أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - داود السلمان - هؤلاء علموني: كمال الحيدري(22)














المزيد.....

هؤلاء علموني: كمال الحيدري(22)


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 10:09
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يبرز اسم رجل الدين العراقي كمال الحيدري، الذي أثار من خلال أطروحاته الفكرية والنقدية نقاشات واسعة حول طبيعة المعرفة الدينية، ودور الفقهاء، وحدود الموروث، وصورة الإله التي يقدمها الخطاب الديني للإنسان المعاصر.

تقوم إحدى الأفكار الأساسية في هذا الاتجاه على أن الدين جاء لخدمة الإنسان، لا لكي يتحول الإنسان إلى خادم لتفسيرات بشرية تُنسب إلى الدين. فالدين، في جوهره، ينبغي أن يكون مصدرًا للطمأنينة والمعنى والأخلاق، وأن يساعد الإنسان على مواجهة أسئلة الوجود ومشكلاته، لا أن يتحول إلى عبء يثقل ضميره بالخوف والذنب، أو إلى سلطة تصادر عقله وحريته. وليس معنى ذلك أن الدين يفقد قدرته على توجيه الإنسان أو مطالبته بالمسؤولية، بل إن هذه المسؤولية ينبغي أن تنبع من فهم أخلاقي عميق، لا من الإكراه والتخويف وحدهما.

إن الإشكالية التي يطرحها النقد الديني المعاصر لا تتعلق بالدين بالضرورة، بقدر ما تتعلق بالصورة التي تشكلت حوله عبر قرون من التفسير والاجتهاد والتراكم التاريخي. فليس كل ما ورد في كتب التراث يمثل بالضرورة حقيقة دينية نهائية، وليس كل اجتهاد فقهي قديم صالحًا لكل زمان ومكان. هناك فرق جوهري بين النص المقدس وفهم الإنسان له، وبين الدين بوصفه تجربة إيمانية وأخلاقية، والمؤسسة الدينية بوصفها نتاجًا تاريخيًا قابلًا للصواب والخطأ. ومن هنا تأتي أهمية إخضاع الموروث للنقد العلمي، وتمييز ما يحمل قيمة إنسانية وأخلاقية عميقة مما ارتبط بظروف سياسية واجتماعية وثقافية تجاوزها الزمن.

ومن القضايا الحساسة في هذا المجال مسألة دخول الروايات الضعيفة والخرافات والتصورات غير المنضبطة إلى الوعي الديني. فعندما تُروى الحكايات بلا تمحيص، أو تُمنح بعض الأخبار قداسة لا تستحقها، أو يُخلط بين المعتقد الديني والموروث الشعبي، يصبح من الصعب على الإنسان التمييز بين جوهر الدين وما أُلصق به. ولا تكمن الخطورة في وجود روايات تحتاج إلى مراجعة فحسب، بل في تحويل نقدها إلى أمر محرم، وكأن الإيمان لا يستقيم إلا بتعطيل السؤال. إن الدين القادر على مواجهة النقد بثقة هو دين لا يخشى البحث، ولا يرى في العقل خصمًا للإيمان، بل وسيلة لفهمه وتنقيته من الأوهام.

ولعل أكثر ما يثير الجدل هو صورة الإله التي يقدمها بعض الخطاب الفقهي والوعظي؛ صورة يغلب عليها التهديد والعقاب والانتقام، حتى يبدو الإله في وعي المتلقي كأنه يتربص بالإنسان، يبحث عن زلاته ليعاقبه عليها. وحين تطغى هذه الصورة على معاني الرحمة والعدل والحكمة، يتحول الإيمان من علاقة روحية تمنح الإنسان الأمان إلى علاقة يحكمها الرعب الدائم. وهنا يبرز سؤال مهم: هل هذه الصورة تعبر عن حقيقة الإله، أم أنها انعكاس لبعض القراءات البشرية التي جعلت الخوف أداة للضبط والسيطرة؟

إن نقد هذه الصورة لا يعني إنكار مفهوم الحساب أو المسؤولية الأخلاقية، وإنما يعني رفض اختزال العلاقة بين الإنسان وربه في العقوبة والوعيد. فالإله الذي يؤمن به الإنسان بوصفه مصدرًا للرحمة والعدل لا ينبغي أن يُقدَّم له على نحو يجعله عاجزًا عن رؤية أي معنى للمحبة والمغفرة والتوبة. كما أن الخطاب الديني الذي يتجاهل كرامة الإنسان، ويبالغ في تخويفه، قد ينجح في فرض الطاعة مؤقتًا، لكنه قد يفشل في بناء إيمان واعٍ ومستقر.

