|
|
هؤلاء علموني: السيد القمني(21)
داود السلمان
الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 22:48
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
لم يكن السيد القمني، في جوهر مشروعه الفكري، يطالب بمجرد تغيير بعض الأفكار أو مراجعة عدد من الموروثات، بل كان يدعو إلى إعادة النظر في علاقتنا بالتاريخ، وفي الطريقة التي نفهم بها الحاضر ونصنع بها المستقبل. كان السؤال الذي يطل من خلف كتاباته سؤالاً مصيرياً: كيف لأمة أن تعيش في عالم يتغير كل يوم، بينما ما تزال تبحث عن إجابات أسئلتها الراهنة في ذاكرة الماضي وحدها؟، وكيف يمكن لمجتمع أن ينهض إذا جعل من الموروث سلطة تعلو على العقل، ومن التاريخ محكمة تصدر أحكامها على الحاضر والمستقبل؟.
إن المطالبة بالدولة المدنية لم تكن، في هذا السياق، مجرد شعار سياسي أو ترف فكري، كما يرى القمني، بل كانت دعوة إلى إعادة الإنسان إلى مركز الحياة العامة، وإلى تأسيس العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الحقوق والقانون والمساواة، لا على أساس الانتماء المذهبي أو الامتياز الديني أو سلطة التأويل الواحد. فالدولة التي تتسع لجميع أبنائها لا تسأل المواطن عن عقيدته قبل أن تعترف بحقه، ولا تجعل اختلافه سبباً للانتقاص من إنسانيته. إنها دولة يكون فيها القانون مرجعاً للجميع، وتكون فيها المواطنة رابطة تجمع المختلفين من دون أن تطلب منهم التخلي عن خصوصياتهم.
لكن الدولة المدنية لا تولد من النصوص الدستورية وحدها؛ إنها تحتاج إلى عقل مدني يؤمن بأن الاختلاف ليس تهديداً، وأن حرية التفكير ليست منحة من سلطة، وأن الإنسان لا يفقد انتماءه إلى مجتمعه حين يطرح سؤالاً محرماً أو يراجع فكرة موروثة. فالمجتمعات التي تخشى الأسئلة تحوّل أبناءها، من حيث لا تدري، إلى حراس لحدود فكرية رسمها آخرون قبل قرون، ثم تطلب منهم أن يعيشوا داخلها وكأن الزمن لم يتحرك.
ومن هنا تبرز أهمية الدعوة إلى تجاوز التاريخ، لا بمعنى محوه أو التنكر له، بل بمعنى تحرير الحاضر من هيمنته. فالتاريخ ذاكرة الأمم وتجربتها، لكنه ليس قدراً أبدياً، ولا ينبغي أن يتحول إلى قفص تُحبس فيه الأجيال. إن احترام الماضي لا يعني تقديس كل ما وقع فيه، وفهم الظروف التي أنتجت فكرة ما لا يعني بالضرورة صلاحيتها لكل زمان ومكان. هناك فرق كبير بين أن نقرأ التاريخ لنتعلم منه، وأن نستدعيه ليحكم حياتنا، وبين أن ندرس تجارب السابقين بعين الباحث، وأن نتعامل معها بوصفها إجابات نهائية لا يجوز الاقتراب منها.
إن العقل الذي لا يراجع أفكاره يفقد قدرته على النمو، والأمة التي لا تسمح لنفسها بمساءلة ماضيها تظل تدور في حلقات متشابهة، مهما تغيرت أسماء الحكام أو تبدلت أشكال العمران. فالتقدم ليس في امتلاك أحدث الأجهزة وحدها، ولا في تشييد الأبراج والطرق، بل في امتلاك الشجاعة المعرفية التي تسمح للإنسان بأن يقول: ربما أخطأنا، وربما لم تعد بعض أفكارنا القديمة قادرة على تفسير عالمنا الجديد.
