أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فوز حمزة - التابو وكسر التابو في رواية رياح خائنة للكاتبة فوز حمزة إشراف أ0د احمد حيال جهاد إعداد آلاء عبد الأمير كاظم















المزيد.....



التابو وكسر التابو في رواية رياح خائنة للكاتبة فوز حمزة إشراف أ0د احمد حيال جهاد إعداد آلاء عبد الأمير كاظم


فوز حمزة

الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 00:54
المحور: الادب والفن
    


يحتل الفن الروائي مكانة مهمة في حياتنا الواقعية والجمالية ، إذ اتخذت الرواية العربية في الوقت الحالي نسقاً مختلفاً عن سابقتها الكلاسيكية شكلًا ومضمونًا، ذلك لأنها تشبعت من مختلف الأنساق والثقافية، كما أن الروائي المعاصر أشارإلى قضايا محظورة :-الدين والسياسة والجنس فما بين الرواية العربية المعاصرة والثالوث المحرم كيمياء إبداعية من نوع مثير للدهشة والإعجاب معاً إذ اهتمت الرواية العربية بتفاصيل الأحداث والعلاقات الاجتماعية الماورائية ما جعلها جنسا أدبيا متميزا مس مشكلات الواقع، إذ أن تركيز الروائي على تلك الموضوعات والتي تتعلق بمرحلة معينة وبوعي نافذ خلق من تعامل الرواية المعاصرة مع موضوعات الواقع تعاملا اختلف عما سبق ،فجسدت المشكلات المطروحة ضمن النص الروائي تجسيدا دقيقا ينبع عن وعي ودراية كاتبها، فالثالوث المحرم كان هو الموضوع المركزي في النصوص الروائية المعاصرة، ويمكن القول أن معظم الروائيين إن لم يكن كلهم تطرقوا إلى كسر التابو وجعلوا من الرواية الجديدة نصوصا تمردت عن المألوف، كما سعوا إلى تقديم ابداع تنكر للرواية التقليدية من أجل إنشاء عالم متميز يأبى الرضوخ للتزييف الذي كانت تقدمه الرواية الكلاسيكية، بل أضحت تستمد خطابها من عدة علوم كالتاريخ و الاجتماع وعلم النفس ، وقد أضحى هذا التنوع في الخطاب الروائي أهم ما ميّزالرواية المعاصرة، فضلاً عن تفاعله مع الخطاب السياسي والديني والجنسوي تفاعلًا يبني لحلقة حوار بين المؤلف والمتلقي، وهنا صارت الرواية المعاصرة نصاً مفتوحا ًيسعى للبحث عن المسكوت عنه و الوقوف على توظيف هذا الثالوث المحرم بشكل خالف المألوف وأدخل الرواية في عوالم التجديد، ووفق منهج استقرائي بآليتي الوصف والتحليل ،وخروجها من التقليد إلى عوالم التجريب، وبهذا التمرد أعلنت السردية المعاصرة عن ميلاد جديد في الابداع الأدبي " وهي لحظة التحرر من التحديدات والتقنيات التقليدية إلى فسحة التعدد والتنوع في التجليات النصية لتجعل من النص مجالا لإبلاغ صوت الكينونة المتكلمة خارج الواقع والمقتضيات الاجتماعية، فالكتابة الابداعية الجديدة لا تخضع إلى بنية محددة يحكمها كما كانت الرواية التقليدية بل تستمد بنيتها من خلال تحطيم المتداول واستيعاب أبنية خطابية متعددة كالديني والسياسي والتاريخي، و"يأتي تداخل الخطابات وتعددها في اطار انفتاح الخطاب الروائي عليها، لتقوم بوظائفها في مجرى الخطاب وبتظافر مع الطرائق الموظفة في بنائه مما جعل الرواية تنفتح على أكثر من احتمال وتوقع، وهو ما يكسب القراءة طابعا خاصا ينهض على السعي إلى تفجير الأبعاد الخفية في النص " (١)وبهذا التحول صارت الرواية الجديدة تستلزم قراءة ثقافية وقارئا جديدا يختلف عن قارئ الرواية التقليدية، وتتطلب نشاطا ذهنيا وفاعلية اجتماعية، إن الرواية المعاصرة لم تعد مجرد كلمات فهي أصبحت " صورة أدق وأصدق عن المجتمعات العربية وهي في غمرة التحولات المتسارعة والكاشفة لتناقضات الخطاب المؤد لج مع فورة تبدلات المشهد العمراني والوعي السياسي والثقافي". (٢)وعلى صعيد الرواية النسوية فقد افادت من كل هذه التطورات فكراً وكتابة إذ تبنت الرواية النسوية قضايا المرأة في سعي حثيث نحو هدم الثقافات الذكورية المتسلطة التي سيطرت على المرأة تاريخيا وحرمتها من حقها الشرعي في الكتابة والإبداع؛ إذ تعرضت المرأة الى التقييد الفكري الذي حرمها من ممارسة دورها الإبداعي، فكان ان تمردت على هذه الهيمنة بأشكالها كافة، فأنتجت فكراً نقدياً متحرراً ومتعدد الرؤى والأفكار، وذلك عن طريق طرحها وتصويرها للمشاهد والأحداث المسكوت عنها تاريخياً، وكأنها تريد تهشيم الأنظمة المركزية من خلال هذا الخرق القيمي بما من شأنه أن يؤكد حضورها اللافت بتفاصيلها الدقيقة عن طريق تصوير عوالمها الداخلية واستبطان مشاعرها العميقة وتأكيد خصوصية الجسد.


