أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود السلمان - هؤلاء علموني: داروين(26)














المزيد.....

هؤلاء علموني: داروين(26)


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 07:20
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


قرأت نظرية داروين، لا برؤيتي الخاصة وحدها، بل من خلال رؤى شُرّاح داروين ومفسري أفكاره، وهم كثيرون، فوجدت نفسي أمام عالم مختلف عما ألفته من تصورات سابقة عن الكون والوجود والحياة والإنسان. لم تكن القراءة مجرد اطلاع على نظرية علمية في أصل الأنواع وتطورها، بل كانت رحلة فكرية أعادت ترتيب أسئلتي، ودفعتني إلى مراجعة كثير من الأفكار التي كنت أتعامل معها بوصفها حقائق ثابتة لا تقبل النقاش. لقد أدركت أن المعرفة الحقيقية تبدأ حين نمتلك الشجاعة لمساءلة ما نؤمن به، وأن العقل لا يتقدم بتكرار المألوف، بل باختبار الأفكار على ضوء الأدلة والبراهين.

لقد كشفت لي قراءاتي أن الحقيقة العلمية قد تكون مختلفة عما يرغب الإنسان في تصديقه، وأن الكون لا يُلزم نفسه بالانسجام مع تصوراتنا المسبقة أو رغباتنا النفسية. فالعلم لا يسأل عما يريحنا، وإنما يبحث عما يمكن إثباته ومراجعته واختباره. وهنا بدأت أفهم لماذا تثير بعض النتائج العلمية قلقاً لدى أصحاب التصورات الميتافيزيقية المغلقة؛ لأنها تضع كثيراً من المسلّمات أمام أسئلة لم تكن مطروحة بالوضوح نفسه في الماضي. غير أنني لا أرى أن كل تفكير ميتافيزيقي يرفض العلم بالضرورة، بل إن المشكلة تبدأ عندما تتحول أي فكرة، دينية كانت أم فلسفية، إلى حصانة تمنع صاحبها من الإصغاء إلى الأدلة أو مراجعة موقفه.

لقد جعلتني نظرية داروين أفكر في الحياة بوصفها تاريخاً طويلاً من التغير والتكيف والتنوع، لا مجموعة من الصور الثابتة التي بقيت على حالها منذ البداية. فالانتخاب الطبيعي، بوصفه إحدى الآليات الأساسية للتطور، يفسر كيف يمكن للصفات الوراثية التي تمنح أصحابها قدرة أكبر على البقاء والتكاثر أن تنتشر عبر الأجيال. ومع تراكم التغيرات الوراثية وامتداد الزمن، نشأت أشكال متعددة من الحياة، وأصبحت الكائنات الحية موضوعاً لفهم علمي يستند إلى الأدلة المتراكمة من علم الأحياء والوراثة والأحافير وغيرها من العلوم.

ولم يكن أثر هذه المعرفة محصوراً في فهم الكائنات الحية، بل امتد إلى نظرتي للإنسان نفسه. فالإنسان، مهما بلغ من الذكاء والقدرة على التفكير وصناعة الحضارة، ليس منفصلاً عن تاريخ الحياة على الأرض، بل هو جزء من هذا التاريخ الطويل. وهذه الحقيقة لا تنتقص من قيمة الإنسان، كما قد يتصور بعضهم، وإنما تضعه في سياقه الطبيعي، وتدعوه إلى فهم ذاته بعيداً عن الغرور الذي يجعله يتخيل أنه مركز الكون ومحور الوجود كله. إن عظمة الإنسان لا تحتاج إلى عزله عن الطبيعة، بل يمكن أن تتجلى في قدرته على فهمها واكتشاف قوانينها والتأمل في موقعه داخلها.

ومن هنا تغيرت أفكاري تجاه الكون والوجود. فقد بدأت أنظر إلى الطبيعة باعتبارها مجالاً مفتوحاً للبحث والاكتشاف، وإلى الأسئلة الكبرى باعتبارها أسئلة تحتاج إلى الصبر والمنهج والدليل. وكلما توسعت معرفتنا، اتسعت أمامنا مساحة المجهول، وأدركنا أن ما نعرفه، مهما كان عظيماً، لا يمثل سوى جزء من واقع بالغ التعقيد. فالكون الذي نراه ليس بسيطاً كما قد توحي به تصوراتنا اليومية، والحياة التي نعيشها تحمل في داخلها تاريخاً هائلاً من التحولات التي لم يكن الإنسان يعرف عنها شيئاً قبل تطور أدوات البحث والملاحظة.

