|
|
هؤلاء علموني: علي الوردي(4)
داود السلمان
الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 21:44
المحور:
الادب والفن
أول كتاب قرأته له كان بعنوان «وعّاظ السلاطين». وكان ذلك في تسعينيات القرن الماضي، وتحديداً في أيام الحصار الظالم على العراق. علي الوردي صدمني يومها ببساطة الطرح، وذكاء الموضوع، وقيمة البحث العلمي. ومنذ ذلك الوقت أحببت أسلوب الوردي وطريقته في إقناع القارئ، وبالتالي قرأت جميع كتبه: «منطق ابن خلدون»، و«أسطورة الأدب الرفيع»، «خوارق اللاشعور»، و«طبيعة المجتمع العراقي»...إلخ.
لم تكن قراءتي لكتاب «وعاظ السلاطين» يومها قراءة عابرة لكتاب من كتب الفكر، ولم أكن أعرف أن ذلك الكتاب سيترك في داخلي أثراً يمتد لسنوات طويلة، وربما سيغير علاقتي بالقراءة نفسها. كنت في تسعينيات القرن الماضي، في أيام الحصار الظالم على العراق، حيث كان كل شيء من حولنا مثقلاً بالضيق والانتظار والأسئلة. وفي وسط ذلك الواقع وجدت نفسي أمام كاتب مختلف، لا يكتب ليقول إنه يعرف، بل يكتب ليجعلني أفكر في ما أظن أنني أعرفه.
كان علي الوردي بالنسبة لي اكتشافاً حقيقياً. ما صدمني فيه لم يكن فقط موضوع الكتاب، ولا جرأة الأفكار التي يطرحها، وإنما تلك البساطة التي كان يصل بها إلى الفكرة المعقدة. كان يستطيع أن يأخذ موضوعاً اجتماعياً أو فكرياً شديد التشعب، ثم يضعه أمام القارئ بلغة قريبة، واضحة، وأحياناً ساخرة، من دون أن يفقد الموضوع قيمته العلمية أو عمقه. وهذه القدرة على الجمع بين وضوح اللغة وعمق الفكرة ليست أمراً سهلاً، ولذلك بقي أسلوب الوردي في ذاكرتي حتى بعد أن انتهيت من الكتاب.
كنت أشعر وأنا أقرأه أن الكاتب لا يريد مني أن أصدقه لمجرد أنه الكاتب، بل يريد مني أن أختبر الفكرة بنفسي. وهذه واحدة من أهم الصفات التي أحببتها في كتاباته. فهو لا يتعامل مع القارئ بوصفه تابعاً، وإنما يحاول أن يدفعه إلى النظر في الأشياء من زاوية أخرى. وربما لهذا السبب كان تأثيره فيّ أكبر من تأثير كثير من الكتب التي قرأتها بعد ذلك. لقد جعلني أكتشف أن الكتاب ليس مجرد صفحات تحتوي معلومات معرفية، وأن القراءة ليست جمعاً للأفكار، وإنما هي طريقة لإعادة ترتيب علاقتنا بالعالم وبأنفسنا.
بعد «وعاظ السلاطين» لم أكتف بكتاب واحد. بدأت أبحث عن كتب علي الوردي الأخرى، وكأنني وجدت أمامي باباً وأردت أن أعرف إلى أين يقودني. قرأت «منطق ابن خلدون»، وقرأت «أسطورة الأدب الرفيع»، و«خوارق اللاشعور»، و«دراسة طبيعة المجتمع العراقي»، وغيرها من كتبه. وكل كتاب منها كان يضيف شيئاً جديداً إلى الصورة التي بدأت تتشكل في ذهني عن الإنسان والمجتمع والفكر، لاسيما المجتمع العراقي.
في «منطق ابن خلدون» وجدت اهتماماً مختلفاً بطريقة التفكير، وبالعلاقة بين الأفكار والواقع الاجتماعي والتاريخي. وفي «أسطورة الأدب الرفيع» وجدت ذلك الحس النقدي الذي لا يكتفي بترديد المسلمات، بل يسأل عن مصدرها، وعن الطريقة التي تحولت بها بعض الأفكار إلى قواعد تبدو وكأنها حقائق لا تحتاج إلى نقاش. أما «خوارق اللاشعور» فقد فتح أمامي باباً آخر لفهم النفس البشرية وما يختبئ وراء السلوك الظاهر للإنسان، وهذا الكتاب قادني إلى كتب أخرى على شاكلته، ومنها كتاب "الانسان وقواه الخفية" لكولن ولسون. وفي «دراسة في طبيعة المجتمع العراقي» شعرت أنني أقرأ شيئاً يمس حياتي وبيئتي مباشرة، وأن المجتمع الذي أعيش فيه يمكن أن يكون موضوعاً للبحث والفهم، وليس مجرد واقع نعتاد عليه حتى نتوقف عن طرح الأسئلة حوله.
