|
|
عن سنجار
مراد سليمان علو
شاعر وكاتب
(Murad Hakrash)
الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 14:06
المحور:
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
حسنا إنها سنجار: حسنا، وكما يبدأ بعض الأجانب حديثهم التافه عادة: (حسنا) إنها سنجار، أو سمّها شنكال إن شئت.. المدينة التي لها أسماء أكثر من أسماء الاله مردوخ نفسه. هل نعدّ معا أسماؤها؟ هل تريد أن نبحث في كتب التاريخ، والمصادر. أو نسأل العّم جوجل عن أسماؤها كما يفعل بعض أولئك الكتاب والباحثين النصّ ردن. طبع، لن نفعل. يكفي إنها سنجار، وأنت فيها. بشأن الناس في الشوارع والأسواق، لن يزعجوك بالسؤال عن الاتجاهات والأماكن، إنها مدينة صغيرة تشبه كرة تنس الطاولة من بين كل الكرات التي اخترعها الإنسان وابتكر أشكالها وطريقة لعبها. سلام من هذا، وابتسامة من ذاك، وقد تحسبها ثرثرة لن تنتهي. ولكن لن يزعجك أحدهم ويوقفك ليخبرك إن اللبن الذي تشتريه صباحا من دكان رشو، كان أفضل منه أيام زمان في دكان محمد المصلاوي الذي كان دكانه قرب المنارة الأثرية الذهبية التي فجرها الدواعش. لن تجد الكثير من الأشياء في هذه المدينة، لا ناطحات سحاب، ولا علامات عبور المشاة، لا مسارح ولا دور سينما، ولا حتى مولات أو أسواق مركزية. وكأنها لم تلتحق بعد بزميلاتها من المدن في القرن الحالي. طبعا البعض لا يطيقون هذه الفروقات باستثناء شخص مثلي، وربماّ معتوه مثلك يجد إن مدرسة سنجار الأبتدائية الثانية للبنين هي أفضل مكان تقضي فيه دراستك الأبتدائية باللغة العربية الممزوجة باللهجة السنجارية ـ المصلاوية. في كل العراق. وإن حاول أحدهم أن يتذمر، عليّ أن اصرخ في وجهه وأقول له: "ألا يكفيك أنك في سنجار!". حكماء سنجار يقولون: هناك شيء في سنجار ستحبه، لو صعدت الجبل وتأملت المدينة في الليل مع الأضواء القليلة الخافتة التي تومض بخجل، لابد إنك ستقول حينها، يا لها من مدينة وادعة جميلة في حضن الليل وكأنها تروي حكايتها للنجوم البعيدة. حكماء سنجار الأوائل يأملون أن يقوم أحدهم بذلك. وإن كنت أنت من سيقوم بذلك، فتأكد أن البقية سينشغلون بهواتفهم الذكية، وهنا يجب أن أؤكد إن كلام الحكماء كان دقيقا. لا تهتم إن قرأ الناس أفكارك. فلقد تلتقي ببعض من يدعون إنهم أقاربك ـ لا يهم درجة القرابة ـ فمن التفاؤل أن يحدثوك عن ملابسك بدلا عن الطقس، وسيتجنبوك سريعا؛ لأنهم يعتقدون جازمين إنك تقرأ الأفكار مثلهم. لا تشغل بالك بهؤلاء كثيرا فهم من نتاج زواج الأقارب. وفي بداية العصرية الأولى لك في سنجار وأنت تتجاذب أطراف الحديث مع الشخص الجالس جنبك في إحدى كازينوهات المدينة ستسأله: "ما الذي يبقيك في سنجار؟". ــ حسنا، إلى أين زاوية من الجحيم تقترح أن أذهب؟ ــ لا أدري فأنا لم أغادر سنجار قط. والآن، دعك منه ومن هيئته، أو حديثه، فهذا مجرد أختلاف ثقافات. والأمور التي تريد لها أن تتغير، لن تتغير بمجرد أن تتذمر عليها أو منها، كسرقة طوب رمضان الأثري، وتدمير كنيسة العذراء، ومنع الأيزيديين من بناء مزار ديني داخل القصبة. ولكنهم أحرار في بيع ما طاب لهم من أنواع الخمور. لا يمكن التفكير بمهنة مملة أكثر من التصوير الفوتوغرافي في هذه المدينة، ومصور فوتوغرافي يتحدث طول الوقت عن تصاويره، وعن معارضه