مراد سليمان علو
شاعر وكاتب
(Murad Hakrash)
الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 15:11
المحور:
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
مصادقة المجانين متعة، ما بعدها متعة. وفي شبابي كنت صديقًا للعديد منهم، فهم كثر في بلادنا والحمد لله. وأحبَهم إلى قلبي هم مجانين قريتي (سيباى) حتى تخيّل لي بأنني مجنون مثلهم، وكنت أتعجب من احترامهم وحبهم لي، ربمّا لأنهم مليئين بالحبّ وعقلاء مثلي، وشر البلية ما يضحك.
أن تصادق مجنونا فهذا يعني بانك تفترض أمرين لا ثالث لهما عند عامة الناس، أما أنت مجنون مثله، أو هو عاقل مثلك ـ هذا إن كنت عاقلا فعلا ـ ولا أدرى لما قافلة أصدقائي توّاقة للموت، يفرّون من بين أصابعي ويتساقطون مثل فراشات حان وقت هجرتها.
برأيكم مَنْ هو الإله المجنون مِنَ بين الآلهة لديه الجواب الصحيح؟
مجانين أوروك هم من كان يعوّل عليهم كلكامش في بحثه عن عشبة الخلود! أمّا (سالم) فهو من كان ينتظرني في صباحات (ثانوية مجمع الجزيرة) متأبطًا عصاه، أقدّم له سيجارة نتكلم قليلا، في الأغلب أسأله عن حاله، وما أن أودعه حتى يهزّ عصاه بعنف ويخاطبني قائلًا:
"أستاذ مراد إن أساء أحد طلابك الأدب؛ أخبرني". وطلابي لا يسيئون الأدب أبدا فهم مجانين مثلي بعشق أهل (سيباى) وضحكة (البابا جاويش) وحبك يا (سالم).
في الثمانينيات كنا نخرج من بيوتنا الطينية في سيباى، ونتجمهر جوقة لا يرتجي منها الخير أبدا، بالقرب من عمود الكهرباء الرئيس (الدبل) القريب من منطقتنا؛ لقضاء بعض الوقت في الثرثرة وسماع سوالف الهجوم الأخير على الجبهة الشرقية، وكم ستكون حصة (سيباى) من الشهداء.
ولك أن تتخيل كم كان ترقب قدوم جثث الشهداء من الجبهة صعبا ومؤلمًا.
وبعد أن يترك حديث الجبهة الشرقية، والإجازات الدورية للجنود، وطيبة أهل الجَنُوب. آثارها في أرواحنا يحضر الفتى (جردو) متأخرَا.
(جردو) شاب ضخم ذو بأس شديد بوسعه تناول قدر كبير من البرغل في وجبة الغداء مع العديد من رؤوس بصل الصولاغ الأحمر الحاد، فيكسر قدومه حزن أحاديثنا بالانتقال إلى الدعابات المقصودة.، ونحن كان واحدنا مثل الموبايل الحديث الذي انخفض شحنه وبحاجة ليشحن من جديد.
كنت أكلم (جردو) وأشجعه على الكلام والمحادثة مع الآخرين، ونشأت بيننا صداقة، وكان يبتسم عندما يراني اقترب منه، وكان هذا يساوي عندي الكثير أن اجعل (مجنونا) مثله يبتسم في وجهي ويتكلم معي ويستأنس بوجودي. فمن يدري ربمّا كنت مجنونا مثله.
قلة الاهتمام، وانعدام الخِدْمَات الطبية المناسبة جعلت من (جردو) الذي كان يعاني (التوحد) حسب تشخيصي لحالته. مجنونا في نظر كلّ من يسكن هذا الوطن المجنون.
وبعد ذلك بعدة سنوات سمعت بوفاة صديقي العاقل في احدى المخيمات. جردو لم يكن ثوريَا ليحاول بيع القضية، فقط كان يرغب أن يهتم أحدهم بآخر نكته يرويها أيام الحرب، ويبتسم بوجهه. لا غير.
نسيت نكات تلك الشلة، ولكنني لم أنس ضحكة صديقي (جردو) ولا أَغَانٍ فيروز في إذاعة بغداد قبيل الثامنة صباحا، بالرغْم من صباحات الحرب.
الصباحات وحدها تشهد للأرامل واليتامى الأيزيديين تسليم وجوههم الكالحة للشمس أينما أدارت بوجهها. وكأنها زهور الشمس بريشة فان كوخ. المسكين
رفضنا تصديق وقوف المستقبل بالباب، فلقد حضر هذا المعتوه المسمّى ب (المستقبل) أسرع مما كنا نعتقد، فلم نشبع بعد من ضحكة (باباي) السريالية، وهو ينقذ زوجته (ألين)، وزوجة باباي ألين هي نفسها (زيتونة) ولكنها كانت وما زالت (تتفيك)، وكذلك لم نمّل من مشكلات الغرابين المشعوذين (هيكل وجيكل).
ليس من حقك أن تطلق اسم (فرمان) على أول طفل أيزيدي ولد خلال الفرمان، سمّه (الخضر) ذلك الذي لا يموت ولا يمل من سرد حكايات الفرامين للأنبياء والرسل والأولياء والصالحين وطبعا للمجانين من أمثالي وأمثال صديقي (حطيط).
(حطيط) يا أخي في البلاء والفرمان والحرمان.
الشيء الوحيد الذي يمتلكه ويفتخر به هي مفرداته الشعبية الساحرة يطعمها بجمل لا تتوقعها فتبقى معلقًا بين الدهشة والابتسامة لكلامه (الحكرشي) جدا المغموس حتى العنق بالسخرية السريالية المسروقة من لوحات سلفادور دالي.
