أن تمنحوني إياه، وثقوا جميعًا بأنني بفضل أصواتكم المثخّنة بالجراح، المطعونة في رحم ولادتها، سأصرخ في وجه الزعامات المتخاذلة والمفسدين بالأرض وسأطالبهم بدفع فواتير الحساب نيابة عنكم ...
أسمحوا لي أن أعرّفكم بشخصي الكريم وببرامجي الثوريّة الانقلابيّة الذي ستقلب البرلمان والبلد رأسًا على عقب، أكثر مما هي مقلوبة الآن!!
أنا لست في أول العمر ولست في أرذله، لست مراهقًا سياسيًّا ولست ناضجًا فكريًّا، لست طائفيا متحزّبًا عنصريًّا ولا فرديًّا منقرضَ الحسب مجهولَ النسب، لا أصل له ولا فصل، لست بريئًا ولا مذنبًا، لست عميل سلطة ولا سلة قمامة، لست ثائرًا ولا مخبرًا، لست مطربًا ولا متعهد حفلات موسميّة، لست زعيمًا ولا واحدًا من القطيع.. أنا بلا عمر زمني تقريبا، شيخ بلا عائلة، زعيم دون جماعة، مرشّح بدون طائفة وقبيلة، هاوٍ ومبارز بقلم لا يدمي وفكر لا يجرح، مناضل طبقي في الطوابق العلويّة من المخيّلة، أنا أصارع طواحين الهواء منذ ولدتني أمي وما زالت الحلبة فارغة حتى من الهواء!!
أنا شاعر غير معترف به وكاتب لا يروق للبعض ما يكتبه وينعته البعض الآخر بالهاوي ولا يخجلون من سرقة أشعاره ومقالاته في وضح النهار!! أنا عاشق وحيد للطبيعة يبكي حين لا تغرّد بلابلها وتموت ورودها وأزهارها، أنا سعيد الحظ الذي ربح التعاسة بعد شرائه خمسة أوراق يانصيب لم تربح شيئًا على مدار أربعين عامًا سوى سوء الرجاء وخيبة الأمل مع الحياة، أنا الإنسان البسيط الذي يحمل كسرة الخبز ليقدمها لقطة جائعة تموء وقت العشاء ويبذر حفنة من القمح لعصافير تغرد تحت نافذته كلّ صباح، أنا الباحث عن رائحة الورود وسط مزابل الحياة وعن الحب في زمن مسافر لا أملك ثمن الصعود في رحلاته! أنا فارس الأحلام الذي لا تهواه أية أميرة والذي يركب أفكاره عوض الحصان الأبيض، أنا بقايا لنجم آفل ما أن يومض حتى يسقط ويتناثر كأنه لم يكن!!
أنا دودة المكتبات وقارئ دواوين الشعر الرديئة والروايات المملة والمقالات التافهة، أنا الساذج الذي لم يسكر ولم يدخّن قط، ولم يرقص يومًا على الحبال، أنا الذي لم يرسب قط في أي امتحان والذي مع ذلك لم ينجح في امتحان السّياسة حتى الآن، أنا عدو الروتين والرتابة والوثائق وقاعات الانتظار!!
أنا الذي يُدندن لعبد الوهاب في الحمام ويسمع السيمفونيّة السابعة لبتهوفن في العمل ويُرتّل صلاته الأخيرة داخل الفراش قبل النوم، أنا عضو غير مقيّد في منتدى ورقستان وأملك صفحة على الفيس بوك، حيث أكتب دون قلم وأقرأ دون حاجة لكتاب ولي بيت فرعي في موقع الحوار المتمدن، أنا صحافي وكاتب مهمّش في صحافتنا العربيّة المهمّشة على قارعة الأحلام، أنا الذي استبدل مقعده في طائرات العالم بمقعد ثابت في العمل وسط ضجيج الآلات والسيارات، أنا المتخلّف الوحيد في المجتمع الذي مازال يتحدث بلغة لا يفهما أحد!! أنا الذي مارس فنون الانكسار ومقارعة طبول الحرب الجوفاء عوضًا عن الفنون التشكيليّة والرسم والغناء، أنا المولود في برج الدلو ومتزوج من مولودة برج الميزان، أنا المناضل الطبقي الذي لا يمتلك ثمن تذكرة للقطار ولا ثمن ليافطة أو شعار وقد علا الغبار مخطوطاته التي لم ترَ النور والإصدار!! أنا المتمرّد الذي يحب قهوة الصباح أكثر مما يحب مصطلحات الفلسفة الفارغة وألوان الديمقراطيّة المطّاطة والضحك على الذقون!!