التي يقيمها عن الفرمان. وفي اليوم الأول منه هرب وترك كامرته في البيت ليستولي عليها الغزاة، دون أن يلتقط صورة واحدة طوال الأسبوع الأول من الفرمان. من الواضح هذا حال جميع الفوتوغرافيين في سنجار. يتحدث الآخرون عن إنجازاتهم، أمّا في سنجار فهؤلاء يشتكون من فرصتهم الضائعة. شنكال ليست مملة أبدا، بمعنى آخر لو أردت الذهاب إلى مكان ما خارج المدينة، ليس عليك أن تنتظر سيارات التاكسي، أو حافلة ما ـ حتى لو كانت من نوع الكوستر ـ بل عليك أن تذهب بنفسك سيرا على الأقدام لتعثر على وسيلة نقل توصلك إلى المكان المقصود، وبدلا من دعاء الركوب، تحمد الله إن المدينة قد تجاوزت الحداثة بمراحل. ولن تقلق من أن يسرق أحدهم شيئا من حقيبتك أو حتى يحملها سهوا بقضها وقضيضها ويرحل دون أن يلتفت أو يبتسم، فلم نعد في سنوات التسعينيات وحاجة التسعينات. نعم، إذا كنت في سنجار فأنت شخص يعتقد بأن لا شيء سيء سيحدث لك، مما يجعل مخيلتك تصطف إلى جانب أحلامك بأن المدينة تعيش عمرها المابعد حداثوي بدليل إنك تركت فكرة سفرك في جيب بناطلك الخلفي تقليدا ببوكوفسكي. وستبتسم في المساء لأن العشرات يقتلون بدم بارد لمجرد خروجهم من المدينة المقدسة. الجواب الوحيد الذي يمكن أن تحصل عليه في نهاية يومك هو: لا تنسى هنالك أشخاص آخرون في المدينة! حينها ستدرك بأنه عليك أن تدع البعض يصطدمون بك عن قصد وترصد. رغم ندرة المارة في الشوارع والأسواق، والمحلات. ماذا تظن، فبالتالي إنها شنكال.
إنهم شنكاليون: عندما كان العالم يحبو، كانت شنكال تتباهى بنفسها، ونور الشمس كان يغمر جنّة (شمش) التي كانت شنكال جزء منها. كانت هناك أدعية وتعاويذ تجعل من الجبل صديقا، وتبعد عنه شّر الصحراء. الحياة كانت رغيدة في سنجار! أتعلم لماذا؟ لأن جبلها كان يطفو، والصحراء البعيدة كانت تمّد رقبتها وتسحب كل شيء إلى الأسفل، تمّر السنوات وتبقى الصحراء قريبة من القعر، والجبل يبقى في الأعالي مرفوع الرأس، كقروي عنيد قد أخذ بثأره للتوّ. وأهل سنجار يا عيني تبعوا الجبل. هكذا عاش الشنكاليون، وظنوا إن فرحهم سيستمر ولن ينتهي، فلم يكن للموت مكانا أو اسما في قاموسهم. ولكن عندما حاول العدو حجب هذا النور وتدمير الديار، الشنكاليون قاوموا. بعضهم تركوا شنكال وسافروا إلى عوالم بعيدة من أجل النجاة، الرحلة كانت صعبة ومليئة بالمهالك في تلك البحار والأماكن البعيدة والباردة. قلنا إنه فرمان كما الفرامين السابقة وسينتهي قريبا. ولكن هذا الفرمان عصف بالمدينة وقراها وزلزل كيان الإنسان. ولا أحد يدري إلى متى سيستمر هذا. والآن أصبح لدينا أسماء وأماكن كثيرة وواسعة للموت. هزمنا العدو ولكن ذلك خلّف جروحا عميقة، لا أحد يريد التحدث عنها. دعك من أولئك الذين استلموا الجوائز والميداليات، فهم لا يجيدون التحدث. وبدأت المطاردة، مطاردة الموت للحياة، وستمر السنوات والأثر يضمحل بالنسبة للكثير من الشنكاليين، وآلام تلك الأيام ستختفي من الأذهان وسيصبح الفرمان مجرد ذكرى مثل سابقاتها من الفرامين، والتهديد سينتهي. شخصيا أتمنى لو أصدق ذلك. ولكن من يشتعل قلبه بنار الحقد لا يمكن أطفاؤه. يقال عندما تذكر شنكال في حديثك روحك تسمع موّال شنكالي ممتع يحمل ذكراها، وتشعر برائحتها مع كل نفس ويغمرك شعور بأنك في احدى بساتينها.
