|
|
هؤلاء علموني: كولن ولسون(12)
داود السلمان
الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 20:13
المحور:
الادب والفن
استمتعتُ بسقوط الحضارة كما سُعدتُ بضياع في سوهو، وأخذتُ عبرةً من رحلة نحو البداية كما فعلتُ مع رجل بلا ظل، وحيث إن اللامنتمي قريبٌ من ما بعد اللامنتمي، وهناك الإنسان وقواه الخفية. هكذا أحببتُ أعمال كولن ولسون؛ لم أحبها لأنها تمنحني إجابات جاهزة، بل لأنها تدفعني إلى طرح أسئلة جديدة عن الإنسان، عن وعيه، وعن تلك المساحات الغامضة التي تختبئ خلف حياته اليومية.
في كتب ولسون لا يبدو الإنسان كائناً مكتفياً بذاته، يعيش حياته ضمن حدود واضحة، بل يبدو دائماً على حافة اكتشاف شيء آخر في داخله. شيء لا يعرف اسمه تماماً، لكنه يشعر بوجوده. ولهذا كانت قراءته بالنسبة إليّ أشبه بالدخول في متاهة فكرية ونفسية، كلما ظننت أنني وصلت إلى نهايتها اكتشفت أن الطريق لم يبدأ بعد.
في «سقوط الحضارة» وجدتُ ذلك القلق الذي يرافق الإنسان حين يشعر أن الحضارة، بكل ما صنعته من معرفة ونظم ووسائل للعيش، لم تستطع أن تجيب عن الأسئلة الأكثر عمقاً. ماذا يعني أن يكون الإنسان حياً؟ وما الذي يفعله بوعيه؟ وهل يمكن للإنسان أن يعيش حياة أوسع من تلك التي تفرضها عليه عاداته ومخاوفه والواقع المحيط به؟
ولسون لا يتعامل مع الحضارة باعتبارها مجرد أبنية ومؤسسات وتقدم مادي، وإنما ينظر إليها من زاوية الإنسان الذي يقف في داخلها. فالمشكلة ليست دائماً في العالم الخارجي، بل ربما في عجز الإنسان عن استخدام إمكاناته الداخلية. ومن هنا يصبح سقوط الحضارة صورة أخرى لسقوط الإنسان حين يتخلى عن قدرته على رؤية العالم بوعي مختلف.
ثم تأتي «ضياع في سوهو» لتأخذني إلى مكان آخر، أكثر قرباً من العزلة والاغتراب والتجربة الشخصية. في سوهو لا يكون الضياع مجرد ضياع في الشوارع، بل يصبح حالة وجودية. الإنسان قد يكون محاطاً بالناس، بالأصوات والأضواء والحركة، ومع ذلك يشعر بأنه بعيد عن كل شيء. وهذا النوع من الضياع هو أحد أكثر الأشياء التي تجذبني في أدب ولسون: أن المكان الخارجي يتحول إلى انعكاس لمتاهة داخلية.
أما «رحلة نحو البداية»، فقد منحتني إحساساً مختلفاً؛ كأن ولسون لا يريد للإنسان أن يبقى أسيراً للماضي أو للوعي المحدود الذي اعتاد عليه، بل يدفعه إلى البحث عن أصل الأشياء، وعن نقطة يمكن عندها أن يبدأ من جديد. الرحلة عنده ليست انتقالاً من مكان إلى آخر بقدر ما هي محاولة للعودة إلى الذات، إلى تلك المنطقة التي سبقت الخوف والعادة والاستسلام.
وفي «رجل بلا ظل» تتكرر فكرة الإنسان الذي يبحث عن معنى وجوده، عن ظله المفقود، إن صح التعبير. فالظل ليس مجرد صورة تتبع الإنسان، بل يمكن أن يصبح رمزاً للهوية والوعي والجانب الذي لا نراه من أنفسنا. وما يثيرني في ولسون أنه لا يقدم هذه الأفكار بطريقة فلسفية جافة؛ إنه يضعها داخل الحكاية، داخل الشخصيات، داخل التجربة، بحيث تتحول الفكرة إلى شيء يمكن أن نشعر به لا أن نقرأه فقط.
ومن هنا وصلتُ إلى «اللامنتمي»، وربما كان هذا الكتاب من أكثر أعمال ولسون تعبيراً عن ذلك القلق الذي يميز مشروعه كله. اللامنتمي هو الإنسان الذي لا يستطيع أن يكتفي بما يراه الآخرون طبيعياً وكافياً. إنه يشعر بأن الحياة اليومية، بكل تفاصيلها، تخفي وراءها شيئاً أكبر. ولذلك يظل في حالة بحث دائم، وقد يتحول هذا البحث إلى عزلة أو اضطراب أو تمرد على المألوف.
لكن اللامنتمي عند ولسون ليس بالضرورة بطلاً مثالياً، ولا شخصاً متفوقاً على الآخرين. إنه إنسان يعاني من وعيه، وفي الوقت نفسه يحاول أن يحول هذا الوعي إلى قوة. وهذه النقطة بالذات هي التي تقودني إلى «ما بعد اللامنتمي». فبعد أن يكتشف الإنسان أنه لا ينتمي إلى العالم بالشكل المعتاد، يبقى السؤال: ماذا يفعل بهذا الاكتشاف؟ هل يظل خارج الحياة، أم يستطيع أن يعود إليها بوعي جديد؟.