_________________________________
1-سردية التجريب وحداثة السردية العربية الجزائرية ،المطبعة العربية للطباعة والنشر،ط١،تونس،٢٠٠٥ :١٩/٢٠
٢محمد برادة الذات في السرد الروائي، قراءة في 40 رواية، دار الأمان، ط 1 ، الرباط، 2014، ص 9.
التمهيد:-مفهوم التابو وكسر التابو


التابو لغويا :-( مفرد ) التابو: جمعها تابوات : ما لا يحل انتهاكه, ما هو محرم التخلص من كل محظورات (١)
التابو اصطلاحا :-كلمة ( تابو ) كلمة ليست عربية وإنما هي كلمة من أصل يعود لمناطق جنوب المحيط الهادئ المسمى بولونيزي : " اللفظ الافرنجي بولونيزي الأصل tapu أي مقدس, والتابو مقدس من جهة وخطر وممنوع من جهة أخرى، وهو في رأي فنت أقدم قانون غير مكتوب, وهو أقدم من أي دين, والغاية منه حماية الشخصيات الهامة, مثل الرؤساء والكهان, من أي ضرر، وحماية ظواهر الحياة مثل الميلاد والزواج والوظائف الجنسية "(2).
التابو اجرائيا :- التابو هو الشيء المقدس والمحظور التكلم فيه أو المساس به، وهو مصطلح لا يقتصر على الدين والإلهة فقط وإنما يشمل أيضا بعض الأشخاص الذين يمثلون زعامات دينية واجتماعية وسياسية . كما قد يشمل أيضا موجودات الطبيعة من حيوان ونبات والتي تمثل رموزا دينية مقدسة لبعض الأشخاص والأديان الوضعية وغيرها من الاعتقادات البشرية0
____________________________

1- معجم اللغة العربية المعاصرة، د. احمد مختار عمر، عالم الكتب, ط1، القاهرة ،٢٠٠٨ : 280
٢المعجم الفلسفي ، مراد وهبة، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع, القاهرة ١٩٨٨ :١٥٩ .


أن مفهومات (التابو) قد ظهرت منذ الكتابات الأولى لشعراء الماسي الإغريقية (أسخيلوس وسوفوكليس ويوربيدس)، وقد تبلورت عبر مجموعة من الموضوعات الاجتماعية والسياسية والدينية والجنسية، فضلا عن مبرهناتها عبر السلوك الإنساني للشخصيات مرورا بالعصور المتعاقبة غير أن مسرح ما بعد الحداثة تناول الأطر المغايرة المفهومات (التابو) وأسقطها على فضاءات عروضه المسرحية، وعلى وفق حركة الزمان والمكان والحدث أو الموضوع(1)، قدم مسرح ما بعد الحداثة معالجات جمالية وفكرية وتقنية وفنية بأشكال ومضامين متعددة تتلاءم وروح العصر، وعلى هذا النهج سار سرد (ما بعد الحداثة) متخذاً شكلا ًومضمونا ًجديدين عن طريق تحفيز وعي المتلقي، وتحفيز أدراكه الذهني والعقلي، دون السماح بسيطرة العاطفة أو المشاعر على اتخاذ القرار اتجاه الأشياء، كما أنه ساهم في تمكين الفكر لإتخاذ المواقف التي تتلاءم ومنطق العقل والتي تتماهى مع المخيلة بما يتيح الرؤية الواسعة للأشياء دون التوقف عند تابوات العقل بالكشف عن طاقات الإنسان دون الحاجة إلى عناصر المجاورة الأخرى للجسد وحركاته وسكناته، ما كان يلجأ إلى الطريق السلبي مشدداً على آلة العوائق ... وأن الحواجز التي يجب إزالتها هي المواضع والتصرفات الجامدة و الأقنعة الاجتماعية التي يختفي وراءها الكائن الداخلي المهم في بلوغ لحظة من التجرد الكامل (2)0

___________________________

1-أسخيليوس وأثينا،جورج توميدسن ، تر: صالح جواد كاظم ، دار الحرية ،بغداد ،1975: 20
2-غروتوفسكي يخرج الأمير الصامت ،جان جاكو ، تر:جمال شحيد ، مطبعة وزارة الثقافة ، دمشق ، 1980:126



يرتبط مفهوم كسر التابو المقدس بشكل رئيسي بالخوض في المحظور مع تعدد وتنوع هذا المحظور بحسب تطور مراحل الحياة من جهة وبحسب تطور الفكر البشري من جهة أخرى، ويمثل موضوعا ًمتعاليا ًلا يمكن التطرق إليه بالكلام والتفسير المباشر فضلاً عن النقد لأن هذه الأمور تُدخل المتكلم والباحث في المحظور والممنوع وذلك " لأن البحث في المقدس في ذاته إبطال لمفعول قدسيته, بل أنه شكل من أشكال انتهاك المحرم(1) ومن هنا كانت عملية كسر التابو المقدس والذي يتمثل في تناول المحظور يفرض نفسه على الجميع بوصفه موضوعا بالغ الحساسية لا يجوز الخوض فيه أو التقرب من الموضوعات والصور التي ترتبط به وهي ذات تفرعات متعددة, فهناك التابو الديني والتابو الاجتماعي والتابو الخاص بالعادات والتقاليد وغيرها من المحظورات أي بمعنى أسلبه الشيء بإزالة جميع القواعد والتقاليد التي تحد من أفق السرد واستراتيجية الخرق والغوص في المسكوت عنه فجاء الرد حازماً بانعتاق الرؤيا السردية عن ثورات كان للمرأة نصيب منها ، إذ تجلى في إبداعها الأدبي عموماً والروائي على وجه الخصوص فدخلت عالم المسكوت عنه من أبوابه الثلاثة ورأت بأن الواقع قد فاحت روائحه وتورمت أسسه ولم يعد بالإمكان تطبيبه بالصمت ولا مداواته بالسكوت فكان مضادها الحيوي ولقاحها هو توصيل الرسالة عن طريق جرعات من المسكوت عنه واختراق التابوهات وكسرها بجرأة إبداعية تبثها في تضاعيف نصوصها وتحقنها في أسبار لغتها، ولعل هذا هوما دفعنا إلى تناول التابو كسر التابو كموضوع أساسي في هذه الدراسة كونه مطروق بكثرة في الرواية النسائية وقد تناولته كل روائية بطريقة تزيد من شحنته الدلالية وفاعليته الوظيفية التي قد تزيد كما قد تنقص في فاعليتها وذلك بناءاً على عدة معايير إنسانية واجتماعية وبيئية ونفسية وثقافية 0
___________________________________
1-المقدس والمجتمع ، نور الدين الزاهي ،الدار البيضاء ،أفريقيا الشرقية ،٢٠١١: ٣٢