بربروش شنكال: أسوأ حّي في شنكال هو (حّي بربروش)، ومن جهة أخرى كان أفضل حّي في شنكال، وأجمل حيّ، وأهله أطيب الناس. هل أهل محلة بربروش الشنكاليين كانوا متعجرفين؟ لا، إنما كانوا غاضبين جدا؛ لسببين: أولهما لأنهم طردوا من محلتهم في سنة (1975)، رجع بعضهم في عام (2003) ولكنهم هربوا هذه المرة وكان ذلك في الثالث من آب سنة (2014). والسبب الثاني، إنهم لم ولا يملكون أية سلطة رغم براعتهم في الحديث وسرد النكت. التقارير الحكومية تقول: إن الأحياء الشعبية، شعبية جدا وخطيرة. أهلها يفترشون الأرض ويأكلون الطعام كأهل القرى القديمة، وكل عائلة لديها سلاح ما، يخبئه تحت ملابسه الفضفاضة للدفاع عن النفس حين تتعرض المحلة للسطو في وضح النهار. أتذكر إن الأسلحة كانت من الأشياء التي كنا نفتخر بها! فماذا حدث؟ ولكن السؤال يجب أن يكون على النحو التالي: هل محلة بربروش كانت أفضل في السبعينات من القرن الماضي، منها في الألفية الثانية؟ حسنا، وهذه أيضا بداية على غرار كلام الأجانب. ما سمعته وقرأته أنت في التقارير تقول، إنها كانت سيئة، وإنها كانت على وشك الأفلاس. أما أنا فلم أكن أعلم شيئا بشأنها، كنت استمتع بوقتي وأسرق مع رفاقي الرمان والتين من بساتين شنكال العامرة. وفي المساء نجلس على الرصيف ونشاهد أفلام الكارتون. وفي الصباح في المدرسة يوزع علينا حصتنا من الأغذية المدرسية، وكانت حصتي هذا الأسبوع من مكتبة المدرسة، قصّة (الأنف العجيب). لمحمد الأبراشي. محلة بربروش فيها مكتبات لبيع وقراءة الكتب، وهذا أمر مفرح. ولكنها لا تحتوي على كتب في علم الأنساب. من هو أوّل (هبابي) قدم إلى سنجار؟ ومن هي أوّل عائلة (قيرانية) استقرت في مركز سنجار؟ لا أحد يعلم! تلك كانت بربروش شنكال. لن أتكلم عن بربروش دهوك حتى لو قام خدر فقير من قبره وهو يغني (كريفي) وتعلو وجهه ابتسامة. كنت طفلا، وكنت أتسكع في بربروش، ولم أهتم بالتقارير الحكومية الرسمية. تلك كانت بربروش حين ذهبنا إليها، وحين أخرجونا منها. وللحصول على صورة أكثر أثراء يمكن كتابة روايات أو قصص قصيرة عن تلك المحلة الملحمية. البعض يعرفونها بـ: المنارة الذهبية، البساتين، مدرسة سنجار الأبتدائية للبنين، المستشفى، طوب رمضان، جايخانة عمو نادرو، دكان أبي. أما أنا فأصفها وأعرفها بـ اللعب. ألعاب الطفولة، تصاوير نجوم الرياضة والفن. ألعاب الساحة والميدان والمهرجان السنوي للمدار الأبتدائية. ووجوه المعلمين التي تقطر قيمرا وعليه قطرات من عسل الجبل. وكان قرار الحكومة أن نرحل نهائيا. نهائيا أيها الحمقى! ماذا تقولون، لا شيء نهائي في العراق. العراق بلد عشائر وعصابات. سنرحل بأراداتنا، لم نعد نطيق هذا الهراء. لذلك ترى الشوارع فارغة، ولا توجد خدمة التاكسي في المدينة، ولا أماكن للجلوس والاستلقاء وقراءة قصص الفرمان المريعة. سنجار أصبحت أكثر اتساخا وأقل كفاءة. ولكنها ما زالت أجمل مدن العالم الصغيرة في عالم ما قبل الحداثة. من الصعب مغادرة سنجار والعيش في مدينة أخرى لأنك في كل يوم ستسأل عن الأماكن التي كنت تذهب إليها. أيضا عليّ أن أقول، بأنه عار على من لا يملك الجرأة أن يعيش في سنجار، قبلا والآن. في النهاية قالت الحكومات العراقية: فلتذهب بربروش إلى الجحيم ولتمت سريعا. ولكن أنظروا من الذي مات قبل الآخر، وأسرع من الآخر!