ولعل أجمل ما فعله الوردي بي أنه لم يجعلني قارئاً لكتبه فقط، وإنما جعلني راغباً في القراءة أكثر. وهذا فرق كبير. هناك كتب تنتهي منها وتضعها جانباً، وهناك كتب تفتح لك شهية البحث عن كتب أخرى. وعلي الوردي كان من النوع الثاني بالنسبة لي. كل فكرة كان يطرحها كانت تقودني إلى سؤال، وكل سؤال كان يدفعني إلى البحث عن إجابة، وكل إجابة كانت تفتح سؤالاً جديداً.
ومن هنا بدأت علاقتي بالقراءة تتغير. لم تعد القراءة عندي مجرد وسيلة لقضاء الوقت أو الحصول على المعرفة، وإنما أصبحت جزءاً من تكويني الشخصي. صرت أبحث عن الكتب التي تستفز العقل، وعن الكتاب الذين يجعلون القارئ شريكاً في التفكير لا مجرد متلقٍ. وربما كان الوردي أول من علمني بصورة عملية أن الكتاب الجيد لا يعطيك الإجابات دائماً، بل قد تكون قيمته الحقيقية في الأسئلة التي يتركها في رأسك بعد أن تنتهي من قراءته.
ومع القراءة بدأت علاقتي بالكتابة تتشكل أيضاً. فالكاتب الذي يقرأ كثيراً لا بد أن تتغير علاقته باللغة والأفكار والأسئلة. بدأت أشعر بأن الأفكار التي تتراكم في داخلي تحتاج إلى أن تخرج في صورة كلمات. وهكذا قادتني القراءة إلى الكتابة من حيث لم أكن أخطط لذلك. لم يكن الأمر مشروعاً واضحاً منذ البداية، بل كان شيئاً ينمو بهدوء مع كل كتاب أقرأه، وكل فكرة أتوقف عندها، وكل موقف يجعلني أشعر بأن لدي شيئاً أريد أن أقوله.
ولأن الوردي كان أول من فتح لي هذا الباب، بقيت علاقتي به مختلفة عن علاقتي بكثير من الكتاب الذين قرأت لهم بعده. ربما لأن القراءة الأولى تترك أثراً لا يشبه أي أثر آخر. فالكتاب الأول الذي يأخذك إلى عالم جديد لا يبقى مجرد عنوان في الذاكرة، وإنما يتحول إلى جزء من قصتك الشخصية. وكلما عدت إلى مرحلة البدايات تذكرت «وعاظ السلاطين» وتذكرت تلك الأيام الصعبة من تسعينات العراق، وتذكرت كيف كان كتاب يمكن أن يكون نافذة صغيرة في جدار كبير من الضيق.
لم يكن الوردي بالنسبة لي مجرد عالم اجتماع عراقي، ولا مجرد صاحب كتب أثارت جدلاً واسعاً، وإنما كان، قبل كل شيء، واحداً من الذين غيروا علاقتي بالمعرفة. علمني أن البساطة لا تعني السطحية، وأن الفكرة العميقة يمكن أن تصل إلى القارئ بلغة مفهومة، وأن البحث العلمي يمكن أن يكون قريباً من الحياة اليومية، وأن الكاتب يستطيع أن يناقش القضايا الكبيرة من دون أن يحول الكتاب إلى خطاب مغلق لا يقترب منه إلا المتخصصون.
وربما لهذا السبب بقي أسلوبه حاضراً في ذائقتي القرائية حتى اليوم. أحب الكاتب الذي يحترم عقل القارئ، والذي لا يخاف من السؤال، والذي لا يتعامل مع الأفكار بوصفها أصناماً يجب حمايتها من النقد. أحب الكتابة التي تجعلني أتوقف عند فقرة، ثم أضع الكتاب جانباً للحظة، وأفكر: هل الأمر فعلاً كما كنت أعتقد؟ هل يمكن أن أنظر إلى المسألة من زاوية أخرى؟ ماذا لو كان ما اعتدته من أفكار بحاجة إلى مراجعة؟
هذه الأسئلة هي، في رأيي، واحدة من أجمل ثمار القراءة. فالقراءة الحقيقية لا تزيد عدد الكتب التي قرأتها فقط، وإنما تغير الطريقة التي تنظر بها إلى الأشياء. وقد فعل الوردي ذلك معي. لم يجعلني أعرف أكثر فحسب، بل جعلني أرغب في أن أعرف أكثر.
