أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - وليد الأسطل - عن الكاتب الذي بكى














المزيد.....

عن الكاتب الذي بكى


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 16:48
المحور: قضايا ثقافية
    


وأنا أشاهد ذلك الكاتب يبكي لأن الناس لم يحضروا حفل توقيع كتابه الجديد، لم أحزن على حال الثقافة بقدر ما حزنت عليه. فالثقافة كانت وستظل نخبوية، في كل مكان وزمان، وإن تفاوتت درجة النخبوية من مجتمع إلى آخر. حتى في الغرب.

يتفاوت الناس في قدرتهم على الصبر والتحمل، ولست هنا بصدد إصدار حكم على ذلك الكاتب. ما أريد قوله إن الصبر والتجلد ليسا من الصفات التي يتساوى فيها الناس، فمنهم من يتحمل ما لا يكاد يُصدَّق، ومنهم من تنفد طاقته أمام خيبة صغيرة. أنظر مثلا إلى الكاتب برهان شاوي، فأجده يكتب روايته الثلاثين. ثم أنظر إلى نفسي وأنا أكتب روايتي الحالية، وهي الثالثة التي أنوي نشرها ورقيا، فأجدني أردد المثل الوهراني الذي يقال حين يبلغ المرء آخر طاقته وينفد صبره: "يا لحباب وين الباب" ههههههه. هكذا نحن، نتفاوت حتى في قدرتنا على مواصلة الطريق الذي اخترناه لأنفسنا.

والتحمل، في نظري، رزق عظيم يمن الله به على من يشاء من عباده. وقد حكى لي والدي عن أشخاص عرفهم في حياته، أدهشه ما أبدوه من صبر في مواجهة مصائب لا تحتمل. من بينهم امرأة جاءت إليه للعلاج، فعلم منها أن ابنها قُتل قبل أسبوع. قالت له إن الإرهابيين اقتادوا ابنها وذبحوه عند شجرة قريبة من البيت، ثم أضافت: "الحمد لله، هذا ما كتبه الله علي"، وابتسمت. زارها أبي في بيتها أكثر من مرة بعد ذلك، فوجدها، هي وأهل بيتها، هادئين مبتسمين، حامدين الله على قضائه وقدره.
وحكى لي عن رجل يعمل في البناء سقط من السقالة، فأصيب بشلل كامل لم يسلم منه سوى رأسه. ومع ذلك، كان يقول: "الحمد لله، هاك ولا حاجة واحد أخرى"، أي إنه يحمد الله على أن ما حدث لم يكن أسوأ مما كان يمكن أن يحدث. قال لي أبي إنه تساءل في نفسه: "وهل هناك ما هو أسوأ من هذا؟!". ثم أضاف أنه يقدر هؤلاء الناس كثيرا، ويتعلم منهم، لأن الإنسان، في رأيه، ينبغي أن يتعلم كيف يواجه الحياة. فاللهم عافنا وألهمنا الصبر.

وثمة مسألة أخرى أراها خطأ وخطرا في آن واحد: أن يربط الإنسان سعادته ورضاه بتحقق أمر واحد في حياته، فيصبح حاله معلقا به؛ إن تحقق سعد، وإن لم يتحقق تعس. بصراحة، لا أوافق ذلك الكاتب على بكائه بسبب عدم إقبال الناس على حفل توقيع كتابه الجديد، ولا سيما أنني أحسبه قد تجاوز الخمسين من عمره. أتمنى له السعادة والتوفيق، لكنني، في الوقت نفسه، أستعيذ بالله من أن أجد نفسي في مثل حاله، الآن أو بعد سنوات قليلة، إن امتد بي العمر إلى سنه.

ليست البطولة أن تحقق إنجازا يسمع به الجميع، ولا أن يصبح اسمك معروفا أو أن يتزاحم الناس حول ما تكتب. ثمة أبطال لا يعرفهم أحد، ولا تحتفي بهم الصحف، وربما لا يسمع العالم بأسمائهم قط. إنهم، مثلا، الآباء والأمهات الذين أحسنوا تربية أبنائهم، فأنشؤوا أشخاصا يتعاطفون مع الآخرين، ويساندونهم، ويقفون إلى جانبهم، ولا يحسدون أحدا ولا يؤذون نملة. أليس في هذا ما يستحق التقدير؟ أليس من العظمة أن تترك وراءك بشرا يخففون عن غيرهم قسوة الحياة بدلا من أن يزيدوها قسوة؟
أما ما يمكنني تسميته فلسفة "أريد هذا الشيء، وإلا فلن أكون سعيدا"، فلا أجد فيه سوى فلسفة الأطفال والحمقى، فلسفة من يجعل من حياته رهينة لشيء قد لا يأتي أبدا، فيحرم نفسه السعادة انتظارا له. وما أكثر ما يضيع الإنسان من عمره وهو يطارد شيئا واحدا، كأن الحياة كلها لا تستحق أن تعاش إن لم يحصل عليه!