صديقي هذا طفل كبير، لو كلمته عليك مخاطبته بلغة الأطفال بمفردات مباشرة فقد يسخر منك كما يسخر من شمس آب، أو من رجال الدين في الأعياد.
نشأت وكبرت على وجود (حطيط) في نفس المكان، أشتاق لكلماته ولسخريته من كل شيء. وكم سعدت عندما قدمت إلى ألمانيا وعرفت بوجوده أيضا والتقيته في مناسبة المفروض أن تكون سعيدة ولكنني رأيت الحزن في عينيه فقد ابعدوه عن (سيباى) وعن (الإسكينية) وعن الجبل.
لا أحد له الحق أن يقترب من فرمان صديقي (حطيط)، حتى (أمير هانوفر) نفسه مالم يتحول إلى طفل يحب السخرية من الكبار.
توقع اللا متوقع بوّابة (حكرشية ـ قيرانية) تتكون من أربعة وسبعون كلمة يستنبط منها سرّ الليل لدخول الضابط الخفر في عالم المجانين، أسألوني عن هذا الأمر الاستثنائي أنا الشارب من (كأس شيخادي) حد الثمالة. أنا الشارب في صغري من ماء ينابيع الإسكينية على جناح خفاش.
قد يثمل المجنون وهو يتأمل غديرًا للمواعيد فيصبح بومة حكيمة، والعقلاء يتحولون إلى ضفادع لا يجيدون النقيق، ونتوسل بالآلهة أن يسقط المطر لتمتلئ الغدران بالمجانين ويأتي (العمّ حسن حجيكا) بسيارته (البيك آب) ليأخذهم إلى شنكال، ذلك المكان المقصود.
و(أبو فلاح) هو أوّل عاقل حاجج نوح في طوفانه، وهو أول شيوعي من قرية لا تجيد سوى النوم، وأول سائق محترف ما بين الموصل وبغداد يسمع أغاني ومواويل (بير كرو) و (بير مجو) في الطريق. وهو أول الواصلين ليبدأ بحكاية ملونة من المدن الغافية على دجلة وحكايات المسافرين إليها.
عرفته منذ صغري ورافقته عشرات المرات بسيارته من (الإسكينية) إلى (شنكال) وما تزال لوحات الجبل والتلال والقرى والمزارع على الطريق معلقة في ذاكرتي.
وبعد بناء (سيباى) عمل نجارًا والمسيح نفسه كان سيحسده على فنه الراقي لو استمر به. كان عبقريًا في التصميم والتنفيذ ويشبه جبران خليل جبران في الكلام.
آه! كم أشتاق أن اجلس معك لبعض الوقت، نتكلم عن العمّ ماركس، وعن المجانين. ثم، أصيب أبو فلاح (بالشيزوفرينيا)، وابتعد عن الجميع شيئا فشيئا وقل تفاعله معنا يومًا بعد آخر وانتقلت عبقريته إلى إخراج مفردات وجمل غريبة وعجيبة من السباب والشتم ومناداة شخصيات وهمية، وربما كانت هلوسته وكلامه العجيب أساس وقوعي في غرام السريالية.
كان (العمّ حسن) يحبني جدا. ولعائلتنا مكانة خاصة في قلبه، وفي أيام (جنونه) كنت أزوره أحيانا، افتح موضوعًا للمناقشة، ينتبه لدقائق، يتكلم وكأنه حكيم زمانه وما أن يمر الوقت حتى يرجع إلى هلوسته ومخاطبة شخصيات وهمّية وكأنه (راسل كرو) في فلمه المدهش (العقل الجميل). أدعو من يحب المجانين أن يشاهد هذا الفلم، فهو مدهش جدا.
في أثناء غزوة (داعش) القذرة بقي في الدار ومات وحيدا في غرفته، حتى في موته لم يكن مثل الناس، فقد كان دائمًا يسخر منهم ويعايرهم. والآن، أنني أفتقدك أيها الطيب العمّ (حسن حجيكا).
يمكن للحظة أن تدوم إلى الأبد وتستمر الحكاية دون نهاية، ويمكن لاستكان الشاي ألا يبرد ويستمر دُخَان السيجارة بالصعود ليختلط بعبق الحكايات، وتأسيسًا على حكمة أصدقائي العقلاء أطالب أمرائنا الجدد الذين يشبهون العملة العراقية المزورة وطحين البطاقة التموينية. مصادقة المجانين أمثال هؤلاء فربما تعلموا منهم الحكمة والضحكة والابتسامة والتواضع والطيبة وحبّ الحياة والناس.
ومتى ما فعلوا ذلك فسيتركون كراسيهم ويهربون من الإمارة وهم يقهقهون، سيغوصون بهلاوس لم تكن يومًا أمنيتهم في الحياة.
هؤلاء الأمراء الصغار ورؤساء العشائر عليهم أن يجربوا الألم، ويدخلوا مملكة الألم لتمتزج الرغبة في الحكم بالألم حتى يختفي الخوف الذي يمشي أمامهم في كلّ مشوار.
عندما يتصاعد الألم ويستمر بالفوران ينهار على نفسه ويصبح ثقبا دوديا، ومن هذا الشكل الدودي الجديد والتحوّل المفاجئ يمكنهم طلب السماح والغفران من المجانين والأرامل والناجيات والسبايا والمخطوفين، والمغدورين.
إن أراد هؤلاء ـ وأنا أشك بذلك كثيرًا ـ إعادة ميلاد الأيزيدياتي عليهم أن يهربوا إلى واقع المجانين الذين لا يخافون ولا يجاملون، ويشبهون كثيرا أصدقائي: سالم، وجردو، وحطيط، وعمّي حسن حجيكا، وشمو حجي، والدايلي لاما، وبابا الفاتيكان.
#مراد_سليمان_علو (هاشتاغ)
Murad_Hakrash#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