سنجار داخل، سنجار خارج: لا يمكنك أن تكون لا مباليا في سنجار، وأحد الأمور الأساسية في خروجك من بيتك إلى الخارج هو ظنك بوجود أناس في الخارج. أليس كذلك؟ الكثير من الناس في السوق وفي المقاهي وحتى في دار السينما ـ المهجومة ـ في أطراف المدينة تظن إنهم يعرضون فلم (الأرض) المصري للمرة الثانية، وهذه المرة تعّول على عدم حلقهم لشوارب محمود المليجي. الواقع إن معظم شباب الأيزيدية الآن يحلقون شواربهم بأنفسهم. في الحقيقة تظن إن هناك أشخاص كثيرون في الخارج؛ ولهذا لا تصبر على شاي العصرية وخبز التنور أو الكليجة، وتخرج. وفي المساء ستدرك إنك لن تتحكم أبدا بوجود الناس في الخارج، في أي مكان من الخارج. قد تتحكم في وجودهم وعيشهم معك في بيتك، بالطبع عدا عنكبة دوستويفسكي في غرفتك، التي تظن إنها شريكتك في السكن. إلا إذا دخلوا عليك الدار عنوّة وبصحبتهم مترجم لا يجيد الإنكليزية أكثر من أجادته غناء (تايبين)، ويتعاطف معه العريف بأن يدعه يسرق ما يستطيع حمله من البيت من أوراق نقدية، وذهب. ولهذا لا تريد أن تخرج! ولهذا إن خرجت لا تريد أن تعود! الجميع يقولون لك: نريدك أن تشعر بالراحة، في خيمتك في النزوح، أو عند رجوعك إلى بيتك المحطم، أو في غربتك القاتلة عند الهجر، نريدك أن تشعر بالراحة وأن تكون مرتاحا جدا. أنا مرتاح أيها الأوغاد فلقد سرقتم سنجار وقراها. سرقتم أحلامنا، وما يثير استغرابي سرقتم ضميرنا. اين ضميرنا يا شنكاليون. كنت محظوظا بطرق مختلفة في حياتي في سنجار، وبطرق أخرى كنت سيء الحظ. أعرف هذا. ولكن هذه المرة، فقط هذه المرة يبدو إن الحظ لا يتغير. رغم إن القطعة الكبيرة في مدخل المدينة تقول: "لو كنت سنجاريا، ولا يهم إن كنت من بيت الصابونجي أو من بيت مجو، وإذا انكسرت لك ظفرا فبلدية سنجار ستعوضك بأموال طائلة". طبعا هذه الكتابة كانت في زمن رئيس البلدية المشهور (شيخ سعيد). علينا أن نهتم للأمور المعنوية أكثر، ولكن في خضم هذه الفوضى لو عاش الدايلي لاما في هذه المدينة سيصبح مجنونا، وسيكلم نفسه أكثر من (الأستاذ حميد)، وأكثر من (شحتو) نفسه. سنجار تتغير، وإحدى الطرق لتأكيد ذلك إنك ترى التغيير من خلال مقاطع التيك توك ومنشورات الفيس بوك. وقراءتك هذا النصّ التافه. وأغنية الشنكاليين في ليالي القدر التي تقول: شنكال واقع لامتناهي.. والشنكاليون يؤمنون بالرب وبالسحر.