ثم إن الإنجازات، مهما بلغت، لا تعفي أصحابها من الموت. لنتخيل أن إنجازات أحدهم تساوي هذا الرقم الهائل: 100000000000000000000000. سيأتي الموت في النهاية، وكأننا ضربنا ذلك الرقم في صفر، فتكون النتيجة صفرا. لا أقصد أن الإنجازات لا قيمة لها، وإنما أقصد أنها، مهما عظمت، لا تمنح صاحبها الخلود. قد يقول قائل إن إنجازاته ستبقى بعد موته، وإن الناس سيذكرونه ويقرؤون أعماله. وهذا صحيح، وقد يكون أمرا رائعا، لكن صاحب الإنجازات لن يكون موجودا ليستمتع بما تركه وراءه. ولو تذكر ذلك الكاتب الموت قبل أن يبكي بسبب غياب الناس عن حفل توقيعه، لربما ابتسم ساخرا من نفسه، ومن تلك السلطة التي منحها لغيابهم حتى استطاع أن يبكيه.

لا أعرف ذلك الكاتب شخصيا، ولا أدعي معرفة ما يدور في داخله ولا ما كابده في حياته، لكنني متأكد من أنني التقيت في حياتي أشخاصا يمتلكون ذكاء خارقا، ذكاء يتجاوز ذكاء ذلك الكاتب، ويتجاوز ذكائي وذكاء آلاف غيري ممن قد يعدهم الناس أذكياء، ومع ذلك لم يحقق هؤلاء ما يعتبره غالبية الناس إنجازات مهمة. ومع هذا، وجدتهم متوازنين، سعداء، تشع وجوههم بالرضا، وتؤكده أقوالهم وأفعالهم وطريقة عيشهم. لم يكونوا بحاجة إلى تصفيق الناس كي يشعروا بقيمة حياتهم، ولم يجعلوا ما لم يحققوه سببا للتعاسة.

على الإنسان أن يدرك أنه يتقدم في السن، وأن التقدم في العمر ينبغي أن يصحبه، من وجهة نظري، تقدم في العقل أيضا. ليس من المعقول أن يشيخ الإنسان، ثم يظل معلقا سعادته بأمر واحد، ينهار إذا لم يتحقق، كأنه لم يتعلم شيئا مما عاشه.

لن أسمح لشغفي بشيء أن يجعلني تعيسا إذا لم يتحقق. لن أتشبث بشيء يؤلمني مهما بلغت أهميته في نفسي، ولن أقبل أن يتحول ما أحب إلى مصدر عذاب دائم لي. وإذا وجدت أن التعلق بشيء ما يستنزفني ويأخذ مني سلامي، فسأشهر في وجهه فورا البطاقة الحمراء وأطرده من حياتي. لن أصل إلى نهاية الطريق وقد أفنيت عمري في انتظار شيء، ثم أكتشف أنني أضعت الحياة في انتظاره.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بلومزبري كما يراها جان بلو
- برنار لافاليه وكتاب إلدورادات أميركا: الذهب الذي أشعل أطماع ...
- رومان هوريه يعيد قراءة نيكسون
- إسحاق روسا والذاكرة العبثية
- ذاكرة الغرق: التراجيديا الإنسانية في رواية ذاكرة شمبانيا
- ما بعد العبور
- بربري في الحديقة: رحلة في الفن والتاريخ
- ما لا تقوله الأشياء
- سفيريس وهاجس الماضي في رواية ست ليالٍ فوق الأكروبوليس
- الساحل الغربي
- رواية بنات التاسع من يونيو.. مايليس بيسيري
- الحياة من قاع الكأس
- في الأدب، ليس من الخيانة أن ترى العالم بعين الآخر
- رواية قارئ.. كتابة الذات على هامش النصوص المتخيلة
- القِطَاف في شمبانيا
- من عزلة الشاشة إلى أنس الكتاب
- رواية أنا التي أحببتك.. روبيرتا ريكيا
- شمبانيا، أغنيةُ الكروم والحنين
- قرن المثقفين.. ميشيل وينوك
- الشاعر


المزيد.....




- مصدر حكومي تركي: أنقرة تأمل باستئناف المفاوضات حول أوكرانيا ...
- الخارجية الروسية: تصريحات تحويل بحر البلطيق إلى -بحر داخلي ل ...
- موجات الحر تودي بحياة أكثر من 50 ألف شخص في أوروبا
- قبل يومين من الانتخابات.. نتنياهو يثير المخاوف من -محرقة نوو ...
- وزير الخارجية اللاتفي الأسبق يدعو ريغا لقيادة الحوار مع روسي ...
- كييف تستعد لاستقبال أقسى شتاء لها منذ 5 سنوات
- ترامب يصف النرويج بالدولة -الرديئة والقذرة- لعدم منحها إياه ...
- اليونان توافق على إبقاء -باتريوت- في السعودية وتعزز التعاون ...
- واشنطن تجدد الأوامر لموظفيها بمغادرة السعودية مع استئناف جزئ ...
- مصر تدفع بقافلة طحين ثالثة لحل أزمة مخابز غزة


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - وليد الأسطل - عن الكاتب الذي بكى