|
|
هؤلاء علموني: كافكا(14)
داود السلمان
الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 18:16
المحور:
الادب والفن
ما أذهلني، بل وصدمني، بكل ما يطرحه من عمق فلسفي، هو كافكا؛ هذا الروائي الفطن، ذو الأبعاد النفسية العميقة، الذي يتوغل في الإنسان، هذا الكائن المجهول، بتعبير ألكسيس كاريل. حتى في حياته، وما عاشه من اغتراب نفسي، وفي علاقاته وما أحاط به من مقربين، كان كافكا يبدو كأنه يعيش الأسئلة نفسها التي يضعها أمام شخصياته.
لقد أصابني بمقتل في «المسخ»، وأذهلني في «المحاكمة»، وشوّشني في «رسالة إلى أبيه»؛ وكأنني في كل عمل من أعماله كنت أقترب خطوة أخرى من ذلك الإنسان الغامض، فأجدني في النهاية أمام نفسي، أمام مخاوفي وأسئلتي وقلقي الوجودي. ولعل هذا هو سر كافكا الحقيقي: أنه لا يكتب عن الإنسان كما يبدو، بل كما يختبئ في أعماقه.
ليس كافكا كاتباً يمكن المرور على عالمه مروراً عابراً، لأنه لا يكتب عن الإنسان من الخارج، ولا يضعه أمامنا بوصفه شخصية مكتملة الملامح، بل يقترب منه في أكثر مناطقه التباساً: الخوف، والذنب، والعزلة، والرغبة في الاعتراف، والعجز عن بلوغ المعنى. ولهذا تبدو قراءته تجربة شخصية بقدر ما هي تجربة أدبية؛ إذ يجد القارئ شيئاً من نفسه في ممراته المعتمة، حتى حين يعجز عن تفسير ما يحدث.
في «المسخ» تبدأ الصدمة من لحظة تبدو مستحيلة: يستيقظ غريغور سامسا ليجد نفسه قد تحول إلى حشرة. غير أن غرابة الحدث ليست هي مركز الدهشة الحقيقي، بل ما يكشفه هذا التحول عن علاقة الإنسان بالآخرين وبقيمته داخل الأسرة والمجتمع. فغريغور، قبل تحوله، كان يؤدي دوره بوصفه المعيل، ويقيس وجوده بما يقدمه لأسرته. وحين يفقد قدرته على العمل، تتغير نظرة المحيطين به تدريجياً، وكأن إنسانيته نفسها كانت مرتبطة بمنفعته.
هنا يضع كافكا يده على جرح شديد العمق: ماذا يبقى من الإنسان حين يفقد وظيفته، ومكانته، وقدرته على العطاء؟ وهل نحبه لأنه هو، أم لأن وجوده يحقق لنا شيئاً؟ إن مأساة غريغور لا تتمثل في تحوله الجسدي وحده، وإنما في اكتشافه المرير أن الحب الأسري يمكن أن يتصدع عندما تصبح الحياة عبئاً على الآخرين. ولذلك فإن «المسخ» ليس حكاية عن حشرة، بل عن إنسان يرى صورته الإنسانية تتآكل أمام عينيه.
أما «المحاكمة» فتأخذنا إلى متاهة أشد قسوة. يستيقظ يوزف ك. ليجد نفسه متهماً دون أن يعرف تهمته، ويدخل في عالم قانوني لا يستطيع الإمساك بمنطقه ولا الوصول إلى مركزه. وكلما حاول أن يفهم، ازدادت الأبواب، وكلما اقترب من تفسير، ظهر تفسير آخر. السلطة هنا ليست مجرد مؤسسة، بل حالة نفسية ووجودية تجعل الإنسان يشعر بأنه مذنب حتى قبل أن يعرف ذنبه.
والأكثر إرباكاً أن كافكا لا يمنحنا يقيناً مريحاً في النهاية. لا يقول لنا بوضوح من الظالم ومن المظلوم، ولا يضع قانوناً يمكن الاحتكام إليه. إنه يترك الإنسان عالقاً بين سؤالين: هل نحن ضحايا نظام لا نفهمه، أم أننا نحمل في داخلنا شعوراً بالذنب يجعلنا نقبل محاكمتنا؟ ومن هنا تتحول المحاكمة إلى صورة للوجود نفسه، حيث يبحث الإنسان عن معنى نهائي، فيصطدم بصمت العالم.
ولعل رسالته إلى أبيه تكشف الوجه الأكثر شخصية في هذا العالم. فهناك، بعيداً عن الرموز الروائية، يظهر الابن الذي يحاول أن يفهم العلاقة التي شكلت جزءاً عميقاً من وعيه بنفسه. لم تكن الرسالة مجرد شكوى من أب قاس، ولا اعترافاً بسيطاً من ابن ضعيف، بل محاولة طويلة لتفكيك علاقة ملتبسة تجمع الخوف بالإعجاب، والاعتراض بالحاجة إلى القبول. كأن كافكا كان يحاكم أثر الأب في داخله أكثر مما كان يحاكم الأب نفسه.
وهذا ما يجعل سيرته متداخلة مع أدبه بصورة مدهشة. فالاغتراب الذي نلمسه في شخصياته ليس مجرد اختراع فني منفصل عن حياته، بل يبدو في كثير من الأحيان امتداداً لأسئلته الشخصية: كيف يعيش المرء وهو يشعر بأنه غير مفهوم؟ كيف يحب من يخشاه؟ وكيف يصنع لنفسه مكاناً في عالم لا يمنحه الطمأنينة بسهولة؟
ومع ذلك، سيكون من التبسيط أن نختزل كافكا في صورة الرجل المعذب أو الكاتب السوداوي. قوته لا تأتي من حزنه وحده، بل من قدرته على تحويل التجربة الخاصة إلى سؤال إنساني عام. لقد أخذ القلق الفردي ومنحه شكلاً أدبياً يستطيع أن يعبر الحدود واللغات والأزمنة. ولذلك لا نشعر ونحن نقرأه أننا نراقب حياة رجل من القرن العشرين فقط، بل نشعر أحياناً أنه يصف ارتباك الإنسان الحديث قبل أن تتضح ملامحه كاملة.