أنا المواطن الذي يقرأ الصحف وينام على نزف الكلمات، لا يعرف قراءة الخرائط ولا ألوان الدولارات، يحمل قلمًا ومفكّرة بالية عوض البطاقات البنكيّة والشيكّات، أنا حليف القضايا الرابحة التي يدافع عنها الخاسرون!! أنا لسانكم السليط الذي تشحذونه في جلساتكم الخاصة، أنا ضميركم غير المستتر الذي يفضح عجزكم في فهم المقروء، أنا الجملة الاعتراضيّة في كل خطاب سياسي ثقيل وممل وتافه.. أنا الممنوع من الصرف وحجر الزاوية، أنا الرقم الصعب في أي معادلة سياسيّة ... أنا الذي لا يتنازل عن مبادئه ولو قايضوه بأشد العُملات صعوبة، أنا مثل (الوقف) لا أُباع ولا أُشترى!! خادمكم الذي عينتموه واليًا على ديوان مظالمكم الذي لم يدخله أحد من المتزعمين والمرشحين حتى الآن، أنا ابن هذا المجتمع الذي يشبهكم، أنا الإنسان الذي يقول منذ طفولته هأنذا، وليس ذلك الذي يقول كان أبي وكانت عائلتي، لذلك دعوني أكون صريحًا معكم إلى أبعد حدود الصراحة وتأكدوا أنني سأكون صادقًا معكم.. أنا أستطيع العيش من دونكم، وأحب كلماتي المهمّشة أكثر منكم، وقادر على العيش دون الحاجة إلى أي واحد منكم، ومع هذا كله تبقون ضروريين بالنسبة ألي مثل الملح تمامًا، نشتريه ونضعه في كلّ طبخاتنا، ثم نرمي ما تبقى منه بعد الأكل لأن الملح رخيص جدًا ...!!
إنّ برنامجي الانتخابي واضح جدًا وثوريّ جدًا ويختلف كثيرًا عن برامج باقي المرشحين في الأحزاب السياسيّة والقوائم الانتخابيّة لعضويّة البرلمان على حدٍ سواء والذين يخوضون معي هذه الحرب الانتخابيّة القذرة، فإذا كانوا هم يعدونكم بوظائف الشغل فأنا أعدكم بتخليصكم من لعنة العمل، فليس هناك ما هو أقبح من أن يقضي المواطن عمره كادحًا في سبيل أن ترتاح فئة من الأغنياء المترفين والمتزعمين البرجوازيين، وسيكون شعاري الأول والأخير هو إما أن نشتغل جميعنا، أو نرتاح جميعنا، إذا كانوا هم يعدونكم بالقضاء على البطالة والعنف وتجارة المخدرات والجريمة، أنا أعدكم باللامبالاة والخوف من المارقين والسفهاء .. إنهم عندما ينجحون ويدخلون البرلمان وتصبح لهم بطون سمينة ينسون محاربة البطالة وينشغلون بمحاربة الفقراء والمعدمين، فإنني أعدكم بتشجيع الفقر والبؤس حتى يتكاثر الفقراء ويصبحوا أغلبيّة ساحقة، آنذاك سيصبح الأغنياء حفنة صغيرة ويمكن أن تفوزوا عليهم ببساطة، إذا كانوا هم يعدونكم ببناء المدارس ودعم المؤسسات التربويّة والتعليميّة فإنني أعدكم بإغلاق جميع المدارس والمعاهد والجامعات، فلا معنى لإهدار أموال الطبقة الكادحة على كل هذه المؤسسات مادامت الوظائف الحزبيّة ومباني المؤسسات السياسيّة بانتظارهم عندما سيتخرّجون!!
إذا كانوا هم يعدونكم بتحقيق العدالة الاجتماعيّة فأنا أعدكم بالظلم الاجتماعي، لأنه السبيل الوحيد والأوحد لتذكير الناس النائمين والسكارى بالكرامة وبضرورة الدفاع عنها كلما انزلقت وتدحرجت في الطين!! إذا كانوا هم يعدونكم بالمساواة، فأنا أعدكم بالفوارق الشاهقة بين الطبقات والفئات التي تكوّن نسيج هذا الوطن!! إذا كانوا هم يعدونكم بالميزانيات التطويريّة وإلغاء قرارات الهدم وإنعاش البناء، فأنا أعدكم بالتقتير وشد الحزام وزيادة الغرامات على من تسوّل له نفسه أن يبني على أرض أبائه وأجداده.. فأنتم ضيوف ولاجئون في هذه الدولة ولستم أصحاب الدار، هل نسيتم قانون القوميّة وقانون كيمنتس؟!!
صوّتوا لمرشحكم المفضّل، امنحوني ثقتكم وصوتكم ولا تقلقوا على مستقبلكم ومستقبل أولادكم واذهبوا للنوم لأربع سنوات أخرى غير آبهين ، واتركوا لي تخطيط المستقبل القادم والغد الآتي لأرسمه كما يحلو لي، فأنا لم ألعب بما يكفي في طفولتي وأشعر أنني الآن وأنا في عزّ مراهقتي السياسيّة بحاجة للعبة جديدة مكوّنة من عقولكم ومشاعركم وأصواتكم كي أشيّد بها قلاع ديزني الحصينة في معركتي الانتخابيّة وسأرسم بأصواتكم عناوينها وصورها المتحرّكة وأكتب بحبرها سيناريو أفلامَها المرعبة والمضحكة على ألواح من الكرتون أعلّقها على نوافذ بيتي المكسورة منذ عهد بعيد بعدما أصبحت مأوىً للحراذين والفئران وأعشاشًا لطيور السنونو العائدة من الاغتراب !!
#علم_الدين_بدرية (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