أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود السلمان - هؤلاء علموني: غاندي(15)














المزيد.....

هؤلاء علموني: غاندي(15)


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 09:00
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


إذا تمعنت في سيرة غاندي سُتصاب بالذهول، ليس فقط أمام ما أنجزه في حياته، بل أمام ذلك الفكر النير والعقل المتسامح الذي كان يزداد صلابة كلما اشتدت عليه المحن.

ما هذا الفكر النير والعقل المتسامح؟ وما هذا الصبر على إيذائه من قبل الآخرين، وهو كالطود الأشم، ثابتًا لا تهزه الإساءة ولا تنال منه حملات التشويه؟.

ثم عدم الخنوع لرجال دين عصره، ولا الخضوع لسفاسفهم، مع احتفاظه في الوقت نفسه بإيمانه واحترامه لما يراه حقًا وصوابًا. لقد كان غاندي يدرك أن الإيمان لا يعني إلغاء العقل، وأن احترام الدين لا يستوجب الخضوع لكل من يتحدث باسمه.

هكذا تعلمت من غاندي أن قوة الإنسان الحقيقية ليست في قدرته على إيذاء من يؤذيه، ولا في إخضاع الآخرين لإرادته، وإنما في أن يظل وفيًا لمبادئه، متسامحًا دون ضعف... صلبًا دون قسوة، ومتمسكًا بعقله وضميره مهما اشتدت الضغوط من حوله.

ولعل هذا هو أكثر ما يثير إعجابي في الشخص الفذ المتماسك: أنه لم يجعل التسامح نقيضًا للقوة، ولم يجعل المقاومة مرادفًا للعنف، ولم يسمح لمن يختلف معه أو يؤذيه أن يدفعه إلى التخلي عن إنسانيته.

إن قراءة سيرة غاندي ليست مجرّد قراءة لتاريخ رجل هندي قاد شعبه في مرحلة من أصعب مراحل تاريخه، وإنما هي قراءة لتجربة إنسانية عميقة، تجعل المرء يعيد النظر في معنى القوة، ومعنى الصبر، ومعنى الانتصار. فقد اعتدنا أن نفهم القوة من خلال الغلبة، وأن نقيس الانتصار بعدد الخصوم الذين أسقطناهم، لكن غاندي قدم تصورًا مختلفًا تمامًا: أن تنتصر دون أن تتحول إلى نسخة من خصمك، وأن تقاوم الظلم دون أن تزرع ظلمًا جديدًا.

كان يؤمن بأن الإنسان يستطيع أن يواجه القسوة دون أن يصبح قاسيًا، وأن يرفض الظلم دون أن يحمل الكراهية في قلبه. وهذه، في نظري، واحدة من أصعب درجات القوة الإنسانية؛ لأن الرد على الإساءة بإساءة أخرى أمر يسير، أما أن يتعرض الإنسان للأذى ويبقى محتفظًا بقدرته على التسامح وضبط النفس، فذلك يحتاج إلى نفس عظيمة وعقل لا تستعبده الانفعالات.

ومن هنا أفهم صبر غاندي على إيذاء الآخرين له. لم يكن ذلك الصبر عجزًا، ولا خوفًا، ولا قبولًا بالمهانة، وإنما كان اختيارًا واعيًا لطريق أصعب. كان يريد أن يثبت أن مقاومة الشر لا تستلزم أن نتحول إلى أشرار، وأن العنف قد يهزم الجسد، لكنه لا يستطيع أن يهزم الفكرة ما دامت الفكرة حية في أصحابها.

وأكثر ما يلفتني أيضًا موقفه من رجال الدين. لم يكن غاندي ممن يسلمون عقولهم لمجرد أن شخصًا ما ارتدى ثوب الدين أو تحدث باسمه. كان يحترم الدين، لكنه كان يحتفظ بحقه في التفكير والسؤال والاختلاف. وهذه مسألة أراها بالغة الأهمية، لأن الدين في جوهره لا يحتاج إلى عقل مستعبد، بل إلى إنسان يبحث عن الحقيقة بصدق، ويميز بين جوهر الدين وبين ما يضيفه البشر إليه من عادات وأفكار ومصالح.

لقد تعلمت من غاندي أن احترام الآخرين لا يعني أن أتخلى عن عقلي، وأن التسامح لا يعني أن أقبل كل شيء، وأن الهدوء لا يعني الضعف. يمكن للإنسان أن يكون هادئًا جدًا، لكنه في داخله صخرة لا تنحني. ويمكنه أن يعفو، لا لأنه عاجز عن الرد، وإنما لأنه أقوى من أن يجعل حياته أسيرة للانتقام.

