أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - داود السلمان - هؤلاء علموني: عبد الله القصيمي(27)والأخيرة















المزيد.....

هؤلاء علموني: عبد الله القصيمي(27)والأخيرة


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 09:41
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


علاقتي بالمفكر والكاتب السعودي عبد الله القصيمي واحدة من التجارب الفكرية التي تركت أثراً واضحاً في طريقة نظرتي إلى القضايا الإنسانية والفكرية والفلسفية، وكان ذلك أكثر من خمسة عشر عاما. فقد كان من الشخصيات الكبيرة التي زادتني ثقة بما أفكر فيه وما أطرحه من قضايا، ومنحتني قراءته شعوراً بالاطمئنان إلى أن الأسئلة التي تشغلني ليست ترفاً فكرياً، وأن الخوض في القضايا الشائكة ومحاولة فهمها خارج الأطر المألوفة حقٌّ من حقوق العقل والإنسان. وقد قرأت له كتابيه «لئلا يعود هارون الرشيد» و«عاشق لعار التاريخ»، إلى جانب الكثير من المقالات التي كُتبت عنه وضده، فوجدت نفسي أمام شخصية فكرية مثيرة للجدل، لا يمكن المرور بتجربتها مروراً عابراً، ولا يمكن فهمها بمعزل عن طبيعة الصراع بين حرية التفكير وسلطة الموروث.
لم تكن قراءتي للقصيمي مجرد اطلاع على أفكار كاتب مختلف، بل كانت اقتراباً من تجربة إنسانية وفكرية تطرح أسئلة عميقة عن علاقة الفرد بمجتمعه، وعن حدود ما يستطيع العقل أن يراجعه من أفكار ومعتقدات، وعن حق الإنسان في أن يعيد النظر في كل ما ورثه أو اعتاد الإيمان به. وما شدّني إليه ليس بالضرورة الاتفاق مع كل ما ذهب إليه، وإنما تلك الجرأة في الاقتراب من الموضوعات التي يحيط بها كثير من الناس سياجاً من المحظورات، وكأن مجرد السؤال عنها يمثل خروجاً على الجماعة أو تهديداً لاستقرارها. لقد وجدت في تجربته ما يعزز قناعتي بأن التفكير لا يكون حراً حقاً ما دام يخشى الاقتراب من المسائل الحساسة، أو يستمد مشروعيته من رضا الآخرين عنه.
إن عبد الله القصيمي ليس اسماً عادياً في تاريخ الفكر العربي الحديث؛ فهو شخصية ارتبطت بتحولات فكرية حادة، وأثارت كتاباته ردود فعل متباينة بين من رأوا فيه صوتاً جريئاً في مواجهة المسلّمات، ومن اعتبروا مواقفه تجاوزاً للثوابت التي يؤمنون بها. وقد أسهم هذا التباين في جعل تجربته موضوعاً دائماً للنقاش، بحيث لا تكاد الكتابة عنه تخلو من موقف مسبق، سواء أكان موقف إعجاب أم رفض. غير أنني أرى أن أهمية المفكر لا تُقاس بمقدار ما يحظى به من قبول أو بما يثيره من خصومة، وإنما بقدرته على تحريك الأسئلة في عقول القراء، ودفعهم إلى مراجعة أفكارهم والنظر إلى القضايا من زوايا ربما لم يسبق لهم أن اقتربوا منها.
ومن خلال قراءتي لكتاب «لئلا يعود هارون الرشيد»، وجدت أن استدعاء التاريخ يفتح باباً واسعاً للتأمل في علاقتنا بالماضي، وفي الطريقة التي تتحول بها بعض الشخصيات التاريخية إلى رموز تتجاوز حدود زمانها، فتغدو صورتها في الوعي الجمعي أقوى أحياناً من الحقائق التي تكشفها القراءة النقدية. فالمشكلة ليست في الاعتزاز بالتاريخ أو استحضار منجزاته، بل في أن يتحول هذا الاعتزاز إلى وسيلة للهروب من الحاضر، أو إلى اعتقاد بأن استعادة نماذج الماضي كفيلة وحدها بحل مشكلات الواقع. إن التاريخ، في تقديري، لا ينبغي أن يكون مجالاً للتمجيد وحده، كما لا ينبغي أن يتحول إلى مساحة للإدانة المطلقة؛ بل يجب أن نقرأه بعقل مفتوح، نميز فيه بين المنجزات والإخفاقات، ونستفيد من تجاربه من دون أن نجعل منه سلطة تمنعنا من التفكير.
