أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود السلمان - هؤلاء علموني: برتراند رسل(8)















المزيد.....

هؤلاء علموني: برتراند رسل(8)


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 20:04
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


منذ عدة أشهر وأنا أذهب إلى شارع المتنبي، جيئة وذهاباً، وفي ذهني غاية واحدة لا تكاد تفارقني: العثور على كتاب «حكمة الغرب» للفيلسوف البريطاني برتراند رسل بجزأيه الأول والثاني. كنت أسأل عنه أصحاب المكتبات، وأفتش بين الرفوف، وبسطات الكتب، وأعود أحياناً بخيبة صغيرة، لكن الرغبة في اقتناء الكتاب كانت تدفعني إلى العودة من جديد. كان الأمر أشبه برحلة بحث عن شيء أعرف قيمته قبل أن ألمسه، وأشعر بأن العثور عليه سيكون مناسبة تستحق الفرح.

شارع المتنبي ليس مكاناً عادياً بالنسبة إلى محب للكتب. هناك، بين الباعة والقراء والطلاب والباحثين، تشعر بأن للكتاب حياة أخرى، وأن الورق القديم والجديد يستطيع أن يفتح أمام الإنسان أبواباً لا تفتحها أماكن كثيرة. كنت أمشي في الشارع، وأتوقف أمام هذه المكتبة أو تلك، أقلب الكتب بعناية، وأقرأ العناوين، وأتأمل الأغلفة، ثم أسأل عن «حكمة الغرب». وفي كل مرة كنت أقول في نفسي إن الكتاب لا بد أن يظهر، حتى لو تأخر ظهوره.

وبعد عناء طويل، تحقق ما كنت أتمناه. وجدت الكتاب من إصدارات عالم المعرفة في الكويت، الطبعة الثانية، بالرقم 364 لسنة 2009، وبترجمة فؤاد زكريا، وبجزأيه اللذين كنت أبحث عنهما منذ أشهر. لا أستطيع أن أصف فرحتي في تلك اللحظة وصفاً دقيقاً؛ فقد كان شعوراً يتجاوز مجرد شراء كتاب. شعرت كأنني عثرت على صديق قديم كنت أبحث عنه، أو كأنني استعدت شيئاً كان ينقص مكتبتي، مع أنني لم أكن قد امتلكته من قبل. أخذت الكتاب معي وأنا أشعر أن الطريق الذي قطعته في البحث لم يكن طويلاً على الإطلاق ما دمت قد وصلت في النهاية إلى ما أريد.

وحين عدت إلى البيت، لم أستطع أن أؤجل القراءة. بل جلست حتى ساعة متأخرة من الليل، وبدأت ألتهم الكتاب التهاماً. كنت أنتقل من صفحة إلى أخرى بشغف واضح، وكأنني أخشى أن أتوقف فيضيع مني شيء من ذلك العالم الواسع الذي يقدمه رسل. لم تكن القراءة عندي في تلك الساعات مجرد مطالعة لكتاب في تاريخ الفلسفة، بل كانت رحلة فكرية ممتعة، أجد فيها نفسي أتنقل بين الأفكار والفلاسفة والعصور، وأرى كيف تشكل العقل الغربي عبر مراحل طويلة، وكيف ترك كل فيلسوف أثراً في مسار الفكر الذي جاء بعده.

وأكثر ما أدهشني في برتراند رسل هو أسلوبه. لقد وجدت عنده قدرة نادرة على تقديم الأفكار الفلسفية بلغة شيقة، واضحة، وخالية من ذلك التعقيد الذي يجعل القارئ يشعر أحياناً بأنه يقف أمام جدار مغلق. لم أشعر وأنا أقرأه أن الفلسفة تريد أن تستعرض صعوبتها أمامي، بل شعرت أنها تقترب مني وتحدثني بلغة يمكن أن أفهمها وأتفاعل معها. وهذه ميزة عظيمة بالنسبة إليّ، لأنني طالما شعرت، في قراءات أخرى، بأن بعض الفلاسفة يضعون بين القارئ والفكرة طبقات كثيرة من المصطلحات والعبارات الملتوية.

