أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - مراد سليمان علو - باشاالباشا














المزيد.....

باشاالباشا


مراد سليمان علو
شاعر وكاتب

(Murad Hakrash)


الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 15:36
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


في أمسية خريفية، لطيفة، وهادئة، سمع من يسكن قرى البصرة الطينية التي لا تختلف عن قرى شنكال، الشاعر بدر شاكر السيّاب وهو ينطق بعد طول صمت:
"أغفر لهم أيها الباشا، فإنهم لا يعلمون ما يفعلون. سامحهم على تحطيمهم واقتلاعهم تمثالك، وتماثيل رفاقك في السلاح، فذكراكم ستبقى حيّة دائمًا في قصائدنا نحن الشعراء، وكذلك في قلوب جنودك المخلصين، وفي حقائب التاريخ الذي لا يضيع".
والباشا لقب فخري قادم على البساط السحري للتشريف من الإمبراطورية العثمانية البائدة، كان يمنح للشخصيات من عليّة القوم، وهو بذلك يعادل لقب اللورد الإنكليزي، وباشانا اسم على مسمّى، وقد أطلق عليه هذا اللقب القائد العام للقوات المسلحة العراقية، يوم تكريمه في أيام حرب الثمان سنوات حين أشار إليه بـ "هذا الباشا" وبذلك يحق لنا نحن الشعب أن نسمّيه (الباشا باشا) على الرغْم من أنف السلاطين العثمانيين.
مثلما حافظ الجنرال شارل ديغول خلال الحرب العالمية الثانية على أرث القائد نابليون بونابرت، كنا نأمل من قادة ما بعد (2003) الذين جاؤوا على ظهر الدبابة الأمريكية أن يحافظوا على تمثال العميد الأيزيدي باشا ناصر خلف ورفاقه من القادة والضباط والمراتب، فهم كانوا جنودا مخلصين دافعوا عن العراق واستشهدوا في سبيله.
العميد باشا كان نابليون الأيزيدية الشنكاليين في زمانه، زمان الحرب العراقية ـ الإيرانية، ولكنهم أسقطوا التمثال الشامخ، ربمّا لأنه كان يشير بسبابته إلى جهة الشرق حيث مصدر الشرّ الدائم لنا، فالشرقيون هم أنفسهم مَنْ اجتاحوا مملكة بابل في سنة 539 قبل الميلاد، ولكن لا يمكن لوم من يمتهن التفريط بمعالم مدن العراق من تماثيل وزقورات، وثيران مجنحة، وكنائس وقبب مخروطية. ومتاحف وأبنية تراثية، بل يفرطون دون أن ترمش لهم جَفْن؛ بشعوب ومكوّنات العراق الأصيلة كلها.
يا باشا لا يهم إن أزاحوا تماثيلكم، فلسنا بحاجة إلى جماد حتى نتذكرك؛ لأنك حيّ دائمًا في ضمائرنا، وفي قصصنا، وقلوب الآلاف من جنودك ومريديك.
المسافة بين كراج النقليات في سنونى، وبين أصابعك التي تشير إلى الشمس هي محنة أور التي داستها ولوّثتها الجنود الأمريكان ببساطيلهم، وزئير أسد بابل الغاضب وقد صعد على ظهره جندي أمريكي من أوكلاهوما لا يعرف من هو والده البيولوجي.
لم يقم بول بريمر عدالته الرأسمالية، ولم ننجح نحن في امتحان شرفدين. كل إنجازهم كان كسر تمثالك؛ ليعود الكوجك مكسور الخاطر إلى لالش الخرساء، فصوم الأربعين أربعانية لم ينته بعد، وما نزال بانتظار العيد.
مع نهر الفرات أسير مكسور الخاطر، وألتقي بعطش الحسين، أحمله معي إلى البصرة حيث بقايا التمثال، وأجد في كفه المقطوعة إسطرلاب عباسي يؤشر نحو شنكال من جديد.
صداقة الفرات يجعل هاجس خيانتي لدجلة ينبت في قلبي أسرع من قصب الأهوار. في الفرات المتكور على نفسه وردة ريّانة خلف سدّ حديثة حيث قضيت شطرا من عسكريتي، كمأمور بدالة في مجموعة مخازن عتاد أتنصت لأحاديث الهجوم في الجبهة، وعدد الشاحنات القادمة لنحملها عتادًا أسرع من غمضة عين، فالعتاد هو العمود الفقري لهذه الحرب التي لا أحد يعلم متى ستنتهي وكيف ستنتهي، ولكنني أعلم جيدا مقدار التوتر والانزعاج في أحاديث الضباط.
قصّة عسكريتي هي مجرد فصل قصير من حكايات الدليم في ديرتهم ومدنهم وصحرائهم. في كرمهم الذي لا أجده في البيت الأبيض، ولا في قصر الألزية ولا في قصر باكنغهام.
لو تم نقلي إلى جبهات القتال لتمنيت أن أنقل إلى الوحدة العسكرية التي آمرها العميد باشا، ولكن الجيش يسير حسب الأوامر وليس حسب الرغبات والتمنيات. هكذا علمتنا العسكرية.
كنت تدخل القلوب بدون استئذان بقامتك الفارعة، وشواربك الجميلة التي تستحق التبجيل، ولا شك إن كلّ شعرة منها الآن قد اتحدت مع زهرة نيسان يتكرر نموها في كلّ ربيع، وتستحيل كحلا في أجنحة الفراشات وهي ترفرف وتنثره على القبور حواليك، مثلما كنت توزع حبك على مرؤوسيك في زمن الحرب. ومثلما كنت محل تقدير من رؤسائك بشجاعتك رغما عنهم حين كان التقدير نادرًا تمامًا مثل الإجازات، ومثل المجلات التي تكون نادية لطفي صورة غلافها.
نعم، كنت تدخل قلوبنا وضمائرنا في زمن الحرب ـ زمانك ـ بابتسامتك، بضحكتك، بكلامك الموزون، بأوامرك الشبيهة بمشرط الجرّاح في إزالة الجزء الفاسد من الجسد. هكذا كانت أوامرك عند الإغارة على العدو، أو صدّ هجماته، فكلنا نتذكر صولاتك، وجولاتك من (كردمند) إلى (شرق البصرة)، وكنت قائدًا شجاعًا وشهما.
أصبحت الفارس المفضّل في قصصنا عن حرب الخليج الأولى في ليالي شتاءاتنا الطويلة. نتناقل مآثرك. نردد أقوالك. نؤثر أيامك ونترحم عليك. توجت نصرك العظيم وحبك العظيم بخلود أعظم في ذاكراتنا. كنت تعي معناها مبكرًا وبحثت عنها وكأنها عشبة الخلود التي كان كلكامش يبحث عنها، ووجدتها أنت بينما كلكامش رجع الى أوروك خالي الوفاض.
في ذكرى رحيلك تختزل العواطف الشنكالية التي تكون بصحبة سائق تكسي يدخن كثيرًا ويتجول في قرى ومجمعات شمال الجبل بصحبة مسجل سيارته ويصدح منه صوت قبال الأسطوري وهو يغني موّال:
"كيف لسمكة أن تغرق في البحر؟".
من يسمع مواويل قبال غير جنودك يا باشا، وسواق التكسي في قرى شنكال الطينية؟
أيتها الأماني المعقودة على بريات شرفدين الملونة، كم كاسيتا لقبال نحتاج نحن الشنكاليين؛ لنشبع من ولائم الذكرى الحزينة، ونعود أدراجنا من تيه وغربة المنافي إلى قرى الجبل ثانية؟
ما تزال نجومك، ونسورك، ونياشينك، وأنواطك، وأوسمتك. تفوح منها رائحة البطولة الممزوجة برائحة الأيزيدياتي، فكيف سننساك بمجرد زوال تمثال لك يا (أبو ناصر).