وفي الكتابة النسائية تفاجئ رواية رياح خائنة قارئها إذ تلج بكل جرأة إلى عالم التابوهات فتخترق لغتها المحظورات المغلقة في نواميس الدين والأعراف المواقف السياسية واحاديث الجنس إذ تفتح ملفات الثالوث المحرم في رواية رياح خائنة للكاتبة فوز حمزة (١) متجاوزة به كل الخطوط الحمراء عن طريق زج الأحداث والشخصيات في صراع سياسي ديني اجتماعي ،تهشم به الأنظمة السردية التقليدية التي من شأنها الكبت على نفس الإبداع وبهذا تخترق كل العوائق وتحول النص إلى فضاء يعبر عن خيبات وجودية ،فالخرق القيّمي الجمعي والغور في أسبار المسكوت عنه يؤكد حضورها بتفصيلاتها الدقيقة وتصوير عوالمها الداخلية واستبطان مشاعرها العميقة من الرؤى والأفكار في تصويرها للمشاهد بفكر نقدي مبطن وتأبيد لخيبات عابرة إذ تتلاحم الرمزية مع الإفضاء عن طريق تحركاتها في مكنونات الرغبات الإنسانية ورصد لروح العصر فقد هيمنت على رؤى الرواية عدة تمركزات :



_________________________________
1-فوز حمزة ،روائية وقاصة عراقية تقيم في ألمانيا حاصلة على شهادة بكالوريوس قسم الإخراج المسرحي، كلية الفنون الجميلة ، جامعة بغداد، عضو اتحاد أدباء وكتاب العراق ونقابة الفنانين في العراق ،الإصدارات الأدبية :الوشاح الأحمر، دار ضفاف، بغداد 2015مذكرات زوجة ميتة دار أمل الجديدة ، سوريا 2017،مذكرات امرأة في سلة المهملات، دار النخبة المصرية ، القاهرة، مصر ،2020،صباح كهرماني، دار الدراويش للنشر والتوزيع، بلغاريا ـ بلوفديف ,2023ُ، أمي وذلك العشيق ، دار الصحيفة العربية ببغداد ـ دار العراب بدمشق 2024،رواية رياح خائنة .. رواية ( عن دار الصحيفة العربية 2024، بغداد)0


1-كسر تابو أن الأم لا تخطئ في حق أولادها .. عائدة وهي إحدى بطلات الرواية كانت مثالا سيئًا للأم الاستغلالية الجشعة التي فرطت بابنها في سبيل تحقيق غاية كانت في نفسها حتى لو كلفها ذلك بيع الابن باسم التبني.
2- بمقدور أي إنسان أن يستبدل دينه واسمه وبكل سهولة.. فالدين والعادات والتقاليد وحتى الاسم، أشياء تختارها العائلة للأبناء وتلزمهم بها وكأنها من المحرمات ويجب عدم التفكير في تغييرها.

3-سقوط الشيوعية المتمثلة بغسان والد البطل في حضن الرأسمالية المتمثلة برجل الأعمال الأميركي إيمانويل جونز
4-اختلاف المجتمعات في نظرتها لأي موضوع، فالمثلية الجنسية قد تعد عملا يحاسب عليه القانون في أي بلد وقد يُقتل بسبب ذلك بينما في مجتمعات أخرى ينظر له من باب الحرية الشخصية.
5-انتصار الأم المتبنية المتمثلة بـ ( آناليز ولتون ) على الأم المنجبة ( عائدة ) وعودة آدم لأميركا خير دليل على ذلك.
6-تهافت المجتمعات العربية على الهجرة نحو الغرب وتشجيع الشباب على السفر إلى هناك دون حساب ما يترتب على هذا الفعل.
7-لن يستطيع أي إنسان أن يتصرف دون أن يكون لهذا التصرف دافع نفسي دفين صادر من العقل اللاواعي.
8- الانتباه من الأفكار التي تأتينا من الغرب والتي لن تكون في صالح مجتمعاتنا .. فقد تأتي هذه الأفكار على شكل ( رياح خائنة )0



المبحث الأول:- التابو الديني وكسرالتابو
استمد الخطاب السردي الديني مركزيته من قدسية القرآن والأحاديث، ومن خلال هذه الثنائية تشكلت أسس الابداع الأدبي حيث أن كل أديب حين يدخل الخطاب الديني في مدونته يعمل على " توحيد بين النص وبين قراءته وفهمه لهذا الخطاب، وبهذا التوحيد لا يقوم الخطاب الديني بإلغاء المسافة المعرفية بين الذات والموضوع فقط، بل يتجاوز ذلك إلى ادعاء ضمني بقدرته على تجاوز كل الشروط والعوائق الوجودية والمعرفية والوصول إلى القصد الكامن في هذه النصوص، وفي هذا الادعاء الخطير لا يدرك الخطاب الديني المعاصر أنه يدخل منطقة شائكة وهي منطقة (الحديث باسم الله )). وهي المنطقة التي تحاشى الخطاب الإسلامي على طول تاريخه عدا استثناءآت قليلة لا يعتد بها "(1)ومنه فإن فهم المضمر في الخطاب الديني لا يتطلب أن يكون توحيدا بين الفكر البشري والدين فقط. لأن الجميع يعرف كيف يتكلم بالإسلام والدين لكنه لا يعرف كيف يفهم الاسلام فهما عميقا وحقيقيا، فالحديث عن الاسلام الحقيقي لا يبلغه الا العلماء، ذلك أن الفهم الخاطئ للإسلام يشكل أبعاد خطيرة تهدد المجتمع والواقع، فلابد من إجتهادات العقل الانساني لتفسير وتوضيح القضية وفهمها، فالخطاب الديني يستند على التراث " ولا يكتفي بهذا، بل يعتمد المنهج الانتقائي النفعي نفسه حين يتعرض بالنقاش لكثير من القضايا ..... كما يكاد يتمسك بالشكليات ويحرص عليها" (2) 0
______________________________

1-نقد الخطاب الديني ،نصر حامد ابو زيد، المركز الثقافي العربي ،ط1, الدار البيضاء المغرب، 2014: 30
2- م0ن :44-45



