أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود السلمان - هؤلاء علموني: دوستويفسكي(5)















المزيد.....

هؤلاء علموني: دوستويفسكي(5)


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 12:58
المحور: الادب والفن
    


(مكتبة النهضة) تقع في بغداد- ساحة التحرير- وللآن هي موجودة ساعة كتابة هذه السطور، فكان فيها معروضة أعمال دوستويفسكي كاملة، ثمانية عشر مجلدا طباعة بيروت وبترجمة سامي الدروبي. فاشتريها بثلاثة مئة دينار عراقي "طبع" (العراقيون يفهمون ماذا اعني بـ طبع) حيث بقيت عندي هذه المجموعة بحدود سنتين وقد قرأت نصفها تقريبا أو أكثر ثم بعتها لظروف اقتصادية. وبعد ثلاثين عاما عدتُ قراءة دوستويفسكي مجدداً، ذلك لما ترك هذا الكاتب من أثر في نفسي.

فقد تعلمت منه الكثير - الكثير حتى صار من اهم الكتاب الذين تعلمت منهم وأمنيتي إن اقتفي أثرهم، لا بمعنى أن أكتب مثله، فهذا أمر لا يبلغه الكاتب بالتمني، وإنما بمعنى أن أتعلم منه كيف ينظر الكاتب إلى الإنسان، وكيف ينفذ إلى أعماقه، وكيف يجعل من الرواية مساحة واسعة للسؤال والشك والصراع الداخلي، لا مجرد حكاية تبدأ وتنتهي.

ثلاثون عاما تفصل بين القراءتين، لكنها في الحقيقة ليست ثلاثين عاما كاملة؛ لأن بعض الكتب لا نغادرها حين نغلقها، وبعض الكتاب يبقون معنا حتى ونحن منشغلون عنهم بأشياء الحياة. وربما لهذا السبب عدت إلى دوستويفسكي. لم أعد إليه لأنني نسيت ما قرأت، بل لأنني شعرت أنني أصبحت شخصا آخر، وأن الكتب نفسها التي قرأتها في الشباب يمكن أن تقول لي، حين أعود إليها بعد عقود، أشياء لم أكن أملك القدرة على سماعها في المرة الأولى.

وهذا، في ظني، أحد أسرار الأدب العظيم. نحن نقرأ الكتاب نفسه مرتين، أو أكثر، حتى لو كان الكتاب هو نفسه والصفحات هي نفسها والكلمات لم تتغير. الذي يتغير هو القارئ. في المرة الأولى كنت أقرأ دوستويفسكي بعين شاب يريد أن يعرف ماذا يقول هذا الكاتب الكبير، أما اليوم فأقرأه بعين رجل قطعت به الحياة مسافات طويلة، ورأى من الناس والأيام ما يجعله أكثر انتباها إلى تلك المناطق المظلمة والمضيئة في النفس البشرية.

دوستويفسكي لم يكن بالنسبة لي روائيا يروي قصصا عن أناس بعيدين عني. كان يضع الإنسان أمام نفسه. شخصياته قلقة، متناقضة، ضعيفة وقوية في الوقت نفسه، قادرة على الخير وقادرة على الشر، تحب وتكره، تؤمن وتشُك، وتبحث عن معنى لحياتها حتى حين تبدو كأنها فقدت كل معنى.

وهذا ما جعلني أشعر، وأنا أعود إلى كتبه، أنني لا أقرأ عن الآخرين وحدهم. كنت أقرأ شيئا مني أيضا. ربما لهذا السبب يترك دوستويفسكي أثرا مختلفا في قارئه. فهو لا يكتفي بأن يجعلك تتعاطف مع الشخصية، بل يدفعك أحيانا إلى أن تسأل نفسك: ماذا كنت سأفعل لو كنت مكانه؟، وهل أنا أفضل منه حقا؟، وهل الظروف وحدها هي التي تمنع الإنسان من ارتكاب الشر، أم أن في داخل كل واحد منا منطقة لا نعرف حدودها؟.

من هذه الأسئلة تعلمت منه الكثير.