ومن هنا يمكن فهم جانب من ابتعاد بعض الشباب عن المؤسسات الدينية والخطابات التقليدية. فالشاب الذي يعيش في عالم مفتوح على المعرفة والعلوم والأسئلة الفلسفية لم يعد يكتفي بإجابات جاهزة، ولا يقبل بسهولة أن يُتهم بالضلال لمجرد أنه يسأل أو يشك أو يطلب دليلًا. وعندما يجد خطابًا دينيًا يصطدم مع حسه الأخلاقي، أو يقدم له صورة قاسية عن الله، أو يطالبه بتسليم عقله دون نقاش، فقد يشعر بأن المسافة بينه وبين الدين تتسع. وليس من الدقة تفسير ابتعاد الشباب بعامل واحد، فهناك أسباب اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية متعددة، لكن طريقة تقديم الدين تظل عاملًا مهمًا لا يمكن تجاهله.

إن المسؤولية هنا لا تقع على الشباب الذين يطرحون الأسئلة، بل تقع أيضًا على المؤسسات الدينية التي تحتاج إلى مراجعة أساليبها ولغتها ومناهجها. فبدلًا من التعامل مع كل سؤال بوصفه تهديدًا، ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره فرصة لاستعادة الثقة، وبدلًا من الدفاع عن كل ما تراكم في التراث، ينبغي التمييز بين المقدس والبشري، وبين الثابت والمتغير، وبين القيم التي تصلح لكل عصر والاجتهادات التي ارتبطت بظروف تاريخية محددة.

وبالتالي، لا تكمن قيمة تجديد الخطاب الديني في هدم التراث أو القطيعة مع الماضي، بل في امتلاك الشجاعة الفكرية لفهمه ونقده وإعادة قراءته. وتكمن أهمية النقاش الذي تثيره أطروحات كمال الحيدري في إعادة طرح سؤال جوهري: هل نريد دينًا يجعل الإنسان أكثر رحمة وعدلًا ووعيًا، أم خطابًا يحاصره بالخوف ويطالبه بالطاعة دون فهم؟.

إن الدين الذي يخدم الإنسان هو الدين الذي يخاطب عقله وضميره، ويحفظ كرامته، ويفتح أمامه أبواب السؤال والتأمل. أما حين يتحول التدين إلى منظومة من المحرمات والتخويف والتفسيرات المغلقة، فإن المشكلة لا تعود في علاقة الإنسان بالدين وحدها، بل في الطريقة التي قُدِّم بها الدين إليه، كما يرى الحيدري. وربما تكون الخطوة الأولى لاستعادة ثقة الأجيال الجديدة هي أن نمنحها حق السؤال، وأن نعيد للرحمة مكانتها، وأن ندرك أن الإيمان الحقيقي لا يحتاج إلى مصادرة العقل، بل يستطيع أن ينمو إلى جواره.

ومن هنا تصدى الحيدري بمشروعه التنويري، وأخذ على عاتقه تجديد الخطاب الديني ليتوائم ومعطيات العصر الحديث، بما انتج هذا العصر من علوم انسانية وتكنولوجيا، ومتطلبات أخرى ترغب بخدمة الانسان على جميع الاصعدة، فانبرى من انبرى، وشجب من شجب بأفشال مشروعه، ويا ليتهم وقفوا عند هذا الحد وانتهى الأمر، بل حاربوه ومن ثم اغلقوا عليه الابواب، ومعوا عنه كل وسائل الاعلام.



#داود_السلمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هؤلاء علموني: السيد القمني(21)
- هؤلاء علوني: الرصافي(20)
- هؤلاء علموني: كارل ماركس(19)
- حصر الدين بيد الله !
- هؤلاء علموني: بوذا(18)
- الله والأديان
- هؤلاء علموني: تولستوي(17)
- هؤلاء علموني: الدكتور قيس هادي(16)
- هؤلاء علموني: غاندي(15)
- هؤلاء علموني: كافكا(14)
- هؤلاء علموني: كولن ولسون(12)
- هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(11)
- هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(10)
- هؤلاء علموني: أريك فروم(9)
- هؤلاء علموني: برتراند رسل(8)
- هؤلاء علموني: ويل ديورانت(7)
- هؤلاء علموني: إيمانويل كانت(6)
- هؤلاء علموني: دوستويفسكي(5)
- هؤلاء علموني: علي الوردي(4)
- هؤلاء علموني: طه حسين(3)


المزيد.....




- بابا الفاتيكان يخضع لعملية جراحية لعلاج سرطان الرئة
- الفاتيكان يعلن نجاح عملية جراحية للبابا ليو لاستئصال ورم سرط ...
- الفاتيكان يعلن إصابة البابا ليو بالسرطان واستئصال جزء من رئت ...
- الفاتيكان يعلن إزالة جزء من رئة البابا بعد التأكد من إصابته ...
- بعد استئصال ورم من الرئة.. الفاتيكان يكشف حالة البابا
- بابا الفاتيكان يدخل إلى المستشفى لإجراء عملية في الرئة
- «المصريين الأحرار»: ازدواجية المعايير الأوروبية تسقط شعارات ...
- -استبعاد الإسلاميين-.. شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقي ...
- سدرة المنتهى: الشجرة الكبيرة في السماء السابعة التي وصل إليه ...
- مستوطنون يقتحمون المسجد الأقصى


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - داود السلمان - هؤلاء علموني: كمال الحيدري(22)