وقع القارئ في خلط كبير بين الأدب والخطاب الديني أي المفاهيم الإبداعية وهذا كله لعدم فهم التصورات الثقافية والفكرية للعملية الإبداعية ذلك أن معظم القراء يحاولون ربط اللغة بالدين ربطا متينا وأنه لابد من إعادة قراءة القضية الدينية قراءة أخلاقية في الفعل الإبداعي وهذا كله لعدم سعي القارئ إلى التفاعل مع جوانب ثقافية وتيارات فكرية وفنية " فالرؤيا الدينية هي السبب الأصلي في تغلب المنحنى الثبوتي على المنحى التحولي في الأدب بعد مجيء الاسلام، أو بعبارة أخرى أن النظام الشامل الذي خلقه الدين كان العامل الأساسي الذي جعل المجتمع العربي في القرون الثلاثة الأولى، يفضل القديم على الحديث بحيث وضع القديم في محل الكمال واعتبر كل جديد خروجا على المثال والكامل "(1)
فالرؤية الدينية بامتزاجها في الابداع الفني والأدبي تنتج حقلا معرفيا وبتفاعلهما تبرز رؤية مختلفة فالمتلقي يعد ناقدا ومنتجا لإبداع من ابداع، حيث بقراءته يوضح قيمة العمل الأدبي وهنا تظهر عملية التأثر والتفاعل بين الأنا والآخر من خلال ربط النص بالبنى الاجتماعية، في حين أن الرؤية الدينية تمس الحضارة العربية الاسلامية، لكن بعد عرضها في الأدب المعاصر صارت هذه الرؤيا الدينية رؤيا عالمية، " وهذا لا يعني أن الدين كان غائبا داخل التجربة الروائية الحديثة، بل احتلت زاوية من هذه التجربة، وشكلت رؤى لقضايا الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي " (2) ارتبط مفهوم كسر التابو المقدس بشكل رئيسي بالخوض في المحظور مع تعدد وتنوع هذا المحظور بحسب تطور مراحل الحياة من جهة وبحسب تطور الفكر البشري من جهة أخرى0

______________________________
1-الثابت والمتحول ،ادونيس،ج1 الأصول، دار الساقي ، ط7 ،بيروت لبنان ،1994 : 11
2-خطاب الحداثة في الرواية المغاربية ،عبد الوهاب بو شليحة ،نادي الاحساء الأدبي ، ط1 ،2011: 5

ويأتي موضوع كسر التابو الديني في مقدمة انواع المحظورات التي ينبغي السكوت عنها وعدم الخوض فيها بوصفه يرتبط بالمعتقدات البشرية التي تضفي طابع القدسية على تلك المعتقدات ولا تسمح بالخوض فيها والتقليل من شأنها لأن في ذلك الأمر تهوين للمعتقد الديني وتضعيف له، ومن هنا كان هذا التابو يفرض القدسية الكاملة على الاديان والمعتقدات سواء أكانت وضعية ام سماوية، كما أن طابع القدسية يسري على الشخصيات والرموز الدينية التي يمثل كل منها تابو قائم بذاته لا يقبل ولا يسمح بأي نوع من أنواع التعريض والنقد وعلى الرغم من أن المعتقد الديني البدائي قد نشأ أصلا كنوع من أنواع الفطرة البشرية المرتبطة بالتفسير البدائي للمعتقدات وكان ملائما الى حد كبير مع بساطة الفكر الإنساني القديم. ألا أن هذه الفطرة على الرغم من بساطتها أضفت على نفسها طابع القدسية لكي تحقق الاحترام والتعظيم لتلك المعتقدات ولكي تكون تلك المعتقدات محمية ومؤمنة من محاولات كسرها لأن ذلك الكسر يسبب الكثير من الضرر ليس للأتباع فقط وإنما لمن يمارس دور التسلط الديني مثل الكهان والقادة الدينيون، ومع تطور الفكر الإنساني شيئا فشيئا ووصول الإنسان القديم الى الحياة العصرية الجديدة والبدء بتكوين المجتمعات وأنشاء المدن اصبحت علاقة الإنسان بالدين علاقة وثيقة بالرغم من أن مفهوم هذه العلاقة قد تطور مع تطور فكر الإنسان ونزوع هذا الإنسان نحو أفكار جديدة ومنها البحث عن الإله الذي يحقق وجوده راحة نفسية لدى الإنسان، وقد " جرى الحديث كثيرا عن الإله الذي خلق البشرية، والذي يراقبهم من عل، وكتب الكثير في أصول وجود الإله من وحيد أوحد للعدالة والسلام والتعاون وحقن الدماء، وليكون الملاذ الروحي لبني البشر "(1).
__________________________

1-نقد وحشي ، ابراهيم محمود ،دار الحوراء ، دمشق ،ط1، 2005: 169




وينهج السرد النسائي رؤية مختلفة في بحثها المضمر بين الأنا والآخر في مس الرؤية الدينية من زاوية نظر مغايرة لكل ما تناولتها من أقلام إذ لو قرأنا :
"ماذا عن ديانته؟
تنهدت آنالیز ورفعت كتفيها لتقول
ليس مهما بالنسبة لنا هذا الأمر... أليس كذلك عزيزي إيمانويل؟.
هو كذاك حبيبتي بمقدور الإنسان أن يستبدل دينه، ما هي إلا بضع
كلمات يقولها المرء ليتم الأمر بنجاح "(1)
هذه السهولة التي أبداها مانويل الأمريكي الأب المتبني لياسين في خرق الدين وإظهار هامشية تلك القدسية ،أي أن بمقدور أي إنسان أن يستبدل دينه واسمه وبكل سهولة.. فالدين والعادات والتقاليد وحتى الاسم، أشياء تختارها العائلة للأبناء وتلزمهم بها وكأنها من المحرمات ويجب عدم التفكير في تغييرها وهذا من القيود من وجهة نظرة وكان الدين مباح لهم كما هي الدنيا وهذا ما نستجليه بوضوح من ردة فعل المحامي وائل:-
"سألها مستنكرا وبصوت ارتفعت نبرته فجأة، وكانت تلك عادة وائل حينما يحاول قلب الطاولة عليها كلما شعر بضعف حجته.
أيظن هذان الأمريكيان أنهما بالمال يستطيعان شراء أي شيء، حتى البشر ؟!." (2)إذ تحاول الرؤية الحاضرة في المشهد الروائي أن تلوح بأن (التابو الديني) يمكن أن يتغير تبعا للمتغيرات الطبيعية والاجتماعية والسياسية والنفسية بل وحتى الجسدية، إذ يتشارك علم النفس مع ذلك المفهوم كما علم السياسة وعلم الاجتماع وعلم الإنسان، فتلك العلوم تصدرتأثيراتها على الإنسان كونه يعيش بذلك المحيط الذي يتأثر ويؤثر فيه، لتصبح فيما بعد تلك التابوهات ثوابت قيمية أو معتقدات موروثة، أو تشريعات دينية عبر نصوص مقدسة تفرض قدسيتها على الإنسان.

