أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - المادة (56) والمجاز المرسل: عندما يُصنّف الشارعُ القانونَ مجازيا














المزيد.....

المادة (56) والمجاز المرسل: عندما يُصنّف الشارعُ القانونَ مجازيا


كاظم حسن سعيد
اديب وصحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 09:10
المحور: الادب والفن
    


​تتحدد الدلالة اللغوية لـ «المجاز المرسل» من معناه المصدري؛ فالإرسالُ هو الإطلاق والتحلّل من القيد. وسُمّي هذا المجازُ مرسلاً لأنه لم يُقَيَّد بعلاقةٍ واحدةٍ محددةٍ وثابتة—كعلاقة المشابهة التي تقوم عليها الاستعارة—بل جاء مُرْسَلاً ومُطلقاً في علاقاتٍ شتى، ‏( كالجزئية، والكلية، والحاليّة، والمجاورة، والسببية، والمُلابَسَة‏).
وقد أصّلّ هذا الاصطلاحَ البلاغيَّ الفذَّ الإمامُ أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت 255 هـ)، ثم تتابعت عليه أقلامُ العلماء كعبد القاهر الجرجاني والزمخشري، وصولاً إلى تدقيقات السيوطي والخطيب القزويني في مطولاتهم البلاغية.

​يمتلك الخيالُ الجمعي للشارع العراقي حساً بلاغياً فطرياً وقدرةً لافتة على توليد "المجازات الساخرة"؛ حيث يُعيد صياغة النصوص المدوّنة ليُسقطها على الممارسة اليومية. ومن أسطع الأمثلة على هذا الانزياح الدلالي من جفاف المحاكم إلى حيوية الشارع، شيوعُ تعبير: «فلان 56».

​لقد تحول هذا الرقم التشريعي المخصص لجرائم النصب والاحتيال إلى شيفرة لسانية موجزة ومفهومة؛ بمجرد أن يهمس أحدهم محذراً رفيقه: «انتبه من فلان.. ترى هذا 56»، يدرك المخاطَب فوراً أن الشخص موصوفٌ بالمراوغة ودهاء الخداع، دون حاجة إلى أي استطالة في الشرح.

​من الناحية البلاغية الدقيقة، لا يرتكز هذا التعبير على الاستعارة لانتفاء المشابهة بين الشخص والرقم التشريعي، وإنما ينضوي تحت «المجاز المرسل» بعلاقة (المُلابَسَة) أو (التلازم)؛ حيث يُطلق رقمُ المادة القانونية المُحدِّدة للعقوبة، ويُراد به الشَّخصُ الموصوفُ بها والمتلبِّسُ بجرائمها، في انزياحٍ يختزل الصفة والموصوف بختم رسمي ساخر.

​ولم تكن المادة (56) بدعاً في هذا التوظيف؛ فالذاكرة العراقية تزخر بمواد قانونية وعسكرية تحولت مفرداتها إلى مجازات مرسلة ارتبطت بشرائط تاريخية واجتماعية محددة:
​ففي عقدي الثمانينيات والتسعينيات، وانتشار الضغوط النفسية للحروب والحصار، شاع استخدام المادة (111 عقوبات)—الخاصة بامتناع المسؤولية الجزائية عن العاهات العقلية—مجازاً بعلاقة المجاورة وصفاً للتصرفات الطائشة أو الشاردة: (هذا تُطبّق عليه 111).

​وفي السبعينيات والثمانينيات، تردد اسم المادة (406 عقوبات) المتصلة بالقتل العمد مجازاً مرسلاً على ألسنة المتخاصمين في الأسواق للتعبير عن التهديد الشديد: (ترى أوديك بـ 406).
​ومع التحولات السياسية بعد عام 2003، فرضت المادة (136/ب أصول محاكمات) حضورها (بين 2003–2011) للتعبير عن الحصانة والغطاء الفاسد للمسؤولين، مثلما غدت المادة (4 إرهاب) (بين 2006–2017) مجازاً يرمز للتورط الكبير أو التهويل بين الممازحين.
​غير أننا نلحظ أن تلك المجازات المرسلة الأُخرى قد خَفّ استعمالها أو انزوت بزوال دواعيها وظروفها الزمنية، في حين بقيت المادة (56) متصدرةً ألسنة الشارع العراقي بكل حيوية؛ ويُعزى هذا الشيوعُ والخلودُ اللساني الاستثنائي إلى سهولة حفظ هذا الرقم وجرس إيقاعه الموسيقي الخفيف على الألسن، فضلاً عن كونه يعكس بامتياز أشدَّ الظواهر انتشاراً وتماساً مع الواقع اليومي في المرحلة الراهنة—وهي ظاهرة (الاحتيال) والمراوغة—لتظلَّ المادةُ شاهدةً حيةً على قدرة اللسان الشعبي على اقتطاع النص القانوني وتخليده في باب المجاز.

الصياد
ايلول ٢٠٢٦



#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- د. تمام حسان والثورة الصرفية في ‏(اللغة العربية: معناها ومبن ...
- الباب ج٢ ...قصيدة
- الباب ...قصيدة ج١
- تخدير الضجر ..قصيدة
- المقبرة : عظام تطحن واسرار ابدية السر
- حجم ولون وحركة الصدور في التراث العربي
- الخصيان وعملية صنعهم: بحث معمق للجاحظ وشولتز
- ( مقابلة اخرى مع البريكان في الكويت
- جمال وعيوب القافية
- مراقبة...قصيدة
- الفعلان (طَقَّ) و(طَگ) عراقياً وتطورهما المجازي
- اضاءة على النص التراثي ...كتاب كامل
- أصناف النظرات في التراث العربي
- طرديات أبي نواس
- من السحر إلى الضبط: التشريع ملاذاً من الجفاف الأدبي بالفترة ...
- سيكولوجية رفض العشيقات للشعراء: ولّادة بنت المستكفي أنموذجاً
- الوشاء في كتابه الموشى يصف جمال الفارسيات
- قصة الشاعر الحلي وأبيات أبي الشيص
- أشهر شاعرتين من الخوارج: قراءة في سيكولوجية الدم والجمال
- الذكاء الاصطناعي يطيح برواية «كان ذلك أو الموت» من قائمة جائ ...


المزيد.....




- دراسة صينية: موسيقى البيانو الهادئة تعالج التوتر أسرع من أصو ...
- مهرجان الجونة يفتتح دورته التاسعة بحفل استثنائي يحتفي بسحر ا ...
- تيك توك تغلق حساب فيلم وثائقي عن ماسك قبل عرضه
- بعد تضامنها مع روائية إيرلندية.. الشرطة البريطانية تحسم موقف ...
- حوار | سلوى السنيورة بعاصيري: العلاقات الثقافية بين مصر ولبن ...
- باتمان وتشاكي.. روح جيل -زد- ورموز فكاهية وأخرى من الثقافة ا ...
- -أدين باللغة لجدتي-.. الروائي الجزائري واسيني الأعرج يفتح دف ...
- من مفاتيح البيوت إلى هاتف أبي عمار.. متحف يحفظ تفاصيل فلسطين ...
- بعد سنوات من الغياب.. عادل إمام يعود إلى الواجهة بفيلم يوثق ...
- فنان سعودي يعلق على تضامن مصر مع المملكة برسالة مؤثرة


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - المادة (56) والمجاز المرسل: عندما يُصنّف الشارعُ القانونَ مجازيا