تعلمت أن الإنسان ليس فكرة بسيطة يمكن اختصارها في صفة واحدة. ليس هناك إنسان طيب تماما وآخر شرير تماما، وليس من السهل أن نفهم أفعال الناس من ظاهرها. وراء كل فعل تاريخ من الألم والرغبة والخوف والحرمان والغرور والحاجة إلى الحب والاعتراف. وربما كان من أهم ما يفعله الأدب أنه يجعلنا أقل عجلة في إصدار الأحكام على الآخرين.

تعلمت أيضا أن الصراع الحقيقي في الإنسان لا يحدث دائما في الخارج. قد يبدو الإنسان هادئا أمام الناس، بينما تجري في داخله معارك لا يعرف عنها أحد شيئا. وهذه المسافة بين الوجه الذي نراه والعالم الذي يختبئ وراءه من أكثر الأشياء التي أتقن دوستويفسكي الكتابة عنها، وبعمق.

ولذلك لا أستطيع أن أقرأه قراءة باردة. أشعر دائما أن وراء السطور إنسانا يسأل، ويتألم، ويبحث عن خلاص. وحتى حين يكون عالمه قاتما، فإنني لا أراه أدب اليأس وحده. هناك دائما شيء يقاوم السقوط: فكرة، أو حب، أو اعتراف، أو رغبة في التوبة، أو بحث عن معنى. الأمر الذي حفزني أن أنشر فيديوهات قصيرة لبعض أعماله، ألخصها ببعض الدقائق كي أحفز المشاهد لقراءة هذا الروائي الكبير.

ولعل هذا هو الذي يجعل دوستويفسكي قريبا من الإنسان في كل زمان. تغيرت المدن، وتغيرت التكنولوجيا، وتغيرت طريقة عيشنا، لكن الإنسان نفسه لم يتغير كثيرا في أسئلته الكبرى. ما زال يبحث عن الحب، والكرامة، والحرية، والعدالة، وما زال يخاف الموت والوحدة، وما زال يصارع نفسه حين يتعارض ما يريده مع ما يعتقد أنه ينبغي أن يفعله.

وحين أتذكر تلك المجلدات الثمانية عشر التي اشتريتها بثلاثمئة دينار عراقي، أتذكر معها زمنا آخر. لم تكن قيمة المال يومها كما هي اليوم، ولذلك قلت إن العراقيين سيفهمون ماذا أعني. كانت الكتب بالنسبة إلى قارئ شاب شيئا يمكن أن يقتطع له من القليل -القليل، لأن امتلاك كتاب لم يكن شراء ورق وحبر، بل كان امتلاك عالم كامل.

ثم جاءت الظروف الاقتصادية فبعت المجموعة. لم يكن بيعها سهلا على النفس، حتى لو كان ضروريا. هناك كتب نبيعها بأيدينا، لكنها لا تغادرنا تماما. تبقى في الذاكرة، وتبقى عناوينها في مكان ما من الروح، وربما نبقى نشعر، بعد سنوات، أننا مدينون لها بشيء.

وعندما عدت إلى دوستويفسكي بعد ثلاثين عاما، لم أكن أستعيد الكتب فقط، بل كنت أستعيد جزءا من نفسي القديمة. استعدت ذلك الشاب الذي كان يجلس مع تلك المجلدات ويحاول أن يفهم عالما أدبيا أكبر من تجربته. وبين القراءتين أدركت أن بعض الكتب تكون معنا في مراحل مختلفة من حياتنا، فتتغير علاقتنا بها كما تتغير علاقتنا بأنفسنا.

في القراءة الأولى نتعلم من الكتاب. وفي القراءة الثانية قد نتعلم من أنفسنا من خلال الكتاب.

لهذا أجدني اليوم أكثر اقتناعا بأن الكاتب الحقيقي لا يعلمنا فقط كيف نكتب، وإنما يعلمنا كيف نرى. وهذه واحدة من أكبر النعم التي يمكن أن يمنحها كاتب لقارئه. لقد علمني دوستويفسكي أن أراقب الإنسان قبل أن أحكم عليه، وأن أبحث عن الدوافع المختبئة خلف الأفعال، وأن أتوقف عند التناقضات بدلا من أن أخاف منها، وأن أفهم أن الضعف الإنساني ليس دائما نقيضا للخير.