_________________________
1-رواية رياح خائنة ،فوز حمزة :68
2-م ن :96


المبحث الثاني :-الجنس وخرق التابو المقدس:-
1-تابو الجنس أو المسكوت عنه الجنسي 0
‏ الكتابة الروائية المعاصرة والتي نالت حظاً وافراً من التجديد وما أعطاها من الجرأة الكتابية أن احتلت الكتابة الجنسية موقعاً مهماً في متبنياتها السردية بعد أن كانت أحد المحرمات التي تلغيها الكتابة الأدبية والروائية ولفّك إشكالية الجنس في الرواية وجب فهم مصطلح الجنس في الرواية وتعميق قراءته إذ أن الخوض في مواضيع الجنس لم يكون خوضاً اعتباطياً بل كان له دلالات وإبعاد يحاول الروائي من خلالها إيصال رؤيته حول قضية ما، وهنا علي زيعور يرى الجنس في العملية الإبداعية لا يمكن حصره(في الأعضاء التناسلية للجسم عندها حدود الاغتصاب المحددة بفترة أو موسم أو عمر فالجسد الإنساني من هذه النواحي شديد التعقيد وهو كله مسرح الفعل الجنسي ")1) كثير من القراء من يختلط عليهم الأمر حول موضوع الجسد في الرواية ، لكن بما أن الجسد متعلق بالكائنات سواء ذكرا أو أنثى فهو إذن ذو دلالات و رمزية لصورة عميقة تتعدى الصورة السطحية ،ففكرة الجسد والجنس في الرواية تحمل صورا مشبعة بالمعاني المضمرة الانساق الثقافية فهي تمثل فكرة الأنا والآخر والمجتمع والسياسة والوطن والمستعمر وهي جملة من الرموز الفلسفية التي أحدثتها الثقافة المعاصرة بكل آلياتها لطرح قضايا إنسانية كقضية الاستعمار الذي مزق الأمم بالكشف عن المسكوت عنه فالاغتصاب والعشق والصراع واللذة كلها قضايا رمزية مضمونها عميق ولغتها هادفة والتي عرضت الجانب الجنسي في وصف فاضح وقدرة استثنائية عرت المشهد الروائي من كل منطقة محظورة ،تصف فوز حمزة مشهد الاغتصاب بصورة تحسب للسرد النسائي قوةً في الوصف وإمكانية ًعالية في تمردها على كل المحرمات والتي من شأنها كبت إبداعها ،إذ كتبت:
___________________________
1-اللاوعي الثقافي ولغة الجسد والتواصل غير اللفظي ،علي زيعور ،دار الطليعة العربية ،ط1 ،مج 1، 1991: 73

"بذراع واحدة ليرفعني قليلاً عن الأرض وأغلق بكفه الأخرى فمي . فرانك كان ضخم الجثة، فأحكم الامساك بي ،تلك اللحظة انتابتني مشاعر خوف ورعب، وكنت مستغربا من فرانك صديقي الذي أحبه لما يفعله معي ؟! حاولت إيهام نفسي أن ما يحصل الآن ما هي إلا مزحة من مزح فرانك الثقيلة. جاهدت للتخلص من قبضته ،أبعدت كفه عن فمي كي يتسنى لي طلب النجدة، لكني فشلت تماما وحينما تأكد من سيطرته علي تمامًا، مد يده السحاب البنطال وفتحه ثم أدخل كفه في سروالي الداخلي وبدأ يحرك في (000)، لم أعد أسمع شيئًا سوى لهاث فرانك وأنفاسه فوق رقبتي من الخلف وكلمات يتفوه بها لم أسمع بها من قبل ثم قال: اهدأ يا آدم ، سينتهي الأمر بسرعة. "(1)ففي عملية الاغتصاب التي تعرض لها ياسين العراقي الممسوخ لآدم الأمريكي ، إذ جعلت من ياسين هو الوطن المختصب ، ويمثل(الأنا)،إما فرانك فهو (الآخر) هو المستعمر أو المحتل أو الظالم ،إذ حمّلت مشهد الاغتصاب كل تلك القيم الرمزية التي حاولت أن توصلها الروائية أن توصلها في رسائل تخترق المقدس لتعميق وقعها في ذات القارئ ، المشهد السردي ينقل لنا العلاقة بين آدم وفرانك احدهما غربي والاخر عربي وهذه العلاقة تستبطن جانباً سياسياً من حيث علاقة الغرب مع الشرق وهيمنة فرانك على آدم ذهنياً وجسدياً ،إذ نقرأ: "في تلك اللحظات، فقدت قدرتي على الحركة تماما بعد ان فقدت قدرتي على فهم ما يحدث لي بد أ جسد فرانك يرتخي قليلاً، لكنه مع ذلك لم يفقد سيطرته علي بل أسقطني أرضاً ثم رفع مؤخرتي قليلاً عن الأرض بعد أن خلع بنطالي وسروالي الداخلي مباعدًا بين ساقي(000)مرت دقائق وفرانك على هذا الحال (000) في تلك اللحظة بلغ بي الألم حد عجزت عن تحمله والغريب أنني تمنيت لو أن غسان وعائدة يحضرا لينقذاني مما أنا فيه بدأت بالصراخ من شدة الألم، لكني كنت أعرف أن صراخي وبكائي لن يسمعه أحد"(2) لقد حولت الروائية في نصوصها تلك النظرة الضيقة حول العلاقة الجنسية بشتى أشكالها إلى رؤيا منفتحة على عوالم التأويل المختلف والبحث عن الحرية والتحرر ، " فالمثلية التي أسست على ضوئها حبكة روايتها تشكل - تابو - لا يجوز الاقتراب منه، ولا الحديث عنه، إلا بتقديم ما اتفق عليه الآخرون، الذين ينظرون للقضية من زاوية ضيقة واحدة لا جدوى من الخوض في تفاصيلها بالنسبة لهم،
______________________________
1-رياح خائنة:198
2- م0ن :198
والحقيقة أنها تشكل عالم الإنسان ،عالم مقموع اجتماعيا، وعالم مستلب إنسانيا وعقل مصادر عليه، حكم عليه ألا يفكر ألا يسأل، ألا يبحث عن حقيقته (...) ، إن قمع الجسد يمتح عناصره من سجل الذكورة بوصفها ايديولوجيا، وبالتالي فإن خصوصيات هذا الوضع تكمن في أن العالم المشيد سرديا داخل النص الروائي، لا ينزاح كثيرا عما تقدمه التجربة الواقعية بحكم انحيازها إلى منطق القوي هو المستفيد والذي رفضته رؤية الروائية إذ تؤكد رأيها بغطرسة فرانك ،إذ نقرأ "أرأيت، الأمر لم يستغرق سوى لحظات ،بقيت مستلقيًا على ظهري لنصف ساعة بكيت خلالها كما لم أبك من قبل تحسست مؤخرتي التي كانت تؤلمني بشدة والدم يسيل منها مع سائل لزج لم أفهم وقتها من أين أتى ،في ذلك النهار فقدت عذريتي على يد فرانك الذي هددني بعدها إن أنا تكلمت فأنه سيوسعني ضربًا ليس من قبله فحسب بل ومن قبل أفراد عصابته الذين لا يتوانون عن قتل أحد كما أوهمني بذلك، لذلك لم أخبر أحدا بذلك ولا حتى آناليز التي لاحظت أنني لم أكن على ما يرام" (1) إذ حمّلت فوز حمزة المشهد بقدرتها الكتابية والجرأة في الطرح ما يثبت أن للرواية النسائية دور في فسح المجال للكلمة الأدبية أن ترفع صوتها دون قيد أو شرط0




