أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - مراد سليمان علو - دورة حياة الشوارب















المزيد.....

دورة حياة الشوارب


مراد سليمان علو
شاعر وكاتب

(Murad Hakrash)


الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 16:09
المحور: كتابات ساخرة
    


اللحية، والشارب ـ وجمعه شوارب ـ في الأدب الديني الأيزيدي، وكذلك في الثقافة الأيزيدية الاجتماعية، لهما مكانة خاصة؛ ربما لأنهما من أهم العلامات التي تميّز الرجل عن المرأة، ولأن بعض الرجال يتمسكون بعادة المحافظة عليهما معًا، أو بالشارب وحده. وبالنسبة إلى بعض رجال الدين، فالأمر أقرب إلى الالتزام منه إلى العادة أو الموضة.
كان الفرد الأيزيدي مستعدًا، في أزمنة سابقة، لأن يضحي بالكثير في سبيل المحافظة على شاربه، ولذلك قيل قديمًا:
"إذا حُشرت شعرة من شاربك بين أسنانك، فاكسر سنك لتخلّص تلك الشعرة!". ولا يخفى أن شعيرات الشارب، كلما كانت طويلة ومهملة ولا يُعتنى بها، علقت بين الأسنان أكثر، وهذا القول، على مبالغته، دليل على الحرص الشديد على شعر الوجه من لحية أو شارب، بل والتباهي به.
وكان الشارب في بعض القرى أشبه ببطاقة هوية لا تحتاج إلى صورة شخصية. يكفي أن يدخل الرجل مجلسًا، فينظر الناس إلى شاربه، ثم إلى طريقة جلوسه، ثم إلى يده التي تلامسه كلما أراد أن يؤكد كلامه، فيعرفون أن الرجل دخل ومعه سمعته كلها.
وعلى الجهة المقابلة، هناك فريق يحبذ التخلص من شعر الوجه بدل الاحتفاظ به، وحجتهم الساخرة: (إن الجنة لو كانت معدّة للمُشعِرين، لدخلتها القرود والمعيز أولًا). وبين الفريقين ظل الشارب يتأرجح بين القداسة والسخرية، وبين الهيبة والموضة، وكأنه لا يعرف هل هو عضو في الوجه أم عضو في مجلس العشيرة.
كان الرجل إذا أمسك بشاربه وتعهد بشيء أوفى، ولا ينكث وعده أبدًا. وقد يقسم به، ولا يقسم به كذبًا. وإذا أراد العدو أن يذلّ الأيزيدي عمد إلى قص شاربيه أو حلقهما، كما فعل الفرس بأسرانا في الحرب العراقية الإيرانية. وبعد أن عاد القسم الأكبر منهم عند انتهاء الحرب، كانت أولى الجمل بعد السلام والعناق والتقبيل والبكاء: "لقد حلقوا شواربنا عنوة". كانوا يشعرون بالخجل والضعف والإهانة، وتغرورق عيونهم بالدموع.
كانت العبارة في ظاهرها عن الشعر، لكنها في باطنها عن الكرامة. فالشارب الذي يُحلق بالقوة لا يسقط على الأرض وحده؛ يسقط معه شيء من صورة الرجل عن نفسه، ولهذا كان بعضهم يمرر يده على موضعه الخالي وكأنه يتحسس جرحًا لا يراه أحد.
لا شك أن البعض كان مستعدًا للاحتفاظ بشاربه، بل والتضحية بالكثير من أجل المحافظة عليه، وما يترتب على ذلك من سمعة حسنة وسيرة طيبة لشخصه ولعائلته ولعشيرته، ولا سيما في بعض القرى والأرياف التي ما تزال تحافظ على روح العشيرة وطباعها.
هناك قصة تُروى عن أحد شباب عشيرة آل حمو، من طبقة الفقراء في ناحية كرعزير، كان قد تخرج من الدراسة الإعدادية وقُبل في كلية الشرطة، لكنه لم ينخرط فيها لأن قوانينها كانت تمنع الملتحين من الدراسة فيها. ففضّل الاستغناء عن منحته الدراسية للمحافظة على لحيته، وكسب بذلك احترام رجال الدين ووجهاء العشيرة، وخسرت الكلية مقعدًا دراسيًا لسنة كاملة.
لا أعرف إن كانت كلية الشرطة ندمت على ذلك المقعد، لكنني متأكد أن لحيته ربحت المعركة في ذلك اليوم. فالطالب ذهب إلى بيته، واللحية بقيت في مكانها، والمؤسسة استمرت من دونه، والناس استمروا في رواية الحكاية. وهكذا، أحيانًا، تنتصر شعرة واحدة على مؤسسة كاملة.
قد نكون ورثنا هذه العادة من البدو نتيجة الجيرة الطويلة معهم؛ فالبدوي دون لحية أو شارب كان يُنظر إليه أحيانًا على أنه ناقص لهيبة أو رجولة. وربما تأثرنا برجال الدين بطريقة أو بأخرى؛ لذلك نجدهم إلى جانب أنصار الشوارب في صراعهم مع خصومهم الذين لا يكتفون بتخفيفها في الوقت الحاضر، بل يعمدون إلى حلقها وضربها (صفرًا).
