أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مراد سليمان علو - البطل















المزيد.....

البطل


مراد سليمان علو
شاعر وكاتب

(Murad Hakrash)


الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 16:14
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة

عدل شهاب من جلسته، وأخذ ينظر إلينا جميعاً بعينين حادتين، كأنه يريد أن يتأكد بأن كل واحد منا يصغي له، ثم قال بصوت واضح وقوي:
"لست أبالي إن وافقتموني الرأي أم لا. نحن هنا لنتحدث عن بطل واحد، ووحيد… هو عدنان القيسي، وليس غيره من نجوم السينما أو أبطال الرياضة."
كان ذلك في عصرٍ من عصريات العطلة الربيعية القصيرة، حيث كنا نلتقي خلالها كل يومً، نبحث عن مغامرة جديدة. شهاب هو الأكبر بيننا سناً، كان بمثابة قائد لنا نحن شلة أولاد محلة بربروش. لم يكن يكبرنا كثيراً، لكنه في الصف الخامس الابتدائي، وكان يتمتع بقدرات بدنية وسرعة في السباقات المدرسية السنوية، نحسده عليها، ونخافه. لذلك كنا نطيعه، ونمشي خلفه في تجوالنا.
كنا ندخل خلسة معاً إلى بستان (شمّا علوتى) القريب من (مزار بير زكري)، أو إلى بستان (بيت الوتار)، أو بستان (عيدو كتي) أو غيرها من بساتين سنجار التي لا نعرف لمن تعود، ثم نعبر إلى جهة المنارة عبر الوادي وساقية الماء، ونستظل بجدار المنارة الأصفر الذهبي العتيق؛ لنقرر مكان وزمان المغامرة التالية. أحياناً نركض حول السور الروماني، ونلعب لعبة (عسكر وحرامية)، وشهاب يوزع علينا الأدوار كما يشاء، هذا ضابط، وذاك عريف والآخر جندي؛ فنقبلها بفرح، كأننا جيشه الصغير الذي يحارب به الأعداء.
كنا ثلة من الأصدقاء، وأحيانا يلتحق بنا أثنين أو أكثر ممن كانوا أصغر منا سنا، وفي مرات أخرى كثيرة، كنا نجمع الحصى ونحن نخرج من الوادي الذي يمر في وسط البساتين، استعداداً لمعارك مقبلة بالحجارة من بعيد مع أولاد المحلات الأخرى مثل محلة (كه له هي) التي تقع في أعلى شمال المدينة، أو محلة (جوسقي) التي تكون خلف المستشفى بمحاذاة البساتين. لم تكن تلك المعارك الصغيرة سوى صرخات وركض وحجارة تتناثر في الهواء، لكنها بالنسبة لنا كانت بطولة حقيقية، نختبر فيها شجاعتنا ونقيس قوتنا. وكثيراً ما كنا نتحضر للدفاع عن أنفسنا من هجمات مفاجئة، إذ لم يكن أحد يأمن غدر أولاد المحلات المنافسة.
أحيان كثيرة كنت معاركنا تبدأ حين نرى مجموعة من الأولاد في البساتين أو يعبرون الوادي، دون أن نعرفهم أو في أية محلة يسكنون. المهم أن نجعلهم يستسلمون أو يفرون راكضين. البطولة لم تكن في المعارك فقط. بل في الألعاب الرياضية أيضا، ففي أحد الأيام، قرر شهاب أن يختبر سرعتنا جميعاً. قال وهو يبتسم ابتسامة تحدٍ بعد خروجنا فائزين من معركة بالحجارة مع أطفال آخرين:
"لنرى من يصل أولاً إلى المنارة."
انطلقنا نركض كالمجانين بين البساتين، وفي الوادي على الحصى، وكل واحد منا يتخيل نفسه بطلا كان يتخيله ويحتفظ بصوره. حسين تعثر لكنه نهض بسرعة، وأيوب كان يركض قافزا كأنه كنغر رياضي. أما أنا، فقد شعرت للحظة أنني أطير، حتى وصلنا جميعا إلى المنارة.
وفي عصر ربيعي آخر، وبعد سقوط المطر ونزول السيل، وبينما كنا نجمع الحصى استعداداً لمعركة مع أولاد محلة أخرى، لمح أيوب شيئاً يلمع بين الحصى. هرعنا إليه لنكتشف قطعة معدنية قديمة، ربما من بقايا النقود الرومانية. شهاب رفعها بيده وقال:
"هذا (الدقنانوس) هو تميمة حظنا، سنحتفظ به طالما بقينا معا، ودسها في جيبه".
ومع اقتراب الغروب، وبما إنه الربيع ولا ثمار على أشجار البساتين؛ لنغزوها، كنا نختار مكاناً أسفل أحد التلال، حيث يكثر الخضار وتتناثر الزهور البرية، فنجلس متحلقين، نروي لبعضنا القصص ومغامرات اليوم. ونخطط للغد، وكانت أحاديثنا تتشعب، فنذكر أبطال السينما مثل هرقل وماجستي وفريد شوقي وشامي كابور، ونحن نتخيل أنفسنا مثلهم. أو على الأقل نمني النفس بمشاهدة أفلامهم في دور سينمات الموصل البعيدة يوما ما. لكن شهاب، بعصبيته المعهودة، كان يوقفنا فجأة ويعيد دفة الحديث إلى عدنان القيسي، ذلك البطل الذي لا يقهر، وكان بالنسبة له أعظم من كل نجوم السينما مجتمعين.
وذات مساء، جلسنا نتحدث عن الأفلام مرة أخرى. فقال زميلنا أيوب حلوة، بحماسه المعتاد، أقسم أن شقيقي الأكبر قال بأنه يعرف صاحب دار سينما في الموصل وسيأخذني إليه في العطلة الصيفية لأعمل هناك. تخيلنا أنفسنا جالسين في ضيافة أيوب في القاعة المظلمة، نرى هرقل يقاتل الوحوش، أو فريد شوقي يواجه عصابة الأشرار. لكن شهاب، أعادنا إلى عدنان القيسي قائلاً:
"حتى لو شاهدنا كل الأفلام، لن نجد بطلاً مثل عدنان القيسي الذي نكتفي بمشاهدته في التلفزيون، وهو ينتصر على منافسيه دائما".
ضحكنا، ونحن ننظر إلى أيوب، ولكن في أعماقنا كنا نحلم أن نرى فلما على الشاشة، وأن نكبر لا لنصبح أبطالا؛ بل لنستمتع بالدخول إلى السينما، أما أيوب فكنا نحسده لأنه سيرى كل ذلك السحر والجمال قريبا.
بسبب تكرار الحديث، وخاصة من جانب شهاب، أصبحنا نرى عدنان القيسي رمزاً للقوة والشجاعة في مخيلتنا الطفولية. وخاصة بالنسبة لحسين، فقد كان مهووساً بجمع صور عدنان القيسي، يضعها في جيبه الكبير في الجهة اليمنى من دشداشته الواسعة، وعندما نجلس لنتجاذب أطراف الحديث يقوم بإخراج تلك الصور ويقلبها ليثير فضولنا، وربما ليثير إعجاب شهاب الذي كان يصر أن نتحدث عنه، ونحلم أن نصبح مثله يوماً ما. ويقول حسين بأنه يوماً سينتمي إلى القوات الخاصة، ويدخل دورات عنيفة؛ ليصبح بطلاً مثل عدنان القيسي.
وبعده أصبح أيوب حلوة، هكذا كنا نسميه على اسم أمه ولم يكن يمانع، بل عندما يفعل حركة يرضينا في لعبة كرة القدم، نصرخ ونقول معا:
"حلوة أيوب"، ولم يكن يزعل. المهم أيوب حلوة أيضاً صف بجانب شهاب وحسين في عشق البطل، وكان يكرر على مسامعنا بأنه سيعمل في سينما مشهورة بعرض الأفلام الهندية في الموصل في العطلة الصيفية القادمة.
المهم قبل أن تنهي عطلتنا الربيعية القصيرة، جميعنا كنا نمتلك صوراً كثيرة للمصارع عدنان القيسي، ونجيد التحدث عنه، وعن نزالاته مع خصومه، وعدد العكسيات التي كان ينزلها البطل بمنافسيه.
ودارت الأيام، حسين أصبح عريفا في القوات الخاصة وأستشهد في الحرب العراقية ـ الإيرانية، أصبح بطلا كما قال. وأيوب في أول فرصة ترك المدرسة وترك صحبتنا وألتحق في عمله الذي كان يحلم به في إحدى دور السينما في الموصل وبدلا أن يصبح بطلا يشاهد الأبطال كل يوم على الشاشة، أما شهاب فأصبح حمالا يرافق لوريات حمل الحبوب صيفا ويحمل شوالات الحنطة وكوانيها من المزارع إلى اللوري، ويرافق اللوري إلى أن يفرغ الحمولة في ساحة من ساحات مقاولي الحنطة والشعير. ويقال بإنه لا يزال يتحدث عن البطل حين تسنح الفرصة. أما أنا كاتب هذه الحكاية، فأردت أن أدون تلك الذكرى قبل أن تتبخر وتنسى كما كانت الفصول تتبدل وتنسى في سنجار.
وإلى الآن، كلما تذكرت تلك الأيام، أرى خيال شهاب وأسمعه وهو يرفع صوته ليعيدنا إلى التحدث عن عدنان القيسي، وأبتسم… لأننا كنا نعيش البطولة بطريقتنا، ونصنع من طفولتنا ذكريات تستحق أن نتذكرها.