لم أجد فيه شيئاً من ذلك التعقيد عند هيغل، كانط وسارتر، على الرغم من اختلاف هؤلاء الفلاسفة اختلافاً كبيراً في أفكارهم ومناهجهم. ولا يعني هذا أنني أقلل من شأنهم أو من قيمة ما كتبوه؛ فالكتب العميقة لا تصبح سهلة لمجرد رغبتنا في أن تكون كذلك، وبعض الأفكار تحتاج إلى صبر طويل حتى تنكشف جوانبها. لكن تجربة القراءة تختلف من كاتب إلى آخر، وقد كان رسل بالنسبة إليّ من أولئك الذين يجعلون القارئ يشعر بأن الفكرة، مهما كانت عميقة، يمكن أن تقدم بوضوح وأناقة.

ولعل هذا هو سر تعلق الإنسان ببعض الكتب دون غيرها. فهناك كتب نقرأها ثم نضعها على الرف، وقد نعود إليها بعد سنوات، وهناك كتب أخرى تترك في النفس أثراً لا يزول بسهولة. «حكمة الغرب» من الكتب التي بقيت حاضرة في ذاكرتي ومكتبتي معاً. إلى الآن، الكتاب موجود بين كتبي، ولم يتحول وجوده إلى مجرد حضور مادي على الرف. كلما وقعت عيناي عليه تذكرت تلك الأشهر التي قضيتها في البحث عنه، وتذكرت شارع المتنبي، والمكتبات، والأسئلة المتكررة، واللحظة التي وجدته فيها أخيراً.

إن علاقتي بالكتب لا تقوم كلها على ما تحتويه من معلومات، وإنما تقوم أيضاً على الذكريات التي ترافقها. بعض الكتب نشتريها في مرحلة معينة من حياتنا، فتلتصق تلك المرحلة بالكتاب إلى الأبد. وربما ننسى بعض تفاصيل الأيام، لكننا حين نمسك بالكتاب بعد سنوات، تعود إلينا صور المكان والزمان والظروف التي أحاطت بشرائه. ولهذا فإن مكتبتي بالنسبة إليّ ليست مجموعة من الأوراق والجلود والأغلفة، بل هي سجل شخصي طويل، كل كتاب فيه يحمل قصة، وكل رف يحتفظ بجزء من حياتي.

حين أنظر إلى كتبي اليوم، لا أقول إنني أحببتها فقط، بل أقول إنني عشقتها. كلمة الحب تبدو أحياناً أقل من أن تصف العلاقة التي تنشأ بين الإنسان والكتاب الذي رافقه طويلاً. فالكتاب يمنحك صحبة لا تطالبك بشيء، ويفتح لك أبواباً لا تحتاج إلى مفاتيح، ويضع أمامك تجارب وعقولاً وأزمنة لم تعشها، ثم يترك لك حرية التأمل والقبول والرفض والنقاش. وقد يكون الكتاب صديقاً صامتاً، لكنه في لحظات كثيرة يكون أكثر حضوراً من كثير من الأصدقاء.

ولذلك أجد متعة خاصة في اقتناء الكتب، حتى تلك التي أعرف أنني لن أقرأها كلها في وقت قريب. يكفيني أحياناً أن أعرف أنها موجودة بالقرب مني، وأنني أستطيع في أي وقت أن أمد يدي إليها وأفتح صفحاتها. وجود الكتاب في المكتبة يمنحني شعوراً بالأمان الفكري، وكأنني أعيش وسط أصوات كثيرة، لكل صوت تجربته ورؤيته وأسئلته. وعندما أمر أمام رفوف مكتبتي، أشعر بأنني لا أمر أمام أشياء جامدة، بل أمام مراحل من عمري واهتماماتي وأسئلتي وأحلامي.

