أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود السلمان - هؤلاء علموني: بوذا(18)















المزيد.....

هؤلاء علموني: بوذا(18)


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 08:27
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


قرأت كثيرًا عن بوذا، فأحببت شخصيته، وعرفت كيف تحوّل من إنسان برجوازي يعيش حياة الرفاهية والترف إلى أن أصبح متصوفًا، يطلق الدنيا ويعيش متقشفًا، في قضية معروفة من تاريخ الفكر الإنساني. لكن الذي حببني أكثر ببوذا هو شوبنهاور، حين علمت بأنه كان متأثرًا جدًا به، ولاسيما حين قرأت كتابه الكبير «العالم إرادة وتمثّلًا». هنا بدأت أنظر إلى بوذا من زاوية أخرى، زاوية لا تتعلق فقط بسيرته الشخصية أو برحلته من القصر إلى حياة الزهد، وإنما تتعلق بذلك السؤال العميق الذي يشغل الإنسان منذ وجوده: لماذا نتألم؟ ولماذا نظل نطارد الأشياء التي نظن أنها ستمنحنا السعادة، ثم نكتشف، بعد الحصول عليها، أنها لم تمنحنا ما كنا ننتظره منها؟.

إن ما يجذبني في شخصية بوذا ليس مجرد أنه ترك حياة الرفاهية واختار الفقر والتقشف، بل إنه لم يكتفِ بالعيش داخل عالمه المريح، ولم يعتبر أن ما يملكه من مال ومكانة ولذات يمثل نهاية الطريق الإنساني. لقد دفعه تأمله في الحياة إلى مواجهة حقيقة لم يكن يستطيع تجاهلها، وهي أن الإنسان، مهما بلغت درجة رفاهيته، لا يستطيع أن يعزل نفسه عن المرض والشيخوخة والموت، ولا يستطيع أن يشتري لنفسه الخلود أو يضمن دوام اللذة. فالإنسان قد يمتلك كل شيء، لكنه يظل عاجزًا أمام حقائق الوجود الكبرى.

تروي السيرة التقليدية لبوذا أنه عاش حياة أمير محاطًا بأسباب المتعة والراحة، قبل أن يواجه مشاهد المرض والشيخوخة والموت، فتغيّرت نظرته إلى العالم. ولم يعد القصر، بما يحتويه من مظاهر الرفاهية، كافيًا لإقناعه بأن الحياة تستحق أن تُعاش بالطريقة التي كان يعيشها. لقد بدأ يبحث عن مخرج من المعاناة، لا عن وسيلة جديدة للاستمتاع بالحياة. وهذا التحول هو ما يجعل قصته مثيرة للاهتمام؛ لأنه يمثل انتقالًا من الانشغال بما يملكه الإنسان إلى التساؤل عما يحتاج إليه حقًا كي يتحرر من قلقه الداخلي.

إن التخلي عن الدنيا في تجربة بوذا لا يعني بالضرورة كراهية الحياة أو اعتبار كل ما فيها شرًا، بل يرتبط بمحاولة فهم أسباب المعاناة والتخلص من التعلق الذي يجعل الإنسان أسيرًا لرغباته. فالإنسان يريد المال، ثم يريد المزيد منه، ويريد المكانة، ثم يخشى فقدانها، ويبحث عن اللذة، ثم يشعر بالملل منها، ويطلب الاستقرار في عالم لا يضمن له الثبات. وهكذا تتحول الرغبة، التي يظنها الإنسان طريقه إلى السعادة، إلى مصدر دائم للقلق وعدم الرضا.

لكن الذي حببني أكثر ببوذا هو شوبنهاور، وهذه النقطة بالذات تستحق التأمل؛ لأن شوبنهاور لم يكن مجرد فيلسوف أوروبي قرأ عن الفكر الشرقي وأبدى إعجابه به، بل وجد في بعض أفكاره ما ينسجم مع تصوره الخاص لطبيعة الوجود الإنساني. فعندما نقرأ كتابه الكبير «العالم إرادة وتمثّلًا»، نكتشف أن العالم، في فلسفته، ليس مجرد مجموعة من الأشياء التي نراها ونتعامل معها، بل إن وراء العالم كما يظهر لنا إرادة عمياء لا تهدأ، تدفع الكائنات إلى السعي والرغبة والاستمرار.

والمقصود بالإرادة عند شوبنهاور ليس الإرادة الواعية التي نستخدمها عندما نقرر فعل شيء أو الامتناع عنه، وإنما ذلك الاندفاع العميق الذي يحكم الوجود، ويجعل الإنسان يرغب باستمرار من دون أن يصل إلى حالة نهائية من الاكتفاء. فنحن نرغب لأننا نشعر بالنقص، ونسعى إلى إشباع رغباتنا، فإذا أشبعناها ظهر نقص جديد، وإذا لم نستطع إشباعها عشنا الألم والإحباط. وحتى عندما نحقق ما نريد، لا تستمر السعادة طويلًا؛ إذ قد تتحول الراحة إلى ملل، ثم يبدأ الإنسان في البحث عن رغبة أخرى تمنحه شعورًا مؤقتًا بالامتلاء.

ومن هنا نفهم لماذا وجد شوبنهاور في بعض التعاليم البوذية ما يقترب من رؤيته التشاؤمية للحياة. فكلاهما يلفت انتباهنا إلى أن الرغبة ليست طريقًا مضمونًا إلى السعادة، وأن التعلق بالأشياء يجعلنا عرضة للمعاناة، لأن الأشياء التي نتمسك بها متغيرة، ولأننا نحن أنفسنا متغيرون. غير أن هذا التقارب لا يعني أن فلسفة شوبنهاور هي نفسها تعاليم بوذا؛ فلكل منهما سياقه وأدواته وطريقته في فهم المعاناة والتحرر منها.

