فوز حمزة
الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 15:29
المحور:
الادب والفن
مقامة خيانة الوسيط: احتجاب الدعاء وأنانية العشق — قراءة في الأسطورة التفسيرية عند فوز حمزة
في نص قصير مكثّف، ينبض بعبق الأساطير الكلاسيكية، ويحمل في طيّاته كثافة شعرية وفلسفة عميقة تتجاوز الحجم المادي للقصة، استطاعت فوز حمزة أن تنسج خرافة مؤسِّسة، أو ما يُعرف بـ«الأسطورة التفسيرية»، لتفسير واقعة إنسانية أزلية: لماذا تتأخر دعوات العاشقين أو لا يُستجاب لها؟
فكتبت بعنوان «إله العشق»:
«قبل أربعة آلاف سنة، حينما كنتُ عجوزًا مسنّةً، قايضتُ الصبرَ بالأشعار.
وذات يوم، صادفتُ في الطريق راعيًا وسيمًا ينشد أشعارًا حزينةً في فراق الأحبّة. أخذتُ أشعاره، وأعطيتُه بدلًا عنها الصبرَ الجميل، ثم أهديتُ أشعاره إلى عذراءَ جميلةٍ أسرها الحزنُ في انتظار مَن تحب، وقلتُ لها ناصحةً: اذهبي إلى إله الحب، وأنشدي أشعاركِ أمامه، لعلّه يرقّ لحالكِ.
دخلتْ الفتاة المحراب، وبدموعها تطهّرتْ، وركعتْ، وسجدتْ، مرتّلةً أعذبَ الأشعار، لعلّ الإله يرحمها.
كان الإله رحيمًا بما يكفي ليقع في عشق الفتاة، لكنّه، بدلًا من أن يرفع دعاءها إلى الإله الأكبر، حجَبَه عنه كي يضمن رؤيتها كل يوم.
ومنذ ذلك اليوم، ودعوات العاشقين لا تُستجاب».
تتجلّى البداية الزمنية العابرة للتاريخ في عبارة «قبل أربعة آلاف سنة... حينما كنتُ عجوزًا مسنّةً»، فتضع القارئ فورًا على عتبات الزمن الأسطوري، مانحةً النص طابعًا ملاحميًّا يشبه حكايات «ألف ليلة وليلة» أو أساطير الرافدين والإغريق، حيث تتداخل العجائز بالحكماء، والآلهة بالبشر.
وتبرز دورة المشاعر والمقايضة حين تبدأ القصة بعملية «اقتصاد شعوري» فريدة؛ فالعجوز تتخلّى عن الصبر لتستبدل به أشعار الراعي، والراعي يأخذ الصبر ليتعامل مع لوعة الفراق. وهذا التداول للمشاعر — الصبر، والشعر، والحزن، والعشق — يعكس كيف تتحوّل العواطف في الحياة إلى عملات متبادلة.
وتكمن المفارقة الساخرة والذروة في تلك المفارقة الموجعة؛ فالفتاة البريئة تدخل المحراب، وتتطهّر بدموعها، طلبًا لرحمة الإله الأكبر عبر وسيطه، «إله العشق»، فإذا بالوسيط يقع في الغرام ويتحوّل إلى «محتكر» للرؤية، حاصدًا التعاسة بدلًا من أن يكون شفيعًا لها.
«كان الإله رحيمًا بما يكفي ليقع في عشق الفتاة، لكنّه، بدلًا من أن يرفع دعاءها إلى الإله الأكبر، حجَبَه عنه كي يضمن رؤيتها كل يوم».
هذه الفقرة هي جوهر القصة ودرّتها الفلسفية، وتطرح أبعادًا دلالية عميقة.
أولها: أنسنة الإله والوقوع في الخطأ البشري. لا ينظر النص إلى الآلهة أو الرموز العليا بوصفها مثاليةً، بل يغرقها في الضعف الإنساني؛ فالجمال والحب قادران على قيادة حتى الإله إلى الأنانية وحب الاستحواذ. والعشق هنا ليس طاقة مقدّسة سامية فحسب، بل هو أحيانًا «أعمى، وأناني، وجشع».