______________________________
1- رياح خائنة:199

2-المثلية الجنسية
أنتج خطاب التحرر النسوي مفاهيم جديدة طارئة قائمة على أساس الهوس الجنسي بدافع الاختلاف والتمايز والبحث عن هوية جديدة أن وصفها البعض بأنها لا تعدو أن تكون مجاراة للثقافات الغربية، فعلى الرغم من كون هذه الموضوعات نادرة في أدبنا العربي، ما خلا بعض النصوص السردية التاريخية، إلا أنها شكلت في الرواية النسوية أحد أهم الموضوعات الجاذبة وتكمن جاذبيتها في كونها تشكل خاطباً مؤدلجاً يمررن من خلاله نضالهن النسوي، فأضحى المشهد الروائي حافلاً بالعديد من الشخصيات المثلية ووجود مثل هذه الشخصيات والمشاهد من شأنه ان يربك القارئ العربي لسببين : الأول : لأن هذه الثيمة من الثيمات المسكوت عنها في مجتمعاتنا العربية مما أفقد القارئ متعة القراءة لعدم تقبله لها والسبب الثاني : فيكمن في أن هذه الثيمة قد تأتي وكأنها مقحمة إقحاماً في النص ولا سيما بأن أغلب الشخصيات التي تقوم بها هي شخصيات تتسم بالضعف والتهتك، وعلى الرغم من ذلك نجد بأن بعض التوظيفات تعكس حالة الصراع بين الغرب والشرق الا أنها كانت وما زالت من الثيمات التي تخرق المنظومة القيمية الثقافية والدينية ولا سيما انها " علاقات جنسية بين أفراد من الجنس نفسه، فهو ميل الرجل الى مثله والمرأة الى مثلها وهو ما يحرف المجتمع والطبيعة"(1)وتتضح ملامح كسر التابو المقدس في الرواية النسوية العربية من خلال تصوير مشاهد الشذوذ الجنسي لدى الشخصيات الرئيسة أو الثانوية في الرواية، تلك الشخصيات التي تتصف بالانحراف الذي قد يعود الى أسباب نفسية وأخرى اجتماعية ما أدى إلى انحراف إنسانيته عن مسارها الصحيح وضعف رجولته في مسايرة حياته الطبيعية بما يتفق مع الطبيعة البشرية إذ نجد آدم يعتاد على مسايرة فرانك إلى حد الموافقة والرضا ،
________________________

1--الجسد بين المتخيل السردي والنسق الثقافي ،د احمد العلواني، دار النابغة للنشر ،جامعة طنطنا ،ط1 ،2019 :74


إذ لوقرأنا هذا المشهد نجد : بعد مرور شهور طويلة على ممارسة الجنس مع فرانك، علمني خلالها كل شيء. كنت أفعل له كل ما يطلبه مني في جسده كما كان يفعل لي كل شيء حتى اعتدت الأمر وبدأت أجد فيه لذتي سيما أن فرانك كان يعاملني بلطف شديد حينما نكون معا ويحميني من أذى الفتيان الباقين عندما نكون في المدرسة"(1)
فضلت فوز حمزة أن تصرح برؤيتها إذ ملأت فضاءها الواعي واللاواعي من خلال رؤية تحررية تنظر من خلالها إلى ظاهرة المثلية كحق من الحقوق التي لا يحق لأحدٍ التدخل فيها أو نتيجة خلل جيني وهذا ما نستجليه بوضوح عن طريق حديث آدم مع الأم المتبنية آناليز فيخبرها قائلاً:
"نهضت من فوق السرير شاعرًا بأنني لست على ما يرام وأن حاجة ملحة تدفعني للحديث مع آناليز وإخبارها بقصتي مع فرانك وحينما فعلت، لم تزد على قول: لقد فات الأوان يا آدم، المهم أن تكون سعيد"(2)
لم يعد الجسد مجرد تابومقدس بل أن للجسد اسلوبه في التعبير عما يضج في داخله بصدق ولا كذب ولا يخفي ما به لأنه خارج العقل فترسم تفاصيله وتعبر عن مكنوناته وتوجه إستيهاماته فيأتي تصويرها للمشهد السردي مفصلاً كاشفاًعن رمزياته والمسكوت عنه مفصلا لرغباته وعلاقاته الحميمة بكل جرأة0
_________________________________
1-رواية رياح :200
2-م0ن :108