#مراد_سليمان_علو (هاشتاغ)       Murad_Hakrash#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن سنجار
- أن تكون حمارا
- الأربعاء.. بين مطرقة الأحد وسندان الجمعة
- أُغنية إلى كوجو
- عيد أربعانية الصيف
- الفرمان ما يزال مستمرا
- الفراشات البرتقالية
- أصدقائي المجانين
- أصدقائي الصغار
- أبطال الظل
- وليد جديد يخرج من بين رُكام الإبادة!
- حِوار
- مواويل الُنزوح
- موال الخيانة
- بائع الخضراوات
- البعد الرابع
- قصيدة صباح الغد
- قصيدة الناس
- صديقي سالم علي الشيخ. قدح المشمش
- الذاكرة


المزيد.....




- الاتحاد الأوروبي ينتقد مخطط إسرائيل الاستيطاني في -إي-1-
- شلل متزايد في هرمز.. حركة الشحن تهبط إلى مستويات قياسية
- علماء روس يبتكرون مضادا جديدا للأكسدة
- غيابها عن السوشيال ميديا كان الإنذار.. عملية إنقاذ لفتاة مقي ...
- حريق -هوك- يجبر نحو 90 ألف شخص على إخلاء منازلهم في نيفادا ا ...
- -نوفوستي-: تركيا تتطلع لاستئناف المفاوضات بشأن أوكرانيا قبل ...
- طهران تحذر من تداعيات غياب رد الفعل الدولي على قصف منشآتها ا ...
- مكملات فيتامين (د) قد ترتبط بتحسن الوظائف الإدراكية
- تحذير من مخاطر السجائر الإلكترونية على الصحة النفسية والتنفس ...
- -4+4- توقع بالأحرف الأولى.. هل تبدأ الانتخابات أم معركة الشر ...


المزيد.....

- المناضل الصغير / محمد حسين النجفي
- شموع لا تُطفئها الرياح / محمد حسين النجفي
- رؤية ليسارٍ معاصر: في سُبل استنهاض اليسار العراقي / رشيد غويلب
- كتاب: الناصرية وكوخ القصب / احمد عبد الستار
- الحزب الشيوعي العراقي.. رسائل وملاحظات / صباح كنجي
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية الاعتيادي ل ... / الحزب الشيوعي العراقي
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو ... / الحزب الشيوعي العراقي
- المجتمع العراقي والدولة المركزية : الخيار الصعب والضرورة الت ... / ثامر عباس
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 11 - 11 العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 10 - 11- العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - مراد سليمان علو - باشاالباشا