وأمنيتي أن أقتفي أثر هؤلاء الكتاب الذين تركوا في داخلي شيئا يتجاوز متعة القراءة. لا أريد أن أقلد أساليبهم، ولا أن أستعير أصواتهم، وإنما أريد أن أتعلم منهم تلك القدرة النادرة على رؤية ما لا يراه الناس عادة، وعلى تحويل التجربة الإنسانية إلى سؤال يبقى حيا بعد انتهاء الكتاب.

ربما لهذا السبب أعود إلى دوستويفسكي الآن. فالكاتب العظيم لا ينتهي حين تنتهي كتبه، وإنما يبدأ عمله الحقيقي في داخل قارئه بعد الصفحة الأخيرة. بعض الكتاب يمنحونك ساعات جميلة، وبعضهم يمنحونك معرفة، أما القلة النادرة فيغيرون شيئا في طريقة نظرك إلى نفسك وإلى العالم.

ودوستويفسكي، بالنسبة لي، واحد من هؤلاء.

وحين أفكر في تلك المجموعة التي كانت ذات يوم في مكتبتي، ثم خرجت منها بسبب ظروف الحياة، لا أشعر أنني فقدتها تماما. فقد بقي منها شيء لا يمكن بيعه ولا شراؤه: أثرها. بقيت الأسئلة التي تركتها، والدهشة الأولى، والقلق الذي أثارته في داخلي، والإحساس بأن الأدب يمكن أن يكون أكثر من تسلية، وأن الكتاب قد يصبح رفيقا للإنسان في فهم نفسه.

ثلاثون عاما مرت، وما زلت أعود إليه.

وربما هذه هي الشهادة الأصدق التي يستطيع قارئ أن يمنحها لكاتب: أن تمضي سنوات طويلة، ثم تجد نفسك تبحث عن كتبه من جديد، لا لأنك لم تجد غيره، بل لأنك حين عدت إلى نفسك وجدته ما زال هناك، في مكان ما من الطريق، ينتظر أن تقرأه بعين جديدة.



#داود_السلمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هؤلاء علموني: علي الوردي(4)
- هؤلاء علموني: طه حسين(3)
- هؤلاء علموني: غوستاف لوبون(2)
- (هؤلاء علموني) سلامة موسى(1)
- فلاسفة الألمان (1)
- رحيل مُشرّح اللاوعي العربي
- كانط: حين يسأل العقل عن حدوده
- المثقف في عصر الذكاء الاصطناعي
- هواء مجلجل
- فوق هشة الأوهام
- قراءة في كتاب (سِفر من الملكوت إلى الملكوت)
- وها أنا الآن
- شروط الرواية الناجحة
- علي الوردي وطبيعة الوعظ
- ماذا قال تولستوي في أعترافاته؟
- مها الغرابي تكتب عن (دعابل) لرياض داخل
- الغجر والقرج في العراق
- هل وصلت رسالة الحُسين؟
- قلقنا المزمن
- الأسئلة الوجودي في (شمس حمراء)


المزيد.....




- كيف انتهى المطاف ببوابة مصرية في ضاحية من ضواحي بطرسبورغ؟
- دال في ذكراه الـ225.. كيف صار الدنماركي دال حارسَ اللغة الر ...
- إيليا ريبين.. الفنان الذي لم يتوقف عن الرسم حتى آخر أيامه
- بعد التخدير الطبي.. لماذا تختفي إحدى لغات ثنائيي اللغة مؤقتا ...
- مناقشة أطروحة دكتوراة في جامعة علي جراه الهنديّة عن أدب الأط ...
- إيشان والمركز الثقافي البغدادي يحتفيان بذكرى الشاعرة فدعة ال ...
- قمر خلف تعود إلى الحارة الدمشقية لمواجهة الظلم بـ-التوأم الش ...
- بجهود ذاتية.. باحثون ليبيون يسابقون الزمن لترميم حصون روماني ...
- تايلور سويفت تتجاوز بيونسيه كأكثر فنانة حائزة على جوائز MTV ...
- -عَسطح بيروت-... نجوى كرم تطلق فيديو كليب أغنية -تاك تاك-


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود السلمان - هؤلاء علموني: دوستويفسكي(5)