تحدي النفس في شنكال: الشنكالي يحب أن يتحدى نفسه، لا يجاهر بقوله: أريد أن أتحدى نفسي، ولكنه يتحدى. دون أن يعلن ذلك ودون أن يخبر أحد بذلك. يتطوع في الجيش ليتحدى نفسه بعد أن كان والده وأعمامه يقدمون الذبائح والقرابين يوم تسريحهم. يدخل سلك الشرطة، ليس لأنها وظيفة تنفيذية تجلب له السلطة، بل ليتحدى نفسه. يهرب ويعبر البحار نحو أوربا ليتحدى نفسه، وما أن يصل يرجع أو يرغب في الرجوع أو يحدثك دائما عن الرجوع. طبعا هذه التحديات كلها زائفة، التحدي هو أمر عليك أن تفعله لا أن تؤديه، الحياة الواقعية مليئة بالتحديات. أجد من يسافر من سنجار إلى الموصل بسيارته دون أن يحصل له حادث في الطريق هو تحدي. ليس لأنه سيجتاز السباق ويصل قبل الآخرين، بل لأن الشارع متهالك وغير صالح للسير عليه، ولتكمل تحديك لنفسك عليك أن تقف في باب البلدية والقائم مقام والمحافظ وتقرص أذن رئيس عشيرتك ليحس بمعاناتك ورغبتك في تحدي نفسك دون أن يحصل لك حادث عند ذهابك إلى الموصل، ورجوعك منه. التحدي هو أن تقاضي من يدعي إنه يقوم بخدمة عامة ولا يؤدي واجبه كما ينبغي. مجتمعك ومدينتك وقريتك ليست بحاجة إلى تلك التحديات، بل إلى أن تحفر لتقتلع الظواهر السلبية فيها، وتزرع بدلها ظواهر اجتماعية إيجابية. أزرع الكثير من الأشجار وأغرس حوالي كل شجرة عشرة أسئلة وقم بتحدي القائمين على قيادة المجتمع أن يجيبوا على تلك الأسئلة وبذلك تكون قد تحديت نفسك وتحديتني بأنك قادر على أن تتحدى نفسك، ستثبت لي إنك في سنجار/شنكال.
عين على سنجار: عندما دخلت سنجار لأول مرة، كقروي يحاول الاقتراب من شجرة التمدّن لتوه، كنت في متاهتي الروحية الخاصة، وخرجت من سنجار مكرها ولا أزال في متاهتي الروحية الأولى. سنجار هي خيالي بلون العسل، جميع تدرجات الألوان العسلية. ومهما فعلت ستدرك في النهاية مثلي إن تلك المتاهات كانت أماكن وزوايا وبساتين في سنجار لا لتكتشف سنجار كمكان، بل أماكن لتكتشف فيها ذاتك، فتشعر بدوار ولا تخرج من متاهتك الروحية. في متاهات سنجار كنت أسير وأفكر، لم أفكر بالمتاهة ولا بسنجار بل بالفكرة التي أريد أن اقطفها من بساتين سنجار التي عشعشت في خيالي. سنجار أحجية تشبه تلك التي كانت في طيات حكايات ليالي شتاء قرية الإسكينية العليا، ولكن كل أحجية فيها كانت طريقا من متاهات مرصوصة بمرايا خضراء. وألف طريقة للاتصال بالذات؛ ولهذا تكون متاهة روحية قبل كل شيء، وبعد كل شيء. منذ البدء الوحوش كانت تعيش في دواخلنا وليس في سنجار. بالنسبة لي المسافة بين (حكايات من شنكال) وبين المتاهة ـ التي هي أنا ـ مسافة قصيرة جدا، لا تتعدى العبور من جانب منارة سنجار الذهبية إلى الجانب الآخر. نفس المسافة بين حكايات العّم خلف مجو اللطيفة، ورعب قصص الدواعش. ما أثار فضولي في بداية الأمر، إن الداخل إلى سنجار لابد له أن يضيع بين البساتين والجايخانات والأسواق وفي ساحة مدرسة سنجار الأبتدائية الثانية للبنين. ضعت في سنجار، وما أزال ضائعا. تائها في متاهتي الخاصة، والمدهش والمثير، والغريب