وثانيها: العقوبة الجماعية للعاشقين. لأن إله العشق أراد أن يستأثر برؤية معشوقته وحده، حُرم ملايين العاشقين عبر التاريخ من استجابة أدعيتهم. إنها استعارة بليغة تفسّر لماذا يرافق الشقاء والخذلان طريق الحب دائمًا؛ فالحب في أصله الإلهي تلوّث بالرغبة والاحتكار.
وثالثها: دور المرأة والوساطة. فالفتاة تمثّل النقاء المطلق، وهي العذراء التي تطهّرت بدموعها، بينما تمثّل العجوز الحكمة أو القدر الذي حرّك أحجار الدومينو الأولى عبر نقل الأشعار من الراعي إلى الفتاة.
يزخر التراث الإنساني بآثار وحكايات أسطورية تقارب هذا المعنى وتتلاقى مع فكرة فوز حمزة، ولا سيّما في الأساطير الإغريقية وأساطير بلاد الرافدين، وإن كان نصّ صاحبتنا يتفرّد بتعليل شقاء العاشقين وحجب الدعاء برؤية أسطورية حديثة.
وأقرب النماذج الإغريقية والرومانية إلى هذه القصة أسطورة إيروس، أو «كيوبيد»، إله العشق، التي تتناول وقوع إله الحب في الحب. إذ تُرسل الإلهة «فينوس» ولدها «كيوبيد» ليصيب الفتاة الفانية شديدة الجمال، «سايكي»، بسهم يجعلها تعشق أبشع مخلوق على الأرض، عقابًا لها على منافسة جمالها. لكن كيوبيد، عندما يراها، يفتتن بجمالها، وبدلًا من تنفيذ المهمة، يُصاب هو نفسه بسهمه، فيقع في حبها ويخفيها عن عيون الآلهة في قصر مجهول. وهذا يشبه ما فعله إله العشق في قصة فوز حمزة، حيث انحرف وسيط الحب عن وظيفته، وأصبح هو العاشق والمحتكر.
في الميثولوجيا القديمة، كثيرًا ما كانت الآلهة الوسيطة أو الموكلة بالخير تقع في الفتنة البشرية. وعندما تشتهي الآلهة كائنًا فانيًا، فإنها تعطل الشرائع والمجرى الطبيعي للكون، كأن تحبس الخصب، أو تحجب الصلوات، أو تعطل استجابة الاستغاثات، حتى تحصل على مرادها.
واحتكار إله العشق لدعاء الفتاة في نص فوز، لكي يضمن رؤيتها كل يوم، يشبه أسطورة هاديس، إله العالم السفلي، عندما اختطف «بيرسيفوني» لشدة عشقه لها؛ إذ توقفت الأرض عن الإنبات، وماتت النباتات، لأن الخصب حُجب عن البشر طوال فترة احتجازه لها.
استخدم الشعراء العرب مجازًا مفهوم «سلطان الحب» أو «قاضي الهوى»، وجعلوه حاكمًا ظالمًا أو أنانيًّا لا يستجيب لشكاوى العشاق، ولا يرفع قضاياهم إلى العدل، تمامًا كما فعل «إله العشق» في القصة.
يقول ابن الفارض، وهو سلطان العاشقين، واصفًا سلطة الحب العاتية التي تجعل حتى التضرّع والاستغاثة حكرًا على مشيئة الهوى:
«حديثي القديم في الهوى وهو حادثي
وشرحي له بالدمع صار معبّري
ولولا الهوى ما هنت يومًا لعاشقٍ
ولا حُجبت عنّي السماء بأعيني».
ويقول العباس بن الأحنف، واصفًا «قاضي الهوى» الذي يحجب العدل عن العشاق كي يستمر عذابهم:
«أتأذنون لعبدٍ في شكايَتكم؟
أم ليس للعبد عند المالك العتبُ؟
يا قاضي الحب بيني وبين من حُجبتْ
أنت الخصيم وأنت الحاكم الرغِبُ»
هناك ثيمة خطيرة ومشهورة جدًّا في الشعر العربي تطابق تمامًا نقطة التحوّل في قصة «فوز حمزة»، حين تحوّل الشفيع والوسيط إلى عاشق حجب الرسالة.