ولو كان للشوارب اتحاد مهني، لرفع شكوى عاجلة ضد ماكينات الحلاقة الحديثة؛ فهذه الآلات لا تعرف حرمة التاريخ، ولا تفهم شيئًا عن القسم، ولا عن سمعة العشيرة، ولا عن الرجل الذي أمضى أربعين سنة وهو يفتل طرف شاربه قبل أن يتحدث.
وهناك قصة تُروى عن آمر أحد أفواج الجيش الحديث، جيش ما بعد (2003)، الذي ما إن نُقل إلى وحدته الجديدة حتى أمر أن يكون أفراد حمايته من الأيزيديين حصرًا؛ فقد كان قد خبرهم في حروب ومعارك ومواقف سابقة. وما إن التقى بهم ليرحب بهم ضمن فصيل حمايته حتى صرخ على رأس عرفاء الوحدة قائلًا:
"قلت لك أريد جنودًا أيزيديي". فأجابه رأس العرفاء:
"ولكنهم أيزيديون يا سيدي". فرد الآمر:
"أيزيدية! وأين شواربهم؟".
كان الرجل، على ما يبدو، يملك قاموسًا عسكريًا خاصًا به: الأيزيدي عنده بندقية وشارب. فإذا غاب الشارب اختلت العقيدة القتالية، وربما احتاج الجندي إلى كتاب تأييد من المختار يثبت أنه أيزيدي رغم وجهه الحليق.
وقبل سنوات استمتعت بالاطلاع على موضوع كاريكاتوري في مجلة ألف باء العراقية المشهورة عنوانه (دورة الشوارب في الحياة)، حيث يكون شارب المسؤول الإداري عقربي الشكل أمام موظفيه صباحًا، ثم يتحول إلى شيء يشبه ذيل الفأر أمام الزوجة الحسناء مساءً.
وهذه، في رأيي، أفضل نظرية اجتماعية عن الشارب، فهو ينتفخ مع السلطة، ويهبط مع الحب، ويستقيم في الديوان، ويلين في المطبخ. وربما لهذا لم يحتج الشارب يومًا إلى عالم نفس؛ فهو يعرف وحده متى يكون أسدًا ومتى يكون قطًا أليفًا.
في بعض المجتمعات، يُعد إطلاق الشوارب واللحى موضة تظهر وتختفي مثل بقية الموضات، وتوجد أندية للحى والشوارب يستطيع المرء الانضمام إليها والمشاركة في بطولاتها المحلية والعالمية لأجمل شارب وأطوله وأكثره غرابة. أما الموضة عندنا فكانت، قبل سنوات، تخفيف الشارب، ثم أصبح حلقه شائعًا بعد أن كان الرجل يحتفظ به ربما خوفًا من نظرة المجتمع والتنكر له.
وهناك أندية في مدن أوروبية لا يدخلها، على سبيل المزاح أو التقليد، إلا (أبو الشوارب). وأتخيل أن رجلًا شنكاليًا من الجيل القديم لو دخل واحدًا منها، فلن يحتاج إلى بطاقة عضوية؛ يكفي أن يرفع رأسه قليلًا، فتفتح له الأبواب احترامًا لتاريخ وجهه.
أما الموضة الحديثة عند الشباب، وكما تغني أنوار عبد الوهاب بصوتها الملائكي "كصّة المودة"، فهي إطلاق اللحية والشارب معًا إلى أن يفرجها الله وتتغير الموضة. فتجد الشاب في العشرين بلحية رجل في الخمسين، ثم تراه بعد شهر بوجه طفل لم يذق طعم الشاي بعد.
وهنا تبدأ دورة الشوارب الجديدة: الجد يحتفظ بها لأنها كرامة، والأب يخففها لأنها عادة، والابن يحلقها لأنها قديمة، والحفيد يعيد إطلاقها لأنها (ستايل). وهكذا يعود الشارب إلى البيت من الباب نفسه الذي طُرد منه، لكن هذه المرة باسم إنكليزي وحساب على إنستغرام.
ولعل الطريف أن الشارب، بعد كل هذا التاريخ، لم يعد يعرف موقعه الحقيقي. هل هو رمز ديني؟ علامة اجتماعية؟ شهادة رجولة؟ إرث عشائري؟ زينة؟ موضة؟ أم مجرد شعر ينبت تحت الأنف ويُحمّل أكثر مما يحتمل؟
ومع ذلك، لا أظن أن الشارب سيختفي من ذاكرتنا بسهولة؛ لأن بعض الأشياء، حتى لو اختفت من الوجوه، تبقى في الأمثال والحكايات والضحكات القديمة. ستظل صورة الرجل القيراني أو الشنكالي بشاربه الكث جزءًا من ذاكرة القرى، كما يبقى الطنبور، وخبز التنور، والديوان، والعباءة، والقلنسوة، وأصوات الرجال وهم يختلفون في أمر ثم يتصالحون قبل أن يبرد الشاي.
وفي يوم ما، قد يسأل طفل شنكالي يعيش في مدينة ألمانية أباه: لماذا كان جدّي يملك هذا الشارب الكبير؟ فيفتح الأب صورة قديمة، ويقول له، يا بني، أسأل العمّ نيتشه أولا، لماذا ربّى شاربه؟



