|
|
هؤلاء علموني: تولستوي(17)
داود السلمان
الحوار المتمدن-العدد: 8852 - 2026 / 10 / 8 - 09:20
المحور:
الادب والفن
ما أحببته في تولستوي الأديب الروسي، ليس رواياته وحدها، على عظمتها وفرادتها، وإنما ذلك الإنسان القلق الذي ظل طوال حياته يبحث عن معنى الوجود، ويعيد النظر في أفكاره ومعتقداته باستمرار، وكأنه لم يكن يرضى أن يستقر طويلًا على إجابة واحدة. أحببت فيه هذا التقلب الفكري، لا بوصفه ضعفًا أو اضطرابًا، وإنما بوصفه دليلًا على عقل حيّ لا يكف عن السؤال، وروح لا تقبل أن تعيش في منطقة اليقين السهل. فحين نقرأ تولستوي، نشعر أننا أمام أديب يتجاوز حدود الأدب إلى الفلسفة والسياسة والأخلاق والدين وعلم النفس والاجتماع. رواياته الكبرى، مثل الحرب والسلام وآنا كارينينا، ليست مجرد حكايات طويلة عن الحب والحرب والمجتمع، بل عوالم كاملة تتصارع فيها الأسئلة الكبرى: ما معنى أن يعيش الإنسان؟ وما الذي يجعل حياته جديرة بأن تُعاش؟ وهل يستطيع الإنسان أن يبلغ السعادة من خلال المال والمجد والمكانة الاجتماعية؟ أم أن السعادة الحقيقية تكمن في البساطة والمحبة والتواضع؟
ولعل أكثر ما شدني إليه هو أن هذه الأسئلة لم تكن بالنسبة إليه أسئلة أدبية مجردة، بل كانت جزءًا من حياته الشخصية. تولستوي لم يكتب عن الإنسان من الخارج؛ لقد وضع نفسه داخل التجربة، وكتب عن خوفه وشكّه وقلقه وسعيه إلى الخلاص. ولهذا تبدو بعض أعماله وكأنها اعترافات طويلة لرجل يحاول أن يفهم نفسه قبل أن يحاول فهم العالم.
ومن هنا جاءت أهمية اعترافاته وتأملاته الفكرية بالنسبة إليّ. ففي كتابه اعتراف، لا نرى الروائي العظيم الذي اعتاد القراء الاحتفاء به، وإنما نرى إنسانًا يمر بأزمة روحية عميقة، ويتساءل عن جدوى الحياة والموت والإيمان. وهذه الصراحة هي واحدة من أكثر الأشياء التي تجعل تولستوي قريبًا من القارئ؛ فهو لا يخجل من الاعتراف بحيرته، ولا يحاول أن يقدم نفسه في صورة الحكيم الذي امتلك الحقيقة منذ البداية. بل على العكس، إن قيمته تكمن في أنه كان يبحث عنها باستمرار.
لقد مر تولستوي بتحولات فكرية ودينية وأخلاقية عديدة. بدأ حياته في عالم الأرستقراطية، وعاش حياة مترفة، وشارك في الحرب، وذاق الشهرة والمجد الأدبي، ثم بدأ شيئًا فشيئًا ينظر إلى تلك الحياة بعين ناقدة. وكلما تقدم في العمر، ازداد إحساسه بأن المجد والثروة والامتيازات الاجتماعية لا تمنح الإنسان بالضرورة معنى لحياته. ومن هذه الأزمة خرج تولستوي آخر؛ أكثر ميلًا إلى الزهد والبساطة، وأكثر اهتمامًا بالفقراء والمهمشين، وأكثر نقدًا للمؤسسات الاجتماعية والدينية والسياسية التي رأى أنها ابتعدت عن جوهر الأخلاق.
وهذا التحول تحديدًا هو ما يجعلني أحب تولستوي. فالكاتب الذي لا يتغير قد يصبح أسيرًا لأفكاره القديمة، أما تولستوي فقد كان مستعدًا لأن يهدم ما بناه في داخله، ثم يعيد بناءه من جديد. قد نختلف معه في بعض أفكاره، وقد نرى في بعض مواقفه شيئًا من التناقض، لكن هذا لا يقلل من قيمته؛ لأن الإنسان الذي يراجع نفسه بصدق أكثر إثارة للاهتمام من الإنسان الذي يكرر نفسه بثقة.
كما لفتني تأثره الواضح بأفكار وتعاليم بوذا وبالتقاليد الشرقية التي اهتمت بقضايا الرغبة والمعاناة والتعلق بالماديات. لم يكن اهتمام تولستوي بالشرق مجرد فضول ثقافي، بل وجد في بعض هذه الأفكار صدى لرحلته الروحية الخاصة. فكرة التحرر من الشهوات، والابتعاد عن التملك المفرط، ومقاومة العنف، والبحث عن السلام الداخلي، كلها موضوعات وجد فيها ما يتقاطع مع أسئلته الأخلاقية والروحية.