ففي التراث الشعري العربي، كثيرًا ما كان العاشق يرسل رسولًا، أو وسيطًا، بكلمات حبه ورسائله إلى المحبوبة، فيفتتن الرسول أو الوسيط بالمحبوبة ويقع في عشقها، فيخون الرسالة ويحجبها عن صاحبها ليظفر بها لنفسه.
كما يقول المتنبي، واصفًا خيانة الرسول وتغيّر حاله حين رأى المحبوبة:
«مالَنا كلُّنا جَوٍّ يا رسولُ
أنا أهوى وقلبُك المتبولُ
كلّما عاد من بعثتُ إليها
غارَ منّي وخان فيما يقولُ».
أو كما قال أحدهم:
«أرسلتُه ليبثَّ بعضَ صبابتي
فرأى الجمالَ فصار لي خصمًا
نسي الرسالةَ واستبدَّ بنفسه
وغدا بحبّك يهتمُّ ويَهيمُ».
في الأدب الصوفي، لدى ابن عربي والحلّاج والسهروردي، ثمة مفهوم يُسمّى «الحجب بلذّة الرؤية»، حيث يُحجب الداعي عن بغيته العظمى؛ لأن الوسائط أو أحوال العشق تأسر العبد في الطريق، فينشغل بالحال، أي الرؤية والوجد، عن الوصول النهائي.
فالفتاة في القصة ظلّت تصلّي وتناجي في المحراب، وأعجب الإله الصغير، «الوسيط»، بحسن المناجاة وطهر الدموع، فحجب دعاءها كي تستمر في التضرّع والنواح؛ لأن صوت تضرّعها ونواحها أطرب قلبه.
وهذا يذكّرنا بالحديث العاطفي الفلسفي التراثي: «إن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه، كي يسمع تضرّعه ونداءه». لكن القصة حوّلت هذا المفهوم الإيماني السامي ببراعة إلى مفارقة أسطورية أنانية، جعلت من الحب سببًا في شقاء أزلي لجميع العاشقين.
ختامًا، يثبت نص «إله العشق» للفنانة والكاتبة فوز حمزة أن النص القصير المكثّف قادر على حمل حمولة ميثولوجية وفلسفية تتجاوز مداه المادي، ليصوغ أسطورة تأسيسية بأسلوب مدرسي رفيع، تكشف القناع عن الجذور الممتدة لهذه الفكرة في الوجدان الإنساني عبر العصور؛ حيث يلتقي الشغف الإغريقي بالمجاز العربي والرمز الصوفي في نقطة واحدة: أن العشق، حين يتملّك الوسيط، يتحوّل الشفيع إلى خصم، وتغدو اللوعة قدرًا أزليًّا يلاحق العاشقين إلى يومنا هذا.
النص:
قبل أربعة آلاف سنة، حينما كنتُ عجوزًا مسنّةً، قايضتُ الصبرَ بالأشعار.
ذات يوم، صادفتُ في الطريق راعيًا وسيمًا ينشد أشعارًا حزينةً في فراق الأحبّة.
أخذتُ أشعاره، وأعطيتُه بدلًا عنها الصبرَ الجميل، ثم أهديتُ أشعاره إلى عذراءَ جميلةٍ أسرها الحزنُ في انتظار مَن تحب.
قلتُ لها ناصحةً:
«اذهبي إلى إله الحب، وأنشدي أشعاركِ أمامه؛ لعلّه يرقّ لحالكِ!».
دخلتْ الفتاة المحراب، وبدموعها تطهّرتْ، وركعتْ، وسجدتْ، مرتّلةً أعذبَ الأشعار، لعلّ الإله يرحمها!
كان الإله رحيمًا بما يكفي ليقع في عشق الفتاة!
لكنّه، بدلًا من أن يرفع دعاءها إلى الإله الأكبر، حجبَه عنه كي يضمن رؤيتها كل يوم.
ومنذ ذلك اليوم، ودعوات العاشقين لا تُستجاب!
#فوز_حمزة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