هنا يصبح مشروع ولسون أكثر إثارة. فالغاية ليست أن يظل الإنسان غريباً، وإنما أن يكتشف إمكاناته ثم يستخدمها. الوعي لا ينبغي أن يكون عبئاً فقط، بل يمكن أن يصبح وسيلة لتغيير التجربة الإنسانية نفسها.
ولهذا وجدتُ «الإنسان وقواه الخفية» امتداداً طبيعياً لهذا العالم الفكري. فكرة القوى الخفية لا تعني بالضرورة البحث عن الغرابة لمجرد الغرابة، بل محاولة فهم القدرات التي يمكن أن يمتلكها الإنسان ولا يستخدمها إلا نادراً. التركيز، الإرادة، الحدس، الوعي، والانتباه؛ كلها تصبح عند ولسون أبواباً محتملة إلى حياة أكثر اتساعاً.
وهذا ما يجعلني أعود إلى أعماله. فهو لا يقول للقارئ ببساطة: العالم غامض، وإنما يقول له بطريقة غير مباشرة: أنت نفسك أكثر غموضاً مما تظن. وقد تكون المشكلة في أننا نعيش جزءاً صغيراً جداً من وعينا، ثم نتعامل مع هذا الجزء وكأنه كل شيء.
أحببتُ كولن ولسون لأن كتبه لا تسمح لي بأن أقرأها ثم أغلقها وأنتهي منها تماماً. بعض الكتب تنتهي عندما تصل إلى الصفحة الأخيرة، أما كتبه فتترك شيئاً منها معلقاً في الذهن. سؤالاً، أو احتمالاً، أو رغبة في العودة إلى صفحة قديمة لفهمها بطريقة أخرى.
وربما لهذا تبدو أعماله، رغم اختلاف موضوعاتها، وكأنها تنتمي إلى كتاب واحد طويل: كتاب عن الإنسان الذي يبحث عن نفسه، وعن الإنسان الذي يشك في الحدود التي رسمها لنفسه، وعن الإنسان الذي يريد أن يعرف هل ما نعيشه هو كل ما نستطيع أن نعيشه.
هكذا أحببتُ أعمال كولن ولسون؛ لأنها لم تجعلني أشعر بأنني أمام كاتب يريد أن يشرح العالم، بل أمام كاتب يريد أن يوقظ القارئ داخلي. وفي النهاية، ربما تكون أعظم رحلة عند ولسون ليست رحلة نحو البداية، ولا بحثاً عن اللامنتمي أو ما بعده، وإنما رحلة الإنسان نحو نفسه، حين يكتشف أن داخله عالماً لم يبدأ بعد في استكشافه.
#داود_السلمان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(11)
-
هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(10)
-
هؤلاء علموني: أريك فروم(9)
-
هؤلاء علموني: برتراند رسل(8)
-
هؤلاء علموني: ويل ديورانت(7)
-
هؤلاء علموني: إيمانويل كانت(6)
-
هؤلاء علموني: دوستويفسكي(5)
-
هؤلاء علموني: علي الوردي(4)
-
هؤلاء علموني: طه حسين(3)
-
هؤلاء علموني: غوستاف لوبون(2)
-
(هؤلاء علموني) سلامة موسى(1)
-
فلاسفة الألمان (1)
-
رحيل مُشرّح اللاوعي العربي
-
كانط: حين يسأل العقل عن حدوده
-
المثقف في عصر الذكاء الاصطناعي
-
هواء مجلجل
-
فوق هشة الأوهام
-
قراءة في كتاب (سِفر من الملكوت إلى الملكوت)
-
وها أنا الآن
-
شروط الرواية الناجحة
المزيد.....
-
تركي آل الشيخ يلمح لعودة فضل شاكر إلى المسرح من بوابة الرياض
...
-
الموسيقى ودقات القلب.. تأثيرات تتجاوز تحسين المزاج وتصل إلى
...
-
الرياض محطته الأولى.. فضل شاكر يعود إلى المسرح بعد غياب طويل
...
-
-غاليريتا-.. القطار في السينما المصرية من حلم الوصول إلى كاب
...
-
-مليون كتاب للبنان-.. مبادرة تعيد الحياة إلى المكتبات التي د
...
-
انتخابات الكنيست: صراع التمثيل العربي في مواجهة قرارات الشطب
...
-
سيئول تدخل الإرشاد الصوتي الكوري إلى -الهرم الثقافي-: المتحف
...
-
بيت المدى والجمعية العراقية العلمية للفنون يفتحان ملف غياب ا
...
-
معرض عمّان الدولي للكتاب.. الإعلامي سلام مسافر يوقع كتابه -ا
...
-
كلية التربية بعدن تختتم دورة في مسرح الدمى.. حين تتحول الدمى
...
المزيد.....
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
المزيد.....
|