في كافكا شيء يشبه المرآة المشوهة: لا تعيد إلينا وجوهنا كما نحب أن نراها، بل كما يمكن أن تبدو حين يسقط عنها الاطمئنان. إنه يضعنا أمام هشاشتنا، أمام خوفنا من الرفض، وأمام حاجتنا إلى الاعتراف، وأمام المؤسسات والعلاقات التي قد تتحول من مصادر للأمان إلى مصادر للقلق. وربما لهذا السبب يكون أثره صادماً؛ لأنه لا يكتفي بأن يقول لنا إن العالم غريب، بل يجعلنا نشك في قدرتنا على فهم أنفسنا داخله.
وحين أغلق «المسخ» أشعر أن السؤال لم ينته بتحول غريغور، وحين أخرج من «المحاكمة» لا أشعر أن القضية أغلقت، وحين أعود إلى رسالته إلى أبيه أجد أن الحوار لم يصل إلى مصالحة نهائية. وهذا تحديداً هو سحر كافكا: أنه لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يترك في النفس أسئلة تعمل ببطء، وتعود إلينا بعد انتهاء القراءة.
لقد أصابني كافكا بمقتل لأنه جعل المألوف مخيفاً، وأذهلني لأنه جعل العبث قابلاً للتأمل، وشوشني لأنه جعل العلاقة الإنسانية نفسها ميداناً للسؤال. وفي النهاية، ربما لا تكمن عظمته في أنه عرف سر الإنسان، بل في أنه أدرك أن الإنسان، مثلما قال ألكسيس كاريل في عبارته الشهيرة، كائن ما زال مجهولاً؛ ولذلك كتب عنه من داخل هذا الجهل، لا من موقع من يملك الحقيقة. ولهذا يبقى كافكا حاضراً: كلما ظننا أننا فهمناه، اكتشفنا أن المرآة التي وضعها أمامنا كانت تتجه إلينا نحن.
ولعل أكثر ما يبقى بعد كافكا هو ذلك الإحساس الغريب بأننا كنا نقرأه ونقرأ أنفسنا في الوقت ذاته. فشخصياته لا تعيش في عالم بعيد عنا، بل في غرفنا المغلقة، وفي أسئلتنا المؤجلة، وفي لحظات الصمت التي نعجز فيها عن شرح ما نشعر به. لهذا لا تنتهي تجربة كافكا عند آخر صفحة؛ إنها تستمر في الذاكرة، وتعيد ترتيب علاقتنا بالخوف والسلطة والأسرة والذات. وربما كان هذا سر بقائه: أنه لم يحاول أن يطمئن الإنسان إلى نفسه، بل دفعه إلى النظر في أعماقه، حيث تتجاور الرغبة والرهبة، والحاجة والرفض، والحب والعجز، وحيث يظل السؤال مفتوحاً بلا نهاية. وفي ذلك تكمن فرادته: يتركنا أقل يقيناً، لكن أكثر انتباهاً إلى هشاشتنا، وأكثر قدرة على الإصغاء إلى الأسئلة التي نخفيها عن أنفسنا طويلاً.
#داود_السلمان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هؤلاء علموني: كولن ولسون(12)
-
هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(11)
-
هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(10)
-
هؤلاء علموني: أريك فروم(9)
-
هؤلاء علموني: برتراند رسل(8)
-
هؤلاء علموني: ويل ديورانت(7)
-
هؤلاء علموني: إيمانويل كانت(6)
-
هؤلاء علموني: دوستويفسكي(5)
-
هؤلاء علموني: علي الوردي(4)
-
هؤلاء علموني: طه حسين(3)
-
هؤلاء علموني: غوستاف لوبون(2)
-
(هؤلاء علموني) سلامة موسى(1)
-
فلاسفة الألمان (1)
-
رحيل مُشرّح اللاوعي العربي
-
كانط: حين يسأل العقل عن حدوده
-
المثقف في عصر الذكاء الاصطناعي
-
هواء مجلجل
-
فوق هشة الأوهام
-
قراءة في كتاب (سِفر من الملكوت إلى الملكوت)
-
وها أنا الآن
المزيد.....
-
-المنتقمون: نهاية اللعبة- يستعيد صدارة شباك التذاكر العالمي
...
-
أسرار قرن ونصف تكشفها أعمال ترميم -ألفية روسيا- في كرملين نو
...
-
سبعة كتّاب عرب بينهم ثلاثة سوريين في بورصة التكهنات بنوبل لل
...
-
رصد 308.3 مليار روبل للثقافة والسينما في الموازنة الروسية 20
...
-
فيلم من ظلال زمن الأسد يتطلع إلى الأوسكار
-
فيلم -ملفات بيبي- يغزو البرلمان الأوروبي: وثائقي يكشف كواليس
...
-
اتهامات للفنان المصري أحمد سعد بالنصب
-
على طريقة فيلم المدمر.. إخراج أسطول روبوتات عن الخدمة بصهرها
...
-
المعلمون الأوائل لعمالقة الأدب الروسي.. رحلة تعليم بوشكين ول
...
-
-الأمير الصغير- يعود إلى الشاشة برؤية سينمائية جديدة
المزيد.....
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
المزيد.....
|