أما كتاب «عاشق لعار التاريخ»، فقد دفعني إلى تأمل موقع الكاتب في المجتمع، وطبيعة الدور الذي ينبغي أن يؤديه في مواجهة الأفكار السائدة. فالكاتب، في نظري، لا تقتصر مهمته على نقل ما يقوله الآخرون أو تكرار ما استقر في أذهانهم، وإنما تتمثل مسؤوليته الحقيقية في أن يضيف إلى النقاش، وأن يطرح الأسئلة التي قد يتجنبها غيره، وأن يمتلك الشجاعة اللازمة للتعبير عن رؤيته، حتى عندما تختلف مع ما اعتاده المحيط الاجتماعي. لكن هذه الشجاعة لا تعني أن كل رأي مخالف صحيح، ولا أن الصدام مع المألوف فضيلة في ذاته؛ إذ تظل قيمة الكتابة مرتبطة بعمق الفكرة، وقوة الحجة، والقدرة على الإقناع، والاستعداد لمراجعة المواقف في ضوء المعرفة والنقد.
يقول: "ان القتل والبذاءة باسم العقيدة، أو المذهب أو الوطن أو الدفاع عن العدل أو الحرية، هما قتل وبذاءة بالتوحش الذاتي والرغبة النفسية، بررا تبريرا اخلاقيا واعتقاديا، بل حولا إلى عقيدة واخلاق.
انك إذا قتلت باسم شيء تراه طيبا فانت قاتل فقط ... انك لست قاتلا فقط ، بل قاتل ومادح لقتلك". عاشق لعار التاريخ ص 75 منشورات دار الجمل
ولعل أكثر ما يجعل تجربة القصيمي جديرة بالتأمل هو مساره الفكري نفسه، وما شهده من تحولات كبيرة نقلته من موقع فكري إلى موقع آخر أكثر تصادماً مع كثير من المسلّمات الدينية والاجتماعية. وقد أثار هذا التحول قراءات متعارضة؛ فمنهم من رآه تعبيراً عن استقلال العقل وحق الإنسان في مراجعة قناعاته، ومنهم من اعتبره خروجاً على الثوابت وتجاوزاً للحدود المقبولة. وأنا أرى أن فهم هذه التجربة يقتضي تجاوز الأحكام الجاهزة، والنظر إلى صاحبها في سياق الظروف الفكرية والثقافية التي عاشها، مع الاحتفاظ بالحق في مناقشة أفكاره ونقدها، وعدم التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية لمجرد أنها صدرت عن شخصية مثيرة للجدل.
وقد قرأت الكثير من المقالات التي تناولت القصيمي، سواء تلك التي دافعت عنه وأشادت بجرأته، أو تلك التي هاجمته واعترضت على أفكاره. وقد أفادتني هذه القراءات في إدراك حجم الانقسام الذي أثارته تجربته، كما دفعتني إلى التفكير في طبيعة العلاقة بين المفكرين والقراء، وفي الأسباب التي تجعل بعض الشخصيات تتحول إلى موضوع للصراع الفكري والاجتماعي. فالمقالة المؤيدة لا تكفي وحدها لإثبات صحة الأفكار، كما أن المقالة المعارضة لا تستطيع، بمجرد الرفض، أن تنفي قيمتها أو تلغي حق صاحبها في التعبير. لذلك أجد أن القراءة المنصفة تقتضي الاستماع إلى مختلف الآراء، ثم إخضاعها للفحص والمناقشة، بعيداً عن الانحياز الأعمى أو الخصومة المسبقة.
إن ما زادني ثقة في القضايا التي أفكر فيها وأطرحها ليس اعتقادي بأن القصيمي يمتلك الإجابة عن كل سؤال، بل شعوري بأن التفكير الحر لا ينبغي أن يكون موضع خوف أو اعتذار. فقد علّمتني تجربته القرائية أن الاختلاف لا يعني بالضرورة العداء، وأن مساءلة الأفكار لا تعني الاستخفاف بأصحابها، وأن الإنسان يستطيع أن يحترم حق الآخرين في الاعتقاد والتعبير، وفي الوقت نفسه يحتفظ بحقه في النقد والمراجعة. وهذه المساحة من الحرية الفكرية هي التي تمنحني الاطمئنان إلى أن القضايا الإنسانية والفلسفية تستحق النقاش، مهما كانت معقدة أو مثيرة للاختلاف.
إن عبد الله القصيمي بالنسبة إليّ ليس مجرد كاتب قرأت بعض مؤلفاته، بل أحد المفكرين الذين ساعدتني تجربتهم على تعزيز ثقتي بأهمية الأسئلة التي تشغلني، وبضرورة مواصلة التفكير فيها من دون خوف من الاختلاف. ومع ذلك، فإن الوفاء الحقيقي للفكر لا يكون بتحويل المفكر إلى مرجعية لا تُناقش، وإنما بامتلاك الشجاعة نفسها في فحص أفكاره ومراجعتها. وهنا تكمن، في تقديري، القيمة الأعمق لقراءة القصيمي: أن يخرج القارئ من كتبه أكثر استعداداً للتفكير، وأكثر قدرة على التمييز بين الاقتناع والتقليد، وبين الإعجاب بشخصية فكرية والتسليم المطلق بكل ما تقوله. فالمفكر الكبير ليس من يعفينا من التفكير، بل من يجعلنا أكثر إصراراً عليه، وأكثر إيماناً بأن العقل لا يكتمل إلا بالحوار والنقد والحرية.