المبحث الثالث:- ¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬¬تابو السياسة أو المسكوت عنه السياسي
إن الحديث عن السياسة ليس بالأمر الجديد أو المستحدث وإنما هي حكاية قديمة قدم الحضارات والمماليك كما ان السياسة من أهم القضايا التي شغلت أذهان المفكرين والباحثين ردحا طويلا من الزمن ولا تزال تثير أقلام النقاد والروائيين، إلى أن اكتسحت الساحة الأدبية فلا يسلم من طوق السياسة شيء فكل فعل إنساني أصبح سياسة وكل نشاط إنساني أخذ بعدا سياسيا وكل قضية حياتية ومجتمعية تحتوي على مضامين سياسية واضحة أو غير واضحة حتى توسعت" حكاية السياسة إلى قضايا ما لا نهائية بعد أن ارتبطت كل القضايا بالسياسة وأخذت تعالج وكأنها قضايا سياسية وتدخل في المساومات والمقايضات من القوى المجتمعية ... لا توجد قضية مهما كانت عابرة وبعيدة عن المجال المباشر للسياسة إلا وقد تم تدوينها في سجل السياسة وتم تسييسها ،فالدين الذي هو شأن رباني وإنساني وشخصي تحول إلى شأن سياسي وزج به إلى ساحة السياسة ،لذا فأن كسر هذا التابو صارمن أبرز سمات السرد المعاصر ومن الجدير بالذكر أن غوص الكتابة النسائية في موضوعات كسر التابو السياسي وجرأتها في طرح كل ما تعلق من القضايا التي تصب في هذا الحقل إنما يدل على مدى وعيها واطلاعها ،وطرحها لها ينطلق عن رؤية خاصة بها على صعيد الإبداع الجريء ، وهنا يتجلى هذا الخرق في رياح خائنة ، إذ نقرأ :
"قال إيمانويل بشيء من الحماسة:
ما سيحدث لياسين في المستقبل من اختيارنا، فنحن من سيصنع منذ اللحظة الأولى التي سيغادر فيها صوفيا، تاريخ ياسين الجديد.
صمت غسان صمنا طويلاً ناظرًا للغيوم التي بدأت تتجمع في السماء لقد صعق من قول هذا الأميركي، تعجب كيف أنه اقتنع بما قاله
بسهولة، لكنه أراد أن يبدو غير ذلك، فقال:
لكن المستقبل يحمل دائما المفاجأت.
ضحك إيمانويل قائلاً:
نعم أيها الأب البايولوجي، لكنه سيكتب من هناك، من أميركا،
بحبر أبوه الجديد الذي هو أنا!."(1)
_________________
1-رواية رياح خائنة :146
. يتميز هذا المشهد الحواري بجملة من الرموز والدلالات السياسية المضمرة فالرواية جسدت آلام ومعاناة الشعوب إذ رسمت صورة حوارية هادفة صورت واقع الصراعات الفكرية والثقافية التي هيمنت على مقدرات الشعوب المتمثلة بشخصية آدم الذي أنتُزع من جذوره العربية واصبح مشروعا للأدلجة الغربية في مشهد كسرت فيه فوز حمزة تابو تخلي الشعوب عن إرادتها وثرواتها أمام سطوة الرأسمالية الغربية ويتجلى هذا واضحا في قبول غسان وهو الشخصية الشيوعية التي تركت بلدها لتمسّكها بمبادئها الاشتراكية تسقط في شباك المال وقسوة ظروف الهجرة في بلغاريا لتبيع أغلى ما تملك إلى رمز الرأسمالية المتمثلة بشخصية مانويل إذ نقرأ" لم يجد غسان صعوبة في إقناع عائدة بموضوع الهرب من العراق بعد أن علمت منه بأنه كان شيوعيًا. وبالرغم من أنها بعيدة عن عالم السياسة، لكنها تعلم أن هذه الكلمة تعني أن صاحبها عدو للحكومة ،في البداية ظن أنها سترفض تماما وتخيره بين العودة إلى بغداد أو الطلاق، لكن عائدة تفهمت قول غسان عندما بين لها أن العودة الآن، تعني الموت أو الاعتقال، فالكثير من رفاقه لم يسمع عنهم شيئًا منذ أن ألقى رجال الأمن القبض عليهم ومن هؤلاء، صديق طفولته وصباه جمال توفيق، كان الألم يعتصر قلب غسان وهو يذكر لعائدة كيف أن والدة جمال ماتت كمدًا من حزنها عليه" (1)
إذ يشي المشهد بجرأة واضحة وبأدق التفاصيل الجريئة الكيفية في وصف إنهيار المنظومة القيمية أمام جبروت وسطوة الرأسمالية في مجتمع سيطرة عليه ايديولوجيا و ثقافيا فُسحقت كل المبادئ التي آمن بها غسان إذ نقرأ
_________________
1-رواية رياح خائنة :132



"حدد المحامي وائل اللقاء بين إيمانويل وغسان عصر الخميس، أي بعد يومين من المحادثة التي تمت بين إيمانويل ومحاميه في الفندق بشأن المبلغ الذي طلبه غسان، اعتقد وائل أن إيمانويل سيختار مكتبه لإتمام الصفقة وتسليم المال إلى غسان كان الإيمانويل رأي آخر تفاجئ به المحامي حينما طلب السيد جونز أن يتم اللقاء في الحديقة الصغيرة التي تقع خلف الجامع التركي المطل على شارع ماريا لويزا، دهشة وائل كانت عظيمة، فكيف تسنى لهذا الأمريكي أن يحفظ بهذه السرعة الأماكن وما حولها، لكن السؤال الذي شغل وائل هو لماذا هذه الحديقة بالتحديد؟ الأميركي لم يترك محاميه الذكي محتارا فترة طويلة، فقال ومكر واضح في صوته: الأماكن الصغيرة توحي بالدفء والحميمية.
لقد فهمت، قال المحامي كي لا يبدو بمظهر الأبله وفي حقيقة الأمر ن شعوراً بالغباء قد تجذر بداخله لأنه لم يجد تفسيرًا مقنعا لما قاله انويل"(1)
‏ تتضح ملامح كسر التابو المقدس في رؤية نسوية من خلال تصوير مشاهد انتحار المبادئ وتنحيها جانبا سوداويا عن طريق تنازل الإنسان عن مبادئه وانحداره أمام واجب الأبوه وواجب الولاء للوطن أمام إغراءات مالية مزيفة هذا الأمر الذي رفضت الروايات التقليدية القديمة على البوح به واعتبرته من التابوت المقدسة0