انظروا إلى العالم من حولنا؛ تتسع ميادين البحث العلمي، وتتطور الجامعات، وتُختبر النظريات، وتُراجع المعارف باستمرار، فيما لا تزال مجتمعاتنا، في مساحات واسعة من حياتها الفكرية، أسيرة نزاعات حول أسئلة مضى عليها زمن طويل. لا يعني ذلك أن العالم الآخر بلغ الكمال، أو أنه تخلص من تناقضاته، لكنه أدرك، بدرجات متفاوتة، أن المعرفة لا تتقدم بالتسليم المطلق، وإنما بالنقد والتجربة والشك المنهجي. أما نحن، فكثيراً ما نخلط بين الوفاء للهوية والجمود، وبين الاعتزاز بالجذور ورفض النمو، حتى أصبح السؤال في بعض البيئات مدعاة للريبة، والاختلاف تهمة، والبحث المستقل مغامرة محفوفة بالخوف.
والأكثر إيلاماً أننا بدأنا، في بعض دوائرنا، ننظر إلى العلم بريبة حين يكشف ما لا نرغب في رؤيته عن تاريخنا. كأن قيمة المعرفة تقاس بمدى موافقتها لرواياتنا الموروثة، لا بقدرتها على الاقتراب من الحقيقة. فإذا خالفت نتائج البحث صورة مألوفة عن الماضي، سارع بعضهم إلى التشكيك في الباحث بدلاً من فحص الأدلة، وإلى مهاجمة المنهج بدلاً من مناقشة النتائج. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: حين يصبح العلم متهماً لأنه يطرح أسئلة غير مريحة، وحين يُطلب من الباحث أن يحمي الرواية السائدة بدلاً من أن يبحث عما تثبته الشواهد.
إن التاريخ، مثل أي مجال من مجالات المعرفة الإنسانية، يحتاج إلى الوثيقة والتحليل والمقارنة والنقد. وليس في مراجعة الروايات التاريخية انتقاص من قيمة الأمم، لأن عظمة المجتمع لا تقاس بخلو ماضيه من الأخطاء، بل بقدرته على الاعتراف بتجربته وفهمها والتعلم منها. الأمم الواثقة لا تخاف من المعرفة، ولا ترى في اكتشاف الحقيقة تهديداً لوجودها؛ فالحقائق، مهما كانت مؤلمة، تظل أكثر نفعاً من الأوهام التي تمنح شعوراً مؤقتاً بالطمأنينة، ثم تترك الأجيال عاجزة أمام تحديات الواقع.
ولعل أخطر ما يواجه مجتمعاتنا ليس اختلافها حول الماضي، بل تحول ذلك الاختلاف إلى ذريعة لتعطيل المستقبل. فبينما يحتاج الشباب إلى تعليم يفتح أمامهم أبواب الابتكار، وإلى مؤسسات تحمي حرية البحث، وإلى اقتصاد يقوم على المعرفة والإنتاج، نجد أنفسنا أحياناً نستنزف طاقاتنا في معارك رمزية لا تنتهي. وبينما تتطلب الحياة الحديثة عقلاً قادراً على التحليل والتخطيط، نواصل مكافأة الحفظ على حساب الفهم، والطاعة على حساب المبادرة، والتكرار على حساب الاكتشاف.
لم تكن معركة العقل، إذن، معركة ضد التاريخ، ولا حرباً على الإيمان أو الهوية، كما يصورها بعض خصوم التفكير النقدي؛ إنها معركة من أجل أن يستعيد الإنسان حقه في الفهم والاختيار، وأن يتحول الموروث من سلطة مغلقة إلى موضوع للدرس والحوار. فالإيمان الذي لا يحتمل السؤال، والهوية التي لا تتسع للاختلاف، والمعرفة التي تمنع المراجعة، كلها تتحول إلى حدود تعزل أصحابها عن حركة العالم.