#مراد_سليمان_علو (هاشتاغ)       Murad_Hakrash#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رئيس العشيرة الأخير
- باشاالباشا
- عن سنجار
- أن تكون حمارا
- الأربعاء.. بين مطرقة الأحد وسندان الجمعة
- أُغنية إلى كوجو
- عيد أربعانية الصيف
- الفرمان ما يزال مستمرا
- الفراشات البرتقالية
- أصدقائي المجانين
- أصدقائي الصغار
- أبطال الظل
- وليد جديد يخرج من بين رُكام الإبادة!
- حِوار
- مواويل الُنزوح
- موال الخيانة
- بائع الخضراوات
- البعد الرابع
- قصيدة صباح الغد
- قصيدة الناس


المزيد.....




- من غزة إلى الأوسكار.. -المواطن أسامة- يمثل فلسطين في فئة أفض ...
- زنازين صيدنايا تُبكي الممثلة السورية روزينا لاذقاني في معرض ...
- طغاة في منتجع العزلة.. هشاشة الديكتاتور في رواية -خيط البارو ...
- أم كلثوم في دمشق.. حفل نادر، وذكريات لا تُنسى.. حفل نادر تكش ...
- الرواية الأمريكية تحت المجهر.. كواليس الضربة الأولى لصاروخ - ...
- -حكم العدالة- يعود إلى الواجهة من بوابة معرض دمشق الدولي
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا ...
- -أرض اللبان- في مهرجان قازان.. رحلة سينمائية تكشف أسرار الشج ...
- إدانة زعيم عصابة سابق بقضية مقتل مغني الراب توباك شاكور عام ...
- جيجي لامارا يظهر في فيديو كليب أغنية نانسي عجرم الجديدة -اشه ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - مراد سليمان علو - دورة حياة الشوارب