لقد صار عندي إيمان بالعلم، لا بمعنى أن أتعامل معه بوصفه عقيدة جديدة لا يجوز نقدها، بل بمعنى الثقة بمنهجه القائم على الملاحظة والتجربة والبرهان، وعلى إمكانية تصحيح الأخطاء عندما تظهر أدلة أقوى. فالعلم لا يدعي امتلاك الإجابة النهائية عن كل سؤال، ولا يخجل من الاعتراف بحدود معرفته. وهذه، في نظري، إحدى أعظم نقاط قوته؛ إذ إن الاعتراف بالجهل ليس هزيمة للعقل، بل هو الخطوة الأولى نحو المعرفة.

وما يبهرني في العلم ليس ما حققه من اكتشافات فحسب، بل الطريقة التي يصل بها إلى نتائجه، وكيف يستطيع الإنسان، بعقله المحدود وعمره القصير، أن يكشف قوانين تمتد آثارها إلى أعماق المادة واتساع المجرات وتاريخ الحياة. إن المعرفة العلمية تجعلنا نعيد النظر في أحكامنا، وتحررنا من الاعتقاد بأن ما ورثناه أو ألفناه هو بالضرورة الحقيقة النهائية.

ومع ذلك، فإن الإيمان بالعلم لا يعني أن العلم وحده يقدم إجابات جاهزة عن جميع الأسئلة الأخلاقية والوجودية. فالعلم يستطيع أن يساعدنا على فهم العالم وآليات عمله، أما تحديد ما ينبغي أن نفعله، وكيف نستخدم المعرفة، وما المسؤولية التي تقع على عاتقنا تجاه الإنسان والطبيعة، فتلك أسئلة تحتاج أيضاً إلى التفكير الأخلاقي والفلسفي.

وهكذا، لم تكن قراءتي لداروين نهاية رحلة فكرية، بل كانت بدايتها. لقد علمتني أن أكون أقل يقيناً في الأحكام المتسرعة، وأكثر استعداداً للإصغاء إلى الأدلة، وألا أخشى مراجعة أفكاري عندما تكشف المعرفة عن أفق جديد. فالعقل الذي لا يراجع نفسه يتحول إلى سجين لمعتقداته، أما العقل الذي يتعلم باستمرار فيبقى قادراً على النمو والتطور.

إن أعظم ما منحتني إياه هذه الرحلة هو إدراك أن البحث عن الحقيقة لا يتطلب منا أن نعرف كل شيء، بل أن نمتلك الشجاعة للاعتراف بما لا نعرفه، وأن نواصل السؤال من دون خوف. ومنذ ذلك الحين، أصبحت أرى العلم نافذة واسعة تطل على كون عظيم، وأرى الإنسان كائناً مدهشاً لا لأنه يمتلك جميع الإجابات، بل لأنه استطاع أن يطرح الأسئلة، وأن يحول فضوله إلى معرفة، وجهله إلى اكتشاف، وتأمله في الوجود إلى رحلة لا تزال مفتوحة على احتمالات لا حدود لها.



#داود_السلمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هؤلاء علموني: مدني صالح(25)
- هؤلاء علموني: عبد الحسين شعبان(24)
- هؤلاء علموني: خزعل الماجدي(23)
- هؤلاء علموني: كمال الحيدري(22)
- هؤلاء علموني: السيد القمني(21)
- هؤلاء علوني: الرصافي(20)
- هؤلاء علموني: كارل ماركس(19)
- حصر الدين بيد الله !
- هؤلاء علموني: بوذا(18)
- الله والأديان
- هؤلاء علموني: تولستوي(17)
- هؤلاء علموني: الدكتور قيس هادي(16)
- هؤلاء علموني: غاندي(15)
- هؤلاء علموني: كافكا(14)
- هؤلاء علموني: كولن ولسون(12)
- هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(11)
- هؤلاء علموني: الدكتور يوسف كرم(10)
- هؤلاء علموني: أريك فروم(9)
- هؤلاء علموني: برتراند رسل(8)
- هؤلاء علموني: ويل ديورانت(7)


المزيد.....




- واشنطن تعلّق بيع الذخيرة لحلفائها
- روسيا في كردستان العراق: آفاق واعدة
- أعمالُ العنف والنهب في فرنسا تحشر ماكرون في مأزق
- أحجية بكين: هل تجمع شنتشن قادة روسيا وأمريكا والصين؟
- الحرب وسيلة للبقاء في السلطة
- موتورولا تطلق أحد أفضل هواتفها قريبا
- -الحجة- الموحّدة للمشاة.. رشاش -كلاشينكوف- البالغ من العمر 6 ...
- علماء: الأدلة على التغير المناخي البشري المنشأ أصبحت حاسمة
- مواد طبيعية تحمي الخلايا العصبية من التلف وتحارب أعراض باركن ...
- دراسة تكشف تأثير مكان السكن على احتمال الإصابة بالخرف


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود السلمان - هؤلاء علموني: داروين(26)