ولذلك أرى أن تولستوي كان في جانب مهم من تجربته باحثًا عن الإنسان البسيط الذي يختبئ خلف طبقات المجتمع ومظاهر الثراء والسلطة. كان يريد أن يعود بالإنسان إلى شيء أكثر أصالة: أن يحب، وأن يرحم، وأن يتخلى عن العنف، وأن يعيش حياة أقل افتعالًا وأكثر قربًا من الحقيقة. وربما لهذا السبب نجد في أعماله شخصيات كثيرة تعاني من الفجوة بين ما تظهره للناس وما تشعر به في أعماقها.
أما رواياته الملحمية، فهي الجانب الذي يجعل مشروعه الأدبي استثنائيًا. في الحرب والسلام، مثلًا، لا يكتفي تولستوي برسم مصائر أفراد، بل يضع الفرد أمام حركة التاريخ والحروب والمجتمعات. وفي آنا كارينينا يغوص في أعماق العلاقات الإنسانية والحب والزواج والخيانة والمجتمع والغيرة، وكأنه يريد أن يقول إن الإنسان ليس كائنًا بسيطًا يمكن تفسيره بجملة واحدة.
وما يميز هذه الروايات أن ضخامة العالم الذي يبنيه تولستوي لا تلغي التفاصيل الصغيرة. قد ينتقل من الحديث عن الحرب والتاريخ إلى نظرة عابرة أو حركة بسيطة أو شعور خفي في قلب شخصية، ثم يجعل من هذه التفاصيل الصغيرة شيئًا بالغ الأهمية. وهنا تظهر عبقريته: لقد كان قادرًا على الجمع بين اتساع الملحمة وعمق النفس البشرية.
لقد تعلمت من تولستوي أن الأدب ليس هروبًا من الحياة، بل طريقة أخرى لمواجهتها. وتعلمت منه أن الكاتب الحقيقي لا ينبغي أن يخاف من مراجعة أفكاره، ولا من الاعتراف بضعفه أو شكه أو أخطائه. فالإنسان الذي يبحث بصدق قد يكون أكثر قيمة من الإنسان الذي يزعم أنه وصل.
لهذا أحببت تولستوي. أحببت فيه الروائي، ولكنني أحببت أكثر المفكر القَلِق، والإنسان الذي لم يتوقف عن البحث. أحببت تقلباته الفكرية، ودراساته وتأملاته، واعترافاته، ورغبته في الوصول إلى معنى للحياة يتجاوز المال والشهرة والمجد. وأحببت ذلك التفاعل بين الأدب والفلسفة والدين والأخلاق في تجربته.
لقد كان تولستوي بالنسبة إليّ أكثر من أديب عظيم؛ كان مدرسة في التفكير والبحث ومراجعة الذات. ومن يقرأه لا يخرج دائمًا بإجابات جاهزة، لكنه يخرج بأسئلة أكثر عمقًا. وربما هذه هي أعظم هدية يمكن أن يقدمها لنا كاتب: ألا يخبرنا كيف نفكر، بل أن يجعلنا غير قادرين على التوقف عن التفكير.
#داود_السلمان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هؤلاء علموني: الدكتور قيس هادي(16)
-
هؤلاء علموني: غاندي(15)
-
هؤلاء علموني: كافكا(14)
-
هؤلاء علموني: كولن ولسون(12)
-
هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(11)
-
هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(10)
-
هؤلاء علموني: أريك فروم(9)
-
هؤلاء علموني: برتراند رسل(8)
-
هؤلاء علموني: ويل ديورانت(7)
-
هؤلاء علموني: إيمانويل كانت(6)
-
هؤلاء علموني: دوستويفسكي(5)
-
هؤلاء علموني: علي الوردي(4)
-
هؤلاء علموني: طه حسين(3)
-
هؤلاء علموني: غوستاف لوبون(2)
-
(هؤلاء علموني) سلامة موسى(1)
-
فلاسفة الألمان (1)
-
رحيل مُشرّح اللاوعي العربي
-
كانط: حين يسأل العقل عن حدوده
-
المثقف في عصر الذكاء الاصطناعي
-
هواء مجلجل
المزيد.....
-
توم كروز في مأزق!.. هل يتحول فيلمه الجديد إلى أحد أكبر إخفاق
...
-
حفل وكتاب يُخلد إرث المخرج المسرحي الراحل عوني كرومي
-
انطلاق ملتقى -زمن الأبطال - للأفلام الوثائقية في عمّان
-
غارفيلد يتخلى عن تشات جي بي تي بعد تجسيد ألتمان في فيلم أرتي
...
-
عمان.. ملتقى زمن الأبطال للفيلم الوثائقي
-
معاوية عبد المجيد يروي كيف فضح أديب إيطالي-سوري فظائع الاستع
...
-
مركز الفنون والثقافة يدشن فعاليات مسابقة سميرة عبده في فن «ا
...
-
-مسألة حياة أو موت- يمثل السعودية في سباق الأوسكار لأفضل فيل
...
-
أيام قرطاج الموسيقية… الموسيقى تغادر القاعات إلى الشوارع وال
...
-
ثقافة تنطلق من الخيام.. الكتب الناجية من الركام في غزة تتحول
...
المزيد.....
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
المزيد.....
|