إن المجتمعات لا تتقدم لأنها تتخلى عن ذاكرتها، بل لأنها تعرف كيف تحملها من دون أن تسمح لها بتقييد خطاها. ولا تنهض لأنها تهدم كل ما ورثته، بل لأنها تميز بين ما يمنحها جذوراً وما يثقل قدرتها على النمو. وبين التقديس الأعمى والقطيعة العمياء مساحة واسعة اسمها العقل؛ هناك يمكن للتاريخ أن يصبح معرفة، وللاختلاف أن يصبح حواراً، وللمواطنة أن تصبح أساساً لدولة عادلة.
لقد تغير العالم، ولن ينتظر طويلاً من يصر على الوقوف خارج زمنه. والسؤال الذي ينبغي أن نواجهه بشجاعة ليس ما إذا كان الماضي عظيماً أو متواضعاً، بل ما إذا كنا قادرين على صناعة مستقبل يستحقه أبناؤنا. فالأمم التي تخاف من أسئلتها تظل رهينة أجوبتها القديمة، أما الأمم التي تمنح العقل حقه، وتضع الإنسان في قلب الدولة، وتفتح أبواب المعرفة أمام أبنائها، فإنها تمنح نفسها فرصة حقيقية للخروج من أسر التكرار إلى أفق الحضارة.
ولعل هذه هي الرسالة الأعمق التي يمكن أن نستخلصها من الجدل الذي أثاره مشروع السيد القمني: أن المستقبل لا يُبنى بالخوف من الحقيقة، وأن احترام الإنسان يبدأ باحترام عقله، وأن التاريخ، مهما علا شأنه، ينبغي أن يكون جسراً نعبر عليه نحو الغد، لا جداراً نقف أمامه إلى الأبد.
#داود_السلمان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هؤلاء علوني: الرصافي(20)
-
هؤلاء علموني: كارل ماركس(19)
-
حصر الدين بيد الله !
-
هؤلاء علموني: بوذا(18)
-
الله والأديان
-
هؤلاء علموني: تولستوي(17)
-
هؤلاء علموني: الدكتور قيس هادي(16)
-
هؤلاء علموني: غاندي(15)
-
هؤلاء علموني: كافكا(14)
-
هؤلاء علموني: كولن ولسون(12)
-
هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(11)
-
هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(10)
-
هؤلاء علموني: أريك فروم(9)
-
هؤلاء علموني: برتراند رسل(8)
-
هؤلاء علموني: ويل ديورانت(7)
-
هؤلاء علموني: إيمانويل كانت(6)
-
هؤلاء علموني: دوستويفسكي(5)
-
هؤلاء علموني: علي الوردي(4)
-
هؤلاء علموني: طه حسين(3)
-
هؤلاء علموني: غوستاف لوبون(2)
المزيد.....
-
الفاتيكان يعلن إزالة جزء من رئة البابا بعد التأكد من إصابته
...
-
بعد استئصال ورم من الرئة.. الفاتيكان يكشف حالة البابا
-
بابا الفاتيكان يدخل إلى المستشفى لإجراء عملية في الرئة
-
«المصريين الأحرار»: ازدواجية المعايير الأوروبية تسقط شعارات
...
-
-استبعاد الإسلاميين-.. شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقي
...
-
سدرة المنتهى: الشجرة الكبيرة في السماء السابعة التي وصل إليه
...
-
مستوطنون يقتحمون المسجد الأقصى
-
قوى سودانية ترفض شرعنة سلطات الحرب وتطالب باستبعاد الإخوان
-
رئيس أساقفة الجيش الأمريكي يدعو الجنود الكاثوليك لرفض المشار
...
-
176 شخصية إسلامية تدين الاعتداءات على السعودية.. وتحذير من ت
...
المزيد.....
-
محادثات مع الله للمراهقين
/ نيل دونالد والش
-
في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
الخروج من الإسلام السياسي
/ رزيقة عدناني
-
حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان
/ أحمد التاوتي
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية
/ محمد جعفر ال عيسى
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
المزيد.....
|