جدا هو أنني لا أريد أن أخرج من المتاهة. أصرخ بعلو صوتي: لا أريد الخروج، لا أريد الخروج.. عندما تكون كاتبا تصنع لنفسك أبوابا للخروج، أما أنا فأصنع كل يوم ألف شباك للدخول، وللبقاء، وللتوهان إلى حد الغثيان. عندما يقول لك أحدهم إن السنجاري مرح بطبعه، عليك أن تضيف: طبعا فالسنجاري يعرف بأنه سيموت، فلماذا لا يكون مرحا. لسنجار أسماء كثيرة لا ينطقها سوى الريح وأشجار التين وأنا. أنا كائن سنجار. أنا مخلوق بوسعك أن تقرأ رسائله وحكاياته في لجّة سنجار. سنجار بالنسبة لي عقدة معلقة في رقبة الزمن البعيد. عندما كنت طفلا صغيرا كنت أرى رعب سنجار جميلا، والآن وقد كبرت فأنني أرى جيراني نسخ عديدة من دراكولا، وفرانكشتاين. سنجار فلم من إبداع لويس بونويل.
#مراد_سليمان_علو (هاشتاغ)
Murad_Hakrash#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أن تكون حمارا
-
الأربعاء.. بين مطرقة الأحد وسندان الجمعة
-
أُغنية إلى كوجو
-
عيد أربعانية الصيف
-
الفرمان ما يزال مستمرا
-
الفراشات البرتقالية
-
أصدقائي المجانين
-
أصدقائي الصغار
-
أبطال الظل
-
وليد جديد يخرج من بين رُكام الإبادة!
-
حِوار
-
مواويل الُنزوح
-
موال الخيانة
-
بائع الخضراوات
-
البعد الرابع
-
قصيدة صباح الغد
-
قصيدة الناس
-
صديقي سالم علي الشيخ. قدح المشمش
-
الذاكرة
-
أناشيد إيزيدية
المزيد.....
-
أرقام الدين الأمريكي تتضاعف خلال 10 سنوات.. فكم بلغ في 2026؟
...
-
الصين تحذّر: العقوبات الجديدة على إيران ستؤدي لـ-زيادة التوت
...
-
هل حذفت مصر اسم إسرائيل من مناهجها التعليمية؟.. خارطة تثير
...
-
لماذا غزت بريطانيا والاتحاد السوفيتي إيران خلال الحرب العالم
...
-
الولايات المتحدة تستعد لإلغاء نحو 200 ألف تأشيرة.. من المسته
...
-
شاهد: إعادة صنع مرساة من عصر الفايكنغ بالمطرقة والمنفاخ في ا
...
-
حصيلة ضحايا زلزالَي فنزويلا تتخطى 6500 قتيلًا.. والحكومة تسل
...
-
الشرع: سوريا -تمزّق صفحة من ماضيها الأليم- بعد شطبها من قائم
...
-
قاليباف: لا أحد يصدق هراءات الأمريكيين
-
بوتين يعين سفيرا روسيا جديدا في العراق
المزيد.....
-
المناضل الصغير
/ محمد حسين النجفي
-
شموع لا تُطفئها الرياح
/ محمد حسين النجفي
-
رؤية ليسارٍ معاصر: في سُبل استنهاض اليسار العراقي
/ رشيد غويلب
-
كتاب: الناصرية وكوخ القصب
/ احمد عبد الستار
-
الحزب الشيوعي العراقي.. رسائل وملاحظات
/ صباح كنجي
-
التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية الاعتيادي ل
...
/ الحزب الشيوعي العراقي
-
التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو
...
/ الحزب الشيوعي العراقي
-
المجتمع العراقي والدولة المركزية : الخيار الصعب والضرورة الت
...
/ ثامر عباس
-
لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 11 - 11 العهد الجمهوري
...
/ كاظم حبيب
-
لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 10 - 11- العهد الجمهوري
...
/ كاظم حبيب
المزيد.....
|