وهذا هو الدرس الذي أراه أكثر حضورًا في زمننا: نحن بحاجة إلى الإنسان الذي يستطيع أن يختلف دون أن يكره، وأن ينتقد دون أن يهين، وأن يتمسك بموقفه دون أن يصادر حق الآخرين في الاختلاف. بحاجة إلى عقل نير لا يخاف من السؤال، وإلى قلب متسامح لا يتحول فيه الاختلاف إلى عداوة.

قد نختلف مع غاندي في بعض مواقفه وأفكاره، وقد نقرأ تجربته قراءة نقدية، وهذا أمر طبيعي في النظر إلى الشخصيات التاريخية. لكن الاختلاف معه لا يلغي قيمة التأمل في تجربته الإنسانية. فبعض الشخصيات لا تكون عظمتها في أنها قدمت لنا إجابات جاهزة، وإنما في أنها جعلتنا نطرح أسئلة أكبر عن أنفسنا.

لهذا، كلما تمعنت في سيرة غاندي، أعود إلى السؤال ذاته: ما الذي يجعل إنسانًا قادرًا على تحمل كل هذا الأذى، وأن يبقى رغم ذلك متمسكًا بمبادئه؟

ربما تكمن الإجابة في أن الإنسان لا يصبح عظيمًا عندما ينتصر على الآخرين، بل عندما يستطيع أن ينتصر على غضبه وخوفه ورغبته في الانتقام.

هكذا تعلمت من غاندي: أن أكون صلبًا دون قسوة، متسامحًا دون ضعف، مؤمنًا دون خضوع للعقول الأخرى، وأن أحتفظ بحقي في التفكير مهما علت الأصوات من حولي. وربما كانت هذه أعظم رسالة يمكن أن نتعلمها من سيرة رجل جعل من حياته تجربة طويلة في البحث عن الحقيقة والحرية والكرامة.

لكنني، مع كل الأسف، عشت في حقة قاسية ومعقدة، أقول كلامي هذا للتاريخ...للأجيال القادمة...لأنني شاهد على هذا العصر الدنس: فكرًا وسياسةً..



#داود_السلمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هؤلاء علموني: كافكا(14)
- هؤلاء علموني: كولن ولسون(12)
- هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(11)
- هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(10)
- هؤلاء علموني: أريك فروم(9)
- هؤلاء علموني: برتراند رسل(8)
- هؤلاء علموني: ويل ديورانت(7)
- هؤلاء علموني: إيمانويل كانت(6)
- هؤلاء علموني: دوستويفسكي(5)
- هؤلاء علموني: علي الوردي(4)
- هؤلاء علموني: طه حسين(3)
- هؤلاء علموني: غوستاف لوبون(2)
- (هؤلاء علموني) سلامة موسى(1)
- فلاسفة الألمان (1)
- رحيل مُشرّح اللاوعي العربي
- كانط: حين يسأل العقل عن حدوده
- المثقف في عصر الذكاء الاصطناعي
- هواء مجلجل
- فوق هشة الأوهام
- قراءة في كتاب (سِفر من الملكوت إلى الملكوت)


المزيد.....




- تحدث عن السادات ومبارك.. هكذا علق ساويرس على ذكرى -حرب أكتوب ...
- فيتنام.. عصابة تصطاد حوالي 2700 قطة لبيع لحومها (صور)
- تغيير جذري في ملف التسوية: تركيا تدرس الإفراج عن 4500 معتقل ...
- مكتب التحقيقات الفيدرالي يوقف مقاولا عن العمل بعد سرقة بيانا ...
- جدد تعهده بمنفذ بحري ودافع عن سد النهضة.. إثيوبيا تعيد تعيين ...
- البرازيل.. المحكمة العليا تبحث إلغاء حكم السجن بحق بولسونارو ...
- قتيل وجرحى في هجوم كبير لمسيرات أوكرانية على منطقة موسكو
- كيبيك الكندية.. حزب بلاموندون قد يعود للحكم ويتوعد باستفتاء ...
- محافظ القليوبية يوجه نائبته بحملة مكبرة لإزالة الإشغالات وال ...
- وزير التربية والتعليم ضيف شرف في الاحتفال باليوم الوطني لجمه ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود السلمان - هؤلاء علموني: غاندي(15)