#داود_السلمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هؤلاء علموني: داروين(26)
- هؤلاء علموني: مدني صالح(25)
- هؤلاء علموني: عبد الحسين شعبان(24)
- هؤلاء علموني: خزعل الماجدي(23)
- هؤلاء علموني: كمال الحيدري(22)
- هؤلاء علموني: السيد القمني(21)
- هؤلاء علوني: الرصافي(20)
- هؤلاء علموني: كارل ماركس(19)
- حصر الدين بيد الله !
- هؤلاء علموني: بوذا(18)
- الله والأديان
- هؤلاء علموني: تولستوي(17)
- هؤلاء علموني: الدكتور قيس هادي(16)
- هؤلاء علموني: غاندي(15)
- هؤلاء علموني: كافكا(14)
- هؤلاء علموني: كولن ولسون(12)
- هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(11)
- هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(10)
- هؤلاء علموني: أريك فروم(9)
- هؤلاء علموني: برتراند رسل(8)


المزيد.....




- مفتي عُمان يعلق على مبادرة شيخ الأزهر عن المصالحة وحقن الدما ...
- اتحاد علماء المسلمين يعقّب بـ6 نقاط على مبادرة شيخ الأزهر لل ...
- أول رئيسة وزراء في المغرب: بين الملك ورجال الدين والحركة الن ...
- للفقراء والعاملين.. ماذا تعرف عن زيتون المسجد الأقصى ومن يقط ...
- -غسل الركبتين- في الوضوء.. خطأ صغير يكشف أزمة كبرى في فتوى ا ...
- -منتدى مصر-: ظهور مفاجئ لباسم يوسف وسط حديث عن عودة قريبة
- إسرائيل تستغل احتجاجات فرنسا.. إجراءات هجرة أسرع لليهود
- إسرائيل تمدد منع خطيب الأقصى من دخول المسجد لمدة 6 أشهر
- مرجع ديني عراقي يُعلن تأييده ودعمه للنداء العالمي لشيخ الأزه ...
- سلطات الاحتلال تجدد إبعاد الشيخ عكرمة صبري عن المسجد الأقصى ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - داود السلمان - هؤلاء علموني: عبد الله القصيمي(27)والأخيرة