________________
1-رواية رياح خائنة :143




نتائج البحث
1-تعددت صور التابو وصور كسره فهناك التابو ( الديني والتابو الاجتماعي والتابو السياسي ) وغيرها .
٢ لم تكن عملية كسر التابو مرتبطة بالفكر فقط بل هي عملية شاملة تمازجت فيها الأفكار مع الممارسات ،فقد تنوعت دوافع كسر التابو ما بين ثورة على التقاليد القديمة وما بين محاولة للتجديد في مواجهة للمحافظة والنمطية إذ كان التابو يمثل مجموعة التقاليد والأعراف التي تحتاج الى من ينقدها بشكل مباشر أو غير مباشر . 3- ارتبطت عملية كسر التابو في كثير من الأحيان بتحرير عقل الإنسان ووعيه في مواجهة الانغلاق الفكري.
4- كانت عملية كسر التابو عملية صعبة ومعقدة دفعت الكثير ممن تبناها وقام بها إلى أن يكون تحت تأثير ردّات الفعل المعاكسة .
5-ارتبطت اغلب النصوص السردية التي تناولت عملية كسر التابو بفكر وفلسفة كتاب أرادوا توجيه رسائل للجمهور بواسطة أعمال روائية تسلط الضوء على الكثير من التابوات الموجودة في الحياة وكيفية نقدها0


‏






المصادر:-
1- الثابت والمتحول ،ادونيس،ج1 الأصول، دار الساقي ، ط7 ،بيروت لبنان1991
2- الجسد بين المتخيل السردي والنسق الثقافي ،د احمد العلواني، دار النابغة للنشر ،جامعة طنطنا ،ط1 ،2019
3- خطاب الحداثة في الرواية المغاربية ،عبد الوهاب بو شليحة ،نادي الاحساء الأدبي ، ط1 ،2011
4- الذات في السرد الروائي ، قراءة في 40 رواية محمد برادة ، دار الأمان، ط 1 ، الرباط، 2014
5- رواية رياح خائنة ،فوز حمزة ،مطبعة الرفاه ،دار الصحيفة العربية ،ط1،العراق بغداد ،2024
6- سردية التجريب وحداثة السردية العربية الجزائرية ،المطبعة العربية للطباعة والنشر،ط١،تونس،٢٠٠٥
7- اللاوعي الثقافي ولغة الجسد والتواصل غير اللفظي في الذات العربية، علي زيعور ،دار الطليعة ،ط1 ، 1991
8- -نقد الخطاب الديني ،نصر حامد ابو زيد، المركز الثقافي العربي ،ط1, الدار البيضاء المغرب، 2014
9- -نقد وحشي ، ابراهيم محمود ،دار الحوراء ، دمشق ،ط1، 2005



#فوز_حمزة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حوار جميلة بندر لصالح مجلة أزهار الحرف مع فوز حمزة
- حوار الشاعر محمود فهمي مع الكاتبة فوز حمزة
- قراءة في المجموعة القصصية «صباح كهرماني» للقاصة فوز حمزة بقل ...
- واقعية المكان في رواية ( رياح خائنة) للروائية فوز حمزة أ.د م ...
- ندم مؤجل
- أنا ويومي
- مصر والعراق .. شجون وحوار النيل والرافدين .. حوار الأستاذ عط ...
- الأثنين المقدس
- مَلِكَةُ الجِبالِ: حين تستعيد القصيدة صولجانَها من الطبيعة م ...
- تفكيك--الأنا-- والاغتراب التكنولوجي في (كذبة أنقذت المساء) ل ...
- من عتبة الرحيل إلى وعد الفجر: قراءة نقدية في قصة «رحيل» للرو ...
- رياح صوفيا تخون بغداد اسماعيل ابراهيم عبد
- عبورٌ من شرفة المترو.. إلى مَرَافِئِ الضَّوْء... عيسى أحمدين ...
- أمنيات غير مسبوقة
- حين يخطئ الإلهام موعده
- حين كانت أم كلثوم شاهدةً على الحكاية
- ꧁ عَرِيُ العَزَاءِ وَسُلْطَةُ الوَهْمِ꧂ قِرَاء ...
- الدراسة النقدية للناقد علي سلطان لقصة ( حين يحضرون ) للكاتبة ...
- - في العمق - حوار شفاف بين الأديبة العراقية فوز حمزة والناقد ...
- منطقة محظورة


المزيد.....




- مكتبات بريطانية تتخبط بعد سحب روايات سالي روني المؤيدة لحركة ...
- المراهقة المتأخرة… حين تختار النخب أن تنحدر إلى عالم التفاهة ...
- جدل حول زيارة رئيس المخابرات المصرية السابق لإسرائيل قبل 7 أ ...
- الموسيقى متنفس أطفال غزة
- بعد مشاركته في احتجاج.. الهند تطلب من الممثل عمران خان مغادر ...
- -شوغر دادي- و-أنا مش عارفني- تفتتحان عروض موسم الرياض المسرح ...
- أربعة أفلام في شهر واحد.. البيتلز تراهن على عودة الجمهور للس ...
- «العزم» يعلن مرشحيه لوزارتي التخطيط والثقافة
- زيندايا تنضم لفيلم خيال علمي جديد من إخراج أليكس غارلاند
- ما علاقة موضة الكشكش بالشر؟ ممثلة بريطانية تحوّل أزياءها إلى ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فوز حمزة - التابو وكسر التابو في رواية رياح خائنة للكاتبة فوز حمزة إشراف أ0د احمد حيال جهاد إعداد آلاء عبد الأمير كاظم