وحين أتذكر اليوم تلك البداية، أشعر بالامتنان لذلك الكتاب الذي وقع في يدي في زمن لم يكن سهلاً. لم أكن أعرف آنذاك أنني، وأنا أقرأ صفحات «وعاظ السلاطين»، كنت أبدأ رحلة طويلة مع الكتاب والقراءة والكتابة. لم أكن أعرف أن اسم علي الوردي سيصبح مرتبطاً في ذاكرتي بمرحلة كاملة من حياتي، وأن كتبه ستبقى شاهدة على التحول الذي حدث في داخلي.
لقد كان الوردي بالنسبة لي أكثر من مؤلف قرأت كتبه كلها تقريباً؛ كان بداية. وبداياتنا الفكرية لها مكان خاص في الذاكرة، لأنها تأتي في وقت تكون فيه عقولنا مستعدة لاكتشاف عوالم جديدة. وربما لهذا السبب لا أنظر إلى تلك الكتب بوصفها كتباً قديمة قرأتها في الماضي، وإنما بوصفها جزءاً من الطريق الذي أوصلني إلى ما أنا عليه اليوم.
لقد أحببت القراءة بفضل ذلك الطريق، ثم أحببت الكتابة لأنها بدت لي امتداداً طبيعياً للقراءة. وما زلت حتى الآن أؤمن بأن أجمل ما يمكن أن يفعله كتاب في حياة الإنسان هو أن يفتح له باباً لا يغلق بسهولة. كتاب يجعلك تبحث عن كتاب آخر، وفكرة تقودك إلى فكرة، وسؤال يوقظ داخلك أسئلة أخرى. وهذا تحديداً ما فعله بي علي الوردي.
بدأت معه قارئاً يبحث عن كتاب، وانتهيت وأنا أكتشف أنني أبحث عن نفسي بين الكتب. وربما تلك هي أجمل هدية يمكن أن يمنحها كاتب لقارئه: ألا يكتفي بأن يملأ رأسه بالمعلومات، بل أن يوقظ فيه رغبة دائمة في السؤال والقراءة والتفكير والكتابة.
#داود_السلمان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هؤلاء علموني: طه حسين(3)
-
هؤلاء علموني: غوستاف لوبون(2)
-
(هؤلاء علموني) سلامة موسى(1)
-
فلاسفة الألمان (1)
-
رحيل مُشرّح اللاوعي العربي
-
كانط: حين يسأل العقل عن حدوده
-
المثقف في عصر الذكاء الاصطناعي
-
هواء مجلجل
-
فوق هشة الأوهام
-
قراءة في كتاب (سِفر من الملكوت إلى الملكوت)
-
وها أنا الآن
-
شروط الرواية الناجحة
-
علي الوردي وطبيعة الوعظ
-
ماذا قال تولستوي في أعترافاته؟
-
مها الغرابي تكتب عن (دعابل) لرياض داخل
-
الغجر والقرج في العراق
-
هل وصلت رسالة الحُسين؟
-
قلقنا المزمن
-
الأسئلة الوجودي في (شمس حمراء)
-
الرمز والبُعد الانساني في (ورد السماء)
المزيد.....
-
التعليم العالي:جامعة القاهرة تطلق منصة رقمية للملكية الفكرية
...
-
احتجاجات في مدن مغربية رفضاً لرفع مستوى التمثيل الدبلوماسي م
...
-
من وراء الشاشات إلى المتاحف.. كيف تخطط عصابات الجريمة لسرقة
...
-
موسيقي روسي: زوار روسيا يكتشفون حقيقة مختلفة بعيدا عن الصور
...
-
-رسائل ممنوعة-.. رواية سعيد أبو غزة عن الحب في وجه الموت وال
...
-
تردد قناة بطوط كيدز الجديد 2026 على النايل سات لمتابعة أجمل
...
-
كيف حوّلت فنانة سورية عمارة دمشق القديمة إلى أزياء رقمية؟
-
خبيرة روسية تسلط الضوء على جهود صون التراث الثقافي غير الماد
...
-
استمرار ترميم أكثر من 500 موقع تراثي في موسكو ضمن أكبر برنام
...
-
تايلور سويفت تتربع على عرش جوائز -إم تي في- برقم قياسي جديد
...
المزيد.....
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|