أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود السلمان - هؤلاء علموني: أريك فروم(9)















المزيد.....

هؤلاء علموني: أريك فروم(9)


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 09:36
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لا أتذكر أن جمعةً مرّت عليّ دون أن أذهب مبكرًا إلى شارع المتنبي. كأن الأمر فرضٌ محتوم، أو عادةٌ لا أملك تجاهها خيارًا، مثل حاجة الإنسان إلى المأكل والمشرب كي تستقيم له الحياة. هناك، في ذلك الشارع الذي لا يشبه سواه، أشعر أن للجمعة معنى آخر، وأن للوقت إيقاعًا مختلفًا. أذهب إليه مبكرًا، قبل أن تزدحم الأرصفة بالخطوات، وقبل أن تضيق المساحات بالباحثين عن كتاب أو فكرة أو ذاكرة قديمة. أمشي بين الكتب كما لو أنني أمشي في مدينة أعرف أزقتها منذ زمن بعيد، ومع ذلك لا أكف عن اكتشافها.

شارع المتنبي بالنسبة لي ليس مجرد سوق للكتب، ولا مكانًا لشراء ما أحتاج إليه من عناوين. إنه طقس أسبوعي، وموعد مع شيء لا أعرف كيف أسميه بدقة. ربما هو موعد مع نفسي، أو مع ذلك الجزء مني الذي لا يزال يؤمن بأن كتابًا واحدًا يمكن أن يغيّر طريقة النظر إلى الحياة. في هذا الشارع لا أبحث دائمًا عن كتاب بعينه؛ كثيرًا ما أترك للصدفة أن تقودني. أفتش بين الرفوف، أقلب الكتب القديمة، أتوقف أمام عنوان يستوقفني، أو غلاف يحمل أثر السنوات، ثم أفتح الكتاب وأقرأ بضعة أسطر. أحيانًا يكون ذلك كافيًا لأقرر أن الكتاب ينبغي أن يعود معي إلى البيت.

ومن بين تلك المصادفات التي تبدو عابرة في لحظتها، لكنها تترك أثرًا طويلًا في حياتنا، كانت مصادفتي مع إريك فروم.

في إحدى المرات، وبينما كنت أتجول في شارع الكتب، وقعت عيناي على نسخة من كتاب «الإنسان بين الجوهر والمظهر» لإريك فروم. لم أكن أعرف حينها أن ذلك الكتاب سيكون بداية علاقة طويلة مع واحد من أكثر المفكرين الذين تركوا أثرًا في طريقة تفكيري ونظرتي إلى الإنسان. اقتنيت الكتاب، وعدت به إلى البيت، وربما لم أكن أدرك أنني لم أشترِ يومها مجرد كتاب، وإنما فتحت بابًا سيقودني إلى مجموعة كاملة من الأسئلة والأفكار.

قرأت فروم، ثم بدأت أبحث عن كتبه الأخرى. وكلما وجدت كتابًا له في شارع المتنبي اقتنيته. لم تكن المسألة في البداية مشروعًا لجمع مؤلفات كاتب بعينه، بل كانت تتشكل تدريجيًا، كتابًا بعد كتاب، حتى وجدت نفسي وقد جمعت كتبه كلها تقريبًا، وبلغ ما اقتنيته ثلاثة عشر كتابًا.

ثلاثة وعشرون كتابًا لفروم، لكنها بالنسبة لي ليست هذه الكتب مرصوصة على رف. كل كتاب منها يمثل مرحلة من مراحل علاقتي بفكره، وذكرى من ذكريات البحث عنه، وربما لحظة من لحظات ذلك التجوال الأسبوعي في شارع المتنبي. ولذلك فإن قيمة هذه الكتب عندي لا تتحدد بما تحتويه من أفكار فحسب، وإنما بما تحمله من قصة شخصية بدأت بكتاب عثرت عليه مصادفة.

ما الذي جعل إريك فروم قريبًا إلى هذا الحد مني؟

ربما لأن فروم لم يتعامل مع الإنسان باعتباره كائنًا يمكن اختزاله في تفسير واحد. كان يحاول أن يقرأ الإنسان من مناطق متعددة: من حاجاته النفسية، وعلاقاته الاجتماعية، وطريقة عيشه، وخوفه، وحريته، وحبه، ورغبته في أن يكون له معنى في هذا العالم. وكان اهتمامه بالإنسان يتجاوز السؤال عن كيفية تصرفه إلى السؤال الأعمق: لماذا يعيش بهذه الطريقة؟ وما الذي يحدث للإنسان عندما تتحول الحياة إلى امتلاك واستهلاك ومنافسة، بدلًا من أن تكون وجودًا حيًا ومثمرًا؟

وهنا تحديدًا وجدت شيئًا من نفسي في أفكاره.

من أكثر ما شدني في فروم ذلك التمييز الذي أقامه بين «أن يكون الإنسان» و«أن يمتلك». يبدو السؤال بسيطًا، لكنه في الحقيقة يفتح أبوابًا واسعة للتأمل. نحن نعيش في عالم يربط قيمة الإنسان بما يملك: الكتب التي في مكتبته، المال الذي في حسابه، الأشياء التي يشتريها، المكانة التي يصل إليها، وحتى المعرفة نفسها قد تتحول أحيانًا إلى شيء نمتلكه بدل أن تكون شيئًا نعيشه.

والغريب أن علاقتي بكتب فروم نفسها يمكن أن تبدو، للوهلة الأولى، تناقضًا مع هذا المعنى. فأنا جمعت ثلاثة عشر كتابًا له، ووضعتها على رفوف مكتبتي، وأفرح كلما عثرت على واحد منها. لكن الكتاب عندي لا تكتمل قيمته بمجرد امتلاكه. الكتاب الحقيقي يبدأ عندما نقرأه، وعندما يسمح لنا بأن نعيد النظر في أفكار اعتدنا عليها، وأن نشك في بعض يقينياتنا، وأن نكتشف أسئلة لم نكن نفكر فيها من قبل.