أما «حكمة الغرب» فقد احتفظ بمكان خاص بين هذه الكتب، لأنه لم يدخل مكتبتي بسهولة. لقد سبقته رحلة طويلة من البحث والانتظار، ثم جاءت لحظة العثور عليه لتمنح القراءة معنى إضافياً. وربما لهذا السبب ظل الكتاب عزيزاً عليّ، لا بسبب محتواه وحده، بل بسبب الطريق الذي قادني إليه. إن بعض الأشياء تصبح أثمن في أعيننا بسبب المشقة التي بذلناها للوصول إليها، والكتاب الذي بحثت عنه أشهراً كان واحداً من تلك الأشياء التي ازدادت قيمتها عندي لأن العثور عليها لم يكن سهلاً.

وأحياناً أفكر في أن أجمل ما في القراءة ليس الوصول إلى آخر صفحة، وإنما الطريق الذي نمشيه ونحن نقرأ. فالكتاب الجيد يجعل القارئ يتغير، ولو قليلاً، ويمنحه أسئلة جديدة، ويعيد ترتيب بعض أفكاره، ويدفعه إلى النظر في العالم من زاوية مختلفة. وهذا ما جعل قراءة رسل تجربة لا أنساها. لقد قرأت تاريخاً للأفكار، لكنني في الوقت نفسه قرأت شيئاً من تاريخ الإنسان في بحثه الدائم عن الحقيقة والمعرفة والمعنى.

وهكذا بقي «حكمة الغرب» في مكتبتي، وبقيت معه حكاية البحث عنه. وكلما كحلت عيني به، وببقية الكتب التي عشقتها، أشعر أن الرحلة لم تنته؛ فالكتاب الذي نقرأه مرة قد يدعونا إلى قراءات أخرى، والفكرة التي نفهمها اليوم قد تفتح لنا غداً سؤالاً جديداً. لذلك سأعود إلى كتبي، لأستعيد الشعور الذي جعلني أعشقها، وأرى في وجودها معنى جميلاً للحياة.
وأخيرا...اشتريت كتبا كثيرة لهذا الفيلسوف العميق..



#داود_السلمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هؤلاء علموني: ويل ديورانت(7)
- هؤلاء علموني: إيمانويل كانت(6)
- هؤلاء علموني: دوستويفسكي(5)
- هؤلاء علموني: علي الوردي(4)
- هؤلاء علموني: طه حسين(3)
- هؤلاء علموني: غوستاف لوبون(2)
- (هؤلاء علموني) سلامة موسى(1)
- فلاسفة الألمان (1)
- رحيل مُشرّح اللاوعي العربي
- كانط: حين يسأل العقل عن حدوده
- المثقف في عصر الذكاء الاصطناعي
- هواء مجلجل
- فوق هشة الأوهام
- قراءة في كتاب (سِفر من الملكوت إلى الملكوت)
- وها أنا الآن
- شروط الرواية الناجحة
- علي الوردي وطبيعة الوعظ
- ماذا قال تولستوي في أعترافاته؟
- مها الغرابي تكتب عن (دعابل) لرياض داخل
- الغجر والقرج في العراق


المزيد.....




- -التحالف- يعلن وقوع هجوم للحوثيين على محطة توزيع كهرباء بالم ...
- 4 أسباب وراء زيادة الشهية في الخريف
- بوتين: كافة المحظورات تُنتهك في السياسة العالمية والعالم ليس ...
- المغرب: ما أهم التحديات التي تواجه المنصوري بعد تكليفها بتشك ...
- كاليفورنيا تحظر زواج الأطفال، بينما يبقى قانونياً في 32 ولاي ...
- بن غفير يطالب بتسليم مساعد طيار فلاي دبي.. ونتنياهو يكشف: تل ...
- أسلحة بـ157 مليون دولار.. تقرير إسرائيلي يتتبع ترسانة حزب ال ...
- المحكمة العليا أمام اختبار حاسم.. هل تُقصى القوائم العربية م ...
- إثيوبيا توجه اتهامات جديدة لمصر وتطالب بتعويضات
- بوتين: تفكك الاتحاد السوفيتي مأساة لعشرات الملايين


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود السلمان - هؤلاء علموني: برتراند رسل(8)