إن شوبنهاور، حين يتحدث عن إمكان الخلاص من سيطرة الإرادة، يقترب من فكرة الزهد والإنكار والتخفف من الرغبات. وهو يرى أن الإنسان يستطيع، من خلال التأمل الجمالي والتعاطف مع الآخرين والزهد، أن يخفف من خضوعه لذلك الاندفاع المستمر الذي يحكم حياته. أما بوذا، فقد جعل فهم المعاناة وأسبابها والطريق إلى إنهائها محورًا أساسيًا في تعاليمه. وفي الحالتين نجد أن التحرر لا يبدأ بامتلاك المزيد، بل بإعادة النظر في علاقتنا بما نمتلكه وما نرغب فيه.

ولعل هذا هو السبب الذي يجعلني أعود إلى شخصية بوذا بعد قراءتي لشوبنهاور. فالفيلسوف الألماني منحني مدخلًا فكريًا لفهم ذلك الرجل الذي ترك حياة الرفاهية واختار طريق الزهد. لقد جعلني أنظر إلى حكايته لا باعتبارها قصة رجل ملّ من القصر فحسب، وإنما باعتبارها محاولة للإجابة عن مشكلة أعمق من المال والترف: مشكلة الإنسان الذي لا يستطيع أن يجد راحته ما دام يعتقد أن سعادته متوقفة على الحصول على شيء آخر.

ومع ذلك، فإن ما يثير اهتمامي في بوذا ليس أنني أرى أن على الإنسان أن يترك الدنيا بالضرورة، أو أن يعيش حياة التقشف حتى يكون حكيمًا، بل إنني أجد في تجربته دعوة إلى مساءلة المسلّمات التي تحكم حياتنا. لماذا نعتقد أن امتلاك المزيد سيجعلنا أكثر سعادة؟ ولماذا نخشى فقدان ما نملكه إلى هذا الحد؟ وهل نستطيع أن نعيش بطريقة أقل خضوعًا للرغبات، من دون أن نتحول إلى أعداء للحياة أو للآخرين؟

إن قراءة بوذا من خلال شوبنهاور جعلتني أرى أن الفلسفة ليست دائمًا محاولة لبناء أنظمة فكرية معقدة، بل قد تكون أيضًا محاولة لفهم أنفسنا، واكتشاف الأسباب التي تجعلنا نعاني رغم كل ما نملكه. فهناك مسافة كبيرة بين أن يعيش الإنسان حياة مرفهة وبين أن يشعر بالسلام الداخلي، كما أن هناك فرقًا بين أن يمتلك الأشياء وأن يصبح أسيرًا لها.

لهذا أحببت شخصية بوذا، وازداد اهتمامي به حين عرفت مقدار تأثر شوبنهاور به. لقد التقى الرجلان، على اختلاف زمانيهما وثقافتيهما، عند سؤال واحد تقريبًا: هل يستطيع الإنسان أن يتحرر من المعاناة التي تنتجها رغباته وتعلقه بالعالم؟ وربما لا تكمن أهمية هذا السؤال في الوصول إلى إجابة نهائية عنه، بقدر ما تكمن في أنه يدفعنا إلى النظر إلى حياتنا بطريقة مختلفة. فليس كل ما نرغب فيه ضروريًا، وليس كل ما نمتلكه يمنحنا السعادة، وربما تبدأ الحكمة حين نتعلم أن نفهم رغباتنا بدلًا من أن نظل نطاردها بلا نهاية.



#داود_السلمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الله والأديان
- هؤلاء علموني: تولستوي(17)
- هؤلاء علموني: الدكتور قيس هادي(16)
- هؤلاء علموني: غاندي(15)
- هؤلاء علموني: كافكا(14)
- هؤلاء علموني: كولن ولسون(12)
- هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(11)
- هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(10)
- هؤلاء علموني: أريك فروم(9)
- هؤلاء علموني: برتراند رسل(8)
- هؤلاء علموني: ويل ديورانت(7)
- هؤلاء علموني: إيمانويل كانت(6)
- هؤلاء علموني: دوستويفسكي(5)
- هؤلاء علموني: علي الوردي(4)
- هؤلاء علموني: طه حسين(3)
- هؤلاء علموني: غوستاف لوبون(2)
- (هؤلاء علموني) سلامة موسى(1)
- فلاسفة الألمان (1)
- رحيل مُشرّح اللاوعي العربي
- كانط: حين يسأل العقل عن حدوده


المزيد.....




- حملة خاطفة ومكثّفة قد تستمر 3 أيام.. تفاصيل جديدة عن الخطة ا ...
- تشيلي: فيضانات سانتياغو تحول الشوارع إلى أنهار وكاست يعلن حا ...
- إحراق سيارات ونهب محال خلال احتجاجات مناهضة للهجرة في جنوب أ ...
- بحارة أمريكيون يلتقون عائلاتهم مع عودة حاملة الطائرات أبراها ...
- بعد مهمة بحرية استثنائية شاركت خلالها في حرب إيران.. -أبراها ...
- هجمات صاروخية حوثية على مطار الرياض تقتل 3 بينهم قائد طائرة ...
- حماس تراهن على -زوال إسرائيل- وتستعد لمواجهة جديدة.. تقرير ا ...
- السعودية تعلن إصابة طائرة ركاب ومقتل طيار في مطار الملك خالد ...
- قرار دولي مرتقب لإنهاء عصر -الثانية الكبيسة- واعتماد توقيت ع ...
- الولايات المتحدة تعلن حالة الطوارئ في فلوريدا وجورجيا بسبب إ ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود السلمان - هؤلاء علموني: بوذا(18)