لهذا أحب شارع المتنبي.

أحب فيه فكرة أن الكتاب يمكن أن يعثر عليك كما تعثر عليه. أن تمشي دون خطة، فتجد كتابًا لم تكن تبحث عنه، ثم يصبح هذا الكتاب جزءًا من حياتك. ربما تكون أجمل الكتب التي نقرأها هي تلك التي تأتي في الوقت الذي نحتاج إليها فيه دون أن نعرف أننا كنا نحتاج إليها.

وقد يكون هذا هو السبب الذي جعل علاقتي بفروم مختلفة عن علاقتي بكثير من الكتاب الآخرين. لم يعد بالنسبة لي مجرد مفكر أقرأ له، بل أصبح واحدًا من أولئك الكتاب الذين أعود إليهم كلما أردت أن أتأمل الإنسان والحياة والمجتمع والعلاقات. أقرأه لا بحثًا عن إجابات نهائية، وإنما لأن بعض أفكاره تدفعني إلى طرح أسئلة جديدة.

وهذه، في ظني، إحدى علامات الكاتب الحقيقي: ألا ينتهي أثره عند آخر صفحة من كتابه.

قد تغلق الكتاب، وتضعه على الرف، وتعود إلى حياتك اليومية، لكن شيئًا مما قرأته يبقى معك. فكرة صغيرة، جملة، سؤال، أو حتى شعور غامض بأنك أصبحت ترى شيئًا كنت تراه سابقًا بطريقة مختلفة.

ومنذ ذلك الكتاب الأول، أصبحت كتب فروم بالنسبة لي جزءًا من مكتبتي، لكن الأهم أنها أصبحت جزءًا من تجربتي في القراءة. ثلاثة عشر كتابًا اجتمعت على رف، إلا أن وراءها سنوات من البحث والتجوال والقراءة والمصادفات. وكلما نظرت إليها تذكرت أن البداية لم تكن من مكتبة كبيرة، ولا من قائمة معدة سلفًا، وإنما من جولة صباحية في شارع المتنبي، ومن كتاب وجدته بين الكتب.

ربما لهذا السبب لا أذكر جمعةً مرّت دون أن أذهب إلى شارع المتنبي.

فأنا لا أذهب إليه لأشتري الكتب فقط. أذهب لأبحث عن شيء لا أعرفه، عن فكرة لم تخطر لي، عن كاتب قد يصبح قريبًا مني، أو عن كتاب قد يغير شيئًا في داخلي. أذهب لأنني ما زلت أؤمن بأن القراءة ليست ترفًا، وأن الكتاب ليس مجرد ورق وحبر، بل أحد أشكال الحياة التي نعيشها من خلال الآخرين.

وفي كل جمعة، وأنا أمشي بين الكتب، أشعر أن تلك العادة القديمة لم تعد مجرد عادة. لقد أصبحت جزءًا من تكويني، مثلما أصبحت كتب إريك فروم جزءًا من مكتبتي وذاكرتي.

وربما كانت أجمل مصادفات القراءة كلها أن تجد كتابًا بالصدفة، ثم تكتشف بعد سنوات أنك لم تكن أنت من عثر عليه، بل هو الذي عثر عليك.



#داود_السلمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هؤلاء علموني: برتراند رسل(8)
- هؤلاء علموني: ويل ديورانت(7)
- هؤلاء علموني: إيمانويل كانت(6)
- هؤلاء علموني: دوستويفسكي(5)
- هؤلاء علموني: علي الوردي(4)
- هؤلاء علموني: طه حسين(3)
- هؤلاء علموني: غوستاف لوبون(2)
- (هؤلاء علموني) سلامة موسى(1)
- فلاسفة الألمان (1)
- رحيل مُشرّح اللاوعي العربي
- كانط: حين يسأل العقل عن حدوده
- المثقف في عصر الذكاء الاصطناعي
- هواء مجلجل
- فوق هشة الأوهام
- قراءة في كتاب (سِفر من الملكوت إلى الملكوت)
- وها أنا الآن
- شروط الرواية الناجحة
- علي الوردي وطبيعة الوعظ
- ماذا قال تولستوي في أعترافاته؟
- مها الغرابي تكتب عن (دعابل) لرياض داخل


المزيد.....




- سارة جيسيكا باركر بضفيرة -رابنزل- وفستان رومانسي في نيويورك ...
- أخبرها طالعها بما عليها فعله..من هي أول متبرعة فردية لمتحف ا ...
- -إبادة إيران- واحتمال إصدار -عفو رئاسي- عن مسؤولين.. ملخص سر ...
- فيديو من داخل رحلة -فلاي دبي- يظهر اللحظات الدرامية في الطائ ...
- مصر.. حصان يهرب بعروسين وينقلب في مشهد غير متوقع
- تقرير: ترامب استشار -الذكاء الاصطناعي - قبل أسر مادورو ووجه ...
- ترامب يتوعّد إيران بـ-ضربة قوية جداً- إذا ثبت ضلوعها في حادث ...
- مشادة وصراخ داخل اجتماع مغلق حول غزة.. وزير الخارجية التركي ...
- بيسكوف: على أوكرانيا أن تدفع ثمن الضربات التي بدأت بشنها في ...
- الدفاع الروسية: استهداف منشآت عسكرية ولوجستية أوكرانية واعتر ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود السلمان - هؤلاء علموني: أريك فروم(9)