#مراد_سليمان_علو (هاشتاغ)       Murad_Hakrash#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بريد المقبرة الجماعية لشعراء سنجار الأحياء (1) رسالة من وإلى ...
- أمل على الطريق
- الهجرة إلى الهند
- دهشة الغدير
- غزالة صديقي قاسو
- دورة حياة الشوارب
- رئيس العشيرة الأخير
- باشاالباشا
- عن سنجار
- أن تكون حمارا
- الأربعاء.. بين مطرقة الأحد وسندان الجمعة
- أُغنية إلى كوجو
- عيد أربعانية الصيف
- الفرمان ما يزال مستمرا
- الفراشات البرتقالية
- أصدقائي المجانين
- أصدقائي الصغار
- أبطال الظل
- وليد جديد يخرج من بين رُكام الإبادة!
- حِوار


المزيد.....




- توتر أمني في الحسكة عقب محاولة ملثمين فض احتجاجات طلابية تطا ...
- تحولات تاريخية في خريطة التمثيل السياسي الأمريكي وصعود لافت ...
- السيسي يستقبل بطلة -تحدي القراءة العربي- ويمنحها نوط الامتيا ...
- إيمري بيلوز أوغلو يتولى القيادة الفنية لفناربخشه قبيل مواجهة ...
- اللوفر يعرض 300 صورة تكشف خفاياه ومحطات من تاريخه
- -وجوه الفيوم-.. آثار من التاريخ المصري تنبض بالحياة في معرض ...
- سوابق تاريخية في الانتخابات النصفية الأميركية تحولات تاريخي ...
- ما هي قصة فيلم the odyssey: رحلة أوديسيوس في عمل نولان
- مهرجان دهوك السينمائي.. تظاهرة مميزة في إقليم كردستان
- الأديب حامد ياسين يوضح خلفيات مقطع الفيديو المؤثر وتحديات ال ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مراد سليمان علو - البطل